متابعات تحليلية

مداخل إصلاح النظام المحلي في مصر

حازم عمر 9-8-2015
طباعة
09/08/2015 عرض العدد 12 من دورية بدائل تعد قضية "المحليات" واحدة من القضايا المهمة التي تشغل اهتمام الدوائر السياسية والأكاديمية المصرية منذ عدة عقود، ولا زالت المناقشات بصددها مستمرة دون أن تحقق أية نتائج أو تسفر عن رؤية واضحة للتعامل معها، وهو ما تجلى في عدم إقرار قانون الإدارة المحلية الجديد أو تحديد موعد للانتخابات الخاصة بها وذلك على الرغم من أن الإصلاح يبدأ من خلالها، حيث تشير التجارب إلى سعي الدول سواء كانت فيدرالية أو بسيطة إلى التوجه نحو عملية إصلاح النظم المحلية بها، لما لها من تأثيرات إيجابية على معدلات المشاركة في الشئون العامة، وعلى عملية الديمقراطية على المستوى المحلي وبناء الكوادر المطلوبة لقيادة عملية التقدم في الدولة، فضلاً عن رفع كفاءة الخدمات العامة وتحقيق الرضا للمواطنين.

وفي هذا السياق، تم تخصيص دراسة العدد الجديد من دورية "بدائل"، لمناقشة قضية إصلاح النظام المحلي في مصر باعتبارها من قضايا السياساتPolicy Issues التي تسهم في رفع كفاءة مؤسسات الدولة في ظل تدني مستوى الخدمات على المستوى المحلي، كما أنها تعزز من التحول الديمقراطي من خلال إشراك المواطنين في شئونهم العامة. وتتمثل أهمية هذا الموضوع فيما تشير إليه الدكتورة إيمان رجب رئيس التحرير في مقدمة الدراسة التي تحمل عنوان "Rethinking: إشكاليات تفعيل دور "الإدارة المحلية" في إدارة شئون الدولة" من غياب رؤية واضحة للتعامل مع هذه القضية والتي تمثلت مظاهرها في: أولاً، عدم وجود اتفاق في نصوص الدستور والقرارات الجمهورية والقوانين السابقة والخاصة بالنظام المحلي سواء كان هذا النظام يعبر عن الحكم المحلي أو الإدارة المحلية، أو التنمية المحلية.

ثانيًا، الاهتمام "الانتقائي" من قبل الحكومة بهذه القضية، سواء من خلال وزارة التنمية المحلية، أو وزارة التخطيط التي أضيف لمهامها مسألة الإصلاح الإداري التي تمس المحليات.

ثالثًا، اختزال قضية المحليات في تغيير المحافظين، دون الاهتمام بالمجالس المحلية المنتخبة.

رابعًا، التعامل مع المناصب التنفيذية المحلية، على أنها بمثابة "مكافآت" نهاية الخدمة للعاملين في الأجهزة البيروقراطية رغم أنها بحاجة لقيادات تعمل من أجل مستقبل أفضل لها وللأجيال الأخرى. وتناقش الدراسة التي أعدها الدكتور صالح الشيخ أستاذ الإدارة العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، التحديات التي يواجهها النظام المحلي في مصر، وآليات تطويره، كما تقدم مجوعة من البدائل لصناع القرار حول كيفية اختيار القيادات التنفيذية على المستوى المحلي.

أولاً: الملامح الخمسة للنظام المحلي في مصر: تناقش الدراسة ملامح النظام المحلي في مصر، والتي تمثل في: 1) تعدد الوحدات المحلية، فتوجد في مصر خمس وحدات محلية هي المحافظات، والمراكز، والمدن، والأحياء، والوحدات المحلية القروية.

ويلاحظ أنه منذ عام 1975 لم يكن هناك سوى ثلاث وحدات محلية هي المحافظات والمدن والقرى، ثم أضيف كل من المراكز والأحياء.

2) نظام المجلسين، فتعمل مصر بما يسمى بالنظام المتوازي في هيكلة المؤسسات المحلية أو ما يعرف بنظام المجلسين، حيث يوجد بكل وحدة إدارية مجلسان أحدهما معين والآخر منتخب.

والمجلس المعين هو المجلس التنفيذي والذي يتولى إدارة العمليات اليومية للوحدة الإدارية، أما المجلس المنتخب فيتحمل مسئوليات إقرار خطة التنمية المحلية والرقابة على مختلف المرافق والأعمال المحلية، وذلك بما لا يخالف السياسات العامة للدولة.

3) عدم تحديد الدور، فعلى الرغم من أن النظام المحلي يأخذ بنظام المجلسين إلا أن الأمر في الواقع العملي لا يتفق مع هذا التوصيف حيث عانت العلاقة بين المجلسين من العديد من التباينات نتيجة عدم توضيح أدوار كل منهما على نحو يحقق مصلحة وخدمة المواطنين.

4) غياب معايير إنشاء الوحدات المحلية، فرغم وجود معايير لإنشاء المدن والوحدات المحلية القروية والقرى والمدن إلا أنه لا توجد معايير لإنشاء المحافظات أو المراكز أو الأحياء، كما أن معايير إنشاء الوحدات المحلية لا توجد في قانون الإدارة المحلية أو في لائحته التنفيذية، وإنما وردت في قرارات صدرت عن مجلس المحافظين وعن رئيس الوزراء.

5) تعدد الفاعلين في الشئون المحلية، فهناك دور واضح لكل من الوزارات والهيئات والمؤسسات المركزية مثل الشركات القابضة، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وغيرها في الأعمال المحلية.

وأدى ذلك إلى غموض في العديد من المفاهيم مثل الشأن المحلي والاختصاصات المحلية والتخطيط المحلي والتمويل المحلي والموظف المحلي وغيرها من المفاهيم ذات الصلة.

إلى جانب ذلك، تعدد أجهزة الإدارة المحلية، والتي تشمل على، قيادة تنفيذية معينَة من طرف السلطة المركزية (المحافظ، ورئيس المركز ورئيس المدينة ورئيس القرية)، ومجلس تنفيذي يرأسه رئيس الوحدة الإدارية المعنية، ومجلس شعبي محلي منتخب مباشرة لمدة أربع سنوات، ويضم ممثلين عن كل وحدة إدارية، وفروع الوزارات القطاعية، وهي التي نقلت اختصاصاتها للمحليات، وفروع الوزارات المركزية/ القومية، أي الوزارات التي لم تنقل اختصاصاتها للمحليات، وفروع الهيئات المركزية والشركات القابضة، وكذلك الأقاليم الاقتصادية. ثانيًا: مقترحات لمراجعة التقسيم الإداري في مصر: في تقييم التقسيم الإداري للدولة يشير الكاتب إلى أن التشوهات التي تعاني منها الوحدات المحلية ترجع إلى غياب المعايير الواضحة لإنشاء وإلغاء الوحدات الخاصة بها، وإلى عملية مراجعة التقسيم التي لم تتم بشكل شامل منذ أن قسم محمد على البلاد إلى 7 مديريات و5 محافظات، ثم وصلت إلى 14 مديرية، إضافة إلى المشكلات التي تواجه ترسيم الحدود الإدارية بين تلك الوحدات. وفي هذا الإطار، تقدم الدراسة مجموعة من المقترحات لمراجعة التقسيم الإداري، فبالنسبة لمعايير وعدد الوحدات، تقترح زيادة عدد المحافظات مع الأخذ في الاعتبار ضرورة وضع المعايير اللازمة لها، وأن معايير التقسيم لا تقتصر فقط على معياري المساحة وعدد السكان أو الكثافة السكانية، بل يتم توظيف معايير أخرى مثل القابلية للحياة وتوافر متطلبات التنمية، والموارد الاقتصادية وغيرها من العوامل، إضافة إلى اعتبارات وحدة الدولة وأمنها، موضحًا أن تجارب دول العالم تكشف عن اتباع أسلوب "التعشيق"، بما يسمح بنوع من التركيب المحكم والتثبيت المتبادل لأجزاء الدولة ووحداتها المحلية سواء كانت أقاليم أو مقاطعات أو محافظات أو مناطق، وليس أسلوب الخطوط المستقيمة عرضيًا أو طوليًا للوحدات المحلية، كما هو المعمول به في كل من فرنسا وألمانيا والهند والبرازيل وغيرها كثير توضح ذلك بجلاء.

وأن يشمل التقسيم مستوى المراكز، ويقدم مثالاً على أهمية ذلك المستوي، فبمقارنة محافظة المنيا بمحافظات الصعيد المجاورة لها من حيث المساحة، تعد محافظة المنيا أكبر مساحة من جميع محافظات الصعيد باستثناء أسوان التي تزيد عليها بقليل، بل إن مساحة المنيا تقارب ثلاثة أضعاف محافظتي سوهاج وبني سويف، وأكثر من ثلاثة أضعاف محافظة قنا، وحوالي أكثر من 10 أضعاف محافظة الأقصر.

كما تزيد عن مساحة أسيوط بحوالي 7 آلاف ك م2.

وعلى الرغم من ذلك فإن عدد مراكز المنيا يساوي عدد مراكز سوهاج، ويزيد فقط بمركزين عن قنا، وأربعة مراكز عن محافظتي بني سويف والأقصر.

وبالنسبة لتشكيل لجنة التقسيم الإداري، فيقترح أن تضم للجنة بالإضافة إلى المسئولين الحكوميين، خبراء في علم الاجتماع، والعمران، والإدارة، والاقتصاد، وعلم النفس، وممثلين عن المناطق محل التقسيم.

وكذلك يتم وضع المعايير اللازمة للتقسيم واستقصاء آراء المواطنين في الوحدات المختلفة. وبالنسبة للمستويات الإدارية المحلية فيقترح أن تضم ثلاث مستويات، الأول يشمل المحافظات، والثاني يضم المراكز والبلديات الكبرى وتكون القاهرة ذات وضع خاص تجمع بين اختصاصات المستويين، والمستوى الثالث يشمل البلديات حيث يضم بلديات حضرية (المدن)، وبلديات ريفية وهي الوحدات المحلية القروية (قرى). ثالثًا: المرحلة اللا وزارية: مكتب المحافظ مؤسسة تنفيذية تشير الدراسة إلى أن أفضل طريقة تتلاءم مع الحالة المصرية في اختيار القيادات التنفيذية المحلية وعلى رأسها المحافظ هي التعيين من قبل السلطات المركزية مع وضع تعديلات عليها تتضمن معايير أو شروطًا واضحة للاختيار من أهمها؛ المستوى التعليمي، والكفاءة والاقتدار، والخبرة العملية، والتدريب والإعداد المسبق وإجادة إحدى اللغات الأجنبية، كما أن تكون هناك معايير واضحة للأداء وبناء صف ثان من القيادات المحلية، وأن يكون الاستمرار في المنصب أو تركه معتمدًا فقط على الأداء. وتقترح الدراسة مراجعة منصب المحافظ بهدف تطوير دوره، وذلك من خلال، إنشاء مكتب المحافظ، وأن يتم ذلك عبر مرحلتين، الأولى، يتم فيها إنشاء المكتب وتزويده بسلطات وصلاحيات واسعة، على نحو يمكنه من تنفيذ السياسات العامة على المستوى المحلي، ويكون المسئول عن تحقيق التنمية المحلية وتحسين الخدمات العامة وتحقيق رضا المواطنين في محافظته.

أما المرحلة الثانية فيتم فيها تنفيذ حزمة من السياسات ومنظومة من الأولويات في عملية تفويض ونقل الاختصاصات والمسئوليات من الوزارات والهيئات القومية إلى المؤسسات المحلية، بناء على معايير الكفاءة واقتصادات النطاق وغيرها، بحيث يتم نقل جميع الاختصاصات ذات الطبيعة المحلية إلى السلطات المحلية وتخضع للمساءلة من المجالس المحلية ومن المواطنين على المستوى المحلي.

إلى جانب ذلك، تقترح الدراسة ضرورة إنشاء معهد للإدارة المحلية يهدف إلى بناء قواعد بيانات للكفاءات المتاحة داخل الدولة المصرية.

وتتمثل مسارات هذا المعهد في ثلاثة مسارات، أولها المحافظة والمركز، ويلتحق به كل من يرغب في تولي وظيفة قيادية على مستوى المحافظة والمركز، والثاني المدينة والحي، ويلتحق به الراغبون في العمل كمدير للمدينة أو مدير لأحد الأحياء سواء في محافظة حضرية أو غير حضرية، والثالث هو مسار القرية، ويلتحق به من يرغب في العمل كمدير للقرية.

وأن تكون الدراسة في هذا المعهد لمدة سنة ومن يتفوق في نتيجة الاختبارات في نهاية المدة، يتم ابتعاثه إلى أحد المعاهد المناظرة في الخارج، ويتم ترتيب خريجي المعهد على حسب كل مسار، ويتكون منهم بنك للقيادات المحلية، فبمجرد خلو أحد المناصب القيادية في إحدى الوحدات المحلية يقوم الوزير المختص بالإدارة المحلية بإرسال ثلاثة مرشحين للمجلس المحلي، وللمجلس أن ينظم لهم جلسات استماع وأن يختار من بينهم.

رابعًا: سياسات تطوير المجالس المحلية: تُقترح الدراسة مجموعة من السياسات بهدف تطوير المجالس المحلية في مصر.

إذ ترى ضرورة العدول عن الوضع الراهن المتمثل في الأرقام الموحدة لتمثيل أعضاء المجالس المحلية من خلال طريقة الاختيار الفردي، وذلك لصالح تطبيق نظام القائمة المغلقة بحيث تقوم كل الأحزاب والقوى السياسية وحتى الأفراد المستقلون ممن يرغبون في خوض الانتخابات المحلية، بتشكيل قوائم تراعي النص الدستوري.

وبالتالي يتم وضع ترتيب للمرشحين في القائمة وفقًا لعدد المقاعد المقررة لكل فئة، كما يقدم وفق هذا الاحتمال اقتراحًا آخر يتعلق بتكوين قوائم لكل فئة تتنافس فيما بينها بما لها من مقاعد، بحيث تتنافس قوائم الشباب فيما بينها، وقوائم المرأة فيما بينها، مع مراعاة تمثيل كل من العمال والفلاحين والمسيحيين والأشخاص ذوي القدرات الخاصة، بل والمهنيين في كل منها، وقائمة ثالثة تضم بقية الفئات بما يحقق النسب المطلوبة. وفي حالة تعديل طريقة التمثيل والتي تبدأ في تفعيل القاعدة المطبقة عالميًا وهي عدد السكان.

فيُقترح أن يتراوح عدد مقاعد المجالس المحلية القروية بين 9 مقاعد و21 مقعدًا لكل وحدة يبلغ عدد سكانها 25 ألف نسمة، وأن تمثل المدينة التي لا يزيد عدد سكانها عن 75 ألف نسمة بنحو 15 عضوًا، وأن يكون هذا التمثيل أعلى قليلاً للمدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية مثل الإسكندرية، والمنصورة وغيرها بحيث تتراوح ما بين 21 إلى 33 عضوًا.

وأن يكون للقاهرة نظامها الخاص.

وفيما يتعلق بالتمثيل في المجلس المحلي للمحافظة، فيتراوح عدد ممثلي كل وحدة محلية سواء كانت مدينة أو وحدة محلية قروية بين 9 و29 عضوًا، ويكون عدد ممثلي كل مركز أو قسم إداري من 9 إلى 27 عضوًا.

ختامًا: تحرص الدراسة على التأكيد أن إصلاح منظومة المؤسسات المحلية يجب أن تكون من خلال تطبيق اللامركزية، لما تحققه من تشارك واضح في الاختصاصات بين الحكومة المركزية والمحليات بما يفِّرغ الأولى للمهام الاستراتيجية والكبرى، ويجعل الثانية تتحمل أعباء دورها التنموي.

طباعة