قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات دولية 2015-4-14

شكل فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في أغسطس الماضي نقطة تحول في تطور حركة الإسلام السياسي في تركيا، سواء لجهة دعم نفوذ أردوغان وإمساكه بكامل مفاصل الدولة، أو حدوث تغير ملحوظ في الخطابات الإيديولوجية والسياسية لنخب الحكم في أنقرة باتجاه تهميش المؤسسة العسكرية، وبدا ذلك في إبعاد الجيش عن إدارة الملفين السوري والكردي، وهو الأمر الذي زاد من انعدام الثقة بين الجنرالات والإسلاميين.

غير أن تبرئة محكمة التمييز في اسطنبول لنحو 236 عسكرياً، وإعادة محاكمتهم في قضية "أرجينيكون" أو "المطرقة" بتهمة التآمر عام 2003 لإسقاط حكومة العدالة والتنمية مثل ضربة موجعة لإدارة الرئيس التركي الذي يراهن على تحويل مسار النظام السياسي في التشريعيات بعد الانتخابات المقرر إجراءها خلال شهر يونيو المقبل.

ورغم أن أردوغان أعاد تفصيل القضاء-في انتخابات الهيئات القضائية-التي جرت في أغسطس الماضي على مقاس طموحاته السياسية، إلا أن المدعي العام التركي أحرج الرئيس حين نسف قضية الجنرالات التي شغلت الرأي العام طوال السنوات الخمس الماضية، وكشفت حيثيات الحكم عن أن "الأدلة واهية وليس لها علاقة سواء بمخطط انقلابي حقيقي أو بالمتهمين".

تبرئة الجنرالات زادت من أوجاع أردوغان وكشفت بعض عوراته، لاسيما بعد تبرئة المدعي العام الجمهوري للعاصمة أنقرة عدم الاستمرار في مقاضاة غريمه الصديق عبد الله جول على خلفية اختلاس تريليون ليرة أثناء توليه وزارة الشئون الخارجية بحكومة الراحل نجم الدين أربكان لعدم كفاية الأدلة.

كما كانت المفارقة الأكثر إثارة وقلقاً لأردوغان حصول عدوه فتح الله جولن زعيم حركة "خدمة" على جائزة "غاندي" للسلام لهذا العام التي تعد أبرز جوائز السلام العالمية، ليكون أول مسلم يحصل على هذه الجائزة بعدما حصلت عليها شخصيات مشهورة مثل الرئيس الروسي الأسبق ميخائيل جورباتشوف والزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا والقس ديزموند توتو.

أبعاد تبرئة العسكريين وإذا كانت تبرئة القضاء للعسكريين قد ساهمت في تطوير الصورة الذهنية للعسكريين ايجابياً، فقد وسعت في المقابل الهوة بين أردوغان والقضاء، وبخاصة بعد انتقادات حادة وجهها رئيس المحكمة الدستورية هاشم كيليش في التاسع من ديسمبر 2014 حيث كان صوته قد ارتفع مندداً بنظام "العتبة الانتخابية" التي تفرض على كل حزب الحصول على 10% من الأصوات لضمان التمثيل في البرلمان.

ولأن كيليش ذكر أردوغان بوعده القديم في برنامجه الانتخابي قبل نحو اثني عشرا عام، بتخفيض العتبة الانتخابية لم تكن أعصاب أردوغان لتتحمل الرجل، لاسيما وأن الرئيس يكافح لتأمين كتلة نيابية معتبرة لتمرير التعديلات الدستورية المنوط بها تغيير مجرى النظام السياسي ليصب في مجملة باتجاه تفريعة القصر الأبيض الذي تم تدشينه مؤخراً رغم حيثيات قضائية حالت دون إقامته.

في هذا السياق العام عادت المؤسسة العسكرية التركية إلى رفع صوتها مجدداً بشأن التوجهات السياسية لحكومة العدالة والتنمية، بخاصة ما يتعلق بتسوية الأزمة الكردية والانخراط في النزاع السوري ناهيك عن مواقفها إزاء الداخل وسوقه السياسية التي أضحت أكثر تعقيداً وتشابكاً.

غير أن عودة المؤسسة العسكرية إلى الواجهة، وتصاعد حدة التوتر بينها وبين أردوغان وحكومة أوغلو يفتح الباب واسعاً أمام التساؤل عن مستقبل العلاقة بين الجيش والإسلام السياسي في تركيا، وحدود وقدرات المؤسسة العسكرية على أن تكون نداً لأردوغان.

هوة سحيقة ثمة العديد من القضايا التي تكشف عن اتساع الرتق بين أردوغان والمؤسسة العسكرية أولها رفض الجيش للسلوك السياسي لأردوغان، وتأصيله الفردانية في إدارة الدولة، وكان أردوغان قد أثار حفيظة قطاعات مؤسسية وشعبية واسعة حين شبه إدارة تركيا بإدارة شركة عامة، إذ اعتبر بعض قادة الجيش وقوى المعارضة أن أردوغان كشف بذلك نياته الحقيقية من وراء مطالبته بتحويل النظام رئاسياً.

وثانيهما القضية الكردية، فالجيش الذي ظل لأكثر من سبعة عقود حامي العلمانية مازال يرى الأكراد كيان إرهابي يسعى إلى تفتيت وحدة الدولة الكمالية، وكان بارزاً، هنا، مطالبة رئيس الأركان الجنرال نجدت أوزيل لحكومة أوغلو باتخاذ تدابير عاجلة لمواجهة خطر التمرد الداخلي ناهيك عن تدخل الجيش مجدداً في شرق البلاد بعد تصاعد احتجاجات الأكراد رداً على سلوك الحكومة تجاه أزمة عين العرب "كوباني".

وفي الوقت الذي تنظر فيه المؤسسة العسكرية لمنظمة حزب العمال الكردستاني على أنها كيان إرهابي" تسعى من وراء ستار إلى تقسيم البلاد، تراهن حكومة أوغلو ومن أمامها أردوغان على إنجاز مصالحة تاريخية تنهي ثلاثة عقود من الصراع مع الأقلية الكردية التي تمثل أكثر من 20% من مجموع السكان، ناهيك عن كون الورقة الكردية حجة تحول دون اللحاق بالقطار الأوروبي.

على صعيد متصل دخل المناخ مرحلة الشحن بين العدالة والتنمية والمؤسسة العسكرية، بعد طرح الأول على البرلمان مسودة لتعديل قانون الأمن الداخلي، وتم بموجبه توسيع صلاحيات الشرطة في التوقيف والاعتقال ناهيك عن انتزاع قوة الدرك من يد الجيش التركي، وربطها بالكامل بوزارة الداخلية التي ستكون مسئولة عن التعيينات والترقيات وتوجيه هذه القوة العسكرية.

وتسعى حكومة أوغلو من وراء هذا التعديل إلى استخدام عناصر الدرك في عملياتها السرية مع جهاز الاستخبارات، فيما يتعلق بالشأن السوري، من دون إطلاع الجيش على الأمر.

وعلى الرغم من أن قوة الدرك تعمل على الحدود وفي مناطق تخرج عن سيطرة الشرطة إلا أنها تأتي في سياق تقليص صلاحيات الجيش، وإمساك الحكومة وحدها بمفاصل المشهد على الحدود، بخاصة السورية والعراقية حيث ينشط تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ورقة أنقرة الرابحة والضاغطة في العلاقة مع واشنطن، والباب الخلفي لإعادة تقسيم المنطقة وفقاً للمصالح التركية.

أيضا كشفت الأزمة السورية عن عمق الهوة بين الجيش التركي ونخب العدالة والتنمية، ففي الوقت الذي ألمح فيه أردوغان إلى سيناريو الاشتباك أو الصدام المباشر بين الجيشين التركي والسوري في المنطقة الحدودية، ويرهن مشاركة أنقرة في التحالف الدولي لمكافحة "داعش" بإسقاط الأسد وإقامة مناطق عازلة على الحدود مع سوريا، رفض قادة القوات المسلحة التدخل في أي عملية برية محتملة داخل الأراضي السورية.

ومنذ بداية الأزمة السورية، وهناك شرخ كبير بين وجهات نظر الطرفين.

فبينما اعتبرت حكومة العدالة والتنمية النّظام السوري فاقد للشّرعية بعد تصاعد موجة الاحتجاجات ضد نظام الأسد في نهاية العام 2011، طالبت المؤسسة العسكرية بالتزام الحياد.

والأرجح أن الجيش التركي يخشى دخول المستنقع السوري لعدة أسباب أولها تأزم الوضع في سوريا وتصاعد الجماعات الراديكالية واختلاط الأوراق وكثرة اللاعبين الدوليين والإقليميين المشتبكين مع النزاع السوري.

وثانيها خشية الجنرالات من أن يكونوا كبش فداء لحكومة العدالة والتنمية في حال ساءت الأوضاع في سوريا.

فأصحاب الأزياء المموهة لا يثقون في أردوغان الّذي يبحث دائما عن مذنبين في حال مواجهته لأي صعوبة.

خلف ما سبق قد يكون الوضع أكثر صعوبة للجيش التركي حال قراره الاشتباك داخل الأراضي السورية، إذ يجب عليه محاربة قوات بشار الأسد المدعومة من إيران وحزب الله فضلا عن تصاعد النزعة الانفصالية لدى الأكراد وتنامي الخلايا النائمة لتنظيم "داعش" داخل المحافظات التركية، والتي يمكنها إزعاج أنقرة حال تعارض المصالح وتبدل الولاءات السياسية.

والواقع أن حدة الخلافات بين الجيش والحكومة بدأت تظهر على الملأ حيث بدأ رئيس هيئة الأركان العامة في التطرق إلى مواضيع اعتراضات المؤسسة العسكرية أمام وسائل الإعلام والرأي العام التركي، منها رفض المؤسسة العسكرية قانون "البدل النقدي" للإعفاء من الخدمة العسكرية.

وبشيء من الإيجاز يمكن القول إن سلوك العدالة والتنمية باتجاه تعزيز قبضته على المشهد قد ساهم في إشعال جذوة الصراع مع الجيش التركي الذي ارتفعت شعبيته بعد تبرئة أعضائه في قضية "أرجينيكون" في يونيو 2007، والتي تم بموجبها إحالة مئات من القيادات العسكرية إلى القضاء بتهمة الانتماء لجماعة يمينية هدفت إلى قلب نظام الحكم.

كما باتت المؤسسة العسكرية أكثر جاهزية للدخول في مواجهات سياسية مع حكومة العدالة والتنمية وأردوغان في ظل إعادة صياغة المادة 35 في قانون عمل الجيش الذي صدر بعد انقلاب عام 1960، وهي تنص على أنه من واجب الجيش "صيانة الجمهورية التركية وحمايتها"، وحددت الصياغة مجال تدخل القوات المسلحة بـ"الدفاع عن المواطنين الأتراك ضد التهديدات والمخاطر القادمة من الخارج" والردع الفاعل والمشاركة في العمليات الخارجية التي يقرها البرلمان.

في هذا السياق العام وبعد تبرئة القضاء للجنرالات يفتح الباب واسعا أمام سيناريوهات عدة حول مستقبل العلاقة بين الجيش التركي وتيار الإسلام السياسي أولها المواجهة المباشرة، لاسيما أن المؤسسة العسكرية ضاقت ذرعا بتصرفات الرئيس "أردوغان" الذي يقوم مشروعه "تركيا الجديدة" بالأساس على نقل كامل السلطة التي تمارسها الحكومة إلى رئاسة الجمهورية.

ويرتبط السيناريو الثاني بالتهدئة وتسكين أردوغان لأوجاع العلاقة مع الجيش التركي، خاصة أن تباين المشهد المصري بعد ما حدث في 30 يونيو 2012 والإطاحة بجماعة الإخوان في مصر وتراجع النهضة في تونس برلمانيا ورئاسيا فضلا عن التمدد الكبير لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا "داعش"، وإعلانه قيام دولة الخلافة الإسلامية، جاء ليمثل علامة فارقة في مسار حركة الإسلام السياسي في تركيا ناهيك عن أن الخصوصية التي ربطت تركيا بـ "داعش" ساهمت في تشويه الصورة الذهنية لتركيا باعتبارها الحاضن والداعم الرئيسي لهذا التنظيم الراديكالي.

أما السيناريو الثالث فهو مراوحة المؤسسة العسكرية واشتباكها على مضض مع تيار الإسلام السياسي الذي يشهد زخماً ملحوظا بفعل النجاحات الاقتصادية لحكومة العدالة والتنمية، وبدا ذلك في إعلان مديرية الشئون الدينية التركية في 20 نوفمبر 2014 عن بناء مسجد داخل أكثر من 80 جامعة.

وافتتح 15 منها للصلاة، وسيتم افتتاح 50 مسجدًا آخر على الأقل في 2015، الأمر الذي زاد من مخاوف المنتقدين إزاء فرض مبادئ الإسلام على المجتمع التركي.

أيضا وفر حزب العدالة والتنمية حضانات شعبية للمنظمات الإسلامية العاملة في مجال الإغاثة باعتباره بابا خلفيا للحكومة من أجل تمويل الجماعات الإسلامية والجهادية في العالم، دون أن يعير أي اهتمام لتحذيرات المؤسسة العسكرية.

السيناريو الرابع وهو تحويل المؤسسة العسكرية إلى منظمة روتينية تتلقى الأوامر والتعليمات، حيث نجح أردوغان بشكل أو بآخر في السيطرة على مجلس الأمن القومي الذي تم إنشائه في مطلع ستينيات القرن الماضي، وبالتالي يصبح استخدام القوة العسكرية خاضعًا لقراراته، بالإضافة إلى سلطته في تعيين القضاة للمحكمة التركية العليا، والتي كانت بمثابة أكبر التحديات التي واجهت أردوغان أثناء ولايته كرئيس للوزراء.

القصد أن نجاحات أردوغان في السيطرة على مقاليد السلطة لا تعنى تراجع حظوظ العسكر، فالجيش التركي عاد إلى الواجهة تدريجيا، وأصبح ضمن مكونات المشهد بعد تبرئة قياداته وتطوير صورته في الوعي الجمعي التركي.

لذلك ربما يصبح الجيش التركي ومن خلفه القضاء أرقاما مهمة في المعادلة السياسية التركية، لاسيما مع محدودية نجاحات أردوغان في معالجة احتقانات الداخل وتراجع مناعة أنقرة دوليا بعد توتر علاقاتها مع قطاع واسع من محيطها الإقليمي وفي المقدمة منه دول الخليج من جهة وإيران من جهة ثانية التي وبخت أردوغان علنية قبل زيارته الأخيرة لطهران في 7 أبريل الجاري رداً على تأييده عملية "عاصفة الحزم" واتهامه إيران بالتدخل في الشأن الداخلي لليمن.

والأرجح أن الجيش التركي قد أبدى امتعاضه إزاء سياسات تركيا الإقليمية، بخاصة ما يتعلق بالدول الخليجية التي تمثل سوقاً مفتوحاً للسلع التركية فضلا عن انزعاجه إزاء العلاقة مع إيران، ففي الوقت الذي تناهض فيه تركيا الطموحات الإيرانية في المنطقة يوثق أردوغان مصالحه بوتيرة متسارعة مع طهران.