قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات دولية 2015-7-29
29/07/2015 بعد أكثر من تسعة أشهر من جولات الحوار ومسودات التفاوض من غدامس ثم جنيف والجزائر وانتهاءً بالمغرب، وقعت الأطراف المتنازعة في الصراع الليبي على اتفاق السلم والمصالحة بالأحرف الأولى في مدينة الصخيرات المغربية في 11 يوليو 2015، تحت رعاية المبعوث الدولي الأمم المتحدة في ليبيا برناندينو ليون.

وكان لرفض المؤتمر الوطني العام (البرلمان الموازي في طرابلس) التوقيع على الاتفاق مبررا ذلك بأن ملاحظاته على مسودة الاتفاق لم تؤخذ في الحسبان، وإن لم يغلق الباب أمام مشاركته في أي جولة حوار قادمة، قد دفع ليون للتأكيد على أن الطريق مفتوح لمن لم يوقع، وأنه لا تزال هنالك فرصة، في ظل إرجاء النقاش حول تفصيلات الاتفاق في ملاحق مرفقة إلى جولة تفاوضية أخرى.

تلك الخطوة غير النهائية قد تشكل نظريا أحد مداخل إنهاء حالة التنازع السياسي والاقتتال المسلح في مرحلة ما بعد سقوط القذافي، إلا أنها على الصعيد العملي تواجه معضلات عديدة كي يتحول اتفاق الصخيرات أولا إلى اتفاق نهائي، وثانيا يتم تنفيذه على الأرض، وفي ظل دعم إقليمي ودولي ترافق مع تلويح الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على معرقلي الاتفاق. وفي مضمونه العام، يعد اتفاق الصخيرات مقاربة لأحد أبرز قضايا الصراع الليبي بعد الثورة، والتي تتعلق بـ"تشظي السلطة" بالمعني السياسي والأمني بين قوى مؤسسية وقبلية ودينية ومليشياوية ومناطقية لا تملك أيا منها القدرة على صياغة تيار جماهيري عام أو إنفاذ حالة حسم عسكري تفرض قواعد اللعبة السياسية في هذا البلد.

تلك المعضلة دفعت بالفاعلين في الساحة الليبية إلى نمط من "التحالفات الفضفاضة" بلغت حدها الأقصى طيلة النصف الثاني من عام 2014، إثر تبلور معسكري فجر ليبيا في الغرب والكرامة في الشرق، إذ بات يملك كل منهما حكومة وبرلمانا وظهيرا مسلحا، وقاعدة من الائتلافات القبلية والحزبية والمليشياوية، بينما ظل الجنوب بصراعاته القبلية المتركزة حول التجارة الحدودية بين التبو والزوي والطوراق مصدرا للتجاذب بين المعسكرين.

ولذا، انطوى اتفاق الصخيرات على عناصر أساسية تسعى اجمالا لتوحيد السلطة ومؤسساتها، وبناء ترتيبات سياسية وأمنية تتجاوز مأزق المسارات الانتقالية المتعثرة في ليبيا دون اغفال طبيعة موازين القوى على الأرض.

فمن أبرز ما انطوي عليه الاتفاق، تشكيل حكومة وطنية توافقية برئاسة رئيس وزراء ونائبين، واعتبار مجلس نواب طبرق الجهة التشريعية الوحيدة في ليبيا دون تحديد مدته، مع موازنته في الوقت نفسه بمجلس أعلى للدولة يضم 120 عضوا (يفترض أن تكون غالبيته من نواب المؤتمر الوطني العام) ويتولى ابداء الرأي الملزم في مشروعات القوانين والقرارات التشريعية التي تعتزم الحكومة احالتها لمجلس النواب.

بخلاف مؤسسات أخرى، كالمجلس الأعلى للإدارة المحلية، وهيئة لإعادة الإعمار، وأخرى لصياغة الدستور ومجلس للدفاع والأمن. كيف توصل فرقاء ليبيا للاتفاق؟ لم يتم بلوغ جولات الحوار الليبي مرحلة الوصول لاتفاق الصخيرات، إلا بعد مسار تفاوضي صاغ فيه ليون مسودات عدة تعرضت بنودها للحذف والاضافة سعيا لإيجاد توازن وتنازلات متبادلة بين سلطتين منقسمتين في طرابلس وطبرق، ومن هنا، اعتمد المبعوث الدولي مجموعة تكتيكات دبلوماسية تضافرت مع تغيرات في خرائط الصراع الداخلي الليبي ومحيطه الإقليمي لتشكل في مجملها بيئة عامة تصل بالفرقاء الليبيين إلى اتفاق الصخيرات، ومن أبرزها: (*) تحديد نطاق أطراف التفاوض: فمع التعددية الواسعة لأطراف الصراع الليبي وتنوع انتماءاتهم ومصادر قوتهم المسلحة، اتجه ليون إلى تقليل الأطراف وحصرها في بداية الأمر في الجهة السياسية المعترف بها دوليا، وهي مجلس نواب طبرق والنواب المقاطعين له في حوار غدامس في سبتمبر 2014.

غير أن الجولة انتهت دون نتائج ملموسة، إذا اقتصرت على تسهيل العمليات الإنسانية وفتح المطارات، خاصة أن الخيار العسكري كان آنذاك هو المفضل لمعسكري الصراع.

فعملية الكرامة التي انطلقت في مايو من العام ذاته اجتذبت تأييدا قبليا وحزبيا وعسكريا في الشرق في مواجهة الجهاديين، بخلاف الاعتراف الدولي بحكومة ومجلس نواب طبرق.

في المقابل استطاعت عملية فجر ليبيا (التي أطلقت في يوليو 2014) عبر ائتلاف من المليشيات المصراتية والإسلامية السيطرة على طرابلس ومؤسساتها، وهو ما شكل أحد ركائز رفض المؤتمر الوطني للحوار.

لذا، وسع ليون نطاق أطراف التفاوض، لتشمل الأحزاب وقادة المجتمع المدني ومجالس البلديات في جولة جنيف يناير 2015 وخصوصا المجلس البلدي في مصراته الذي مثلت مشاركته ضغطا على المؤتمر الوطني والذي بدوره تراجع عن رفضه للحوار، كما برز اتجاه داخل القوى المؤيدة لفجر ليبيا، وخاصة بين حزب العدالة والبناء الذراع السياسي للإخوان المسلمين لتفضيل الحوار على الحل العسكري.

(*) تطوير التفاوض من المبادئ العامة إلى الأطر المؤسسية، حيث تطورت طروحات ليون في مسوداته الأربعة من مبادئ عامة حول وقف اطلاق النار وسحب المليشيات من المدن إلى طروحات مؤسسية (حكومة وطنية، حل الازدواج التشريعي والتنفيذي) في مسودات جولة الجزائر والمغرب التي خضعت لأكثر من تعديل وحذف، خصوصا لإيجاد صيغة تنازل متبادلة تستوعب الانقسام السلطوي المؤسسي والأمني، وإن كان قد حافظ على مسالة مجلس نواب طبرق، ولكن أضاف لها مجلس أعلى للدولة لاستيعاب البرلمان الموازي في طرابلس، إضافة لحكومة توافق وطني وانسحاب المليشيات من المنشآت النفطية والحكومية.

ثم تم التعديل مرة أخرى في مسودة رابعة لتخرج عناصر الاتفاق الأخير في الصخيرات.

وبعد أن كانت القضية في الحوار الليبي تتعلق بقبول المشاركة من عدمه لدى الأطراف المتنازعة، بات الحديث يتركز حول ما تقدمه مسودات ليون لأطراف الصراع من مكاسب وتنازلات متوازنة تحفظ لهم أوضاعهم الميدانية.

وبات الخلاف التفاوضي يتمركز حول قضايا الصلاحيات التشريعية ومرجعية الحكومة وصلاحيات المجلس الأعلى للدولة وعضويته، والترتيبات الأمنية، وخصوصا مرجعية الجيش ومن سيتحكم في تعيين قادته وهيكلته.

(*) الاستعانة بالقوى الإقليمية والدولية في جولات الحوار، فبعد جولة جنيف تحديدا في يناير 2015 اتجه ليون، نحو القوى الإقليمية خاصة أن كل معسكر صراعي يملك ظهيرا اقليميا داعما له سواء أكان بشكل مباشر أم غير مباشر.

غير أن ليون وقع اختياره على القوى الاقليمية المغاربية (الجزائر، المغرب) كي تحتضن جلسات الحوار، نظرا لمواقفها الوسيطة وامتلاكهما صلات مع أطراف الصراع، على عكس مصر الداعمة لشرعية حكومة طبرق كأحد وسائل حماية أمنها القومي من جهة حدودها الغربية، بينما تظل قطر وتركيا مؤيدتين لمعسكر فجر ليبيا.

في الوقت نفسه، أيدت القوى الكبرى وخاصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة جهود ليون، ولعبت دورا في منع تمرير طلب مصر من مجلس الأمن في فبراير 2015 لرفع حظر السلاح عن حكومة طبرق، كي لا تختل موازين القوى الداخلية.

بموازاة ذلك، فإن القوى الإقليمية المشتبكة مع أطراف الصراع باتت تميل للحوار وإن كان وفق ما يحققه لها من مصالح، فمصر وعلى لسان وزير خارجيتها سامح شكري في إبريل 2015 أيدت الحوار شرط الحفاظ على مجلس نواب طبرق ومكافحة الإرهاب.

بينما اطلعت الجزائر بدور اتصالي خصوصا مع إسلامي طرابلس لدفعهم للحوار، وأيدت تركيا وقطر جهودها في ذلك، خاصة أن وضعية الصراع الليبي وتشتت قواه المتنازعة تصعب على القوى الإقليمية تحقيق مكاسب ثابتة على الأرض، حيث تظل في الأغلب مناطقية. (*) تغير موازين القوى وخلخلة تحالفات الصراع، فالتقييم العسكري للمعارك الليبية يشير إلى حالة من عدم الحسم، سواء في بنغازي بين الجيش الوطني الليبي والجهاديين، أو الجبل الغربي بين فجر ليبيا وجيش القبائل، أو الهلال النفطي بين مليشيات مؤيدة لعملية الكرامة وقوات فجر ليبيا، وإن كان ذلك لا يغفل قدرة الأطراف العسكرية على الحفاظ على الحد الأدنى من تمركزاتها في مناطق المعارك الثلاثة.

على أن هذه المراوحة الميدانية رافقها تصدعات خصوصا في معسكر فجر ليبيا، على خلفية بروز صراع إسلامي-إسلامي بعد تصاعد تفجيرات "داعش" في طرابلس منذ يناير 2015، ثم بروز نسخة داعشية في سرت أحرزت مكاسب ميدانية منذ مارس 2015.

أضف إلى ذلك تنامي الصراع بين مليشيات إسلامية ومصراتية (مليشيا الحلبوص في مواجهة مليشيات تابعة لصلاح بادي وأبو عبيدة الزاوي)، لاسيما في ضوء ما بدا لمصراته أن تكلفة الحل العسكري ستكون تأثيراتها وخيمة على المدينة ذات الطابع التجاري والصناعي والتي يلعب فيها رجال الأعمال لوبي ضغط لتأييد الحوار.

تلك التصدعات بدت جلية في نهاية مارس 2015، مع انسحاب مليشيات فجر ليبيا من منطقتي بن جواد والسدرة في الهلال النفطي تنفيذا لاتفاق المجالس البلدية في بروكسل.

ولم يسلم أيضا تحالف الكرامة من الخلافات، برغم ما أحرزه الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر من تقدم ميداني في بنغازي، بخلاف أن حفتر ذاته لا يزال موضع جدل بين القبائل والأحزاب المؤيدة لمجلس وحكومة طبرق، إضافة لخلافات بينه وبين قادة عسكريين، ومن أبرزهم فرج البرعصي الذي تم اقالته في يونيو 2015. معضلات الاتفاق إذا كانت البيئة الداخلية والخارجية في مجملها دافعة للحوار الليبي، إلا أن ما تمخضت عنه المسودة الرابعة من اتفاق الصخيرات غير النهائي يواجه بمعضلات سواء أكانت تتعلق بطبيعة وساطة ليون أو فحوى وبنود الاتفاق أو حتى البيئة الإقليمية المشتبكة مع الصراع الليبي، وذلك على النحو التالي: (*) عدم شمول الاتفاق للأطراف الفاعلة في الصراع، إذ إن رفض المؤتمر الوطني العام وحكومته في طرابلس لتوقيع اتفاق الصخيرات ودعوته للتفاوض المباشر دون وساطة خارجية يعني عرقلة تأسيس حكومة وطنية توافقية، وكذاك الأطر المؤسسية التي نص عليها اتفاق الصخيرات كمجلس أعلى للدولة. وبرغم أن ليون تواصل مع قادة عسكريين في الغرب والشرق، إلا أنه لم يدرجهم كأطراف في الحوار.

قد يكون ذلك نوع من التكتيك الدبلوماسي لإنجاح مهمته في واقع ليبي يهمين عليه النظام الأمني الهجين ويجعل من الصعوبة ايجاد خطوط فاصلة بين المؤسسات الأمنية الرسمية والمليشيات المسلحة، ولكن بالمقابل فإن ذلك سيطرح تحديا حول من سيضمن تنفيذ الاتفاق على الأرض، خاصة في ضوء الصراع بين المليشيات المسلحة.

أضف إلى ذلك، أن ليون وبرغم دعمه لحوار البلديات سواء في جنيف أو بروكسل في يناير ومارس 2015، إلا أنه لم يستدع القبائل النافذة في ليبيا كمسار تفاوضي كان كفيلا بأن يشكل أرضية ضاغطة على الأطراف، على غرار تجربة اللويا جركا الافغانية.

(*) مصير حفتر بعد الاتفاق، إذ إن حفتر الذي تم تعينه قبل ثلاثة أشهر قائدا عاما للجيش الليبي قال بعد اتفاق الصخيرات أنه لا علاقة للمؤسسة العسكرية بالحوار الليبي، وأنها ليست بندا في أي تفاوض، وهو ما سيثير مشكلات مستقبلا، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن وثيقة الصخيرات فصلت بين السلطات وجعلت من رئيس الوزراء قائدا أعلى للجيش يحق له اعلان حالة الطوارئ والحرب، في الوقت عينه، فإن جهات داخل المؤتمر الوطني ترفض أن يظل حفتر قائدا للجيش.

في المقابل، فإن مجلس النواب يشترط أن يتم اختيار رئيس الحكومة وأحد نوابه من قبله، حتى تنتقل صفة القائد الأعلى وصلاحيات رئيس الدولة لرئيس الحكومة. (*) غموض التفاصيل والصلاحيات والعلاقة بين المؤسسات، ومنها مثلا المجلس الأعلى للدولة، وهو الأمر الذي أرجأته البعثة الأممية لجولة حوار أخرى بحيث يتم تغطية ملاحظات الأطراف في ملاحق الاتفاق، كما أن ثمة تفاصيل غائبة في الترتيبات الأمنية حول الكيفية التي ستدمج بها المليشيات المسلحة سواء في الشرق أو الغرب في الجيش الوطني، بخلاف أن الاتفاق تجنب تحديد مدة مجلس نواب طبرق، برغم احتمال نشوء جدل حول أن ولايته ستنتهي في اكتوبر القادم، وهو ما يعقد تعقد الأوضاع أكثر، علما أن انتهاء ولاية المجلس يعني وفقا لقانونيين ليبيين استمراره في تسيير الأعمال التسريعية دون اصدار قوانين حتى يسلم مهامه لمجلس تشريعي اخر. (*)التناقض في أهداف ومصالح القوى الإقليمية في ليبيا، فرغم ما يبدو من ترحيب للقوى الاقليمية الأساسية (مصر والجزائر) باتفاق الصخيرات، والحديث في الوقت نفسه عن ضغوطات غربية على الدوحة وتركيا لإقناع المؤتمر الوطني بالتوقيع، إلا أن المعضلة تكمن في أن الملف الليبي هو جزء من تفاعلات إقليمية باتت متغيرة وتنطوي على تناقض في الأهداف.

فمصر تتخوف من مسالة دمج الاسلاميين خاصة المسيسين في ليبيا بسبب أوضاعها الداخلية بعد 30 يونيو، والجزائر تخشى من سيطرة داعش والجهاديين على فجر ليبيا، بخلاف الصراع الاقتصادي بين قوى كتركيا وقطر وغيرها، وبالتالي، يرى البعض أن إيجاد اتفاق بين القوى الاقليمية الرئيسية على وضعية السلام في ليبيا كان سيحد من أي تمويل إقليمي لأطراف الصراع ويوفر ضمانة لتنفيذ الاتفاق.

(*) تزايد المكون الجهادي ضمن تيار الإسلام السياسي في ليبيا، خاصة مع بروز تصدعات معسكر فجر ليبيا وتزايد نفوذ تنظيم داعش في وسط ليبيا، بخلاف المكونات الجهادية الأخرى المتصارعة على درنة، وبالتالي فهؤلاء الجهاديون قد يشكلون حجرة عثرة أمام أي اتفاق سلام.

إذ يتطلب الأمر أن يتحول معسكري الغرب والشرق لمكافحة الإرهاب في سرت ودرنة خصوصا، وهو أمر يصعب تحققه في ظل وجود خيوط تجمع بين بعض التنظيمات داخل فجر ليبيا ومجلس شورى ثوار بنغازي، الذي يضم في عضويته جماعة أنصار الشريعة ومليشيا الدروع رقم 1. أخيرا، يظل اتفاق الصخيرات يمثل نمطا لاتفاقات السلام تتعامل مع الصراع الليبي باعتباره تعبيرا عن القوى المتقاتلة عبر اقتسام السلطة، دون وجود رؤية شاملة للتعامل مع المعضلات البنيوية التي فجرت الصراع أصلا، ومن أبرزها الثروة النفطية والهوية وقضايا العدالة الانتقالية، بخلاف أنه تم حصر الصراع بين الشرق والغرب وإهمال الجنوب الذي تشكل صراعاته عنصرا مهما في معادلة عدم الاستقرار الليبي.