على الرغم من إحجام الولايات المتحدة الأمريكية عن التدخل في أزمات المنطقة "الممتدة"، وعلى رأسها الأزمة السورية، التي وصلت إلى طريق مسدود؛ حيث باتت مستعصيةً على الحل، فإن التحدي "الداعشي"، وتحديدًا قطع رأس مواطنَيْن أمريكِيَّيْن، غدا بمثابة الحادي عشر من سبتمبر الجديد، وهو ما أرغم الولايات المتحدة على الانخراط مجددًا في المنطقة عن طريق تشكيل تحالف دولي وإقليمي لمواجهة هذا التنظيم، لذلك أطلق الرئيس الأمريكي "أوباما" في الذكرى الثالثة عشر لأحداث 11 سبتمبر استراتيجيةً لمواجهة هذا التنظيم المتوغِّل في سوريا والعراق، ولكن مازالت فاعلية هذه الاستراتيجية من عدمها "محدودة"؛ نظرًا لوجود قيود تعوق نجاح هذه الاستراتيجية، وهي قيودٌ تُنذر بجعل الحرب مع الإرهاب في المنطقة مفتوحةً ومطوَّلة.

- استراتيجية "طموحة": أعلن الرئيس الأمريكي خطةً لدحر "داعش"، وتضمنت هذه الخطة ضربات جوية ضد التنظيم، وذلك بالعمل والتنسيق مع الحكومة العراقية، وإرسال قوة تدريبية تتكون من 475 خبيرًا عسكريًّا إلى العراق، دون أن تكون لهؤلاء مهامٌّ قتالية، على أن ينضموا إلى حوالي 1150 جنديًّا آخرين، كما كشف عن زيادة المساعدات العسكرية المخصصة للمعارضة السورية، وعدم التردد في التحرك ضد "داعش" في سوريا كما في العراق"، وتقديم مساعدات إنسانية للمتضررين من أعمال "داعش".

ولم تكن الاستراتيجية التي أعلن عنها "أوباما" وليدة هذه اللحظة، بل سبقتها عدةُ تحركات دولية لاستهداف "داعش".

يتمثل أولها في استصدار قرارٍ من مجلس الأمن رقم 2170، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وكان مجلس الأمن الدولي قد تبنَّى بالإجماع في 15 أغسطس، قرارًا يدعو إلى الامتناع عن دعم وتمويل وتسليح إرهابيي ما يُسمَّى تنظيم دولة العراق والشام "داعش" وجبهة النصرة ومنع تدفق الإرهابيين إلى سورية والعراق، واتخاذ تدابير وطنية لمنع تدفق المقاتلين الأجانب الإرهابيين، وحظر البيع المباشر أو غير المباشر للأسلحة والمواد ذات الصلة إلى الإرهابيين.

ومع ذلك حمل هذا القرارُ عباراتٍ "فِضْفَاضة"؛ فهو لم يحدد هذه الدول التي تمتثل لهذا القرار وآليات تنفيذه، كما لم يحدد القرار الدول أو جهات معينة التي تموًل هذه التنظيمات، وبالتالي ظل هذا القرار "غامضاً".

وينصرف ثانيهما إلى اجتماع قمة دول "الناتو" في مقاطعة "ويلز" في بريطانيا يومي 4 و5 سبتمبر، بحضور الرئيس الأمريكي "باراك أوباما"، وهو اللقاء الذي كشف عن أن الضربة المقررة ضد "داعش" باتت شبه محسومة، حيث أبدى فيه قادة دول حلف الأطلسي استعدادهم لمساعدة العراق إذا ما طُلِب ذلك.

وأعلن من خلاله عن تشكيل التحالف الجوهري"core coalition"، الذي ضم 10 دولٍ؛ هي: بولندا، وفرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، وإيطاليا، والدنمارك، وكندا، إضافةً إلى أستراليا والولايات المتحدة.

ويتعلق ثالثهما بـ "مؤتمر جدة لمكافحة الإرهاب" -وقد تزامن هذا المؤتمر مع إعلان الرئيس "أوباما" استراتيجيته لمواجهة "داعش" -فمن خلاله تعهدت 11 دولة، في اجتماع إقليمي عُقِد في مدينة جدة بالسعودية، عُرِف بالاجتماع "العربي-التركي -الأمريكي"، في 11 سبتمبر، من أجل تأمين حشد دولي لمحاربة تنظيم "داعش"، حيث أكد "كيري" على دور كل دولة مشارِكة بهذا الاجتماع في مواجهة الإرهاب، مشيرًا إلى الدعم المادي والعسكري، ومنع وصول الأموال والمقاتلين إلى تنظيم الدولة.

وبالتالي، فإنه يبدو أن واشنطن ستعتمد على هذا التحالف الإقليمي الذي تشكَّل في المؤتمر، للحصول على الإمداد ودعم المقاتلين على الأرض في العراق وسوريا.

ووفقًا للجهود السابقة، يتضح أن الولايات المتحدة تسعى جاهدة إلى تشكيل تحالف سياسي وعسكري يضم أصدقاء واشنطن من الدول الأوروبية، وحلفاءها في المنطقة، حتى لا تتحمل مسئولية مواجهة "داعش" بمفردها، والتورط مجددًا في مستنقع المنطقة "quagmire"، خشية أن تكون هذه الاستراتيجية مجرد «استراتيجية التدحرج»، وهي الاستراتيجية التي يكون لها أهداف واضحة، ولكنها تؤدي إلى تغيرات قد تطول واضعي هذه الاستراتيجية.

علاوة على ذلك، فإن الخطة التي أعلنها "أوباما"، يبدو من ثناياها، أنها "طموحة" مقارنةً بما يحدث على أرض الواقع، والسبب في ذلك يرجع إلى صعوبة تدمير جماعة إرهابية بأكملها.

ولو كانت هذه المهمة بالسهولة الكافية، لكان من الأولى القضاء على تنظيم القاعدة بعد أحداث 11 سبتمبر.

كما أن توقيت إنجاز الاستراتيجية، في حد ذاته، يُعَدُّ "غير واقعي"؛ فمن غير المتوقع وضع استراتيجية في أيام قليلة للقضاء على تنظيم مثل "داعش"، حيث إنه ليس فقط منظمة إرهابية، بل إنه جيش متمردين "insurgent army” -على حد تعبير وزير الأمن الداخلي في 10 سبتمبر.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أصبح التنظيم أكثر قوة بكثير مما كان عليه في السابق، فقد بات يسيطر على مساحة جغرافية واسعة، فضلًا عن قدراته التسليحية التي حصل عليها من مواجهاته في الموصل والمحافظات الأخرى.

"أربعة" إشكاليات رئيسية: يمكن القول إنه من الصعب التكهن بطبيعة المواجهة مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، في ظل تشابك الأزمة العراقية والسورية وتعقيدها، فثمة "قيود" تحول دون نجاح هذه الاستراتيجية التي يمكن إجمالها في الآتي: 1-أعباء داخلية "Domestic burdens": فقد أشار الرئيس الأمريكي "أوباما" في خطابه إلى شركاء محليين؛ وهم: المعارضة السورية المعتدلة، والحكومة العراقية الجديدة، ولكن إمكانية التعويل على هذين الشريكين، يقابله تحديات رئيسية.

فمن ناحية هناك حالة عدم يقين "uncertainty" من إمكانية تحقيق الحكومة العراقية الجديدة مصالحة وطنية، بين كافة أطياف المجتمع.

ومن ناحيةٍ ثانية، فإن المعارضة السورية منقسمة على ذاتها، وتكبُّدت نكساتٍ وهزائم في مواجهاتها مع "داعش"، وانقسامها أيضًا في مقاربتها لـ “التحالف الدولي ضدّ الإرهاب"، حيث رفضت جماعة "الإخوان المسلمين"، القبول بهذه القرارات، وطالبت بمحاربة نظام الأسد وحزب الله أولًا.

ومن ناحية ثالثة، فإن هناك مشكلة خاصة بتحجيم قدرات "داعش"، برغم نجاح الولايات المتحدة "نسبيًّا" في شن ضربات جوية، بعد جهوده للتمدد خارج الأماكن التي تخضع لسيطرته، وتحديدًا الأجزاء الكردية، ولكن مع إمكانية تمدد "داعش" خارج المناطق الكردية، قد يصعب على الولايات المتحدة وحلفائها تنفيذ ضربات جوية؛ لأنها قد تطال حينئذٍ المدنيين.

وبرغم أن إمكانيات سورية الدفاعية تمثل تهديدًا يمكن التغلب عليه "surmountable threat"، بسبب إنهاك القوات والمعدَّات في صراع ممتدٍّ لأكثر من ثلاث سنوات، فإن المشكلة تكمن في الاعتماد على قوات وعتاد الحلفاء الشيعة في لبنان والعراق وحتى إيران، وهو ما قد يمثل خطرًا على الولايات المتحدة وحلفائها.

وبالتالي، فمن المحتمل أن تخسر الولايات المتحدة اللعبة الدبلوماسية؛ حيث تفقد هيمنتها تدريجيًّا على المنطقة.

ومن ناحيةٍ رابعة، تواجه الولايات المتحدة معضلة أمام تنفيذ ضربات جوية في سوريا، والسبب في ذلك، أن نجاح هذه المهمة سيتطلب قوات برية تجتاح المدن الواقعة تحت سيطرة "داعش"، كما أن نجاح واشنطن في العراق في تنفيذ ضربات جوية، يرجع إلى موافقة الحكومة العراقية على هذه الضربات بخلاف نظام الأسد، كما أن ضرب سوريا لم يحظ حتى الآن بدعم أوروبي واضح.

وبالتالي، فإنه من المرجِّح، أن ينفذ الرئيس "أوباما" ضربات جوية مشابهة لتلك العمليات التي تنفذ في الصومال واليمن وباكستان، والتي تشبه ما يسمى لعبة "Whack-a-Mole"، بمعنى أنه مجرد استهداف العدو والتخلص منه، إلا أنه يعاود للظهور مرة أخرى في أماكن كثيرة، وهذا يعني عملياً أن توجيه ضربات ضد داعش، ستكون نتيجته معاودة ظهور قيادات "داعشية" أخرى في أماكن مختلفة.

2-استبعاد قوى إقليمية "exclusion of regional powers": حيث تم استبعاد إيران، وهي دولة إقليمية "فاعلة" في المنطقة، وهو ما يمثل إشكالية أخرى من اللغز "puzzle" المرتبط بهذا التحالف، وبرغم أن استيلاء داعش على الموصل في 10 يونيو، دفع الولايات المتحدة وإيران للحديث عن إمكانية التعاون لمواجهة خطر "داعش"، فإنه في نهاية المطاف تم استبعادها، حيث أكد وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" في 11 سبتمبر أنه "سيكون من غير الملائم أن تشترك إيران في تحالف يسعى إلى قتال مسلَّحِي تنظيم "الدولة الإسلامية".

وعلى الجانب الآخر، قالت المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية، "مرضية أفخم"، في 11 سبتمبر إن "ما يُسمَّى التحالف الدولي لمحاربة جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام تكتنفه نقاط غموض شديد".

ويمكن عزو استبعاد إيران، إلى رغبة أمريكية في تحالف عربي سُنِّي، خشية أن تساعد إيران في إشعال صراع شيعي-سني، مما قد يعيد حدوث صراع الوكالة الظلية "a shadowy proxy".

وربما ترك المجال للولايات المتحدة للعودة إلى الساحة العراقية.

وإذا كانت إيران ترفض فكرة التخلي عن حليفها الأسد، فإن لا شيء يحول دون تغير ذلك.

فقد فرضت إيران نفسها لاعبًا رئيسيًّا في الإقليم، وباتت جزءًا من المفاوضات والمساومات التي تدور داخل المنطقة، وبالتالي فهي لن ترضخ بسهولة، كما حدث عندما تم استبعادها في مؤتمر جنيف-2 الخاص بالبحث عن تسوية سياسية للأزمة السورية، فكانت النتيجة فشل المؤتمر.

وفي السياق ذاته، يبدو أن روسيا غير راضية عن هذا التحالف بعد إعلان "أوباما" شن ضربات جوية في سوريا تستهدف "داعش"، متشككة في نواياها، معتبرةً أنها "غير شرعية".

فاستبعاد إيران وتجاهل الدور الروسي يشير إلى الربط بين قضية "داعش" وعدد من قضايا المنطقة والملفات الدولية، أهمها البرنامج النووي الإيراني، والأزمة في أوكرانيا بعد فرض عقوبات على روسيا.

ولكن قد يؤدي هذا الاستبعاد إلى اشتعال ساحات التوتر أكثر، واتساع دائرة المواجهات أيضًا.

3-تحالف غير الراغبين "unwilling coalition": وعلى رأسهم تركيا؛ حيث ما زالت تركيا مترددة "reluctant"، أو غير راغبة في أن تكون جزءًا من هذا التحالف الدولي، وهو ما ذكره رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو " كما أن أهداف أميركا واضحة وصريحة، وسبب رفض تركيا المشاركة في العملية العسكرية واضح بالمقدار ذاته(..) فقد قال داوود أوغلو: "حذّرنا الجميع سابقًا بمن فيهم واشنطن والأسد من أنه من دون إنهاء الأزمة في سوريا، فإن المنطقة ستتحول إلى بركان غضب".

فالغرب يعتبر تركيا حليفًا أساسيًّا، لكونها الدولة الوحيدة العضو في حلف "الناتو"، حيث تستضيف تركيا على أراضيها الكثير من معدات "الأطلسي"، معظمها في قاعدة "إنجيرليك" الجوية، ولكنها لن تشارك في حرب برية، مثلما فعلت في الحرب الأمريكية على العراق، التي رفضت أن تكون جزءًا من هذه الحرب.

وتشديد "أوغلو" على إنهاء الأزمة السورية يرجع إلى تخوُّفها من أن التخلص من "داعش" في سوريا، قد يساعد على إضفاء الشرعية على نظام الأسد، حيث خاضت تركيا حملة طويلة من أجل التخلص من نظام الأسد، ولكنها فشلت وما زالت ترفض فكرة هزيمتها في الحرب بالوكالة.

وقد واجهت تركيا معضلة تعاون كردستان العراق مع القوى الكردية المعادية للدولة التركية مثل حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا؛ حيث أن مشاركة تركيا في الحرب مع الأكراد ضد "داعش"، سيعني مساندتها لمقاتلي حزب العمال، وربما سيسهم في تقسيم العراق، حيث ما زالت أزمة الرهان، واحتجاز 49 دبلوماسيًّا تركيًّا، تمثل ورقة ضغط على تركيا، وهو ما جعل الحكومة والإعلام التركي يرفض الإشارة إلى "داعش" باعتبارها منظمة إرهابية، ويُكتفي في بعض الأحيان بالإشارة إليها بالجماعة المتطرفة، حتى عندما أشار أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركي حينها ورئيس الوزراء الحالي، أطلق عليها بالـ مروعة terrorized وليس الإرهابية terrorist، وهو ما يعكس أهمية المكانة التي تتمتع بها "داعش" caveat"" في ذهنية القيادة التركية.

4-توزيع الأدوار: يبدو أن فرنسا تسعى لأن تلعب دور منفردًا عن الولايات المتحدة، حتى تستطيع ممارسة نفوذ واسع شبيه لقيادتها الحربَ في مالي، وهو ما انعكس، بقوة في عودتها للمسرح العراقي، وبالرغم من أن واشنطن ما زالت اللاعب الرئيسي في قضية مواجهة "داعش".

وقد انعكس هذا الدور في زيارة الرئيس "فرنسوا هولاند" إلى بغداد وأربيل، وهو أول رئيس دولة يقوم بهذه المبادرة، والثاني من خلال الدعوة إلى مؤتمر دولي تحت شعار "السلام والأمن في العراق" الذي ينعقد بحضور نحو ثلاثين دولة.

وعلى جانب آخر، قال وزيرا خارجية ألمانيا وبريطانيا، في 11 سبتمبر، إن البلدين لن يشاركا في أية ضربات جوية في سوريا تستهدف تنظيم "داعش"، فالموقف الألماني يمكن فهمه في إطار سياسة النأي بالنفس عن المساهمة في أي عمل عسكري، باستثناء إرسال معدات عسكرية لقوات البيشمركة الكردية، أما بريطانيا فيمكن فهم موقفها في سياق رفض مجلس العموم البريطاني العام الفائت توجيه ضربات عسكرية ضد دمشق بسبب استخدامها أسلحة كيميائية، ولكن قتل "داعش" لموظف الإغاثة البريطاني "ديفيد هينز"، قد يدفع رئيس الوزراء "ديفيد كاميرون" للقبول بأية تحركات تهدف إلى ضرب "داعش"، حيث توعَّد بملاحقة قتلة "هينز".

يمكن القول إذا أن حرب التحالف الدولي ضد داعش، نتيجة للعقبات آنفة الذكر، قد تمتد لسنوات طوال، حتى تؤتي الحرب ثمارها، والسبب في ذلك أن الولايات المتحدة تعيد سياسة الإدارة الأمريكية السابقة المتمثلة في اختزال الأزمات، مثلما اختزلت أحداث سبتمبر في مقتل أسامة بن لادن، فهي تتصور ان القضاء على داعش سيعيد الاستقرار في المنطقة، وتبني مدخل قاتلهم أينما تجدهم "kill them wherever we find them"، وان نجحت هذه الاستراتيجية في تحقيق انتصارات سريعة سواء في أفغانستان عام 2001 أو حتى العراق 2003، ولكن سرعان ما تبددت هذه النجاحات، وكانت عواقب الانتصار وخيمة، كما أن نتيجة الحرب على داعش قد لا تمثل انتصارا كاملاً لأي من الأطراف سواء المتصارعة أو حتى المتشابكة، بالإضافة إلى أن القضاء على تنظيم داعش عسكرياً دون القضاء عليه إيديولوجيا، مع حل أزمات المنطقة، سيؤدي إلى ظهور "دواعش" أخرى في أماكن متفرقة من العالم.