متابعات تحليلية

إلى أين تتجه العلاقات بين مصر وحركة حماس ؟

سعيد عكاشة 790 24-3-2015
طباعة
24/03/2015 بصدور حكمين قضائيين من محكمة الأمور المستعجلة بالقاهرة خلال الشهرين الماضيين اعتبرا حركة حماس وجناحها العسكري -كتائب عز الدين القسام-حركتين إرهابيتين، وصلت العلاقات بين القاهرة والحركة إلى أدنى مستوياتها.

وجاءت ردود الفعل من جانب حماس على الحكمين السابقين لتزيد من حدة التوتر بين الجانبين بعد أن اتهمت الحركة المحكمة بأنها مسيسة، وأن الدولة المصرية هي التي أوعزت لها بإصدار هذه الأحكام.

ولم تنتظر الحركة ما قامت به الحكومة المصرية بعد ذلك من تقديم دعوى تعترض أمام نفس المحكمة على صدور الحكم الأخير، الأمر الذي أدى إلى ردود فعل مصرية غاضبة من خلال التعليقات في الصحف وفي الفضائيات المصرية الخاصة، وقد نعت جميعها على الحركة تبنيها للخطاب العدائي لجماعة الإخوان المسلمين الموجه ضد مصر حكومة وشعبا.

ووصول العلاقات بين مصر وحماس إلى هذا المستوى غير المسبوق من "التلاسن"، ربما يزيد من احتمالات سعي الحركة لتوسيع علاقتها بالجماعات الإرهابية التي تقاتل الجيش المصري في سيناء.

وحتى لحظة ما قبل صدور الحكمين السابقين كانت الشكوك تحوم حول حماس ودورها في تقديم بعض الدعم لهذه الجماعات منذ سقوط حكم الرئيس السابق محمد مرسي، وكانت هذه الشكوك تتزايد عقب بعض العمليات الكبرى التي تبنتها جماعة أنصار بيت المقدس الإرهابية.

وثمة اعتقاد واسع تولد لدى الرأي العام المصري بأن حماس لم تكن بعيدة عن هذه العمليات، سواء بمد الإرهابيين العاملين في سيناء بالمعلومات أو الخبرات والتدريب إلى جانب توفير المأوى لبعض عناصرهم التي تهرب من مصر إلى داخل قطاع غزة.

ويمكن القول إن هناك عددا من الأسباب التي ربما تشجع الحركة على المغامرة بالمشاركة في مثل هذه العمليات، ولو بشكل غير مباشر، كما أن تصريحات بعض قادتها لا تترك مجالا للشك بأن هذا الاحتمال يبقى واردا حتى لو لم تتوافر الأدلة الدامغة عليه إلى الآن.

فلا يمكن بداية استبعاد فرضية أن حماس التي تسعى للضغط على السلطات المصرية لأجل تغيير السياسة المتبعة في إدارة معبر رفح منذ استيلاء الحركة على القطاع عام 2007 وطرد السلطة الفلسطينية منه، يمكن أن تقوم بأعمال إرهابية لتحقيق هذا الهدف، سواء بالمشاركة المباشرة أو عبر أطراف أخرى تتعاون معها.

إذ أن حماس تحاول تقديم نفسها على أنها حركة إسلامية معتدلة من المفيد التعامل معها حتى لا يكون البديل هو الفوضى على الحدود مع مصر بسبب أنشطة الجماعات التكفيرية في غزة وسيناء في ظل توافق أجندة هذه الجماعات في المنطقتين، وهو ما سبق أن عبر عنه رئيس حركة حماس خالد مشعل الذي كان وما يزال مقتنعا بأن مصر تسعى لإسقاط حكم الحركة في غزة بقوله "إن محاولة إسقاط حكم حماس لن يساعد مصر ويمكن أن يقود إلى انتشار تنظيم القاعدة على حدود مصر".

من جانب ثاني لا تخفي حركة حماس كونها حركة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي لا يمكن استبعاد مساهمتها في المحاولات التي يقوم بها التنظيم الدولي لهذه الجماعة لإسقاط الحكم في مصر ردا على الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي.

على الجانب الثالث تمر حركة حماس بحالة غير مسبوقة من الحصار المضروب حولها اقتصاديا وعسكريا بعد قيام السلطات المصرية بتدمير معظم أنفاق التهريب التي كانت تعتبر المصدر الرئيسي لدخل الحركة من الضرائب التي كانت تجنيها، فضلا عن ضائقة أشد فيما يتعلق بتهريب الأسلحة إليها، أو تهريب المواد الخام الضرورية لتصنيع أسلحة بديلة محلية بعد أن فقدت جزءً كبيراً من مخزونها الحربي في الحرب التي دارت بينها وبين إسرائيل في صيف العام الماضي.

ومن جانب رابع فمن المحتمل أن صدور حكم من محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في مارس من العام الماضي بإغلاق مكاتب الحركة في القاهرة مع مصادرة ممتلكاتها، قد أدى إلى محاولة بعض القيادات فيها معاقبة السلطات المصرية ومحاولة البرهنة على أن صدور مثل هذه الأحكام ستزيد من الإرهاب ولن تخفض حدته.

وفي نفس الاتجاه الذي يحمل تهديدا مبطنا لمصر قال موسى أبو مرزوق نائب رئيس حركة حماس ردا على حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة الصادر في نهاية يناير الماضي باعتبار ميلشيات القسام تنظيم إرهابي، قال: "لقد سجل التاريخ لكتائب القسام تعاملها الراقي والحضاري مع المخابرات المصرية؛ حين تعاونت معها في ملفات شائكة، وكان النجاح حليفهما دون غدر أو سوء طوية، فهل أصبحت اليوم إرهابية؟" وهو ما يعني أن أبو مرزوق يهدد بعدم تعاون أجهزة مخابرات الحركة مع السلطات المصرية فيما يتعلق بالمعلومات عن الجماعات التكفيرية في سيناء وامتداداتها في غزة، فحسب دراسة نشرها جهاز الشاباك الإسرائيلي، ورد فيها التالي:" أخذت أفكار "الجهاد العالمي" تنتشر لدى التنظيمات الإرهابية في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة.

وفي ظل حكم حماس (ابتداء من يونيو 2007) ظهرت في القطاع مجموعات تستمد روحها من أفكار "القاعدة" و"الجهاد العالمي" ومن هذه المجموعات يمكن الإشارة إلى "جيش الإسلام" بقيادة ممتاز دغمش، وجيش الأمة بقيادة إسماعيل حْميد الذي أنشأته عناصر انسحبت من "لجان المقاومة الشعبية"، و"فتح الإسلام في أرض الرباط" ومجموعات أخرى مثل حركة "جلجلت" التي كان بعض أتباعها من عناصر القسام سابقا".

إن استخدام الحركة وتوظيفها كجزء من الضغوط على مصر ليس مجرد افتراض نظري، فالحركة التي تسيطر على القطاع لم تحاول منع المؤتمر الذي عقدته عدد من القيادات التكفيرية بشكل علني في غزة بتاريخ 16 أغسطس 2013، ودعت فيه إلى قتال الجيش المصري، بل إن المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية العميد محمد أحمد علي كان قد أعلن في سبتمبر من نفس العام ضبط بعض الأسلحة الخاصة بالقسام (19 صاروخ جراد) أثناء محاولة تهريبها صوب القاهرة على طريق السويس.

بالإضافة لكل ذلك فقد امتنعت حركة حماس عن الاستجابة لمطالب السلطات المصرية المتكررة بتسليم 13 من الفلسطينيين المشتبه بضلوعهم في بعض العمليات الإرهابية في سيناء، وهو ما يشير إلى تخوف الحركة من نتائج التحقيق مع هؤلاء المطلوبين والتي يمكن أن تقود إلى ظهور أدلة على ضلوع حركة حماس وكتائب القسام في بعض العمليات الإرهابية منذ أغسطس عام 2012 على أقل تقدير.

حماس والنموذج الباكستاني إن احتمال ضلوع حماس في عمليات توظيف الجماعات التكفيرية في غزة ضد مصر، يمكن إدراكه أيضا من خلال السياسة التي كانت باكستان صاحبة الريادة في وضعها منذ السبعينات من القرن الماضي في منطقة كشمير المتنازع عليها مع الهند، وفي المناطق الحدودية بينها وبين أفغانستان.

حيث اعتمدت هذه السياسة على قيام أجهزة الاستخبارات الباكستانية بخلق قنوات اتصال سرية مع الجماعات الجهادية المتطرفة ومدها بالمعلومات والسلاح والمال من أجل تنفيذ عمليات إرهابية ضد الهند بهدف إجبارها على تغيير سياستها حول سبل إنهاء النزاع في كشمير، كما اتضح أيضا كيف تلاعبت المخابرات الباكستانية بنظيراتها الأمريكية فيما يتعلق بنوع المعلومات التي كانت بحوزتها عن مكان أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة والذي اغتالته قوة أمريكية خاصة داخل باكستان عام 2011.
طباعة