متابعات تحليلية

جهود الوساطة وإمكانية حل الأزمة

كرم سعيد 613 23-10-2013
طباعة
23/10/2013 لا تزال رياح التوتر تعصف بمصر وتزيدها انغماساً فى الهم الداخلى منذ ثورة 25 يناير، فقد سارت مصر في طريق شديد التعرج خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

ودخلت البلاد مرحلة الشحن السياسى طوال عهد الرئيس المعزول محمد مرسى، إذ قامت سياسته تارة على مغازلة حلفائه، وتارة على تشويه خصومه وتجاهل مؤسسات الدولة مقابل الاستقواء بالأهل والعشيرة وهو ما ترتب عليه تعميق الأزمة، بدلا من تقديم حلا لها. وقد استمر المناخ السياسي في مصر في تأزمه منذ عزل مرسى في 3 يوليو الماضي، فالمسيرات والصدامات بين المتظاهرين وقوات الأمن لم تتوقف، وباتت التصريحات الخشنة هي الأمر السائد على لسان طرفي الأزمة طول الوقت، وعلت وتيرة نبرة تحد من جانب كافة الأطراف. لذلك تبدو مصر في مسيس الحاجة إلى جهود جبارة لاختراق الأزمة، أو تجاوز الخلاف، وفي هذا السياق العام استقبلت الساحة السياسية عددًا من المبادرات التي هدفت تقديم مخرجا من المأزق السياسي الراهن، وإن كان دون تحقيق نجاح كبير حى الآن.

من العوا إلى الزمر: تجاهل أصل المشكلة جاءت مبادرة محمد سليم العوا المرشح السابق في انتخابات رئاسة الجمهورية، في 26 يوليو الماضي تحت عنوان "المسار الديمقراطي في مواجهة الانقلاب العسكري".

و استند العوا في مبادرته إلى المادتين 141 و142 من الدستور، وارتكز جوهر المبادرة على عودة الرئيس المعزول "مرسي" مع تفويضه كامل صلاحياته لحكومة مؤقتة لحين إجراء انتخابات نيابية ورئاسية جديدة، وفقاً لدستور 2012، وعلى أن تدعو هذه الوزارة المؤقتة فى أول اجتماع لها لانتخابات مجلس النواب خلال 60 يوما.

على أن تشكل عقب الاستحقاق الانتخابى وزارة دائمة تتولى الإشراف على انتخابات رئاسية مبكرة وفقاً لدستور 2012 الذى سيخضع لتدخل جراحى عاجل فى مرحلة لاحقة. والطريف فى مبادرة العوا، والمضحك المبكى فى ذات الوقت، هو إصرارها على عودة الرئيس مرسى الذى هو أصل المشكلة، وبالتالى كان من الصعب خاصة من حيث توقيتها أن يتوسم فيها أحد ملامح تقديم حل حقيقي للوضع المأزوم.

لذلك انتهى مجهود العوا ورفاقه بالفشل لعدم تحمس السلطة المؤقتة وقطاع واسع من القوى السياسية لها، وكذلك تلكؤ جماعة الإخوان المسلمين في تحديد الموقف منها. وفى المقابل ارتكزت مبادرة عبود الزمر الذى كشف النقاب عنها نهاية أغسطس الماضى على عدد من البنود فى مقدمتها إلغاء حالة الطوارئ ووقف الملاحقات الأمنية للتيار الإسلامى.

كما أكدت على تواصل المظاهرات السلمية إلى أن يتم التفاوض على خارطة طريق جديدة يتفق عليها طرفى الأزمة. والأرجح أن مبادرة عبود الزمر ماتت فى مهدها، إذ أن الصورة النمطية للرجل لا تزال سلبية فى الوعى الجمعى للمصريين.

ناهيك بالطبع عن مشاركة حزب البناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، التى ينتمى إليها، فى تحالف دعم الشرعية الذى يعتبر ما حدث فى يوليو قفزة عسكرىة على السلطة الشرعية المنتخبة. مبادرة أبو المجد: الاجهاض المبكر مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات، ودخول البلاد دوامة العنف عقب الأعمال الإرهابية التي تشهدها سيناء وانتقالها إلى عمق القاهرة، جاءت مبادرة الفقيه القانوني أحمد كمال أبو المجد في 12 أكتوبر الجارى.

وحملت المبادرة بين طياتها نقاط عدة منها الاعتراف بالسلطة الانتقالية الراهنة، ووقف التصعيد الإعلامي ضد جماعة الإخوان ناهيك عن وقف الاعتقالات والتصعيد بكل صوره، مقابل الكف عن مساعي تدويل الأزمة السياسية والتلويح باللجوء لمحكمة الجنايات الدولية فيما يتعلق بفض اعتصامى رابعة العدوية وميدان النهضة.

غير أن أطروحة أبو المجد باءت بالفشل لسببن أولهما اعتراض جماعة الإخوان المسلمين على المبادرة جملة وتفصيلا واتهام صاحبها بأنه وسيط "غير محايد".

وكان بارزاً، هنا، تصريح د.

محمد على بشر القيادي بالجماعة الذي قال فيه "إن مبادرة أبو المجد انتهت، لأن شروطها لا تؤدي لنتائج إيجابية"، وأضاف "إن المبادرة تمثل انحياز الوسيط لطرف دون آخر، ما يقوض جهود الوساطة التي تعمل على تقريب المواقف بين الأطراف المختلفة".

ويرتبط السبب الثاني بارتفاع درجة حرارة الأزمة، مع إقدام حكومة الببلاوي على شطب الجمعية الأهلية التي تحمل اسم "الإخوان المسلمين"، وتشكيل لجنة لإدارة أصول وأملاك الجماعة وجمعيتها الأهلية.

وقد أتى ذلك عقب صدور حكم قضائي بحظر كل أنشطة هذه الجمعية والتحفظ على أموالها، وعلى أن تتولى لجنة إدارة كل ما تمتلكه الجماعة والجمعية من عقارات وأموال واستثمارات إلى حين صدور حكم نهائي بحل الجمعية ومصادرة أموالها. كما وقفت محاولة جماعة الإخوان المسلمين لتكرار محاولة دخول ميدان التحرير بالتزامن مع مرور 100 يوم على عزل الرئيس السابق محمد مرسي حجر عثرة أمام نجاح مبادرة أبو المجد. مبادرة إبراهيم يسرى: للخلف در وفي أجواء مشحونة ومن دون أمل كبير في إمكان حل الأزمة في وقت سريع، جاءت مبادرة أحد مؤسسي ما يسمى "جبهة الضمير الوطني" السفير إبراهيم يسرى قبل بضعة أيام.

وكان من بين بنود هذه المبادرة إعادة الرئيس المعزول مرسى رئيساً شرفيا ونقل اختصاصاته لرئيس وزراء يتم اختياره بالتراضي.

إضافة إلى إيقاف أي ملاحقة قانونية للمؤسسة العسكرية فضلا عن تفعيل دستور 2012، مع وقف تفعيل بعض مواده كليا أو جزئيا، وإضافة مادة تنص على إعفاء وزير الدفاع من أي ملاحقة قانونية. كما تضمنت المبادرة المطروحة في 19 أكتوبر الجارى إلغاء كل آثار إعلان 3 يوليو، بما فيها تعيين الرئيس المؤقت عدلي منصور والحكومة المؤقتة إلى جانب الإفراج الكامل عن كل المعتقلين وإلغاء قرار حل جمعية الإخوان المسلمين. صحيح أن مبادرة يسرى لامست بعض القضايا الشائكة، وضمت بين جنباتها أفكارًا جديدة، لكنها قبرت في مهدها بعد تحفظ أعضاء جبهة الضمير أنفسهم على مضمونها، واعتبارهم إياها مجرد رؤية شخصية لمن طرحها. وفى وقت سابق على كل هذه المبادرات كان الدكتور حمزة زوبع المتحدث الإعلامي باسم حزب الحرية والعدالة قد طرح رؤية للخروج من الأزمة الراهنة قبل أن يتراجع عنها، استهلها بـ"اعتذار" عما بدر من أخطاء وقع فيها الإخوان المسلمون، مطالبا الجميع بضرورة الاعتراف بالخطأ، متحدثا عن الجماعة بقوله: "أخطأنا في الحكم واعترفنا". فشل مبادرات الحل: لماذا؟ في هذا السياق العام لا يزال هناك تساؤل رئيسي هو: لماذا فشلت كل هذه المبادرات في إنهاء حال التوتر والاحتقان المتصاعد في البلاد، والتأسيس لتفاهمات جديدة ما بين الدولة والأطراف السياسية المناهضة لها؟ والواقع أن هناك عدة أسباب تقف وراء انسداد أفق الحل السياسي أولها إصرار جماعة "الإخوان" وحلفائها على أن يكون الحوار مع أي طرف على أساس استعادة المسار الشرعي والديمقراطي في إشارة إلى التمسك بعودة الرئيس المعزول محمد مرسى. وثانيهما حالة التخبط والارتباك التي تسيطر على الجماعة بعد سجن كوادرها القيادية، بينما يعجز أعضائها الغير ملاحقين مثل محمد علي بشر وعمرو دراج وغيرهم عن صنع القرار، أو حتى تحمل تبعات اتخاذه بحكم التنظيم الهيراركي الذي تتميز به الجماعة.

أضف إلى كل ذلك الهجمات المسلحة على مباني حكومية وعسكرية، وتورط الجماعات الجهادية فيها مثل كتائب الفرقان وأكناف بيت المقدس والسلفية الجهادية، وغيرها حائلاً أمام أية جهود للحل.

ويأتي هذا نتيجة لكون هذه الجماعات تعتبر أن المعركة الدائرة اليوم في مصر بحسب تصريحات صادرة عنها "معركة مصير مع قوى الكفر التي عقدت النية على محاولة استئصال الإسلام من على أرض مصر"، ويعتبر بعضها أن النظام الحالي عدو الله ورسوله، وضباطه وجنوده كفرة مرتدون حتى يرجعوا". ويرتبط السبب الرابع بسلوك المؤسسة العسكرية إزاء كل هذه المبادرات، فقد أكدت قبولها أية جهد في إطار خارطة المستقبل التي تستند على قاعدة شعبية خرجت في 30 يونيو، فالجيش بحسب تصريحات قادته قطع خط الرجعة إلى ما قبل 3 يوليو، وبالتالي فإنه من غير الوارد العودة إلى الوراء. أما العامل الخامس فيعود إلى أن كل مبادرات الوساطة حملت مضامين كان لا يمكن قبولها من كافة أطراف الأزمة في مقدمتها عودة الرئيس مرسى ولو شرفيا، أو إطلاق سراح قيادات تخضع للتحقيق القضائي ناهيك عن رفض الجماعة وحلفائها الاعتراف بالسلطة الراهنة، أو اعتبار ما حدث في 30 يونيو ثورة أو حتى موجة ثورية ثانية.
طباعة