د. مريم وحيد

مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة

بقيمة الحرية ازدانت و تجملت ثورة الخامس و العشرين من يناير .

فأجمل ما فيها هو روح الحرية و التسامح التى شهدها ميدان التحرير و كافة ميادين الثورة المصرية .

فقد جاءت الثورة بثلاثة مطالب أساسية وهى عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية و كرامة انسانية .

اذن فالحرية شكلت ضلعا أساسيا للثورة و عمادا أساسيا لها .

نتساءل اذن ما هى الحرية التى طالب بها جموع الثوار ؟ أليست هي حرية الرأي و الفكر والاعتقاد ، أليست متضمنة لحرية الابداع ؟

فبعد مرحلة الحلم الرومانسى للثورة المصرية التى تمثلت فى الأيام الثمانية عشر حتى سقوط الرئيس السابق حسنى مبارك ، أطلقت حرية الابداع الفنى المعارض للسلطة فى كافة ميادين و شوارع مصر و تشهد الجدران المصرية على هذا من خلال الجرافيتى كما يشهد على ذلك أشكال آخرى من الفنون مثل الأغانى الثورية و غيرها .

أيضا شهدت ميادين مصر مثل ميدان عابدين مهرجان الفن ميدان الذى هدف الى تقريب الفن من الشارع فالفن للجميع .

الا و فى ظل هذه الأجواء الابداعية الايجابية و مع استخواذ التيارات الاسلامية الاخوانية و السلفية على الأغلبية البرلمانية تسرب القلق الى عدد كبير من الفنانين و المبدعين و كل من يدافع عن قضية حرية الابداع من هذا الصعود الاسلامى الذى لا يرونه اسلاميا و لكن متأسلما وبالتالى اتخذوا خطوات احترازية عن طريق مسيرة سميت بمسيرة الابداع التى توجهت الى مجلس الشعب فى بداية انعقاده يوم (23 -1- 2012) وقد كانت بمثابة مسيرة وقائية إن جاز التعبير، و الوقاية هنا مما يمكن أن يسنه البرلمان من تشريعات تنتهك حرية الرأى و الابداع .

فنص بيان جبهة الابداع الذى تم تسليمه الى مجلس الشعب بأنه " لن نقبل بإرهاب العقول وتكفير التفكير واعتبار أن من يعارض المجلس العسكرى خائناً، أو من يهاجم التيارات التى تسمى نفسها بالدينيه كافراً، ولأننا من نسيج هذا المجتمع فإننا حماة ثوابته ونرفض استخدام كلمة (ثوابت المجتمع) كذريعة للحد والتقييد من حرية الإبداع ".

و بالفعل كان للشكوك و الظنون مدعاها و قد وضح هذا للعيان مما أثارته مؤخرا قضية محاكمة الفنان عادل امام و غيره من المبدعين .

فقد تقدم أحد المحامين المنتمين الى التيار الاسلامى الذين يعرفون بمحاميى الحسبة برفع قضيتين دون أن يكون له أي صفة او مصلحة في تلك الدعوي الأمر الذي يجعلها تضاف في قائمة قضايا الحسبة السياسية والدينية .

مضمون الادعاءات فى القضيتين هو القول بأن تلك الاعمال هدفت الى ازدراء الدين الإسلامى .

في القضية الأولي اختصم الفنان عادل إمام وحده ونظرت القضية محكمة جنح الهرم وأصدرت حكماً يقضي بحبسه 3 أِشهر وتغريمه كفالة 1000 جنيه بعد أن أيدت المحكمة الحكم الغيابى الذى صدر فى مطلع العام الجارى .

و هذا فى تطور سلبى خطير تجاه قضايا حرية الرأى و الابداع .

أما فى القضية الثانية رفعت القضية ضد كلا من عادل امام ، نادر جلال ، لينين الراملى ، شريف عرفة ، وحيد حامد ، محمد فاضل – وهم مخرجى و مؤلفى ومنتجى أعماله السينمائية و المسرحية ( من تلك الاعمال الارهابى ، طيور الظلام ، الزعيم ، مرجان أحمد مرجان ) أمام محكمة العجوزة الجزئية الخميس 26 إبريل و قضت المحكمة بعدم قبول دعوى ازدراء الأديان المرفوعة .فقد أصدرت محكمة جنح العجوزة حكمها بعدم قبول الدعوي والزمت رافعها بالمصروفات وأتعاب المحاماة.

وشددت المحكمة أن "توجيه الانتقادات لأي تيار فكري غير مجرّم وأن بعض المتشددين يصرون على تنصيب أنفسهم أوصياء وحراساً ومدافعين عن العقيدة ضد الأخطار.

وتساءلت المحكمة: على فرض أن تلك الأعمال الفنية تتناقض مع فهمهم للعقيدة فهل معني ذلك أن يختزل الدين في فهمهم وتأويلهم؟ لماذا صوروا ما جاء في الأعمال الفنية على أنه خطر على العقيدة وهو في الحقيقة خطر على فهمهم وتأويلاتهم؟ لأن الدين والعقيدة في نفوس المصريين كشعب متدين أقوى من أن يهددها عمل فني و كانوا بوعيهم هذا قادرين على التصدى لهذا قبل أن ينوب عنهم أحدا بهذا ؛ لكن ضعف موقفهم المستمد من الظلام والجهل هو الذي صور لهم ذلك .

فأمامنا الآن حكمان على الفنان عادل امام ، حكم خاص به وحده يقضى بادانته و حكم آخر خاص به مع غيره من المبدعين يقضى ببراءته .

فهل الحكم الأخير سوف يؤدى الى حصول عادل امام علي البراءة أمام محكمة جنح مستأنف الهرم وإسقاط حكم اول درجة الصادر بحبسه وتغريمه .

و بصرف النظر عن اتفاقنا او اختلافنا مع افلام الفنان عادل امام ، التساؤل يظل واحدا و المبدأ يظل واحدا وهو هل نقبل او لا نقبل بمحاكمة الفنانين عن أعمالهم الفنية التى بذلوا فيها الجهد فى مراحله المختلفة ابتداء من التأليف ثم الاخراج و الأداء؟ فالفنان الذى يحمل هموم وطنه و يفنى عمره للتعبير عن قضاياه و يسعى الى انتقاد تلك الأحوال بل و يستشرف ما قد يواجهه وطنه من مشكلات من أجل الوصول الى مجتمع أكثر مثالية ، هل نقوم بمحاكمته اذا اختلفنا معه فى وجهة النظر ؟ فقد تمثلت التهمة الأساسية للفنان عادل امام انه قام بازدراء الأديان بصرف النظر عن كونه مؤدياً فقط و لا تقع عليه المساءلة القانونية لأنه ليس مؤلف أو مخرج تلك الأعمال، لكننا لا نهتم بالأشخاص و لكن بالقضية بصورة عامة .

فتهمة ازدراء الأديان شاعت فى مصر و عادة ما كانت تستخدم في مصر لقمع الفكر المخالف فقد صارت تهمة ازدراء الأديان سلاحاً بيد السلطات الرسمية تؤدب به المعارضين، و أيضاً صارت سلاحاً بيد الجماعات التكفيرية .

ففى كل عصر يوجد تهمة ان جاز التعبير و تهمة ازدراء الأديان طالما ما استغلت لتكفير الآخر المختلف .

هذه النوعية من الأفلام قيل انها تقوم بازدراء الأديان أيا كانت اهداف اصحابها ، سواء بتوجيه من النظام السابق او بقناعات اصحابها لمواجهة فكر الاخوان و التحديد من انتشارهم و كشف دورهم السياسى الذى كان يهدد استقرار و امن و سلامة النظام .

فهل جاء الوقت و سنحت الفرصة عندما تغير ميزان القوة و أصبحت الكرة فى ملعب الاخوان و السلفيين أن ينتقموا من ثأر قديم مازالوا يضمرونه و يكون درس لما تسول له نفسه ان ينتقدهم و ينتقد هذا الفكر بغض النظر عن فكرة ازدراء الأديان التى تبنوها لأنه لا يوجد فى أية من هذا الافلام نقد لرسول الاسلام او الذات الالهية او الشرع الذى يؤمن به عموم المسلمين .

فقد كان فكر هذا الافلام و هذا النقد متمحورا حول منهج هذه الجماعات فى الظاهروالباطن و أساليب عملها سواء فيما بينها او على أرض الواقع و نظرتهم المختلفة عن عموم مجتمعهم .

و الدليل على هذا أن هذا الفكر كان غريبا عن المجتمع فلم يظهر من المعتقدات الداخلية سوى الملبس الدخيل على المجتمع المصرى و اسلوب الحياة و طرح الافكار الا فى عقد الثمانينيات و بالتحديد بعد اغتيال الرئيس انور السادات فقد بزغ نجم الجماعات الدينية فى فترة حكم السادات و تفاقم هذا الانتشار بعد اغتياله .

فاذا افترضنا أن أعمال عادل امام كانت تساند النظام البائد و كان مبدعوها يقدمون افكارا مضادة للاسلاميين خادمين بذلك هذا النظام و مؤازرين له .

هل بعد ذلك يقوم التيار الاسلامى باستغلال تغير الاوضاع السياسية من أجل منع افلام كانت تنتقد موقفهم السياسى تحديدا و توغلهم فى المجتمع من أجل التأثير عليه و قولبته بطريقة معينة و معاقبة مبدعى هذه الأعمال ؟ فالموضوع اذن سياسيا من الطراز الأول و لا يتصل بالدين بأى شكل من الأشكال .

اذا كان الموضوع دينيا فلماذا لم يرفع هذا المحامى القضية وقت عرض تلك الأفلام .

نعم نفهم الشعور لكل من اعتقل أو سجن بسبب أفكاره و عقائده و لكن هل يصح عندما يخرج من السجن و تصبح السلطة فى يده أن ينتقم ممن انتقده أو حتى أساء اليه تماما مثلما حدث معهم و ذاقوا مرارته ؟ ففى تبرير رفع القضية لم يكن يصح الاشارة الى أن الفنان كان ينتقد الذات الالهية أو يزدرى الدين لأن ذلك لم يحدث .

فيمكن أن يكون قد انتقد الاسلاميين بناء على فكره الشخصى أو بايعاز من النظام لو تصوروا ذلك .

لكن ادخال الله و الذات الالهية فى هذا الموضوع لا يصح اطلاقا .

ولو فعلنا ذلك نكون قد أسأنا الى الدين فى المقام الأول و فتحنا الباب لما يهدد التماسك الاجتماعى و الوحدة المطلوبة لبناء النهضة .

و يجب أن نفهم ان هذا التسامح ليس تساهلا فى أمور الدين فى شىء .

من هنا نرى أن الأمر الذى يثير الدهشة حقا هو استصدار قانون من مجلس الشعب ذو الأغلبية التى تنتمى الى تيار الاسلام السياسى لاعادة رقابة الاعمال الفنية بأثر رجعى فمعظم تلك الأعمال مر على عرضها عقود من الزمان .

و كانت قد حصلت على موافقة الأزهر الشريف و الجهات الرقابية المختلفة .

حيث أن أى عمل فنى يتعرض لشيوخ او لرجال الدين عموما او الموضوعات الدينية لابد ان يحصل على موفقات الازهر .

فألا تكفى موافقة الأزهر الشريف وهو الجهة العلمية و الفقهية الوسطية المعتبرة و المعتمدة ليس على مستوى مصر فقط ولكن على مستوى العالم ؟ فكأنهم بذلك يضعون فكرهم فوق علم وفقه و شرعية العلماء .

فاذا كانت الأعمال تتعرض الى ممارسات معينة من شخصيات ترتدى ثياب الاسلام و تتمسح بمظهره و يكشف من يتلاعبوا بأموال الشعب و مصيره فى ممارسات دنيوية باسم الاسلام ، فبالتأكيد هذا لا يتعرض لصحيح الاسلام بأى صورة من الصور كما جاء فى الحكم الصادر .

و يبقى موقف الأزهر جليا و هو ما أكدت عليه وثيقة الأزهر للحريات التى صدرت يوم (8-1-2012) لكل ما يخص الحريات و قد تطرقت وثيقته الى عدة أمور خاصة بحرية الابداع و الفن .

فقد أكدت الوثيقة أن القاعدة الأساسية التي تحكم حدود حرية الإبداع هي قابلية المجتمع من ناحية، وقدرته على استيعاب عناصر التراث والتجديد في الإبداع الأدبي والفني من ناحية أخرى، وشددت الوثيقة على عدم التعرض لكل أشكال الفنون ما لم تمس المشاعر الدينية أو القيم الأخلاقية المستقرة .

استشراف مستقبلى فى ظل كل هذا الشد و الجذب نتساءل حول مستقبل محاكمات الفن فى المرحلة المقبلة ؟ كل موازين القوى تشير الى أن التيارات الاسلامية الحائزة على الأغلبية البرلمانية سوف تستمر فى محاكمة كل من يرون أنه عارضهم سياسياً في الأعمال الفنية حتى لو بذريعة ازدراء الدين .

فقد تقدم نواب من البرلمان بمشروعات قوانين ضد حرية الابداع وللرقابة على الأعمال التلفزيونية و السينمائية بدعوى مخالفتها للاخلاقيات العامة .

و قد ترددت اقاويل بأن ثمة اعمال كثيرة رفضتها الرقابة لمغازلة التيارات الاسلامية .

فهل كل هذا نوع من بالونات الاختبار لأمور يمكن أن تحدث فى المستقبل .

هل نتوقع ان نرى هيمنة على الفن ، كما شهدنا على سبيل المثال هيمنة و ديكتاتورية المجتمعات القمعية على الفن مما يشكل عودة لمحاكم التفتيش و السيطرة على الفكر و تنميطه و قولبته ؟ و هل سيقمع كل من هو غير اسلامى من وجهة نظرهم الشخصية ؟ و التساؤل الأكثر أهمية الآن : هل هذا وقت الانتقام و تصفية الحسابات ووعيد لمن يفكر فى محاربتهم او انتقادهم و لتصبح هذه الابداعات هى الابداعات المحظورة ؟ أليس من الأفضل مقارعة الفكر بالفكر و مجابهة الحجة بالحجة ؟ هل تتغير رسالة الفن نحو محاربة هذا الفكر ام تجبره ان ينساق فى نظام معين مثلما عمل آخرون فى نظم سابقة ، ام ان الاحكام التى صدرت بتحميل المحامين ستكون رادعة لأى شخص يفكر فى رفع قضية سواء أكان يبحث عن الشهرة أو يتبنى هذا الفكر ؟ و ها نحن نرى فى مواجهة ادعاءات تيار الاسلام السياسى يطالعنا صناع فيلم طيور الظلام بخبر استكمال جزء آخر منه ليعلنوا تمسكهم بمبادئهم و فكرهم مهما تعرضوا لأحكام قضائية .

فهل نحن الآن بعد الحكم القضائى الأخير فى مفترق طرق بين المبدعين و تيارات الاسلام السياسى و انذار بتوسع الهوة بينهم أم أن الحكم نقطة التقاء لرأب الصدع .

فماذا سيفعل انصار تيار الاسلام السياسى بعد هذا ،هل سيلجأون الى العنف بعدما خذلهم القضاء من وجهة نظرهم ؟ و بين هذا و ذاك ننتظر فى الأيام المقبلة الدستور المصرى و ما ستئول اليه المواد الدستورية بخصوص حرية ابداء الرأى و حرية الابداع بشكل عام الذى سيحدد موازين القوى .

ترى فلمن ستكون الغلبة ؟ و فى الختام نتذكر ما قاله برتراند راسل فى كتابه " السلطة و الفرد " أن " من فضائل السلطة الحفاظ على التماسك الاجتماعى و تحاشى الفوضى لكن التقدم و النهضة لا تتحققان الا عن طريق الابداع الفردى ".

فلابد أن نترك المجال للابداع الفردى و لا نسعى الى قولبة المجتمع اذا أردنا النهضة لمصرنا الحبيبة .