انتهت رسمياً مهمة التحالف الدولى فى العراق يوم 30 سبتمبر 2026، بإعلان واشنطن أن "الولايات المتحدة وشركاءها فى التحالف اختتموا رسمياً عملية (العزم الصلب) فى العراق". ويأتى هذا الإعلان فى سياق المرحلة الأخيرة ضمن بنود التفاهم الأمنى الذى وقعته كل من واشنطن وبغداد فى سبتمبر 2024، والذى تضمن إنهاء مهام التحالف الدولى فى العراق على مرحلتين الأولى؛ تشمل الانسحاب الأمريكى من وسط وجنوب العراق بما فى ذلك قاعدة "بلد الجوية" شمال العاصمة بغداد وقاعدة "عين الأسد" بمحافظة الأنبار، وانتهت هذه المرحلة فى سبتمبر 2025. المرحلة الثانية؛ وشملت انسحاب ما يقارب من 2500 جندى أمريكى من إقليم كردستان العراق وإنهاء العمل فى قاعدة "أربيل" الجوية، وهذه المرحلة انتهت فى30 سبتمبر 2026. وهو اليوم الذى أعلنت فيه الحكومة العراقية عن استعادة العراق لسيادته بمغادرة الجنود الأمريكيين وتفكيك القواعد الأمريكية فيه ونقل مهام الإشراف عليها للمؤسسة العسكرية، مع الاحتفاظ بعلاقات "ثنائية" مع الولايات المتحدة تشمل النواحى الاقتصادية والسياسية إلى جانب علاقات أمنية تشمل التدريب العسكرى الأمنى وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
استمرار النفوذ بصيغة مختلفة
يأتى الانسحاب الأمريكى من العراق، فى مرحلته الأخيرة فى سبتمبر 2026، وسط العديد من التطورات التى يشهدها الإقليم والمشرق العربى على وجه الخصوص، ويقع العراق فى قلب تلك التطورات والتفاعلات مباشرة؛ فثمة صراع إقليمى دولى حاد بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة منذ اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى على خامنئى فى 28 فبراير 2026 ، ويقع العراق ضمن معادلة تلك الصراع بصورة مباشرة؛ حيث توجد فصائل الحشد الشعبى التى يتضامن معظمها مع إيران، ويتبع أغلبها ولاية الفقية فى مرجعية "قم"، وانبثق منها تحالف (المقاومة الإسلامية فى العراق) الذى يضم عدداً من الفصائل الأكثر ارتباطاً بإيران، والتى أعلنت مسئوليتها عن استهدفت القواعد الأمريكية فى العراق وسوريا رداً على الحرب الإسرائيلية فى قطاع غزة، كما استهدفت بعض المدن والموانئ داخل إسرائيل منذ نوفمبر 2023.
وداخلياً، يأتى إعلان رئيس الوزراء العراقى على الزيدى، منذ توليه منصبه فى 14 مايو 2026، عن خطته لحصر السلاح بيد الدولة كمتغير مهم سيحدد مدى قدرة الدولة العراقية على فرض إرادتها على ما دونها من جماعات مسلحة، حيث تبدأ مهمة حصر السلاح رسمياً فى أكتوبر 2026 وتنتهى فى 30 يونيو 2027.
فى ظل هذه المتغيرات الخارجية والداخلية، يأتى الانسحاب الأمريكى من العراق وفقاً لما هو مقرر له فى نهاية سبتمبر 2026، ليطرح تساؤلات مهمة حول حقيقة هذا الانسحاب، وهل يمثل انتهاءاً كاملاً للدور الأمريكى فى العراق فعلياً؟. فى سياق الإجابة على هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن التحالف الدولى بصيغته العسكرية انتهت مهمته بالفعل، لكن المسألة هنا تتعلق بالوجود الأمريكى العسكرى نفسه؛ فرغم ما تداولته الأنباء من تفكيك فعلى للبنية العسكرية فى القواعد الأمريكية المختلفة وآخرها قاعدة "أربيل" فى إقليم كردستان، إلا أن بعض الشواهد تشير إلى وجود قوات قتالية محدودة من " المارينز" – مشاة بحرية - فى محيط السفارة الأمريكية نفسها مع الاحتفاظ ببعض الآلات والمعدات العسكرية أيضاً، وهو ما تفسره واشنطن بمتطلبات تأمين البعثة الدبلوماسية لا أكثر، بينما تراه الفصائل المسلحة استمراراً للدور العسكرى الأمنى ومن ثم مبرراً لاحتفاظها بالسلاح. يضاف إلى ذلك تزايد مستوى التعاون الاقتصادى والاستثمارى بين الجانبين العراقى والأمريكى منذ توقيع "مذكرة التفاهم" بينهما فى يوليو 2026، وهو ما يفسره البعض باتجاه واشنطن إلى "استبدال التعاون الأمنى العسكرى" بقدر من "النفوذ الاقتصادى والسياسى" متعدد الجوانب، خاصة فى مجال تطوير التعاون الثنائى فى مجال النفط الذى تسيطر عليه واشنطن منذ عام 2003؛ حيث تودع عائدات النفط العراقية فى بنك الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى وهو ما يمثل حوالى 90% من الإيرادات المالية للحكومة العراقية.
كما أن انتهاء الالتزام العسكرى الأمريكى فى العراق لا يعنى انتهاء الدور الأمريكى فى مجمله؛ لأن هذا الدور سيستمر فى بعض المجالات الأمنية المحددة والتى تشمل مكافحة "داعش"، ورفع كفاءة القوات الأمنية العراقية، وترقية التعاون الاستخباراتى. بخلاف ما سبق، فإن متغير الحرب الأمريكية على إيران يمنح قرار إنهاء الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق بعداً إقليمياً واضحاً؛ فمن ناحية يعد إنهاء هذا التواجد ببنيته العسكرية، المتمثلة فى القواعد المتعددة، تفويتاً للفرص على الفصائل العراقية المسلحة من الاستمرار فى استهداف تلك القواعد، وتفويتاً للفرص أيضاً على إيران بتوجيه ضربات صاروخية وعبر مسيرات لتلك القواعد نفسها. ومن ناحية ثانية إنهاء مبررات الفصائل بشأن الاحتفاظ بالسلاح خارج الأطر الرسمية للدولة؛ حيث ربطت تلك الفصائل بين تسليم السلاح للحكومة العراقية وبين استمرار الوجود العسكرى الأمريكى، مشترطة إنهاء هذا التواجد مقابل إنهاء احتفاظها ببنية عسكرية أمنية مستقلة عن الدولة، بل وموازية لدورها الأمنى فى حالات كثيرة.
تداعيات محتملة
رغم الحفاوة التى أعلنت بها الحكومة العراقية انتهاء الوجود العسكرى للتحالف الدولى فى العراق، والاحتفالات التى صاحبت الحدث على المستوى الرسمى، فإن ثمة مخاوف كبيرة من تداعيات محتملة لهذا الانسحاب ومن بينها:
1- الفراغ الأمنى و"داعش": ثمة مخاوف كبيرة لدى العراقيين من حدوث فراغ أمنى كبير بعد انسحاب قوات التحالف الدولى تستغله خلايا تنظيم الدولة "داعش" التى لا زالت كامنة فى منطقتين الأولى: فى المناطق المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كردستان، والتى تخلو من تواجد أمنى لكل من قوات الأمن العراقية وقوات البيشمركة الكردية وتشكل فراغات أمنية، والثانية: فى مناطق الحدود السورية العراقية وإن كانت الحكومة السورية تتولى حالياً مهمة تأمين تلك المناطق بعد أن أصبحت عضواً فى التحالف الدولى لمحاربة الإرهاب منذ فبراير 2026. ورغم أن حدوث فراغ أمنى فى مراحل الانتقال من مرحلة أمنية ما إلى مرحلة أخرى، يعد أمراً متوقعاً إلى حد كبير، إلا أن مخاوف الانفلات الأمنى الناتج عن هذا الفراغ تتزايد وطأتها على العراق خاصة فى ظل وجود متغيرات إقليمية حادة وسريعة تستخدم فيها الدول القوة العسكرية كآلية لإدارة الأزمات فيما بينها. والعراق يقع فى قلب هذه المتغيرات من الناحية الجغرافية بفعل موقعه، وسياسياً بالنظر إلى تفاعلات الفصائل المسلحة به ودورها الخارجى دعماً لأحد أطراف معادلة الصراع الإقليمى الدولى فى المنطقة.
2- غياب منظومة الدفاع الجوى: من أبرز التداعيات وأهمها على الإطلاق هو تفكيك الولايات المتحدة لمنظومات الدفاع الجوى الأمريكية فى العراق لاسيما منظومة دفاع "باتريوت"، حيث أصرت الولايات المتحدة على عدم منح العراق منظومات أمريكية للدفاع الجوى تحت عدة ذرائع منها: مخاوف من وقوع تلك المعدات تحت سيطرة "داعش" أو الفصائل الموالية لإيران، مما يعنى كشف تكنولوجيا حساسة لصالح أعداء الولايات المتحدة فى المنطقة. أيضاً ثمة شروط صارمة تفرضها الولايات المتحدة على الدول التى تستورد منظومات دفاع أمريكية وأهمها عدم استخدامها فى تهديد الحلفاء، بما يعنى تهديد إسرائيل ودول الخليج، وهو شرط من الصعب تحقيقه فى ظل تفاعلات الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران راهناً مع تطورات الوضع الإقليمى. يضاف إلى ذلك منع واشنطن بغداد من الحصول على أى منظومة دفاع أخرى بديلة مثل منظومة الدفاع الروسية "إس 300" على سبيل المثال، وذلك بهدف الحفاظ على التبعية الأمنية العراقية للولايات المتحدة. هذا فضلاً عن طبيعة العقيدة العسكرية التى تشكل على أساسها الجيش العراقى بعد عام 2003، حيث استهدفت الولايات المتحدة تشكيل جيش عراقى مهمته فقط هى "مكافحة الارهاب" (القاعدة ثم داعش)، وليس على أساس كونه (جيش دفاع وطنى) والفارق بين الأمرين ينعكس فى طبيعة التسليح. وتكمن مشكلة سحب منظومات الدفاع الجوى من العراق فى كونها ستشل من قدرات العراق خاصة إقليم كردستان على رصد واعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة. فى هذا السياق ثمة أنباء تشير إلى محاولة العراق شراء منظومات دفاع من فرنسا وتركيا مستقبلاً.
3- تعقد ترتيبات حصر السلاح بيد الدولة: رغم أنه من المفترض أن تسهل عملية انسحاب القوات الأمريكية من العراق مهام الحكومة العراقية بشأن حصر سلاح الفصائل، على اعتبار أن الانسحاب يبدد مبررات الفصائل للاحتفاظ بالسلاح، إلا أنه من المحتمل أن يحدث العكس؛ بمعنى أن الفصائل قد تزداد تمسكاً بامتلاك السلاح باعتباره الوسيلة التى استطاعت إحداث اختراق وتهديد للقوات الأمريكية ليس فى العراق فقط، وإنما فى سوريا والأردن أيضاً، وبالتالى تصبح الحكومة العراقية أمام تحديين كبيرين؛ الأول: تحدى الفراغ الأمنى مع عدم توافر منظومة للدفاع الجوى. والثانى: احتمالية فشل أو عدم اكتمال عملية حصر سلاح الفصائل خلال المدة المحددة لها والتى تنتهى فى يونيو 2027.
4- فرص مواتية لإيران: ثمة آراء ترى بأن الانسحاب الأمريكى من العراق ربما يمنح إيران فرصاً مواتية نحو مزيد من تعزيز النفوذ السياسى والأمنى فى العراق عبر حلفائها من القوى السياسية والفصائل المسلحة، وهو ما سينعكس على قرارات الدولة العراقية الأمنية والسياسية لصالح الاقتراب من إيران؛ نظراً لانتفاء وجود "القوة الموازنة" التى كانت تلعب دوراً كابحاً لسياسات تلك الفصائل على المستويين السياسى والأمنى. وثمة آراء مقابلة تقول بأن العكس هو الذى سيحدث؛ بمعنى أن انسحاب القوات الأمريكية من شأنه تهدئة الأوضاع الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة، لاسيما فى العراق. وجدير بالذكر أن نجاح أى من الطرحين يعتمد على قدرة الحكومة العراقية على صياغة "سياسة توازن" واضحة بين الجانبين الأمريكى والإيرانى، لاسيما فى ظل تصاعد التوتر والمواجهات العسكرية بينهما، مع ملاحظة أن الانسحاب الامريكى من العراق سيعد فى النهاية إحدى وسائل إيران لتعزيز نفوذها عبر حلفائها هناك خلال الفترة المقبلة.
5- تأثر سوريا والأردن: رغم أن سوريا أصبحت شريكاً فى التحالف الدولى لمحاربة الإرهاب منذ (فبراير 2026)، وأصبح الأردن ساحة بديلة للقوات الأمريكية المنسحبة من العراق، إلا أن كلتا الدولتين ستتأثران سلباً بالوضع الأمنى العراقى الجديد المتمثل فى انسحاب التحالف الدولى والقوات الأمريكية؛ على خلفية سحب منظومة الدفاع الجوى الأمريكية، كون هذا السحب سيقلص من القدرة على رصد وتتبع الصواريخ والمسيرات شرق الأردن وسوريا.
وجدير بالذكر أن رصد التداعيات السابقة لا يعنى بأى حال من الأحوال إيجاد مبررات لاستمرار الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق، ولكنه يشير إلى سياسة المحتل الأمريكى الذى أصر على سلب العراق قدراته الدفاعية عبر تفكيك منظومته العسكرية عام 2003، وإعادة تشكيلها وفقاً لعقيدة الاحتلال ودفاعاً عن مصالحه بما بات يؤثر حالياً على استقلال القرار العراقى، خاصة وأن انهاء مهام القوات الدولية ومنها الأمريكية لم يصاحبه تخطيط لترتيبات أمنية وسياسية واضحة، من بينها على سبيل المثال عدم قيام الحكومة العراقية بتأمين استيراد منظومات دفاع جوى بديلة لتلك التى كانت موجودة قبل سبتمبر 2026.
ختاماً، يمكن القول إن التطورات الخارجية الإقليمية، والتى يقع فى قلبها العراق وفى ظل الانسحاب الأمريكى منه من ناحية، ومشروع حصر السلاح بيد الدولة من ناحية ثانية، باتا يفرضان على رئيس الوزراء على الزيدى ضرورة اتخاذ إجراءات تتواكب مع الحدثين؛ وهو ما يعنى ضرورة السعى إلى امتلاك العراق لمنظومة دفاع جوى تتولى حماية الأجواء العراقية فى مرحلة ما بعد انتهاء مهام التحالف الدولى فى 30 سبتمبر 2026. بالإضافة إلى صياغة تشريع ينظم "الحشد الشعبى" لتحويل الهيئة إلى جهاز أمنى يتبع الحكومة، وذلك وفقاً لرؤية رئيس الوزراء على الزيدى؛ وهى الرؤية التى تعبر عن تأرجح قرار الزيدى نفسه بين فكرة "تفكيك" الفصائل المسلحة وحصر سلاحها من ناحية، وبين "تنظيم" تلك الفصائل من ناحية ثانية. لذا فإن مهلة تنظيم الحشد الشعبى التى تبدأ فى أكتوبر 2026 وتنتهى فى يونيو 2027، ستكون "اختباراً" حقيقياً لمدى قدرة الزيدى على حسم قرار رسمى يتعلق بمنظومة الحشد الشعبى وفصائلها المتعددة. هذا إلى جانب متغير آخر مهم يتمثل فى منع عودة تنظيم "داعش" إلى واجهة الأحداث مجدداً. وكل تلك المتغيرات لا تنفصل بأى حال من الأحوال عن بداية تشكيل "نظام أمنى إقليمى" جديد فى المنطقة تشكله تفاعلات قوى خارجية هى الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.