متابعات تحليلية

قانون تقسيم الدوائر: نظرة نقدية وتحليلية

احمد عبد الحفيظ 21-4-2015
طباعة
21/04/2015 بالرغم من أهمية تقسيم الدوائر فى العملية الإنتخابية إلا أنه لايمكن مناقشة هذا البُعد على نحو منفرد أوبمعزل عن المنظومة الدستورية والقانونية لهذه العملية.

فالعملية الإنتخابية تنتظمها نصوص دستورية وقانونية أخرى تسبق النصوص المتعلقة بقانون تنظيم الدوائر وتؤثر فيها وتحدد سلطة المُشرع بخصوصها ،وبغير معالجة هذه النصوص ربما لايكون هناك ما يستحق المناقشة فى قانون تقسيم الدوائر.بل إننا لاندرى ماهو المبرر لإفراد عملية قانون الدوائر بقانون خاص بدلاً من إلحاق المواد والجداول التى ينص عليها بمواد قانون إنتخاب مجلس النواب نفسه .لقد كان إلحاق نصوص تقسيم الدوائر بقانون الإنتخاب هو الحل الذى توجبه السياسة التشريعية الرشيدة بعد أن أنهى المشرع الدستورى عملية إزدواج السلطة التشريعية وقصرها على مجلس واحد هو مجلس النواب، وأنهى بذلك تلك الحالة الشائهة التى أوجدتها التعيلات التى أدخلت عام 1980على دستور 1971 الملغى .لقدإستحدثت التعديلات المذكورة إلى جوار مجلس الشعب وقتها مجلساً منتخباً آخر أسمته مجلس الشورى،كان عدد أعضاؤه يقارب ثلث أعضاء مجلس الشعب مما كان لازمه توسيع وتقليل الدوائر الخاصة به. كذا فمن المؤكد أن نصوص الدستور التى تحدد طريقة تشكيل المجالس المنتخبة ،وكذلك تلك المتعلقة بالحقوق والحريات العامة فى الدستوروالسوابق القضائية فى تطبيقها والتفسيرات القضائية لهذه المواد تمثل المجال الحيوي الذى تتحرك خلاله العملية التشريعية المنتجة لنصوص قانون تنظيم الدوائر. كما لايمكن مناقشة هذا القانون بمعزل عن مناقشة قانون إنتخاب مجلس النواب نفسه،وهو الحلقة الأساسية فى سلسلة النصوص القانونية المنظمة للعملية الإنتخابية.بل إن قانون تقسيم الدوائر قد لايعدو أن يكون نصوصاً لائحية وضعت لتنفيذ قانون الإنتخاب،غير أن الأهمية الكبرى لطريقة تقسيم الدوائر وأثرها البالغ فى تشكيل مجلس النواب، وأشخاص أعضائه وإنتماءاتهم السياسية والحزبية ،قد حتمت على مختلف النظم الإنتخابية أن ترتفع بالنصوص المتعلقة بتقسيم الدوائر الإنتخابية إلى مستوى القانون،أى إلى ذات المرتبة القانونية للنصوص المنظمة لإنتخاب المجالس النيابية منعاً للعبث بهذا التقسيم كلما تراءى لأى سلطة من سلطات الدولة التنفيذية أو التشريعية أن تعيد تقسيم الدوائر الإنتخابية بما يحقق المصالح الخاصة للمهيمنيين عليها، دون إعتبارلمصالح باقى المتنافسين فى العملية الإنتخابية.وهو غرض يمكن تحقيقه بسهولة ويسر من خلال العبث بأعداد الدوائر وتوزيعها الجغرافى لصالح سلطة إصدار نصوص تقسيم الدوائر.ومن هنا لاتترك معظم النظم الإنتخابية عملية تقسيم الدوائر الإنتخابية للوائح التنفيذية، التى تخضع لهيمنة السلطة التنفيذية فى مختلف النظم القانونية ،ولا تتمتع بالضمانات التى تتمتع بها النصوص القانونية .ذلك أن العملية التشريعية من خلال البرلمان،بل وحتى من خلال السلطة التنفيذية-حال غياب البرلمان -تخضع لمجموعة كبيرة من الضغوط والمناقشات والتوازنات السياسية والحزبية التى تقيد سلطة التشريع فلا تكون مطلقة اليد على النحو ولا بذات الدرجة التى تتمتع بها سلطة إصدار اللوائح،فضلاً عن سهولة إجراء التعديلات اللائحية بمجرد قرارات إدارية لصاحب السلطة فى الإصدار والتعديل. وبخلاف هذه الضوابط العامة التى تحكم العملية التشريعية،فإن قوانين إنتخاب المجالس النيابية تتولى المسائل الأساسية فى عملية إنتخاب هذه المجالس،بما يلزم أن لا تتجاوزه عملية تقسيم الدوائر والقانون المنظم لها.وهو ما فعله المشرع لدى إصاره القرار بقانون رقم 46لسنة 2014بشأن إنتخاب مجلس النواب.بدوره فإن المشرع الدستورى قد ألزم السلطة التشريعية بضوابط وقيود عديدة فيما يتعلق بطريقة إنتخاب المجلس ونوع التمثيل المطلوب إستيفاءه فى أعضاءه.وهى قيود لايمكن أن يتجاوزها المشرع عند إصداره القانون المنظم لهذه العملية.فإذا بلغنا مرحلة تقسيم الدوائر الإنتخابية فقد بات على المشرع أن يلتزم فى تحديدعدد ومواقع الدوائر الإنتخابية ما توجبه النصوص الدستورية ،وكذا نصوص قانون إنتخاب مجلس النواب.وسوف نحاول بعد إستعراض الضوابط الدستورية والقانونية أن نرى ما إذا كان قانون تقسيم الدوائر قد إلتزم هذه الحدود،ووصل بمراعاتها إلى أفضل الممكن أم أنه أخطأ الطريق ،بما أدى إلى الحكم بعدم دستوريته وإرجاء الإنتخابات النيابية التى كانت قد فتح باب الترشيح لهاعلى أساس ماأورده هذا القانون من تقسيم للدوائر. وعلى ذلك فسوف نعرض فى البندين الأولين من هذه الدراسة لتحليل النصوص الدستورية والقانونية المنظمة للعملية الإنتخابية بإعتبار أن هذا العرض هو المدخل الذى لا مدخل غيره لتقديم رؤية تحليلة نقدية لقانون تقسيم الدوائر،وهو الحاكم لدستورية نصوصه من عدمه،وهو ما نفعله فى البند الثالث والأخير . أولاً:-الأسس الدستورية الحاكمة لعملية تقسيم الدوائر. تتضمن الوثائق الدستورية المختلفة ،نصوصاً تخص تنظيم مجال أو مؤسسة ما وبيان المبدأ –أو المبادئ –الدستورية التى يتحتم إلتزامها فى هذا التنظيم ،و نصوصأ أخرى تتصل بموضوع هذا التنظيم وإن لم تكن تدخل فى صلبه من الناحية القانونية البحتة.كما تتضمن نصوصاً عامة حاكمة تبين الفلسفة الحاكمة للدستور ومجموعة المبادئ العامة والحقوق والحريات التى تعتبر المحور الأساسى للدستور.

ومن المبادئ العامة المستقرة أن فهم وإعمال كل نص إنما يدور فى إطار الوحدة الموضوعية للدستور،وفى إطار القواعد العامة للتفسير التى تعطى الأولوية للتفسير الذى يتيح إعمال سائر النصوص ،على تلك التفسيرات التى قد تؤدى إلى إهمال بعضها.وهو ما سبق وأن قننته أحكام المحكمة الدستورية العليا فى السابق وتضمنه الدستور الحالى بوضوح فى المادة 227منه.[1] فقد سبق أن قطعت المحكمة الدستورية بأنه"من المسلم به أنه ينبغى عند تفسير نصوص الدستور النظر إليها بإعتبارها وحدة واحدة يكمل بعضها بعضاً،بحيث لايفسر أى نص منها بمعزل عن نصوصه الأخرى،بل يجب أن يكون تفسيره متسانداً معها يفهم مدلوله فهماً يقيم بينها التوافق ويمنع التعارض[2]، وأن "التكامل بين النصوص الدستورية مؤداه إمتناع تعارضها وتماحيها،وتجانسها لاتهاترها ضماناً لتحقيق المقاصد التى ترتبط بها فلا يكون أحدها ناسخاً لسواه"[3] وقد قننت المادة 227 من الدستور هذا الوضع فى نص غير مسبوق فى الدساتير المصرية السابقة حيث نصت على أن "يشكل الدستور بديباجته وجميع نصوصه نسيجا مترابطا, وكلاً لا يتجزأ, وتتكامل أحكامه في وحدة عضوية متماسكة"[4].

1-وفى الإطار المتقدم فإن المادة رقم 102تكاد تكون هى المادة الوحيدة فى الدستور التى خصصت لتنظيم موضوع عملية إنتخاب مجلس النواب بما فيها تقسيم الدوائر كأحد أهم مدخلات العملية الإنتخابية وقد جاء نص هذه المادة كما يلى:- " يشكل مجلس النواب من عدد لا يقل عن أربعمائة وخمسين عضوا، ينتخبون بالاقتراع العام السرى المباشر. ويشترط فى المترشح لعضوية المجلس أن يكون مصرياً، متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية، حاصلاً على شهادة إتمام التعليم الأساسى على الأقل، وألا تقل سنه يوم فتح باب الترشح عن خمس وعشرين سنة ميلادية. ويبين القانون شروط الترشح الأخرى، ونظام الانتخاب، وتقسيم الدوائر الانتخابية، بما يراعى التمثيل العادل للسكان، والمحافظات، والتمثيل المتكافئ للناخبين، ويجوز الأخذ بالنظام الانتخابى الفردى أو القائمة أو الجمع بأي نسبة بينهما. كما يجوز لرئيس الجمهورية تعيين عدد من الأعضاء فى مجلس النواب لا يزيد على 5% ويحدد القانون كيفية ترشيحهم."[5] ومن واقع هذه المادة يبين انها ألزمت المشرع بقيود جوهرية لابد من مراعتها عند وضع التشريعات المتعلقة بتشكيل مجلس النواب.فقد حددت المادة بعض الشروط التى ينبغى توافرها فيمن يرشح نفسه لعضوية المجلس،وأحالت للقانون فى الشروط الأخرى وكذلك نظام الإنتخاب وتقسيم الدوائر مقيدة المشرع بضوابط محددة:- - فالمجلس لايجوز أن يقل عدد أعضائه عن 450عضواً. - وسن المرشح لاتقل عن خمسة وعشرين عاماً. - وللمشرع سلطة تحديد نظام الإنتخاب وفقاً لأى نظام يختاره سواء فردى أو قائمة أو مختلط بأى نسبة بين النظامين، بينما قيدته بمجموعة من الشروط الموضوعية فيما يخص طريقة تقسيم الدوائر." بما يراعى التمثيل العادل للسكان، والمحافظات، والتمثيل المتكافئ للناخبين".وهذان القيدان "التمثيل العادل للسكان والمحافظات/والتمثيل المتكافئ للناخبين هما المدخل الأساسى فى المقاربة الدستورية لنصوص قانون إنتخاب مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014[6]، ومن بعده قانون تقسيم الدوائر الإنتخابية رقم 202 لسنة 2014[7].

وهذه الشروط ستكون مناط أى طعون إنتخابية لاحقة قد تؤثر على مسيرة البرلمان القادم سواء قبل أو بعد إنتخابه 2-ويتصل بما سبق إتصالاً مباشراً دون أن يكون تنظيم إنتخاب المجلس هوموضوعهما المباشر ،نص االمادة 88 بأن"تلتزم الدولة برعاية مصالح المصريين المقيمين فى الخارج وحمايتهم وكفالة حقوقهم وحرياتهم وتمكينهم من آداء واجباتهم العامة نحو الدولة والمجتمع وإسهامهم فى تنمية الوطن .وينظم القانون مشاركتهم فى الإنتخابات والإستفتاءات بما يتفق والأوضاع الخاصة بهم دون التقيد فى ذلك بأحكام الإقتراع والفرز وإعلان النتائج المقررة بهذا الدستور وذلك كله مع توفير الضمانات التى تكفل نزاهة عملية الإنتخاب أو الإستفتاء وحيادها. وكذا نص المادة 236بأن "تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها فى مشروعات التنمية وفى أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلى، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك على النحو الذى ينظمه القانون.

وتعمل الدولة علي وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلي مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذى ينظمه القانون ". فأما المادة 88 فواضحة فى ضرورة تنظيم مشاركة المصريين فى الخارج فى العملية الإنتخابية والمؤكد ان تعبير المشاركة عندما يرد فى الدستور بشكل مطلق ،ومرتبط بإلتزام الدولة بتمكينهم من آداء الواجبات العامة وكفالة حقوقهم وحرياتهم وبمراعاة الظروف الخاصة بهم والتجاوز عن القواعد الدستورية الحاكمة للعملية الإنتخابية ، من المؤكد أن النص على هذا النحو إنما يشمل المشاركة فى الترشيح والإنتخاب ويوجه الشارع توجيهاً حاسماً إلى تنظيم كل من الترشيح والإنتخاب على النحو الذى يراعى هذه الأوضاع الخاصة بكونهم"المصريين فى الخارج".. أما المادة 236،فقد أكد مسؤل بلجنة وضع القانون أنها إلى جانب المواد 11،88،102،من المواد التى حكمت واضعى القانون[8] ، ولعل وجه الإتصال بين المادة وبين قانون تقسيم الدوائر أن يكون ما لمسه أعضاء لجنة القانون من توجه الشارع الدستورى نحو تنمية هذه المناطق ومراعاة طابعها وانماطها الثقافية وأن هذا يوجب ضمان مشاركة اهلها فى البرلمان بما يتحتم معه مراعاتها فى تقسيم الدوائر.وهو ما يعنى أن هذه المادة قد أضافت شرطاً آخر فى تقسيم الدوائر لم تورده المادة 102،أو انها قد قيدت شروط المادة 102 فى خصوص التوازن السكانى وتكافؤ الناخبين بالنسبة لهذه المناطق القليلة السكان.

3-أما نصوص الدستور المتعلقة بالمبادئ العامة التى يعمل فى إطارها نص المادة 102من الدستور سالفة الذكر والتى لايجوز للنصوص القانونية أن تتجاوزها لدى إعمالها للمتطلبات المباشرة للمادة 102 سابقة الإشارة فهى:- المادة التاسعة ونصها"تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز". والمادة الحادية عشر التى تنص على أنه"تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأه والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور.

وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسبا فى المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها فى تولى الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا فى الدولة والتعيين فى الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها".

والمادة الثالثة والخمسون ونصها"المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الإجتماعى، أو الإنتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأى سبب آخر التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء علي كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض". ونعتقد أيضاً أن نص المادة الثالثة والتسعين الذى يقرر أن"تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة".سوف يكون مطروحاً على بساط البحث عند تناول أى وجوه عوار تخص النظام الإنتخابى بشقيه قانون إنتخاب مجلس النواب وقانون تقسيم الدوائر. ولئن كان هذا النص جديداً بدوره كما هو نص المادة 227 سابقة الإشارة فإنه يجدر التنويه إلى ان المحكمة الدستورية العليا قد إستبقت إلى تقرير مرجعية الإتفاقات الدولية التى صدقت عليها مصر،بل والعهود والمواثيق الدولية المستقرة بما احتوته من المبادئ التى إعتبرتها المحكمة الدستورية العليا مما يتصل بقاعدة كلية مما جرت الوثائق الدستورية على احتوائها وإدراجها تحت نصوصها، وتلك هي القواعد الدستورية بطبيعتها التي لا تخلو منها في الأعم أية وثيقة دستورية، والتي يتعين كي يكون التنظيم التشريعي مكملا لها أن يكون محددا لمضمونها مفصلا لحكمها مبينا لحدودها"وإستبعدت من نطاق القوانين المكملة للدستور،" كل مشروع قانون لا تربطه أية صلة بالقواعد الدستورية الأصيلة، بل يكون غريبا عنها مقحما عليها." هذه النصوص الدستورية الأربعة تمثل المجال الحيوى الذى يجرى فى إطاره فهم وإعمال نص المادة 102 التى نظمت موضوع إنتخاب مجلس النواب بشقيه قانون الإنتخاب وقانون تقسيم الدوائر. وهذا هو ما إستقرت عليه أحكام المحكمة الدستورية العليا وبمقتضاه حكمت بحل المجالس التشريعية المنتخبة أعوام 1984،1987،2012،حيث إستعرضت المحكمة نصوص قوانين إنتخابات مجلسى الشعب والشورى والحكم المحلى،وكذا مرت بنصوص قانون تقسيم الدوائر فى حينه وأنتهت إلى ان تلك النصوص كانت تهدر مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص المصونيين بالدستور وقضت بعدم دستوريتها لهذا السبب،وهى الأحاكم التى ترتب عليها حل المجالس المنتخبة فى كل تلك الحالات كل فى حينه[9].وبالتالى فلا يمكن النظر للمادة 102 من الدستور الحالى بمعزل عن باقى المواد السابق بيانها،وعليه سوف تكون هذه النصوص الخمسة مجتمعة هى أساس هذه الرؤية التحليلية النقدية للعملية الإنتخابية كما جرى تقنينها فى قانون تقسيم الدوائر ،ومن قبله فى قانون إنتخاب مجلس النواب الذى نتناوله فى البند التالى. ثانياً:- تأثير قانون إنتخاب مجلس النواب فى تقسيم الدوائر الإنتخابية. تعتبر المواد الخمس الأولى من قانون إنتخاب مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014هى المواد التى حكمت عملية تقسيم الدوائر على النحو الذى تضمنه قانون تقسيم الدوائر رقم 202 لسنة 2014،وقد جرت نصوص هذه المواد من القانون الأول كما يلى:- مادة «1» يشكل أول مجلس نواب بعد العمل بالدستور الصادر فى 18 من يناير 2014 من 540 عضوا، ينتخبون بالاقتراع العام السرى المباشر. ويجوز لرئيس الجمهورية تعيين ما لا يزيد على (5 %) من الاعضاء وفق الضوابط المنصوص عليها فى هذا القانون. تعريفات مادة «2» فى تطبيق أحكام هذا القانون، يقصد بالصفات التالية المعانى المبينة قرين كل منها: الفلاح : من تكون الزراعة عمله الوحيد ومصدر رزقه الرئيس لمدة عشر سنوات على الأقل سابقة على ترشحه لعضوية مجلس النواب ويكون مقيما فى الريف وبشرط ألا َّتتجاوز حيازته الزراعية هو وزوجه وأولاده القصر ملكا أو إيجارا أكثر من عشرة أفدنة . العامل : من يعتمد بصفة رئيسة على دخله بسبب عمله اليدوى ولا يكون منضما إلى نقابة مهنية أو مقيدا فى السجل التجارى أومن حملة المؤهلات العليا ويستثنى من ذلك أعضاء النقابات المهنية من غير حملة المؤهلات العليا وكذلك من بدأ حياته عاملا وحصل على مؤهل عال وفى الحالتين يجب لاعتبار الشخص عاملا أن يكون مقيدا فى نقابة عمالية. الشاب: من بلغت سنه خمسا وعشرين سنة ميلادية فى يوم فتح باب الترشح ولم يبلغ الخامسة والثلاثين سنة فى التاريخ ذاته وإن تجاوز هذه السن طوال مدة عضويته . المواطن ذو الإعاقة: من يعانى من اعاقة لا تمنعه من القيام بمباشرة حقوقه المدنية والسياسية على نحو ما يحدده تقرير طبى يصدر وفق الشروط والضوابط التى تضعها اللجنة العليا للانتخابات بعد أخذ رأى المجلس القومى للاشخاص ذوى الاعاقة. المصرى المقيم فى الخارج: من جعل إقامته العادية خارج جمهورية مصر العربية بصفة دائمة بأن حصل على إذن بالإقامة الدائمة فى دولة أجنبية أو أقام بالخارج مدة لا تقل عن عشر سنوات سابقة على تاريخ فتح باب الترشح.

ولا يعتبر مقيما فى الخارج فى تطبيق أحكام هذا القانون الدارس أو المعار أو المنتدب فى الخارج. وتبين اللائحة الداخلية لمجلس النواب كيفية ممارسته لمهام العضوية توزيع المقاعد بين النظامين الفردى والقائمة. مادة «3» يكون انتخاب مجلس النواب بواقع 420 مقعدا بالنظام الفردى و120 مقعدا بنظام القوائم المغلقة المطلقة ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح فى كل منهما . تقسيم الدوائر الانتخابية مادة «4» تقسم جمهورية مصر العربية إلى عدد من الدوائر تخصص للانتخاب بالنظام الفردى و عدد 4 دوائر تخصص للانتخاب بنظام القوائم. يخصص لدائرتين منها عدد 15 مقعدا لكل منها ويخصص للدائرتين الاخريين عدد 45 مقعدا لكل منهما ويحدد قانون خاص عدد ونطاق ومكونات كل منها وينتخب عن كل دائرة منها عدد الأعضاء الذى يتناسب وعدد السكان والناخبين بها بما يراعى التمثيل العادل للسكان والمحافظات والمتكافئ للناخبين. التمثيل المناسب والملائم لبعض المصريين مادة «5» يجب أن تتضمن كل قائمة انتخابية عددا من المترشحين يساوى العدد المطلوب انتخابه فى الدائرة و عددا من الاحتياطيين مساويا له. وفى أول انتخابات لمجلس النواب تجرى بعد العمل بهذا القانون يتعين أن تتضمن كل قائمة مخصص لها عدد 15 مقعدا الاعداد والصفات الاتية على الاقل: ـ ثلاثة مترشحين من المسيحيين . ـ مترشحين اثنين من العمال والفلاحين ـ مترشحين اثنين من الشباب. ـ مترشح من الاشخاص ذوى الاعاقة ـ مترشح من المصريين المقيمين فى الخارج, على أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو من غيرهم سبع نساء على الاقل ويتعين أن تتضمن كل قائمة مخصص لها عدد 45 الاعداد والصفات الاتية على الاقل. ـ تسعة مترشحين من المسيحيين ـ ستة مترشحين من العمال والفلاحين ـ ستة مترشحين من الشباب ـ ثلاثة مترشحين من الاشخاص ذوى الاعاقة ـ ثلاثة مترشحين من المصريين المقيمين فى الخارج على أن يكون من بين اصحاب هذه الصفات او من غيرهم احدى وعشرون من النساء على الاقل وفى جميع الاحوال يجب ان يتوافر فى المرشحين الاحتياطيين ذات الاعداد والصفات المشار اليها ولاتقبل القائمة غير المستوفية ايا من الشروط والاحكام المشار اليها فى هذه المادة. ويجوز ان تتضمن القائمة الواحدة مترشحى اكثر من حزب كما يجوز ان تشكل القائمة من مترشحين مستقلين غير منتمين لاحزاب أو أن تجمع بينهم 00إلخ. وبتحليل المواد المتقدمة يتضح أن إلتزام النصوص الدستورية سالفة البيان قد ألجأ واضعى القانون إلى تحديد عضوية البرلمان المنتخبة بعدد 540 عضواً،120،منهم فقط بنظام القائمة،اما البقية وعددهم 420،فقد جرى إختيار نظام الإنتخاب الفردى لطريق لإختيارهم.ثم إنهم قدروا أن يبادر قانون الإنتخاب إلى تحديد عدد القوائم الإنتخابية الذى لايجوز تجاوزه وحددوه بأربع قوائم وضعوا سائر تفاصيلها،ولم يتركوا لقانون تقسيم لدوائر إلا تحديد نطاقها الجغرافى، شأن تحديد عدد والنطاق الجغرافى للدوائر الفردية الذى تركوه أيضاً لقانون تقسيم الدوائر. ولما كان الدستور قد إستحدث تمييزاً إيجابياً لست فئات أوجب ان تمثل بشكل ملائم –أو مناسب-فى مجلس النواب التالى لصدور الدستور،فقد كان من الطبيعى أن يهتم القانون بتحديد هذه الفئات وبيان تعريفاتها.فعرف ما هو المقصود بكل من العامل والفلاح والشاب والمواطن ذى الإعاقة والمصرى المقيم فى الخارج،وهى الفئات التى كان يلزم تعريفها والتى ميزها الدستور إيجابياً كما قدمنا بالإضافة لفئتين أخريين هما المرأة والمسيحيين وكلاهما معرف بحسب النوع الإجتماعى أو الإنتماء الدينى بما لايحتاج إلى تعريف خاص إضافى. ثم إستكملت المواد ما رآه واضعوها مناسباً لإستكمال الأوضاع التى أوجبها الدستور فى تشكيل المجلس على النحو الذى حددته المواد ،وأوجبت أن تشتمل عليه كل قائمة من القوائم الأربع التى رأت لجنة وضع القانون أنها العدد الملائم لتلبية مطالب الدستور،ووجدت ان تحديد أعدادها على النحو المذكور هو مايكفل تلبية هذه المطالب.وبالطبع حددت المسائل الإجرائية المتعلقة بتشكيل القوائم وترتيبها وحالة ما قد يعتريها من نقص لأسباب خارجة عن إرادة القائمين عليها.

والآن بقى لنا تحليل قانون تقسيم الدوائر لنرى مدى وفائه بهذه القواعد الدستورية الملزمة ،وتلك القانونية التى إلتزمها قانون الدوئر ولم يعدل فيها، وهو مانتاوله فى البند التالى وهو البند الأخير.. ثالثاً:-قانون تقسيم الدوائر فى ضوء النصوص السابقة. توخياً للموضوعية فى التحليل نبدأ بما أوردته المذكرة الإيضاحية للقانون ،والتى نوهت بداية بما أورده قانون مجلس النواب من طريقة تشكيل المجلس ونظام إنتخابه وعدد أعضائه.وما ينتخب لكل دائرة من عدد الأعضاء الذى يتناسب وعدد السكان والناخبين بها، بما يراعى التمثيل العادل للسكان والمحافظات، والمتكافئ للناخبين، على أن يحدد قانون خاص عدد ونطاق ومكونات كل منها.

وأن لجنة إعداد مشروع القانون قسمت الدوائر الانتخابية على مستوى الجمهورية، إلى 232 دائرة بالنظام الفردى وعدد 4 دوائر للانتخاب بنظام القوائم.

وتم الاعتماد فى إعداد هذا التقسيم على البيان الرسمى لعدد السكان بالدولة وإمداد أجهزتها بمختلف الإحصائيات، وبيان أعداد الناخبين المسجلين بقاعدة بيانات الناخبين من اللجنة العليا للانتخابات.وأنه قد جرى إعداد جداول تبين عدد ومكونات الدوائر الانتخابية، وذلك بمراعاة عدة ضوابط وعلى الأخص ما يأتى:- أن يمثل النائب فى أية دائرة من الدوائر الانتخابية ذات العدد من الناخبين الذى يمثله باقى النواب فى الدوائر الأخرى لأعمال التمثيل المتكافئ للناخبين فى مجلس النواب، وقد روعى أن تكون هذه الفروق بين هذه الأعداد، وبين المتوسط العام لأعداد من يمثلهم النائب على مستوى الدولة فى حدود المعقول. انضباط تقسيم الدوائر بحيث يتناسب وعدد السكان فى كل دائرة من الدوائر التى تقسم إليها البلاد. عدالة تمثيل المحافظات بضمان تمثيل كل محافظات الدولة فى مجلس النواب بصرف النظر عن عدد سكانها. مراعاة بعض المبررات الموضوعية، التى تتفق والتوجهات الدستورية، مثل طبيعة بعض المحافظات الحدودية أو المحرومة، واعتبارات تنوع المكونات السكانية أو تمثيل بعض المناطق، التى لم تكن ممثلة من قبل، أو لتحفيز التوطن فى المجتمعات العمرانية الجديدة فى ضوء الوزن النسبى للمقعد، ومراعاة التقسيم الإدارى المعتمد والمعمول به حاليا، وعدم استقطاع أجزاء من المكونات الإدارية للدوائر الانتخابية، وكذلك مراعاة التجاوز الجغرافى للمكونات الإدارية داخل هذه الدوائر. ومن الناحية النظرية البحتة ،لا شك لدينا أن هذه الإعتبارات التى حددتها المذكرة الإيضاحية هى إعتبارات تنسجم مع التوجهات الحديثة فى الفكر الدولى لعملية تقسيم الدوائر كما أنها تنسجم مع التنظيم الجديد لالكلية الذى أوجبه الدستور فى عضوية مجلس النواب وطريقة ونظام إنتخابه. وقد أكد قسم التشريع بمجلس الدولة إلتزام مشروع القانون بهذه المعايير عندماعرض عليه مشروع القانون قبل إصداره ،وأوضح أن اللجنة المشكلة لوضع القانون استجابت للملاحظات التي أبداها مجلس الدولة في حضور وزير العدالة الانتقالية وبعض أعضاء اللجنة، وتم زيادة عدد الدوائر الانتخابية من 232 إلى237 دائرة، فضلا عن زيادة عدد المقاعد المخصصة لمحافظة الجيزة من 32 إلى 33. وأن لجنة القانون عرضت على القسم المبررات والدواعي التي حالت دون تلبية بعض الملاحظات، نظرا لإكتفاء المحافظات محل الملاحظات بالعدد اللازم لكل دائرة من الدوائر، التي تتكون منها المحافظة، فضلا عن وقوع هذه الفروق داخل الحدود المعقولة والمقبولة في تقسيم الدوائر على نحو يتفق مع ما انتهت إليه قرارات المحكمة الدستورية، فضلاً عن وجود اعتبارات اقتصادية واجتماعية تحول دون إنقاص المقاعد في بعض المحافظات . وقد راعى المشروع المناطق الحدودية وكفل لها تمثيلا يتناسب مع أهميتها استجابة للإشارات الواردة في الدستور في المادة 236، وكان القسم قد فحص مدى التزام المشروع للوزن النسبي لعدد المقاعد المخصصة لكل محافظة، وأن الفروق الموجودة بين المقاعد في حدود المعقول، الذي لا يمكن معه اعتبار عملية تقسيم الدوائر عملية حسابية مطلقة. وأكد رئيس قسم التشريع بمجلس الدولة أن المشروع المعروض يتوافق مع المعايير المنصوص عليها فى الدستور، وهي عدالة التمثيل للسكان والمحافظات، والتكافؤ للناخبين كما يتفق مع المعايير الدولية المعمول بها في الدول. وأكد أحداأعضاء لجنة وضع المشروع ذات المعانى السابقة مؤكداً أن اللجنة اتبعت معيار التمثيل العادل للسكان والمحافظات والمتكافئ للناخبين.

وأنها حققت المعيار العادل لتمثيل السكان والناخبين من خلال حساب متوسط عدد الناخبين، وعدد سكان الجمهورية معًا، ثم قسمة المتوسط على عدد المقاعد الفردي، وكان الناتج 168 ألف مواطن، ثم قسمة متوسط عدد سكان وناخبي كل محافظة على 168 ألفًا، ليصبح نصيب كل محافظة من عدد المقاعد الفردي.

الأمر الذي جعل مجلس الدولة يرى بعد مراجعة القانون أن اللجنة قد تبنت معيارًا مجردًا عن الهوى والميل السياسي في وضع الوزن النسبي للمقعد، وذلك بعد تحققه من الوزن النسبي المخصص لكل محافظة، وأنه في حال وجود انحراف فهو في الحدود المقبولة.

وأكد العضو أن المحافظات الحدودية ذات طبيعة خاصة، ولا يمكن أن توزن بعدد السكان والناخبين، لأنها صغيرة سكانيًّا.

مضيفًا أن اللجنة راعت معيار التقسيم الإداري للدولة؛ حيث لا تُرسم الحدود بين الدوائر الانتخابية بطريقة تعسفية، بل الالتزام بالمكونات الإدارية.

وأكد أن المجموع النهائي المخصص لعدد المقاعد لكل محافظة يتناسب مع عدد سكانها وناخبيها.

كما أشار إلى أن التقسيم سيخلق تنافسًا، وهو أمر محمود، وأن هذا شأن أي تقسيم إداري كان سيتم الأخذ به، فالتنافس مطلوب ليفرز المجتمع أفضل ما لديه.

الأمر نفسه في تقسيم القوائم الأربع، فمتوسط عدد السكان والناخبين مقسوم على عدد المقاعد المخصصة للقائمة، ثم حساب نصيب كل محافظة من الناتج.

وبالتالي فإن القانون بُني بعيدًا عن تحيزات السياسة، كما استحضر روح الدستور[10]. هذا الذى ورد فى الأطروحات السابقة سواء بالمذكرة الإيضاحية أو بيان قسم التشريع بمجلس الدولة أو من واقع أحاديث منسوبة لبعض أعضاء اللجنة يشى بملحوظات هامة عديدة منها:- 1-أنه برغم ما جاء فى بيان قسم التشريع بمجلس الدولة من أن العملية لايمكن أن تجرى بشكل حسابى مطلق فإن الحقيقة أن واضعى القانون نظروا إلى القانون نظرة مادية حسابية بحتة حكمتهم فى تحديد عدد الدوائر الفردية والعدد اللازم لتمثيلها من النواب. 2-أن ثمة نوع من الإرتباك سواء من قبل اللجنة او من قبل قسم التشريع بمجلس الدولة حول معايير النظر لسلامة النصوص مابين المعيار الحسابى البحت الذى نفاه كلا الطرفين،والمعيار الدستورى والقانونى المحايد الذى قرر الطرفان أنه قد وقع الإلتزام به،ومعايير الموائمة السياسية التى أكد الطرفان أن القانون إبتعد عنها رغم الإشارات الواضحة التى تفيد ان هذه العوامل قد وضعت فى الإعتبار.كما هو واضح مثلاً مماورد فى تقرير قسم التشريع عن "وجود اعتبارات اقتصادية واجتماعية تحول دون إنقاص المقاعد في بعض المحافظات "وهو ما يدخل فى باب الموائمات السياسية بما لا يتسق تماماً مع ما "أكده رئيس قسم التشريع بمجلس الدولة أن المشروع المعروض يتوافق مع المعايير المنصوص عليها فى الدستور، وهي عدالة التمثيل للسكان والمحافظات، والتكافؤ للناخبين كما يتفق مع المعايير الدولية المعمول بها في الدول".

كذلك أطل هذا المعيار السياسى فى تصريحات عضو اللجنة سابق الإشارة والذى"أشار إلى أن التقسيم سيخلق تنافسًا، وهو أمر محمود، وأن هذا شأن أي تقسيم إداري كان سيتم الأخذ به، فالتنافس مطلوب ليفرز المجتمع أفضل ما لديه.

الأمر نفسه في تقسيم القوائم الأربع".وذلك على عكس ما قال فى ذات الحديث من أن"اللجنة قد تبنت معيارًا مجردًا عن الهوى والميل السياسي في وضع الوزن النسبي للمقعد، وذلك بعد تحققه من الوزن النسبي المخصص لكل محافظة، وأنه في حال وجود انحراف فهو في الحدود المقبولة".

3-على أننا نشك كثيراً فى أن عملية تقسيم الدوائر قد جرت على النحو المأمول معه عدم تعرضها لأى مشاكل دستورية لاحقة.ذلك أن الدوائر التى تنتخب بنظام القوائم المطلقة فقد لحقها نفس العوار الذى أبطلت المحكمة الدستورية العليا بمقتضاه النصوص السابق بيانها وهو كون النصوص الجديدة شأن النصوص السابق القضاء بعدم دستوريتها قد جانبت الإلتزام بمبدأى المساواة وتكافؤ الفرص المكفولين فى الدستور.فضلاً عن العوار الأصلى فى قانون الإنتخاب الذى حدد هذه القوائم بأربعة قوائم على مستوى الجمهورية وجعلها قوائم مغلقة تنتخب بنظام الأغلبية المطلقة. 4-والحق أن الصعوبات التى واجهها واضعوا القانون تنبع فى جوهرها من التعقيد الذى أوجده الدستور فى تشكيل المجلس عندما منح التمييز الإيجابى لست فئات وهو مالا مثيل له فى أى نظام إنتخابى آخر فى حدود علمنا،فقد كانت اللجنة مطالبة بإستيفاء هذا التمثيل لهذه الفئات،فى ظل نصوص تعتمد تعبيرات لغوية ليس لها أى مدلول قانونى محدد مثل تعبيرات"التمثيل الملائم،التمثيل المناسب" إلخ. 5-وليس بعيداً عن تقرير الحقيقة أن اللجنة فى هذا المدخل الحسابى الصرف لم تلتف إلى قاعدة المساواة وتكافؤ الفرص كما إستقرت عليها أحكام المحكمة الدستورية العليا وأبطلت بموجبها عدة مجالس منتخبة تشريعية ومحلية فى ست سوابق دستورية يستحيل للمحكمة ان تتراجع عنها ،بإعتبارها محكمة سوابق تلزم نفسها بعدم الرجوع فى ما سبق لها حسمه من مبادئ فى تأويل النصوص الدستورية. بل الحق أن نصوص تقسيم الدوائر الجديدة قد أضافت إلى عوار غيبة المساواة وتكافؤ الفرص بالنسبة للمرشحين وحدهم فى السوابق المذكورة والذى رتبته مرة على حرمان المستقلين من الترشح ،ورتبته فى المرة الثانية وهو الأهم على إتساع الدوائر بشكل يعجز المستقلين عن المنافسة فيها أمام مرشحى الأحزاب .أضاف القانون الجديد إلى هذا العوار عواراً آخر بكون هذا الإتساع فى الدوائر لا يستقيم على معيار واحد إلا ذلك المعيار الحسابى الصرف لعدد الناخبين الذين يمثلهم كل نائب على وجه التقريب.فلا يمكن تصور وجود دائرة واحدة تتسع للمساحة الواسعة الممتدة من محافظة الجيزة إلى محافظة البحر الحمر شاملة جميع محافظات الصعيد،وأخرى مماثلة للمساحة الواسعة الممتدة من القاهرة إلى معظم محافظات الدلتا ولكل منها 45 نائباً،ثم إفراد الأسكندرية ومحافظات قليلة أخرى بقائمة تضم 15 مقعداً شأنها شأن القائمة الرابعة لبقية محافظات الدلتا والقناة وسيناء. هذه كلها تقسيمات لدوائر واسعة بلا أى ضابط ضمت مناطق ،حضرية وريفية،مخططة وعشوائية،صناعية وزراعية،عالية ومنخفضة التعليم ،غنية وفقيرة بما يزرى تماماً بمزاعم المذكرة الإيضاحيةالمؤيدة من قسم التشريع بمجلس الدولة عن "انضباط تقسيم الدوائر بحيث يتناسب وعدد السكان فى كل دائرة من الدوائر التى تقسم إليها البلاد.عدالة تمثيل المحافظات بضمان تمثيل كل محافظات الدولة فى مجلس النواب بصرف النظر عن عدد سكانها.مراعاة بعض المبررات الموضوعية، التى تتفق والتوجهات الدستورية، مثل طبيعة بعض المحافظات الحدودية أو المحرومة، واعتبارات تنوع المكونات السكانية أو تمثيل بعض المناطق، التى لم تكن ممثلة من قبل، أو لتحفيز التوطن فى المجتمعات العمرانية الجديدة فى ضوء الوزن النسبى للمقعد". 6- أما بالنسبة للمصريين فى الخارج فقد إكتفى قانون الإنتخاب بمنحهم مرشح واحد فى كل قائمة من القائمتين المكونتين من 15 مرشح وثلاثة لكل قائمة مكونة من 45،وجاء قانون الدوائر خالياً من تحديد أى دوائر خاصة بهم وذلك كله على عكس نص المادة 88 من الدستور التى قررت حقوقهم فى المشاركة والترشيح والإنتخاب بما يناسب أوضاعهم لدرجة أنها إستثنهم من الأحكام الدستورية نفسها بخصوص الفرز والتصويت وإعلان النتيجة وهو ما يعنى أنها قصدت مراعاة أوضاعهم خارج البلاد ،وإختلافها بالكلية عن أوضاع المصريين فى داخل البلاد ،الأمر الذى نرى معه عدم دستورية خلو القانون من إفرادهم بدوائر خاصة فى أماكن تجمعاتهم بالخارج. 7- هذا فضلاً عن عدم مراعاة النسبة والتناسب بين عدد الأعضاء المنتخبين بنظام القوائم وأولئك المنتخبين بالنظام الفردى لصالح هذا النظام الأخير بما يهدر كل حكمة من إختيار النظام المختلط وبما يناقض –فى رأينا- حكمة الشارع الدستورى فى فتح الباب أمام إختيار النظام المختلط.حيث لايمكن ان يكون المشرع الدستورى قد قصد من فتح هذا الباب وإطلاق يد المشرع العادى فى تحديد اى نسبة بين النظامين حال إختياره النظام المختلط،لا يمكن أن يكون المشرع قد قصد إلى مجرد هذه العملية الشكلية التعسفية التى جسدتها النسب المخصصة لكلا النظامين كما حددها قانون الإنتخاب ونفذها قانون تقسيم الدوائر . 8-ونفس أوجه العوار السابقة لحقت بنظام الإنتخاب الفردى وتقسيم دوائره على ذلك النحو التعسفى الذى جمع مناطق كثيرة فى دائرة واحدة حدد لها ثلاثة نواب،وجمع مناطق اخرى أقل خصها بنائبين،بينما أنعم على مناطق اخرى صغيرة الحجم والسكان فجعلها دائرة ضغيرة يمثلها نائب واحد..وذلك كله بعملية تقسيم تعسفية لايمكن رصد اى منطق لها إلا المنطق الحسابى البحت والذى حفز اللجنة على تجميع كل عدد من السكان أو الناخبين المتوافقين مع المتوسط الحسابى الذى يمثله نائب واحد،ودون أى إعتبارات أخرى من التى زعم أنه جرى مراعتها. 9-وهكذا أهدرت المساواة بين المرشحين سواء بنظام القوائم أو النظام الفردى،مابين مرشح مطلوب منه أن يلهث مع قائمته فى دائرة تتسع لمئات الكيلو مترات،وبين بيئات وشرائح إنتخابية مختلفة المشارب والأهواء بلا رابط،وآخر ليس مطلوباً منه مع قائمته إلا التحرك فى دائرة لاتجاوز عشرات الكيلو مترات وإن عانى مثل صاحبه من إختلاف الأهواء والأجواء وأمزجة وطبائع ومصالح الناخبين.ومثله المرشح بالنظام الفردى الذى قد يحمل ثلاث فرص للفوز فى دائرة شديدة الإتساع،أو يحمل فرصتين فى دائرة أقل إتساعاً،او فرصة واحدة فى دائرة محدودة المساحة وذلك كله بلا منطق معلوم. وفى جميع الأحوال يعانى المرشحون المستقلون من المنافسة مع المرشحين الحزبيين الذين سبق وأن أبطلت المحكمة الدستورية العليا نصوصاً إنتخابية مماثلة لأنها تتيح لهم من خلال إتساع الدوائر وتراميها فرصاً لاتتاح للمستقلين. أما النظام الفردى فبرغم كونه النظام الأساسى الذى يمثل عماد البرلمان بمقتضى نسبة العضوية المنتخبة على أساسه والتى تبلغ 80% فقد خلا من أى تمييز إيجابى لصالح أى فئة من التى طلب الدستور تمييزها فى هذا البرلمان فقط. 10- على ان النظام الجديد فى الإنتخاب وتقسيم الدوائر لم يكتف بإهدار المساواة وتكافؤ الفرص بين المرشحين وحدهم بل حمل ذات العوار لأول مرة بالنسبة للناخبين، فهزأ بقاعدة تكافؤ الناخبين التى نص عليها الدستور وأهدر أصوات ما قد يقارب نصف عدد ناخبى كل دائرة ،وذلك بإختياره نظام القوائم المطلقة حيث يكفى أى قائمة أن تحصل على صوت ناخب واحد رائد على نصف الناخبين لتفوز بجميع المقاعد مهدرة أصوات النصف الباقى من الناخبين الذى لم يحصل على هذا الصوت الوحيد الزائد.ويبقى ان ثمة ناخب مميز محظوظ من حقه أن يختار قائمة من خمسة وأربعين عضواً و عدد ثلاثة نواب فرديين،بينما زميله الأقل حظاً لايحظى بإنتخاب أكثر من خمسة عشر نائباً بنظام القوائم و نائب واحد منفرد وربما نائبين. وهكذا ينتهى بنا الحال إلى نظام إنتخابى قاصر غريب بشقيه سواء المنظم للإنتخاب أو المحدد للدوائر.ترك فرصاً كبيرة لمطاعن دستورية جادة أدت فعلاً للحكم بعدم دستوريته،حتى وإن جاء هذا الحكم قاصراً على النص المتعلق بالدوائر الفردية ومقراً بدستورية الدوائر المحددة لنظام القوائم وهو مانراه مخالفاً لما كنا نظنه مع آخرين من مختلف رجال القانون والقضاء فى ضوء المبادئ المستقرة من واقع الأحكام السابقة للمحكمة الدستورية العليا. على أن هذه التوقعات لم تكن مجانبة للصواب فى ذاتها،لكن المحكمة هى التى أحدثت جديداً فى تطبيقها لمبدأ المساراة وتكافؤ الفرص عن ذلك التطبيق الذى قامت به لذات المبدأ فى الأحكام السابقة والتى سبق أن أشرنا إليها. وقد إعتمدت المحكمة فى هذا التطبيق الجديد على المادة المستحدثة فى الدستور وهى المادة(102)من الدستور،والتى قدرت المحكمة أنها ألزمت المشرع بضوابط أساسية فى تقسيم الدوائر وهى"التمثيل العادل للسكان والمحافظات بحيث لا تستبعد عند تحديد الدوائر أى محافظة من المحافظات أوالكتل السكانية التى تتوافر لها الشروط والمعايير التى سنها المشرع وحددها الدستور ،أو ينتقص حقها فى ذلك على أى وجه من الوجوه.فضلاً عن وجوب التقيد فى كل ذلك بتحقيق التمثيل المتكافئ للناخبين،بما يستوجبه من عدم إهدار المساواة وتكافؤ الفرص فى الثقل النسبى لأصوات الناخبين وعدد االسكان". وأكدت المحكمة أنها لاتقصد تساوياً حسابياً مطلقاً،وإنما يكفى لإعمال هذه الضوابط أن "تكون الفروق بين هذه الأعداد وبين المتوسط العام لأعداد من يمثلهم النائب على مستوى الدولة فى حدود المعقول".كما خلصت المحكمة إلى ان تطبيق هذه الضوابط لايستلزم إنتفاء كل تمييز،بل فقط كل تمييز لايكون له أساس موضوعى،أما حال وجود هذا الأساس الموضوعى كحال المحافظات الحدودية التى يجب تمثيلها رغم قلة عدد سكانها فإن التمييز يكون دستورياً. وقد طبقت المحكمة بنفسها معاييرها هذه على الجدول الخاص بالدوائر الفردية وإستخرجت العديد من الدوائر التى خالف المشرع فى تعيينها الضوابط السابقة،وأهدر التمثيل المتكافئ لأعداد الناخبين،والوزن النسبى لأصوات الناخب،وإنتهت لعدم دستورية هذا التقسيم.لكنها إعتبرت ان هذا الإخلال لاينطبق على التحديد الوارد فى البند الثانى من المادة والمتعلق بتعيين الدوائر المنتخبة بنظام القائمة،مما يكون معه هذا النظام دستورياً.(حكم المحكمة فى الدعوى رقم 18 لسنة 37ق دستورية منشور بعدد الجريدة الرسمية رقم9 مكرر والصادر بتاريخ 10 جمادى الأولى 1436ه،الموافق أول مارس2015م). ولهذا نرى أن المحكمة إتباعاً لمنهجها التطورى فى النظر إلى الدستور وتأويل نصوصه،قد إنصرفت عن معايير المساواة وتكافؤ الفرص التى إعتمدتها فى الأحكام السابقة المماثلة،وإكتفت بالمعايير التى وضعتها المادة 102 من الدستور القائم،كما نرى أنها أولتها فيما يخص الدوائر الفردية بطريقة مختلفة عن تلك التى إتبعتها فى فيما يخص الدوائر الخاضعة لنظام القائمة.ونعتقد أن المحكمة لو لم تتبع هذا النهج لكانت قد أبطلت كلا النظامين.

طباعة