متابعات تحليلية

هل تمر العلاقات المصرية السعودية بأزمة؟

كرم سعيد 10-8-2015
طباعة
10/08/2015 الهدوء الحذر كان هو العنوان الأبرز للعلاقة بين القاهرة والرياض بعد الإطاحة بالرئيس مبارك ووصول جماعة الإخوان إلى السلطة في العام 2012. ومع رحيل "الإخوان" عن السلطة بعد تظاهرات شعبية شهدتها مصر في 30 يونيو وتعيين سلطة انتقالية، أصبح التواصل والتشاور عناوين بارزة في العلاقات المصرية السعودية، ووصلت العلاقة إلى الذروة، حيث قدمت الرياض زمن الملك عبد الله دعما غير مسبوق لإدارة المستشار عدلى منصور ومن ورائه الرئيس السيسي، تمثل في دعم فوري بلغ نحو 5 مليارات دولار من المساعدات التي تهدف إلى دعم الاقتصاد المصري المتعثّر، وجزء من قيمة تلك المساعدات جاء في شكل منح نقدية لا ترد وأخرى عينية في شكل مشتقات النفط والغاز، علاوة على سلسلة من المشاريع المشتركة. دعم سعودي متعدد الوجوه سعت الرياض منذ اندلاع موجات الربيع العربي إلى تهدئة رؤى التغيير العنيفة وكبح جماحها، والبحث عن دور إقليمي وسط تغير قواعد اللعبة ونفاذ إيران للصدارة، خصوصا أنها تملك أدوات صنع الصراع الرئيسية، وهي القوة البشرية والجغرافية فضلا عن التقنية العسكرية.

واستغلت إيران حالة السيولة السياسية وتفكيك نمط السلطوية في دول المنطقة للتدخل بشكل مباشر أو من وراء ستار لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية وفقاً لطموحاتها، وبدا ذلك جليا في قطاع معتبر من دول المنطقة، وبخاصة سوريا ولبنان. في هذا السياق العام حرص قطاع واسع من الدول الخليجية، وفي الصدارة منها السعودية على دعم القاهرة في تجاوز أزمتها المالية.

وبفضل المساعدات السعودية وصل الاقتصاد إلى حدود آمنة، حيث زاد الاحتياطي النقدي الأجنبي من 14.9 مليار دولار في نهاية يونيو 2013 إلى 17.1 مليار دولار في نهاية يناير 2014، كما منعت حزمة المساعدات الخليجية هبوط العملة المحلية مقابل الدولار بشكل كبير، وساهمت بالتالي في السيطرة على عجز ميزان المدفوعات؛ كون مصر تستورد أكثر من نصف احتياجاتها السلعية.

وبلغت المساعدات المالية للقاهرة من السعودية، نحو 12 مليار دولار خلال السنوات الأربع الأخيرة تشمل مزيج من المنح والقروض والودائع المساندة بخلاف المنتجات النفطية.

كما قدمت السعودية مساعدات عينية تمثلت في تأمين ألف طن متري من غاز البترول المسال، لمواجهة أزمة الطاقة في مصر، ووقعت في نوفمبر الماضي ثلاث اتفاقيات ثنائية جديدة بقيمة إجمالية تبلغ 350 مليون دولار، لتمويل مشروعي محطتين لتوليد الكهرباء وتمويل الصادرات السعودية لمصر، في خطوة تستهدف حل أزمة الكهرباء التي تفاقمت خلال السنوات الماضية. القاهرة والرياض: ملامح خلاف تردد أن هناك خلافا بين القاهرة والرياض يدور في الغرف المغلقة ودوائر صنع القرار ثم ظهر هذا الخلاف إلى العلن في الأسابيع القليلة الماضية، بعد الهجوم الحذر من وسائل إعلام مصرية على السياسات السعودية وتبدلها بعد وفاة الملك عبد الله.

وبلغ التوتر الذروة مع التصريحات التي أدلى بها الكاتب محمد حسنين هيكل لصحيفة "السفير" اللبنانية, والتي هاجم فيها السعودية, وأعقبها أيضا انتقادات للمملكة في وسائل إعلام مصرية محسوبة على الدولة, وهو ما رد عليه كتاب سعوديون بوصف ما يحدث في مصر بـ"الانقلاب". وفي 29 يوليو, وقبل يوم من زيارة الأمير محمد بن سلمان للقاهرة, شن الإعلامي المصري ابراهيم عيسى مجددا هجوما على السعودية، متهمًا إياها "بتمويل تنظيم داعش الإرهابي، والسلفيين، الذين حولوا مصر المتنورة لصحراء ثقافية"، حسب تعبيره.

ولم يكن هذا الهجوم أو التوتر هو الأول من نوعه، فقد ظهر الشقاق مع تظاهرات مجموعة تُدعى "البديل الثوري" في 23 أبريل الماضي أمام نقابة الصحفيين والسفارة السعودية احتجاجاً على ما اعتبروه تدخلا سعودياً في اليمن. وساهمت وسائل الإعلام، وبخاصة الإيرانية التي حرصت على التشكيك في العلاقة بين البلدين نوعاً من الحذر بين القاهرة والرياض التي تسعى إلى تجاوز الخلافات مع محيطها الإقليمي، وتصفير المشاكل مع قوى الإسلام السنُي وتفريعاته لمواجهة الخطر الأكبر الممثل في إيران التي تعتبر الخليج العربي بحيرة فارسية بامتياز وقد حان وقت السيطرة عليها. الأسئلة الحائرة بين القاهرة والرياض ثمة أسئلة حائرة في العلاقة بين القاهرة والرياض منذ تولى الملك سلمان مقاليد الحكم والتغير النوعي في السياسة الخارجية للمملكة، خاصة بعد أن بادرت دوائر سياسية ومصادر إعلامية إقليمية ومحلية لتبنى وجهة نظر تكشف عن تغييراً في استراتيجية الحركة السياسية السعودية الإقليمية، وتغير في توجهاتها حيال القاهرة. ثم كان ما أفرزه الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى (5 + 1)، والذي نص على تجميد البرنامج النووي الإيراني لعشرة أعوام مقابل رفع عقوبات مالية عن طهران تدر مئات المليارات من الدولارات.

كما قضى الاتفاق الذي تم تمريره بعد تصويت مجلس الأمن عليه في 20 يوليو الجاري على أنه في حال احترام إيران لنصه الحرفي فإن الأمم المتحدة ستلغي بشكل تدريجي جميع العقوبات التي فرضتها عليها منذ عام 2006. والأرجح أن هذا الاتفاق أثار قلق الدول الخليجية، وبخاصة السعودية، إذ ترى أن الاتفاق يسمح لطهران بدور إقليمي أوسع في المنطقة، ربما تجلت ملامحه في تمدد النفوذ الشيعي الإيراني، وتهديده المباشر لأمن الخليج، حيث تمتد أصابع إيران اليوم في العراق ولبنان واليمن وسوريا ناهيك عن دور من وراء ستار في تأجيج الاحتقانات الطائفية في البحرين. على صعيد ذي شأن ألقى الاتفاق بظلاله على طبيعة المشهد الإقليمي، ويرى البعض أنه يعيد رسم خارطة التوازنات في المنطقة لمصلحة طهران، الأمر الذي ينال من الدور السعودي في المنطقة. في هذا السياق العام تسعى الرياض اليوم إلى تشكيل تحالف سُني واسع لمواجهة أطماع إيرانية لتفتيت المنطقة بما يكرس هيمنتها العسكرية والسياسية، فضلا عن سعي هذا التحالف لاحتواء تحديات إقليمية أفرزتها السيولة السياسية التي تعانيها دول الربيع العربي، ولها انعكاساتها المباشرة والآنية على الخليج. والأرجح أن ثمة متغيرات كشفت عن حدوث تباينات في السياسة الخارجية السعودية منها استقبال السعودية في 17 يوليو الماضي ولأول مرة منذ نحو ثلاثة أعوام خالد مشعل وبعض أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس.

وكانت العلاقات قد توترت العلاقات بين حماس وإيران منذ عام 2011 مع وضوح تقاربها مع الرياض ودعمها لخيارات الثورة السورية ومعارضة الدعم الإيراني لنظام الأسد ناهيك عن دعمها رسمياً للحرب السعودية ضد الحوثيين في اليمن. والواقع أن زيارة وفد حماس للسعودية استثمرته مصادر إعلامية وسياسية حاولت التأكيد على توافر نوع من القبول السعودي لحركة حماس ومحاولة تجاوز الدور المصري في المصالحة الفلسطينية، ودعم حماس في مواجهة القاهرة.

وألهبت زيارة حماس للرياض خيال الكثيرين، حتى ذهبت دعاوى إلى أن التنظيم الدولي للإخوان وحركة حماس توسطتا لدي "إخوان اليمن" لتأييد عاصفة الحزم.

أيضا عمل الملك سلمان مبكراً على تهدئة التوتر مع أنقرة والدوحة، فثمة مصالح سياسية واقتصادية معهما ناهيك عن هواجس استراتيجية أمنية مشتركة تتلاقى معظم خيوطها على العتبة الإيرانية.

لذلك عاد إلى الواجهة الحديث عن ضرورات التعاون السياسي والاقتصادي بين القوى السُنية في ظل صعود الحوثيين في اليمن، وتبدل السياسات الأميركية في المنطقة، وتصاعد نفوذ الجماعات الراديكالية، وفي الصدارة منها "داعش". غير أن الجهد السعودي باتجاه إعادة ترتيب التحالفات في المنطقة العربية، وبناء تحالف سُني واسع يضم جماعة "الإخوان" وضع العلاقات المصرية السعودية على المحك، وكشف عن توتر مكتوم مبعثه عدة أسباب: أولها تباين الأولويات، ففي الوقت الذي سعى الملك سلمان إلى تجاوز الخلاف بين أنقرة والدوحة من جهة والقاهرة من جهة ثانية والقفز على أحداث 3 يوليو المصرية، تنزعج القيادة المصرية الآن من الانفتاح السعودي على المحور التركي – القطري. وثانيهما اتساع الرتق بين القاهرة والرياض مع تراجع المخاوف السعودية نسبياً، من مخاطر جماعة "الإخوان المسلمين".

ولم يكن استقبال خالد مشعل هو المؤشر الأول من نوعه على رغبة الملك الجديد في مد جسور التعاون مع "الإخوان"، فقد سبق ذلك مشاركة علي محي الدين القرداغي أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين القريب من جماعة "الإخوان" في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي الخاص بالتصدي للإرهاب، والذي عُقد في فبراير الماضي في مكة المكرمة، الأمر الذي حمل بين جوانحه احتمالات تغير في السياسة السعودية تجاه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المصنف إماراتيا كمنظمة إرهابية. وفي الوقت الذي تسعى فيه الرياض إلى مواجهة النفوذ الشيعي في المنطقة، ووقف مخاطر التمدد الإيراني، تعتبر القاهرة أن الأولوية يجب أن تعطى لمواجهة الإسلام السياسي المتشدد، وحركة الإخوان المسلمين على وجه التحديد في كل مكان. إضافة إلى ذلك فهناك تباين في الرؤية بين القاهرة والرياض فيما يتعلق بتطورات الأزمة في سوريا مقابل تقارب تركي خليجي، فعلى خلاف الموقف المتحفظ للقاهرة على أي عمل عسكري يمكن أن يفضي إلى انهيار نظام الأسد، والاعتقاد بضرورة التوصل إلى حل سياسي ينهى المأساة السورية عبر استكمال جولات التفاوض بين المعارضة والنظام، ترى الرياض ضرورة إسقاط الأسد، وإعادة بناء نظام سياسي ديمقراطي قادر على استيعاب الطوائف والتشكيلات السياسية السورية. ويرتبط السبب الرابع بضعف وتيرة العلاقة بين القاهرة والرياض بسبب عدم حماس القيادة المصرية في التدخل عسكريا في اليمن.

صحيح أن القاهرة أيدت عاصفة "الحزم" وحركت بوارجها الحربية باتجاه باب المندب إلا أنها لم تشارك عمليا على الأرض، فثمة عقدة تاريخية ما زالت متأصلة في مصر من جراء التدخل في الأزمة اليمنية عام 1962، وخسارة أكثر من 15 ألف جندي في حرب استنزاف استمرت خمس سنوات على الأقل. أما العامل الخامس فيعود إلى تباين الرؤية إزاء الاتفاق النووي الإيراني، فبينما تنظر الرياض للاتفاق باعتباره ضوء دولي أخضر يسمح لإيران للعبث وإعادة تفصيل المشهد الإقليمي على مقاس طموحات إيران الإقليمية، دعت القاهرة على لسان وزير خارجيتها إلى ضرورة أن يكون شاملاً ومتكاملاً لضمان إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط تنفيذا للمقررات الدولية في هذا الصدد. القاهرة والرياض ما يجمعهما أكبر بالرغم من التوتر بين القاهرة والرياض وتعارض الأولويات في المرحلة الراهنة، وتباين الاتجاهات والتوجهات بشأن الموقف المصري من البرنامج النووي الإيراني من جهة والتقارب السعودي مع بعض جماعات الإسلام السياسي، وبخاصة تركيا وحركة حماس إلا أن احتمالات الدخول في نفق مظلم أو توتر مزمن تظل هي الأضعف.

فثمة عوامل تدفع القاهرة والرياض إلى إعادة قراءة الواقع.

فهناك حرص النظام المصري على مد جسور التواصل مع الحكومات الخليجية الداعمة الأولى للاقتصاد المصري، وبدا ذلك في كلمة الرئيس المصري في حفل تخرج دفعات عسكرية نهاية يوليو الماضي، وبحضور ولى ولي العهد السعودي ووزير الدفاع محمد بن سلمان، والتي أكد فيها أن البلدين "يشكلان جناحي الأمن القومي العربي"، كما ذكر في كلمته بمسيرة الملك سلمان بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين الذي تطوع للدفاع عن مصر العام 1956، ودعم المجهود الحربي في حرب العام 1973. فمصر ترغب في الحفاظ على الدعم الخليجي الاقتصادي، وإن قل، وكذلك على الدعم الخليجي السياسي في الساحات الدولية وتحسين الصورة الذهنية للقاهرة بعد عزل مرسي ووصف ما حدث في 3 يوليو بـ "الانقلاب". أيضا تضمن إعلان القاهرة الصادر في 30 يوليو الماضي عقب لقاء الرئيس السيسي وولى ولى العهد السعودي، والذي يعتبر وثيقة مبادئ للعلاقات الثنائية إبان المرحلة المقبلة، ستة بنود تشمل تطوير العمل العسكرية والعمل على إنشاء قوة عربية مشتركة فضلا عن تعزيز التعاون في مجال الاستثمارات والطاقة والكهرباء إلى جانب التكامل الاقتصادي وتكثيف التعاون السياسي والثقافي والإعلامي ودعم التجارة البينية، وتعلق البند السادس بالاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وهو موضوع مهم وملفا كان مسكوتا عنه منذ فترة.

في المقابل حرصت دوائر صنع القرار في الرياض على وضع زيارة وفد حماس في حجمها الطبيعي، كما ثمنت الموقف المصري بشأن الأزمة اليمنية، والدعم لعاصفة الحزم ضد الحوثيين وقوات الرئيس اليمني المخلوع على عبد الله صالح. والواقع أن العلاقة بين مصر وقطاع واسع من دول الخليج، وبخاصة السعودية علاقة عضوية لا فكاك منها، فمن جهتها تعتمد القاهرة على الدعم المالي الخليجي للخروج من أزمتها الاقتصادية التي تقص مضاجعها منذ العام 2011، بينما تظل الرياض في حاجة ماسة إلى مصر باعتبارها عمق استراتيجي وجغرافي في مواجهة الاحتقانات الإقليمية ومخاطر النفوذ الإيراني.

القصد أن طبيعة التحولات الإقليمية الشديدة والمعقدة في المنطقة تلقى بظلالها على دول الإقليم، لكن تبقى حدود تأثيراتها السلبية على العلاقة بين القاهرة والرياض عند حدها الأدنى.

طباعة