30/03/2015 حلقة نقاشية بعنوان " الأوضاع الإنسانية في مناطق النزاعات في ولاية النيل الأزرق وجنوب كردفان" عقدت في يوم 9|3|2015 في إطار اهتمام البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بتطورات الأوضاع في الساحة الإفريقية، لا سيما الحالة السودانية، عقد البرنامج، حلقة نقاشية بعنوان "الأوضاع الإنسانية في مناطق النزاعات في ولاية النيل الأزرق وجنوب كردفان"، استضاف خلالها الأستاذ خالد عمار حسن، الخبير السوداني في الشئون الإنسانية وحقوق الإنسان، وحضرها السفير إبراهيم الشويمي، مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية الأسبق، والسفير محمد عبد المنعم الشاذلي، والأستاذ رمضان قرني، مدير تحرير دورية آفاق أفريقية، والأستاذ نصر الدين شكيب، ممثل الحركة الشعبية بالشرق الأوسط، والأستاذ مصطفى خميس الله جابو، ممثل حركة العدل والمساواة بالقاهرة، والدكتور جمعة الوكيل، من حركة جيش تحرير السودان، فضلا عن عدد من الصحفيين والباحثين المهتمين بالشأن الأفريقي. أشارت الدكتورة أماني الطويل، رئيس البرنامج، في مستهل حديثها، إلى أهمية التطرق لطبيعة الأوضاع الإنسانية في مناطق النزاعات المسلحة، لاسيما في منطقة جنوب دولة السودان الشمالي، وذلك في ضوء إهمال وسائل الإعلام العربي، الأزمات الإنسانية هناك، من حيث المتابعة والتقييم والدراسة، وأوضحت أن تردي الأوضاع الإنسانية بشكل عام يؤثر على الأمن الإنساني للشعب السوداني، بكل متطلباته في هذه المناطق. وفي هذا السياق، أشارت إلى أن ضعف منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية، وشمولية معظم النظم السياسية العربية، ربما يكون أحد أهم أسباب عدم تقديم العون الإنساني في مناطق النزاع المسلح. كما أكدت "الطويل" على ضرورة الأخذ في الاعتبار ما يجري على أرض الواقع، وما يعانيه المواطنين، بغض النظر عن البيئة السياسية في السودان، والتي هي بالغة التعقيد والتركيب، فالصراعات المسلحة في مناطق النزاع ممتدة منذ أمد طويل، تخللتها تدخلات إقليمية ودولية، ولذلك فالمشهد معقد بالكامل، ومن ثم انعكس على تردي الأوضاع الإنسانية لملايين المواطنين، في مناطق عدة سواء جنوب، غرب، أو شرق السودان. وأوضحت أن آلية الحسم العسكري التي تتخذها الحكومة السودانية، ومعارضيها، كآلية وحيدة لحل النزاعات، لم تثبت كفاءة وقدرة على حل الأزمة، سواء في جنوب السودان أو في دارفور. وأشارت إلى أن الحرب الأهلية الممتدة منذ عام 1955، واستقلال جنوب السودان في يوليو 2011، واندلاع الصراع فيه اعتبارا من منتصف ديسمبر 2013، لم تنتج سلاما بل أودت إلى انسداد الأفق السياسي، سواء في الجنوب، أو في شمال السودان، مع غياب الحلول السياسية، من أجل تحقيق قدر من الدعم للمواطنين المتضررين في مناطق النزاع المسلح، الأمر الذي يحتم على المنظمات الإقليمية والمنظمات الإغاثية العربية، الانتباه للمآسي الإنسانية الموجودة على الأراضي العربية أو الأفريقية المتاخمة للدول العربية. جغرافية النيل الأزرق وجنوب كردفان: وقد عرض الأستاذ خالد عمار حسن، مداخلته بوصف لمناطق النزاع، جغرافيا وسياسيا، مشيرا إلى أن ولاية النيل الأزرق -المعروفة تاريخيا باسم الفونج– منطقة حدودية مع دولة إثيوبيا، ومع جنوب السودان، كما تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من السودان، ويقطنها حوالي 25 قبيلة، تسمى في مجملها قبائل الفونج، من أهمها الهمج، الإنقسنا، البرتا، أودو، والكادالو، ويبلغ التعداد السكاني لها، حوالي 831 ألف نسمة، حسب آخر تعداد سكاني في السودان لعام 2009.

وتتكون ولاية النيل الأزرق من 6 محليات، حسب التقسيم الإداري للسودان، تتمثل في محلية الدمازين، الروصيرص، باو، قيسان، الكرمك، والتضامن. أما منطقة جنوب كردفان -المعروفة تاريخيا باسم جبال النوبة-فهي تقع في جنوب دولة السودان، بعد انفصال السودانين، وهي متاخمة لولايتي أعالي النيل، والوحدة في دولة جنوب السودان، وبدأت الحرب بها في يونيو 2011. وجدير بالإشارة إلى أنه قد تم تقسيم ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، في اتفاقية السلام الشامل CPA في عام 2005، بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية بشكلها القديم، بقيادة جون قرنق، والتي كان أبرز بنودها، تقرير المصير لجنوب السودان، والمشورة الشعبية، التي تمثلت في حق استفتاء شعبي للمنطقتين، علما بأن الأخيرة هي جزء من أسباب الحرب الدائرة حاليا.

وقد أثيرت خلافات كثيرة حول ماهية هذه المشورة ومنهجية تنفيذها بين رؤية حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال، الذي اعتبرها استفتاء للمواطنين، حول ما إذا كانت الاتفاقية قد لبت طموحاتهم، ورؤية الحركة الشعبية في الجنوب حولها بأنها استفتاء للمواطنين حول الحقوق التي يريدونها على أساس استمرارهم في السودان الموّحد.

وقد أدى هذا الخلاف إلى اندلاع الحرب. وفي هذا السياق تأجلت انتخابات 2010 قبل انفصال الجنوب، في ولاية جنوب كردفان إلى أبريل 2011، نظرا لاعتبار الحركة الشعبية أن هناك خللا بالتعداد السكاني في المنطقة، ومن ثم، لا يعكس حقيقة التواجد السكاني فيها، أما في ولاية النيل الأزرق، فقد أجريت الانتخابات بموعدها، وأسفرت عن فوز الحركة الشعبية قطاع الشمال، بمنصب الوالي، الذي تقلده مالك عقار، لتصبح الولاية الوحيدة التي فاز بها والٍ لا ينتمي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في الانتخابات. الأوضاع الإنسانية في المنطقة: في يوليو 2011، كان اندلاع الصراع في جنوب كردفان، وانتقاله في سبتمبر من نفس العام إلى ولاية النيل الأزرق-ولا يزال مستمرا حتى اليوم- إضافة إلى الصراع المستمر أيضا في دولة جنوب السودان، بين القوات الحكومية بقيادة الرئيس سلفاكير، وقوات المتمردين بقيادة نائب الرئيس السابق رياك مشار، سببا في وقوع كارثة إنسانية كبيرة تشهدها تلك المنطقة، مما أدى إلى نزوح أعداد هائلة من المواطنين السودانيين، سواء إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية قطاع الشمال، مثل معسكر "ييدا" الذي يضم حوالي 72 ألف مواطن من جبال النوبة، وآخرين قُدر عددهم بحوالي 800 ألف نسمة، أو عبر الحدود للدول المجاورة.

وتزداد المأساة الإنسانية في ولاية النيل الأزرق، فأكثر من ثلثي السكان إما نازحين أو لاجئين، في مناطق النزوح التابعة للحكومة، والبالغين أكثر من 130 ألف مواطن، وُزعوا في 4 معسكرات، هم، "جندراسة، كايا، يوسف بتل، ومعسكر دورو"، فضلا عن حوالي 85 ألف لاجئ، على الحدود مع إثيوبيا. وقد تسببت تلك الصراعات في أزمة نقص الغذاء، وانتشار الأمراض والأوبئة، كما أدى قرار الأمم المتحدة بتخفيض أعداد موظفيها، وكذلك المساعدات، إلى عدم الاستقرار في تلك المناطق، وتفاقم الأوضاع الإنسانية. وعلى الرغم من تواجد المنظمات الإنسانية الإغاثية الغربية، وعلى رأسها المفوضية السامية لشئون اللاجئين في أعالي النيل، فضلا عن منظمات فرنسية، مثل منظمة أطباء بلا حدود ومنظمة أكتك، إضافة إلى منظمات سويدية، للمساهمة في تحسين الأوضاع الإنسانية المتردية التي تعيشها تلك المنطقة، إلا أن "عمار" أكد الغياب التام للمنظمات العربية، كمنظمات حقوق الإنسان والغوث الإنساني، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، باستثناء قيامها بتوقيع الاتفاقية الثلاثية خلال عام 2011 بهدف إدخال الغذاء للمناطق المتضررة، لكنها لم تستمر وفضلت العمل على الملف الدارفوري بدعم من حكومة دولة قطر. الصراع في المنطقة: مع اندلاع الصراع المسلح بين حكومة السودان والحركة الشعبية قطاع الشمال، والحركات الدارفورية المسلحة، وتصاعد الأحداث بالنسبة للصراع في دولة جنوب السودان، والذي تحول إلى صراع عرقي بين قبيلتي الدينكا، والنوير، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع السياسية والإنسانية، فقد تحولت المناطق التي تواجد بها اللاجئون السودانيون، الذين لجأوا لجنوب السودان، إلى مناطق نزاع مسلح، أدت إلى نزاعات داخل معسكرات اللاجئين.

وفي الوقت الذي لجأت فيه مجموعات من قبيلة النوير، وكذلك الشلك إلى دولة السودان نتيجة للصراع، سرعان ما تحولت إلى قوات معارضة، فعادت إلى جنوب السودان لمحاربة القوات الحكومية، بهدف زعزعة معسكرات اللاجئين، في ظل غياب الرقابة الدولية للأوضاع المتأزمة في المنطقة. وقد أكد "عمار" صعوبة ترحيل اللاجئين إلى داخل السودان، في مناطق سيطرة الحركة الشعبية، بسبب قصف الطيران الحكومي لمناطق النزاع بالبراميل المتفجرة، وتواصل القتال والعنف المتبادل في كافة مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان، مما خلق مأساة إنسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. آليات حل الصرع: شمل اتفاق السلام الشامل في عام 2005، بين الحكومة السودانية، والحركة الشعبية قطاع الشمال، عدد من الآليات لحل النزاع بين الطرفين، كان أبرزها عملية المشورة الشعبية، التي تم طرحها لتحقيق تطلعات ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان في جلب الاستقرار والسلام بالمنطقة، إلا أن رؤى الطرفين تباينت، الأمر الذي أحيا الصراع من جديد في المنطقة إلى يومنا. وختاما، دعت رئيسة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام إلى ضرورة فصل المسار السياسي عن المسار الإنساني في المناطق المحتدمة في النيل الأزرق، جنوب كردفان، ودارفور، وضرورة إيجاد منهج للتدخل الإنساني في ظل الاستقطابات السياسية الهائلة في المنطقة، مثلما حدث في عملية شريان الحياة في جنوب السودان من قبل.

كما شددت على ضرورة الحل السياسي في السودان، فآلية الحسم العسكري في المسألة السودانية منذ منتصف القرن العشرين لم تسفر عن أية نتيجة مرجوة، غير تمزيق تراب الوطن، ومحنة إنسانية ممتدة، ومن ثم فإن انسداد الأفق السياسي، وتبني الخيار العسكري، جعل الوضع في المنطقة أكثر تأزما وصعوبة.