متابعات تحليلية

الأصول الفكرية للجماعات المتشددة سيد قطب نموذجاً

طباعة

برز خلال الحقب الماضية عدد من الجماعات التي تسمي نفسها باسم جماعات الإسلام السياسي، والتي أسهمت في العمل السياسي بشكل مباشر، واستخدمت أساليب التنظيم والمواجهة والعنف كأدوات للتعامل إزاء المجتمع أحياناً، وإزاء السلطة السياسية أحياناً أخرى، وقد تعددت هذه الجماعات وتنوعت بحيث لا يمكن اعتبارها مجرد انحراف فردي أو ظاهرة باثولوجيه لدى عدد محدود من الأفراد.

وقد بلورت تلك الجماعات عدداً من المفاهيم التي تعود مصادرها إلى بعض المفكرين المحدثين مثل أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وأبو الحسن الندوي، وبين الأقدمين عند الخوارج بفرقهم المتعددة (الأزارقة، النجدات، اليزيدية، والأباضية -الخ)، وتوجد هذه المفاهيم في مجموعة متفرقة من الكتابات أهمها اجتهادات شكري أحمد مصطفي التي جمعها تحت اسم (توسمات)، وفي كتاب (الفريضة الغائبة) لمحمد عبد السلام فرج، وفي كتاب الخلافة المنسوب إلى جماعة التكفير والهجرة.

وفي البداية يجب التأكيد على أن التشدد الديني – قولاً وفعلاً – ليس ظاهرة جديدة ولا طارئة، كما لا يمكن نسبته إلى عقيدة بعينها؛ فهي ظاهرة تعرفها الأديان جميعاً؛ إذ أن كل الأديان السماوية وغير السماوية لها أتباع يتسم بعضهم بالتشدد، حيث ينطلق التشدد أحياناً من أجل نشر الفكرة والدعوة إليها، وحشد الأنصار، أي الخروج إلى المجتمع والدعوة إلى حركة اجتماعية ذات أهداف تتفق مع هذه النظرة المتشددة.

وهنا يلتقي مفهوم التشدد مع أي تشدد قائم على فلسفة أو اعتقاد أو اقتناع، والجامع بينهما هو الخروج إلى المجتمع من أجل تغييره، وإعادة تشكيلة على صورة جديدة.

والسؤال هو: من أين يستمد ذلك المفهوم مدده؟ أو بمعنى آخر ما هي الأصول الفكرية لظاهرة التشدد والتطرف؟ وما هو المنهج الواجب التعامل به معهما؟ إن أحد أهم العوامل والأسباب لظاهرة التشدد والتطرف يأتي مستنداً على التنظيرات الفكرية الأصولية التي قدمها تيار الإسلام السياسي، وعلى رأسها مؤسسو جماعة الإخوان المسلمين التي جعلت الأرض صالحة لنمو التعصب وازدهاره، ومنها انبثقت التيارات التكفيرية المعاصرة، ولعل من أهم التنظيرات الفكرية تلك التي قدمها سيد قطب.

مفهوم الحاكمية والمجتمع الجاهلي عند سيد قطب إذا كان "حسن البنا" هو المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين؛ فإن "سيد قطب" هو بلا جدال مُنظرها الأول، ويعتبر امتداداً لفكر البنا، فهما ينتميان إلى حقل معرفي متشابه، يكون الوحي دلالاته وتعاليمه، وإلى إطار سياسي واحد هو تنظيم الإخوان المسلمين، إلا أنهما يفترقان في أمور كثيرة على مستوى النظرية والممارسة على حد سواء.

فالبنا بقي داعية ومرشداً، ونادى بأممية إسلامية، أما سيد قطب، فقد اتصف بأنه منظر وأيديولوجي، فطغى على منطقه أسلوب القياس الجدلي، واتجه إلى العقول يحلل ويقارن ويفاضل، وصار مع الوقت منظر للحركات الإسلامية الأصولية.

وتنطلق أصولية سيد قطب من حاجة ملحة إلى المنهج، ولكن تبرز صعوبات كبيرة لديه، فالمنهج ليس أداة المعرفة أو الطريق لبلوغ الحقيقة، وإنما هو معطى قبلي.

والمنهج مرتكز حياة الأمة المسلمة وله ركنان: الإيمان بالله ورسوله والعمل بسنة النبي محمد، فالقاعدة، إذاً "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله"، فالإسلام "ليس نظرية تتعامل مع الفروض، إنه منهج يتعامل مع الواقع، فلابد أولاً أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة: ألا إله إلا الله، وأن الحاكمية ليست إلا لله".

فهذه العبارة القصيرة يعبر فيها سيد قطب عن رؤيته للمجتمع من خلال مفهوم الحاكمية.

ويترتب على هذا المفهوم موقف سيد قطب من النظام السياسي ومن المجتمع، فهو يدعو لتغيير المجتمع جذرياً حتى تكون الحاكمية فيه لله.

فيقول في (معالم في الطريق): "فليس لأحد أن يقول لشرع يشرعه الله: هذا شرع الله، إلا أن تكون الحاكمية لله معلنة، وأن يكون مصدر السلطات هو الله سبحانه لا الشعب ولا الحزب ولا أي بشر".

وإذا كان "أبو الأعلى المودودي" هو أول من طرح مفهوم الحاكمية؛ فإن سيد قطب أحد الذين رسخوا هذا المفهوم في الثقافة العربية بحيث غدا مفهوماً مركزياً في الفكر الأصولي، وعليه يرى سيد قطب، أن الأنظمة السياسية الموجودة على الساحة من مخلفات الغزو الصليبي لبلاد المسلمين في القرن التاسع عشر، وأن هذه الأنظمة جاهلية لأنها لا تقر لله بالحاكمية، وإنما تعتدي على سلطان الله، وتدعي لنفسها الحاكمية، فما تحله لنفسها فهو الحلال، وما تحرمه على نفسها فهو الحرام، فهي جاهلية معاصرة إن صح التعبير.

فلقد حاول سيد قطب أن يوجد سبيلاَ يسلب من خلاله كل سلطة غير سلطة الجماعة، ويلقى قبولاً لدى العامة، فلجأ إلى مصطلح له دلالته الثقافية المعروفة داخل بنية الحضارة الإسلامية ألا وهو مصطلح الحاكمية، ذلك المصطلح الذي أفرغ البشر من إرادتهم المستقلة؛ فما أسهل أن يُلغى دور الجماهير بدعوى أن الحكم لله والحاكم هو الله.

وواقع الأمر أن تعبير "حاكمية الله" هو نوع من الصياغات الخطرة، لأنه يفتح الباب لإساءة استخدام اسم الله وسلطانه سبحانه وتعالى، فضلاً عن أنه يتسع لتقديرات وتفسيرات مختلفة، قد يختلط فيها حق الله بحق الحاكم وحق الأفراد، وهو اختلاط يدفع ثمنه أفراد المجتمع في النهاية، فهو تكريس للسلطة الدينية، ودعوى للحكم باسم الله.

كما أن تلك النظرية -نظرية حاكمية الله في السياسة – يترتب عليها، بشكل طبيعي ومنطقي ما يقولون به تلك الجماعات من تكفير المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وتكفير المسلمين المعاصرين، من غير أعضاء هذه الجماعات.

ولا شك أن في هذا رفضاً صريحاً لكل أشكال النظم الديمقراطية بمضمونها الحديث.

فـلقد اختار سيد قطب؛ طريقاً يرفض كل ما هو قائم على أساس أنه جاهلي، فكل ما هو قائم سواء أكان مع الاشتراكية أم ضدها فهو جاهلي، مع الديمقراطية أو الدكتاتورية أيضا هو جاهلي، فرفض النظام من جذوره أياً كانت الأفرع.

فالديمقراطية وفقاً لرأي سيد قطب لا تسمح بوحدة المجتمع، بل تؤسسه على قواعد خلافية أيديولوجية؛ إذ أنه يريد توحيد قوى المجتمع والدولة تحت إطار أيديولوجي ديني، ولذلك يرفض قطب الديمقراطية والتعددية.

وكما رفض الديمقراطية، يرفض أيضاً الأحزاب؛ خاصة حزب الوفد، ولقد دعا الشباب إلى أن يبتعدوا عن الأحزاب، وهذا ما كشف عنه في مقال له في "روزاليوسف" عدد 29 سبتمبر 1952 بعنوان (هذه الأحزاب غير قابلة للبقاء)؛ إذ أنه يرى أن تلك الأحزاب "أخذت تتحول إلى تروس صدئة في الجهاز الاجتماعي الفاسد".

وإذا كان البعض قد رأى أن سيد قطب في "معالم في الطريق " بلغ قمة الرجعية لأنه حكم على مجتمعنا كله بالجاهلية، إلا أن فهم ذلك الكتاب يكشف بوضوح أنه لم يغل في الرجعية فقط بل غلا في المقاومة، لأنه بذل مجهوداً كبيراً في إيضاح كيفية إعداد كتيبة الصدام، وأبان في "لا إله إلا الله" معنى الانخلاع عن المجتمع الحاضر بكل قيمه ومؤسساته ورموزه، لذلك نجده يؤكد على المهمة الأساسية لدى الجماعة بقوله "إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع.

مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه، هذا الواقع الذي يصطدم أساساً بالمنهج الإسلامي، وبالتصور الإسلامي".

فالقوة إذن هي وسيلة التغيير لدى ذلك المفكر ومن صار على نهجه، وهذا أخطر ما في الأمر.

ويفرد سيد قطب في كتابه "نحو مجتمع إسلامي" فصلاً للحديث عن طبيعة المجتمع الإسلامي، والغرض منه إعلان فرادة الاجتماع في الإسلام مقابل الاجتماع في الأديان الأخرى والمذاهب الوضعية.

فأهل الكتاب وفقاً لتصوره ليست لهم أية حقوق سياسية، وإنما لهم بعض الحقوق المدنية، أهمها التحاكم في أحوالهم الشخصية إلى شريعتهم، بل أنه يحذر المسلم من أن يشعر مجرد شعور برابطة ولاء أو تناصر معهم، وهكذا تسقط فكرة المواطنة.

ويلخص سيد قطب طبيعة المجتمع الإسلامي وماهيته، فيقول "إنه مجتمع ديني، استخلافي، رباني، يفضل سواه من المجتمعات".

وتصل وثوقية العقيدة بقطب إلى التنبؤ القاطع بحتمية قيام المجتمع الإسلامي لإحلال العدل والسلام على الأرض قاطبة، ما دام ما حصل مرة يمكن أن يحصل مرة أخرى.

وهنا نجد أنه تخطى بهذا التعريف إطار المجتمع المدني الحديث.

وعلى أية حال، يبدو إن المجتمع الذي ينشده سيد قطب، ضرورة يصير إليها العالم ليحققها، "لأنه لو لم يكن موجوداً، لبحثت عنه الإنسانية ولابتدعت نظاماً يشبهه".

وعلى ذلك فالمجتمع الذي يطالب به ليست به ثقافة الاختلاف، وإنما هو تحويل المختلف إلى متحد معه، وهذا الفهم لا يتماشى مع ما يقره القرآن الكريم من وجود الاختلاف فالآية تقول "وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" (الشورى، 8)، وتقول الآية الأخرى: "وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود، 118).

ولا تخرج نظرة سيد قطب إلى الدولة عن مجمل نظامه الفكري ومنهجه الاعتقادي، ولكنه لا يخصص مبحثاً للدولة، وكلامه عليها في ثنايا كتاباته، التي تناولت موضوع الحكم ومقوماته في الإسلام "فالدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية، والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها لتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية".

وهنا خلط ومغالطة علمية؛ فالحقيقة المستقرة في علم السياسة أن الدولة أكبر من أي جماعة فالجماعة جزء من الكل (الدولة).

والدولة بهذا المعنى عند قطب هي الجماعة الساعية إلى هدف، هو تطبيق الإسلام، وإخضاع الحياة للعقيدة والتصور المنبثق منها.

وهذا التعريف يختلف عن المفهوم الدستوري والقانوني الحديث للدولة، بما هي حكومة وأرض وشعب وسيادة.

وعلى الرغم من أن قطب يؤكد على أن الثيوقراطية، أو حكم رجال الدين، لا يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الحكم الإسلامي الصحيح؛ إذ أن الإسلام لا يمنح أي مجموعة من الناس، أي حق في التمثيل الإلهي إلا أن هذا يتناقض صراحة مع قوله سالف الذكر من أن المجتمع الإسلامي مجتمع ديني استخلافي، وهذا تأكيد على أن وجهة النظر القطبية مرتكزة على الحكم الثيوقراطي.

أما عن العلاقة بين الحاكم والمحكومين يقول سيد قطب في كتاب "السلام العالمي والإسلام" "نظام الحكم في الإسلام كفيل بإقرار العلاقات بين الراعي والرعية على أسس من السلم والعدل والطمأنينة، ينهض عليها بناء السلام الاجتماعي سليماً راسخ الأركان"، هنا لنا أن نسأل وفق أي مذهب ستكون العلاقة بين الحاكم والشعب؛ هل على أحد المذاهب السنية أم الشيعية أم أن هناك مذهباً بوسعه أن يجمع بين هذه المذاهب، وإن كان فهو لم يحدثنا عنه زد على هذا أنه يجب ملاحظة استخدام مصطلحات لها دلالتها مثل الراعي والرعية، وبما يتناقض تناقضاً صريحاً مع ما هو معروف عن طبيعة الدولة الحديثة التي يحكمها العقد الاجتماعي، فضلاً عن كل هذا فإن الباب يبقى مفتوحاً على مصراعيه حال تبني رؤية أحادية أما التكفير للمجتمع؛ فالكفر يتحقق بمجرد اللجوء إلى أية سلطة بشرية عدا سلطة من يزعمون أنهم مطبقي الشريعة الإلهية.

في حقيقة الأمر، لقد انبثق عن كل هذه الأفكار، كل الجماعات التكفيرية الموجودة الآن؛ إذ أن تلك التنظيرات، والأيديولوجيا التي أسّس لها "سيد قطب" تحولت إلى تيار "جهادي" لا يكتفي بتوسيع نطاق التكفير إلى أبعد حد، بل أصبح يمارس الأفعال انطلاقا من رؤيته، ولعل شكري مصطفي الذي كان تلميذاً نجيباً لفكر الإخوان، واتصاله المباشر بسيد قطب حين أفتى بضرورة طلاق المرأة من زوجها حال انضمامها لجماعته ورفض زوجها الإنضمام إليه كان خطوة وتطوراً خطيراً في هذه الاتجاه، وسار الأمر خطوات أبعد فبدأت جماعات أخرى تنفذ العقوبة على من يتصفون في رأيهم بالكفر، فيصبح دمهم مستباحاً وقتلهم حلالاً؛ وهم في كل هذا يستمدون أساسهم من قطب، يقول (أيمن الظواهري) في كتابه "فرسان تحت راية النبي"؛ “وأصبح سيد قطب نموذجاً للصدق في القول، وقدوة للثبات على الحق..."، ويضيف "وبعد مقتله تكونت النواة التي ينتمي إليها كاتب هذه السطور (جماعة الجهاد)".

في الواقع، إن هذا التنظير الفكري، وهذا المنحى هو الذي أسس أموراً منها: ‌أ- تقسيم المجتمع إلى فئتين؛ فئة تضم كل من يؤمن ويعتنق فكر تلك الجماعات، وفئة أخرى هي المجتمع بأسره الذي ينتمي للجاهلية.

‌ب- استحداث مفهوم العزلة عن المجتمع لأفراد تلك الجماعات؛ بحيث لا يتأثر أتباعهم بقيم المجتمع المحيطة بهم، مما يجعلها قادرة على اختراقه، وإجراء التغييرات المطلوبة فيه.

‌ج- إدخال ثقافة الوعي الحركي كأصل جديد في تمييز أفكار تلك الحركات، وهو ما سمح بتحويل الاتجاه الديني البحت إلى منحنى أيديولوجي طبع في خطاباتهم وبرامجهم ومواقفهم وآرائهم حتى الفقهية منها.

‌د- وضع استراتيجيات عملية للتغير الشامل للمجتمع، والطموح لقيادة العالم، وتغيير أنظمته.

طباعة
د. حازم محفوظ

خبير - مركز الأهرام للدراسات السياسية الاستراتيجية