متابعات تحليلية

محاسبة الشرطة: الضرورة المجتمعية والمكاسب المتوقعة

رابحة سيف علام 26-8-2015
طباعة
26/8/2015 عندما ينتشر مقطع فيديو يُسئ فيه أفراد الشرطة الي أحد المواطنين تنطلق الأسئلة بالآلاف ودون أن تجد إجابات حاسمة، هل هي حقا واقعة انتهاك أم انها محاولة للوقيعة بين الشرطة والشعب؟ هل هي حالة خاصة أم أنها ظاهرة عامة ومتكررة؟ هل هي خطأ فردي أم سياسة ممنهجة؟ والحقيقة أن فحوى هذه الأسئلة تعتبر في غاية السذاجة وإن كانت حسنة النية، إذ من غير المتوقع أن تعمل مؤسسة بحجم وانتشار وقوة تأثير الشرطة دون أخطاء، ببساطة لأن القائمين عليها من البشر، وأن الطبيعة البشرية تميل بالضرورة للخطأ والانحراف، خاصة إذا اقترنت بسلطة كبيرة وغابت عنها الرقابة الدائمة.

ولكن هناك عدد من الوسائل الأخرى التي يمكن أن يؤدي اتباعها الي زيادة الثقة في أداء مؤسسة الشرطة دون الهلع من الكشف عن حالات الانتهاك وكأنها فخ حيك خصيصا للنيل من هيبة وسمعة الشرطة. ولكن قبل طرح هذه الوسائل، يجب أن نسأل لماذا يجب أصلا أن تتم مواجهة انتهاك الشرطة لكرامة المواطنين بمنتهى الحزم.

بادىء ذي بدء لأن الشرطة منوط بها تطبيق القانون بكافة مستوياته، وبالتالي فالمنتظر منها بكل تأكيد هو تطبيقه وليس انتهاكه.

ولأن الشرطة طبقا للمادة 206 من الدستور توفر للمواطنين الأمن والطمأنينة وذلك عبر احترام حقوق الانسان وحرياته الأساسية.

ولأن الشرطة يجب أن تطبق القانون، فلا يمكن الدفع بأنها تسعى لتطبيق القانون عبر خرق المبادئ العليا المتضمنة بالدستور والتي تضمن الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.

ولأنه وفقا للمادة 55 من الدستور فإن كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحيًا، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة.

ومخالفة شيء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقا للقانون.

وأيضا لأن المادة 99 تنص على أن كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وللمضرور إقامة الدعوى الجنائية بالطريق المباشر.

وبالتالي فإن التعدي على الحقوق الاساسية للمواطنين هو بحد ذاته جريمة يجب إبلاغ الشرطة بشأنها وليس التعمية علي تفاصيلها او إنكار حدوثها.

ومن هنا فإن مواجهة أي تعدي على الحقوق والحريات العامة يعد من الوجبات الهامة والمهام الأساسية التي تقع على عاتق الشرطة.

ولكن نظرا للظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد فإن هذه المهام لا تتوارى ولا تنزل الي مرتبة أقل بل تكتسب أهمية خاصة ويصبح تطبيقها بحزم أمرا حتميا.

ففي ظل وقوع عمليات عنف واسعة وإرهاب يصبح من الضروري أن تتمسك الدولة بإعمال الآليات القانونية لتعطي لها مصداقية أكبر.

فعندما يتجه بعض الخارجين عن القانون الي العنف لتحقيق أغراضهم المشبوهة لابد أن تتخذ الدولة القانون طريقا وحيدا لتحقيق اهدافها.

ومن ثم فعندما يريد الإرهابيون تعميم العنف للترويج لفكرهم واجتذاب مناصرين جدد، لابد أن تتمسك الدولة بالمبادئ الدستورية وتتخذ نصوص القانون وسيلة وحيدة لمقارعة عنفهم بالقانون.

فهؤلاء يدعون الي الفوضى فيما لابد أن تدعوا مؤسسات الدولة الي سيادة القانون.

وهنا يكمن الفارق الأساسي وإلا تحول المشهد من سياسة محكمة لمكافحة الإرهاب الي حرب فوضوية بين فريقين متساويين، ولذا فدون احترام حقوق الانسان تفقد الدولة سمو غايتها.

والي جانب هذه المقولات النظرية، تبقى الحقيقة الواقعية، وهي أن هذه الانتهاكات التي تحدث تعد مادة خصبة بيد الإرهابيين لاستغلالها في التجنيد واجتذاب المناصرين تحت شعار الثأر.

ومن هنا فالدولة لابد أن تكون هي الأحرص على محاسبة من ينتهك القانون والحقوق الاساسية من العاملين بمؤسساتها كي تفوت الفرصة على من يريد المتاجرة بهذه الوقائع لاقناع بعض الشباب بجدوى مواجهة الدولة بالعنف والإرهاب.

ولذا فمبدأ محاسبة المخطئين من بين العاملين بالشرطة هو الرد الأقوى على دعاية المنظمات الإرهابية التي تدعي الأخلاقية وتتاجر بالقصاص. ومن جهة ثانية، فإن هذه الانتهاكات التي يرتبكبها بعض العاملين بالشرطة تسئ بشكل غير مسبوق الي كافة التضحيات التي يقدمها أبناء هذه المؤسسة في سبيل حماية أمن الوطن.

فلا يصح أن يبذل ابناء الشرطة أرواحهم فداء للواجب وأمن البلد، ثم يأتي بعض المنفلتين لتشويه هذه الصورة.

فالذكرى الرائعة التي يتركها شهداء الشرطة لن تصمد طويلا أمام التشويه الذي يرتكبه المنفلتون من ابناء الشرطة.

فالعملة الرديئة للأسف تطرد العملة الجيدة.

وهنا لا يمكن الدفع بأن مؤسسة الشرطة كأي مؤسسة أخرى بها الجيد والسيئ، فهذا لا يكفي، بل يجب القول بأن مؤسسة الشرطة مؤسسسة تراتبية هرمية يخضع فيها أبناء الرتبة الأقل الي الرتب الأعلى ومن ثم يجب أن يتم اتخاذ الاجراءات والضوابط اللازمة من أعلى لأسفل لمنع تكرار هذه الانتهاكات.

وهكذا لا يخضع سلوك المؤسسة لأهواء الأشخاص وطبائعهم الفردية، بل للاجراءت المتبعة والأوامر الصادرة وهو ما يمكن التحكم به بسهولة لضبط أداء المؤسسة ككل.

ولذا أيضا لا يمكن الدفع بأن السبب في هذه الانتهاكات هو جهل المواطن أو الغوغائية التي قد تسود في بعض أوساط الشارع.

بل ما يمكن قوله في هذا الصدد هو أن الشرطة مؤسسة من نسيج الشعب المصري، وأبنائها يتم اختيارهم من بين صفوفه ولذا ينطبق عليها ما ينطبق عليه، وتزيد على ذلك بأنها مؤسسة نظامية تخضع لنظم وآليات واضحة لتوجيه سلوك العاملين بها.

ولذا فهي المنوط بها العمل لرفع مستوى ثقة المواطن بها وليس العكس، فالشرطة بكافة أفرادها وضباطها وموظفيها قد تصل الي مليون ونصف بينما الشعب يصل تعداده الي 90 مليون ويزيد.

ومن ثم فالأسهل والأقرب للمنطق هو البدء بتوجيه سلوك المليون ونصف العاملين بتقديم خدمة الأمن بالشرطة وليس التسعين مليون مواطن المستقبلين لخدمة الأمن من الشرطة. ولكن الأخطر في مسألة إهمال محاسبة منتهكي الحقوق من الشرطة هو ضعف الثقة العامة في أداء الشرطة وإحجام المواطنين على الإبلاغ عن الجرائم العادية خوفا من التعامل مع الشرطة أو الوقوع تحت سلطتها المباشرة.

وفي ذلك ضرر كبير لدور الشرطة وواجبها في المجتمع، وخاصة في ظل الظروف التي تواجه فيها الإرهاب.

فأقوى الأنظمة الشرطية حول العالم لن تستطيع بمفردها أن تواجه ظاهرة الإرهاب، إلا إذا تلقت العون من المواطنين والمجتمع الذي تخدمه.

وبالتالي فهي تحتاج الي علاقة قوية من الثقة المتبادلة مع الجمهور من أجل مكافحة أشمل للإرهاب.

ولا يمكن أن يتأتي ذلك إذا كانت ثقة المواطن بالشرطة ضعيفة.

ولن يقدم المواطن على الوثوق بالشرطة إلا إذا تأكد أنه هو مركز اهتمام الشرطة، وبأن الشرطة تسعى لحمايته هو باعتباره المكون الأساسي لكيان الدولة.

ومن ثم فالانتقال من مفهوم الأمن كأمن الدولة الي الأمن كأمن المكون الاساسي للدولة أي الانسان المواطن، يعتبر الفيصل الاساسي في هذا الصدد.

ومن هنا يصبح مفهوم الأمن الانساني هو مناط التطوير المطلوب.

ومن هذا المنطلق نصبح بحاجة الي إجراءات أشمل لمحاسبة من يثبت ارتكابه لأي انتهاك لحقوق المواطنين من جانب أفراد الشرطة.

فإدارة الرقابة والتفتيش بوزارة الداخلية هي المسئولة عن هذه الاجراءات، وهي مطالبة بالإفصاح الدوري عن بعض الحالات التي تتناولها بالمحاسبة والعقاب، لتضفي مصداقية أكبر على دورها.

ولذا فمن ضمن النشرات الأمنية التي تعمم على الإعلام، يجب أن نرى بعض الإحصاءات عن عدد أفراد وضباط الشرطة الذين تمت محاسبتهم سواء إدرايا أو تم تحويلهم للقضاء.

وقد يدفع البعض بأن لا شئ يلزم وزارة الداخلية بالإفصاح عن هذه الأرقام، وهذا قد يبدو صائبا، ولكن الأهم من الإلزام هو النتائج المترتبة على هذا الإفصاح وإن كان طوعيا.

فمن شأن هذا الإفصاح أن يفصل تماما بين منتهكي القانون وبين حماة القانون من العاملين بالشرطة ومن ثم يدرك المواطنون أي الفريقين يُشكل القاعدة وأيهما يمثل الاستثناء.

من جهة ثانية من شأن ذلك أن يُفوت الفرصة على من يريد استغلال هذه الوقائع للحشد من أجل مواجهة الدولة بالعنف، ويؤكد بأن الدولة تستطيع أن تواجه هذه الانحرافات ضمن أنظمتها وآلياتها القانونية لتصحيح المسار أولا بأول.

والأهم من ذلك أن الإفصاح الدوري عن هذه الانتهاكات ومحاسبة أصحابها يؤدي بشكل تراكمي الي دراسة أبعاد كل قضية للبحث في أسباب تكرارها واقتراح تعديلات مناسبة سواء في اللوائح الداخلية أو القوانين المنظمة التي تمنع وقوعها مرة أخرى.

وهنا يجب أن تدخل إدارة الرقابة والتفتيش في شراكة حقيقية مع المنظمات الحقوقية الجادة وعلى رأسها المجلس القومي لحقوق الانسان من أجل بحث سبل ووسائل منع تكرار هذه الانتهاكات.

فمجلس حقوق الانسان يملك بموجب المادة 99 من الدستور إبلاغ النيابة العامة عن أي انتهاك لهذه الحقوق، وله أن يتدخل في الدعوي المدنية منضمًا إلي المضرور بناء علي طلبه، وذلك كله على الوجه المبين بالقانون.

فهذه الشراكة يجب أن تكون النواة لشراكة أكبر تضم عدة جهات مهتمة بحماية حقوق المواطنين وعلى رأسها مجلس النواب بلجانه المختلفة، حال تمام انتخابه. وعطفا على ذلك، فإن تكرار وقائع المحاسبة الجادة مع حدوث كل واقعة انتهاك من شأنه أن يـُرسي قاعدة صلبة تـُفيد بأن لا تغطية على مخطئ ولا حماية لمنتهك للقانون، مما يشكل رادعا قويا لكل المنفلتين الذين لا يلقون بالا للقانون والحقوق والحريات الأساسية للمواطنين ولا لشرف المهنة السامية التي يؤدونها.
طباعة