قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات دولية 2015-5-14
14/05/2015 حقائق التاريخ قد تبدو كمعالم الجغرافية ثابتة يصعب تجاوزها وإن أفضت إلى صراعات ونزاعات وتأويلات مختلفة بشأن طبيعتها وتبعيتها، غير أن صراعات الحدود يمكن تسويتها فيما التفسيرات المختلفة للتاريخ وأحداثه تبدو عالقة في الأذهان ولو بعد مائة عام.

هكذا حلت الذكرى المائة على ما يعتبره الأرمن مذابح إبادة جماعية تعرضت لها الأقلية الأرمينية على يد سلطات الإمبراطورية العثمانية البالية، التي ترفض تركيا باعتبارها وريثتها الشرعية الاعتراف بالمسئولية القانونية والأخلاقية عنها، إما إنكارا أو بدعوى أنها جاءت في سياقات الحرب العالمية الأولي وقبل تأسيس الجمهورية التركية المعاصرة، أو لأن العنف كان متبادلا واندلعت شرارته بالأساس لمساعدة الأرمن للروس إبان الحروب العثمانية الروسية في القرن التاسع عشر.

محاولات الأتراك لغلق باب "الفتنة التاريخية" وفتح ممرات جانبية لعلاقات مشتركة مع أرمينيا بدت خلال السنوات الخالية مترددة وتحمل إرثا سلبيا من تحركات اللوبي الأرميني في عدد من الدول الغربية لإقرار "المذابح الأرمينية" كطقوس سنوية يتم فيها إصدار بيانات الإدانة الدولية والتنديد بالممارسات العثمانية.

"تطبيع" مؤجل و"اعتراف" مرحل ورغم أن تركيا قد وقعت اتفاقا مع يرفان عام 2009 من أجل تطبيع العلاقات، غير أن الأخيرة انسحبت منه مطلع العام الحالي لأسباب لا يغيب عنها دعم تركيا تاريخيا لأذربيجان في صراعها مع أرمينيا حول إقليم "ناجورنو كاراباخ" الجبلي، ولعدم القبول بالمقاربة التركية الخاصة بتشكيل لجنة مشتركة من المؤرخين لدراسة الأرشيف العثماني والأرميني والدول الأخرى ذات العلاقة كروسيا وفرنسا وبريطانيا لتعرض نتائجها على الرأي العام العالمي. انطلاقا من ذلك لم يكن تقديم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان العام الماضي تعازيه عن المجازر الأرمينية في خطوة غير مسبوقة كافيا بالنسبة للأرمن، وكذلك حديث أحمد داوود أوغلو عن أنه "من خلال كسر المحرمات فقط نستطيع أن نأمل في بداية معالجة الآلام التي جمدها الوقت منذ عام 1915".

ذلك أن المحرمات لم تكسر والآلام لم يجمدها الوقت والجروح لم تندمل عبر العقود الماضية طالما لم يعترف الأتراك بالمسئولية الأخلاقية والقانونية الكاملة عن "الإبادة الجماعية"، بما يجعل المعركة بالنسبة للأرمن مع "العثمانيين الجدد" لم تنته بشأن ما اقترفه "العثمانيون القدامى"، بما قد يؤدي لاستمرار صراعات دموية اندلعت منذ عام 1892 لما بعد عام 2015 في صور مختلفة عبر شحن سنوي ممتد ومتبادل على مستويات سياسية وإعلامية ودبلوماسية.

قد يلعب في هذه الصراعات والمعارك اللوبي الأرميني دورا نسبيا وذلك بعد أن بات يوجد زهاء 135 نصب تذكاري في نحو 25 دولة، وبعد أن اعترفت نحو 20 دولة بالمذابح الأرمينية، بالإضافة إلى العديد من المنظمات الدولية ومن ضمنها الأمم المتحدة.

بابا الفاتيكان فرنسيس الأول بدوره جدد مؤخرا اعتراف الفاتيكان بالمذابح الأرمينية بعد أن كان قد أدانها البابا يوحنا بولس الثاني قبل خمسة عشر عاما.

وقد أثار ذلك ردة فعل هسترية من الأتراك حيث قال رئيس الوزراء التركي داوود أوغلو بأن البابا أنضم لـ"جبهة الشر"، فيما اعتبر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، "إن لعب رجال الدين دور المؤرخين تكون نتيجته التحريف وعدم الواقعية"، واعتبرت اتجاهات تركية أخرى أن البابا يؤجج "صراع الحضارات". السجالات الأرمينية – التركية السنوية في موسمها المائة وإن بدت خلال احتفالات الأرمن بالذكرى المائة على ما يسمونه "الجريمة الكبرى" أكثر حدة وسخونة إلا أنها لم تتوقف عند هذا الحد حيث رفض رئيس الوزراء الإيطالي، ماتيو رينزي، ردة الفعل التركية حيال تصريحات بابا الفاتيكان، ارتباطا بأن إيطاليا والعديد من الدول الغربية الأخرى كفرنسا قد أقرت بـ"الإبادة الأرمينية"، فالقانون الفرنسي على سبيل المثال يحرم كل ما ينكر هذه "الإبادة". هذا في الوقت الذي أوفى فيه الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، بعهده الذي قطعه على نفسه إبان حملته الانتخابية عام 2008، بشأن الاعتراف بـ"الإبادة الأرمينية"، حيث قالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، ماري هارف، إن "الرئيس الأمريكي ومسؤولين آخرين كبارا في الإدارة أقروا غالبا بأن ذبح مليون ونصف مليون أرمني أو اقتيادهم إلى الموت مع نهاية السلطنة العثمانية تمثل واقعة تاريخية"، وأضافت أن "اعترافا كاملا وصريحا وعادلا بهذه الوقائع يصب في صالح تركيا وأرمينيا وأمريكا".

وكان الكونجرس الأمريكي قد أقر بأغلبية بسيطة في مارس 2010 قرارا يقضي بالاعتراف بالإبادة العثمانية للأرمن، وهو قرار بات معتمدا في نحو 42 ولاية أمريكية. الأوروبيون بدورهم كانوا في قلب الحدث ومركز تفاعلاته في موسم "التأكيد والإنكار" لما يسميه الأرمن "الجريمة الكبرى"، فقد بات الاعتراف التركي بالإبادة للأرمن ضمن قائمة شروط اجتياز عتبات الاتحاد الأوروبي الشاهقة، فبعد أن كان مجلس الجمعية الأوروبية قد اعترف بهذه الأحداث في 24 من أبريل 1998، أصدر البرلمان الأوروبي مؤخرا "بيان موقف" غير ملزم يدعوا إلى الاعتراف بالوقائع العثمانية في حق الأرمن. إشكالية التعاطي التركي مع الحدث التاريخي والذي يجعل من مسلسل الصراع التركي الأرميني صراعا ممتدا وبلا نهاية، أنه يعتمد على التعايش مع الطقوس السنوية لذكراه، وباتت بيانات التنديد واستدعاء السفراء روتين الاستجابة لأي تطور أو موقف طارئ على صعيد تداعي حلقات الاعترافات الدولية بالإبادة للأرمن.

تركيا واستراتيجية "قفز الحواجز" التدريبات التركية على استراتيجية "قفز الحواجز" بتجاوز الخلاف طالما في الصالح بمحاولة تطبيع العلاقات مع أرمينيا عبر الاعتراف بمعاناة الأرمن دون أن يستتبع ذلك إقرارا بالإبادة، أثبتت فشلها في محو الذاكرة وتصفية النفوس، بما دفع الأتراك للاستعداد للذكرى المائة مبكرا، من خلال تبكير الاحتفالات الموازية وغير المسبوقة بنصر العثمانيين على قوات الحلفاء في "معركة غاليبولي" (الدردنيل) أو "جناق قلعة سافاشلاري" Canakkale Sava?? عام 1915، بما جعل الدولتين المتجاورتين إحداهما تحتفل بالنصر العثماني والأخرى تحي ذكرى "القهر العثماني" في ذات التوقيت، الأمر الذي من شأنه أن يوجد حساسيات وارتباك غير مسبوق لكل من يريد أن يواسي في قتل الأرمن أو يحتفي بنصر الأتراك.

قد يتعلق ذلك بأن الاحتفالات التركية كان مقررا لها أن تكون في الخامس والعشرين من أبريل الماضي إلا أن تبكريها يوما واحدا كان مقصودا بهدف التحرك في مسار استباقي للأجواء التي قد تخلفها المشاركة الواسعة المحتملة من بعض المسئولين الغربيين في إحياء الذكرى المائة لما اعتبره بابا الفاتيكان أول إبادة جماعية في القرن العشرين، وتنكرها تركيا سواء من حيث سابقة وقوع مجازر بحق سكان شبه جزيرة القرم والقوقاز على يد الروس أو من حيث عدد ضحايا عمليات عنف متبادل تسبب فيها ممارسات "عصابات" "الهاشناق" و"الطاشناق" و"الرامغافار" (جمعيات أرمينية) التي ارتكبت مجازر بحق أطفال ونساء مسلمين في المناطق الشرقية من الأناضول، على النحو الذي أفضى إلى اللجوء إلى العنف ضد هذه العصابات وقادة الأرمن من قبل بعض الجنود الذين عادوا من معارك خيضت على سبع جبهات متزامنة. الصراع يبدو ممتدا ومحاولات التطبيع التركي الصعب مع أرمينيا سبقها إصدار قانون تركي عام 2005 يحرم الاعتراف بقضية الأرمن كإبادة جماعية، فيما دول عديدة أصدرت قوانين تحرم إنكارها، كان آخرها جمهورية قبرص.

المواقف الدولية قد يتداخل فيها البعد الإنساني بالبعد السياسي، فيما الموقف التركي يحتكم للضرورات العملية، التي ترتبط باتجاهات الرأي العام التي تنكر هذه المسألة ليس انطلاقا من قناعات علمية وتحقيقات مؤرخين محايدين، ولكن من جراء برامج وسياسات ممنهجة، حاولت في البعض منها توظيف بعض المؤرخين الغربيين لإصدار بيان ينكر هذه الأحداث، وثبت بعد ذلك وقوفها ورائه بما أدى لسحب توقيع الأغلبية من "بيان الإنكار" الذي حمل أيضا توقيع برنارد لويس. يتداخل مع محركات الموقف التركي طبيعة الصورة النمطية التي ستتضرر حال التوصل إلى أية تسوية تقضي بتحمل المسئولية عن مقتل الأرمن، سيما في ظل الاحتفاء التركي المتواصل بميراثها التاريخي وبناء نظريات رئيس وزرائها الحالي على النموذج الذي قدمته الدولة العثمانية من احتضان مختلف الطوائف والمذاهب والأديان والأعراق دون تفرقة، فيما الهوس الأردوغاني جعله يلبس جنود قصره الأبيض وحراسه زيا عسكريا يرمز لتاريخ الدولة العثمانية.

لا تغيب عن ذلك الحسابات العملية التي تشير إلى أن الاعتراف بالإبادة الجماعية يعني دفع تعويضات طائلة.

قد يكون أمل منظمة "الذئاب الرمادية" التركية قد خاب، وهي المنظمة التي قامت ببعض عمليات العنف ومنها تفجير نصب تذكاري أرميني بالقرب من العاصمة باريس في مايو 1984، ولكن أمل الصحفي هرانت دينك التركي–الأرميني الذي قتل عام 1997 في اسطنبول بسبب مواقفه المطالبة "بالاعتراف" مقابل "التطبيع" يمكن البناء عليها، فأحداث التاريخ وإن احتاجت قراءاتها إلى مؤرخين لا سياسيين، فإن معالجتها تتطلب بدرجة أكبر وجود سياسيين على قدر المسئولية التاريخية، لا يؤمنون بترحيل الأزمات والاحتفال في الوقت الذي يتعين فيه الإعراب عن الأسف وتقديم التعازي.

لذلك ستظل هذه القضية مرتبطة بالقدرة على طرح الحلول الوسط من قبيل تسوية ما بعد التسوية، بمعني الاتفاق على شكل العلاقة وطبيعة الإجراءات المتبناة في حال التوصل إلى مقاربة تحقق الاعتراف مقابل الاعتراف، أي الاعتراف بالإبادة مقابل الإقرار المقابل بأسبابها.