تأتي وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية في سياق تتزايد فيه الأسئلة المرتبطة بالهوية داخل المجتمع المصري، بالتزامن مع تحولات عميقة في البيئة الاجتماعية والثقافية والإعلامية التي يتشكل داخلها وعي الأفراد والجماعات. فقد اختتمت مكتبة الإسكندرية في 23 سبتمبر 2026 مؤتمر "الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة" بإطلاق الوثيقة التي جاءت نتاجاً لمناقشات مثمرة شاركت فيها مؤسسات حكومية وأهلية ومراكز بحثية، وأكاديميون، وطرحت تصوراً للهوية المصرية باعتبارها منظومة من الركائز التاريخية والثقافية والاجتماعية المشتركة، ترتبط بمفاهيم المواطنة والتماسك الاجتماعي والتنمية والتفاعل مع المحيط الإقليمي والعالمي.
وتكتسب الوثيقة أهميتها من اتساع نطاق القضايا التي تناولتها؛ حيث تضمنت التاريخ واللغة والتراث والرموز الوطنية، والأسرة والتعليم والإعلام والشباب والثقافة الرقمية والذاكرة الجمعية والثقة الاجتماعية. ويضع هذا الاتساع الوثيقة أمام سؤال يتجاوز تحديد مكونات الهوية إلى بحث الظروف والبيئة التي تتشكل وتتفاعل داخلها هذه المكونات، والوسائط التي تنتقل من خلالها القيم والمعارف والرموز من جيل إلى آخر. ومن هنا؛ تبدو قراءة الوثيقة مدخلاً لمناقشة سؤال أوسع يتعلق بكيفية الحفاظ على مقومات الهوية الوطنية وتطوير أدوات التعبير عنها في مجتمع تتغير فيه مصادر المعرفة وأنماط التواصل ووسائل التنشئة وسبل إنتاج المعنى داخل بيئات إعلامية ورقمية متعددة وسريعة التطور.
لماذا الهوية الآن؟
شهدت العقود الأخيرة تحولات متلاحقة في البيئة الاجتماعية والثقافية المصرية التي تتشكل داخلها الهوية، بعد أن كانت الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية والفنون والدراما تؤدي أدواراً أساسية في نقل المعرفة والقيم والرموز الدينية والوطنية من جيل إلى آخر، في حين أصبح الفرد اليوم يتلقى جانباً كبيراً من معارفه وتصوراته عن المجتمع والعالم من فضاء رقمي مفتوح، تتداخل فيه مصادر المعرفة المحلية والعابرة للحدود. كما يستطيع في الوقت نفسه أن يعيد إنتاج المحتوى المقدم له والتعليق عليه وتداوله، فيتحول من مجرد متلقي إلى مشارك في تشكيل المجال الرمزي الذي تتحرك داخله الهوية.
وتزداد أهمية هذا التحولات مع صعود المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والمحتوى القصير وصناع المحتوى، وهي موضوعات حضرت بوضوح في المؤتمر الذي سبق إصدار الوثيقة. فقد تناول المؤتمر تأثير الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي على الهوية، إلى جانب التحولات الاقتصادية والاجتماعية ودور التعليم والأسرة. ومن هنا يأتي توقيت طرح قضية الهوية الوطنية مرتبطاً بسؤال حول الكيفية التي تتشكل بها صورة الوطن لدى الأجيال الجديدة، والمصادر التي تمنح هذه الصورة معناها، وقدرة المؤسسات التقليدية على تطوير أدواتها بما يتناسب مع البيئة الجديدة. فالتغير الذي طرأ على مصادر المعرفة قد ارتبط أيضاً بطريقة استقبال المعلومات ومناقشتها وإعادة إنتاجها. فأصبح فهم خصائص الجمهور الجديد، واحتياجاته، وأنماط تفاعله مع الرسائل والمصادر المختلفة، عنصراً مهماً في أي نقاش حول مستقبل الهوية الوطنية، خاصة في ظل اتساع المساحة التي تشغلها المنصات الرقمية في تشكيل الإدراكات الاجتماعية والثقافية والسياسية.
وفي هذا السياق، قدمت ندوة "جيل Z وصناعة صورة مصر في العصر الرقمي: من يشكل الرأي العام لدى الأجيال الجديدة؟" التي نظمها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مدخلاً بحثياً لفهم بعض هذه التحولات. وقد تناولت الندوة الموضوع من خلال ورقتين بحثيتين ناقشتا العلاقة بين الأجيال الجديدة والبيئة الرقمية، وسبل تطوير الاتصال معها. تناولت الورقة الأولى، التي حملت عنوان "جيلZ والمجال العام المصري: تأثير منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الإدراكات السياسية والاجتماعية" أنماط الحصول على المعلومات وتكوين الآراء لدى مجموعة من الشباب المشاركين في أحد تدريبات المركز. وأشارت نتائج الاستطلاع إلى حضور واضح للمصادر الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في عملية الحصول على المعلومات وتكوين التصورات لدى أفراد العينة، إلى جانب اهتمامهم بمصادر تقدم المعلومات بصورة أكثر تفاعلية وتتيح مساحة للاستقصاء والمراجعة والتحقق.
أما الورقة الثانية، "كيف يمكن مخاطبة الأجيال الجديدة؟"، فقد انطلقت من أهمية دراسة احتياجات الشباب وتنوع اهتماماتهم عند تصميم الرسائل الموجهة إليهم، مع مراعاة اختلاف المنصات التي يستخدمونها وطبيعة المحتوى الذي يتفاعلون معه. وأكدت الورقة أهمية الرسائل المختصرة والتفاعلية، والارتباط بالقضايا التي تشغل الجمهور، وإتاحة مساحة للحوار والمشاركة، إلى جانب أهمية الشفافية والاتساق والاستناد إلى الأدلة في بناء الثقة مع المؤسسات الرسمية للدولة.
وتقدم هذه النتائج، في حدود العينة التي تناولتها الورقة الأولى، مؤشراً مهماً على التحول الذي تشهده عملية الاتصال مع الأجيال الجديدة، وعلى الحاجة إلى تطوير أدوات الخطاب المؤسسي بما يتناسب مع البيئة الرقمية التي أصبحت جزءاً أساسياً من خبرة هذه الأجيال في اكتساب المعرفة وتكوين التصورات. كما تطرح هذه التحولات سؤالاً يرتبط مباشرة بقضية الهوية الوطنية: كيف يمكن للمؤسسات المعنية بالثقافة والتعليم والإعلام والشباب أن تنقل عناصر الهوية إلى الأجيال الجديدة من خلال أدوات قادرة على الوصول إليها، وإشراكها في الحوار حولها، وربطها بخبراتها وأسئلتها اليومية؟
ومن هذه الزاوية، تصبح قضية الهوية الوطنية مرتبطة بصورة وثيقة بآليات إنتاج الوعي وتداوله، وبقدرة المؤسسات على الحضور داخل المجال الذي تتشكل فيه إدراكات الأجيال الجديدة. وهنا تكتسب وثيقة الإسكندرية أهميتها؛ إذ تتيح الانتقال من الحديث عن عناصر الهوية ومكوناتها إلى التفكير في البيئة التي تتحرك داخلها هذه العناصر، وفي الوسائل التي يمكن من خلالها تحويل الهوية من مجموعة من الرموز والمعارف المشتركة إلى تجربة حية تتفاعل معها الأجيال المختلفة وتعيد إنتاجها في سياقاتها الجديدة.
الهوية باعتبارها علاقة اجتماعية
تقدم الوثيقة تعريفاً للهوية المصرية يستند إلى الذاكرة التاريخية الجامعة، والروافد الحضارية المتنوعة، واللغة، والقيم الروحية والأخلاقية، والتراث الثقافي والرموز الوطنية، وتربط هذه العناصر برابطة المواطنة. كما تؤكد أن الهوية المصرية متصلة في ركائزها، ومتطورة في أشكال التعبير عنها، وتتسع لجميع فئات المصريين وتتفاعل مع المحيط العربي والإفريقي والمتوسطي والإنساني.
انطلاقاً من هذا التعريف، تتجاوز الوثيقة التعامل مع الهوية باعتبارها فقط مجموعة من الرموز أو العناصر الثقافية المحفوظة في الذاكرة. إذ تربط الهوية بمفاهيم اجتماعية أكثر اتساعاً، مثل الثقة بين الدولة والمجتمع، وفئات المجتمع بعضها البعض، وكذلك العقل والذاكرة الجمعيين، والمشاركة الاجتماعية. فيما تضع هذه المفاهيم داخل عملية بناء المجتمع واستدامة الروابط بين أفراده.
وهذه زاوية مهمة في فهم الهوية الوطنية. فالهوية تتشكل في حياة الناس اليومية، وفي اللغة التي يتحدثون بها، وفي القصص التي يتداولونها، وفي الطريقة التي ينظرون بها إلى تاريخهم، وفي الرموز التي يتفقون على قيمتها، وفي شعور الفرد بأنه جزء من جماعة أوسع تربطه بها مسئوليات ومصالح وذاكرة مشتركة. ومن هنا تكتسب المواطنة موقعاً مركزياً في قضية الهوية. فمنطقياً كلما اتسعت مساحة المشاركة والشعور بالمسئولية والانتماء إلى المجال العام، أصبحت الهوية إطاراً اجتماعياً أكثر حضوراً في حياة المواطنين، ولذلك فإن بناء الهوية مرتبط ولا يزال بالتعليم والثقافة والفنون والإعلام والأسرة والمؤسسات العامة، كما يرتبط بمستوى الثقة والعلاقات الاجتماعية التي تجمع المواطنين.
وفي ظل الحديث عن المواطنة كمفهوم محوري في تشكيل الهوية والتفاعل معها، تأتي الذاكرة التاريخية كأحد أهم الروافد الحضارية التي شكلت ولا تزال الشخصية المصرية، مما يضع صون التراث المادي وغير المادي، وتوثيق الفنون والآداب والعلوم، وإتاحتها للأجيال الجديدة ضمن أهداف الوثيقة الاستراتيجية، والتي سبقتها العديد من الخطوات من قبل الدولة خلال السنوات الماضية، ولاقت صدي ملحوظاً في المجتمع منها تطوير المساجد الكبرى وساحاتها، وافتتاح متحف الحضارات، والمتحف المصري الكبير. ويبدو أن ثمة إرادة مؤسسية للاهتمام بهذا الشأن تبدو ملامحها من خلال إعلان وزارة الثقافة عن تنظيم المجلس الأعلى للثقافة مؤتمر "التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام.. الفرص والتحديات"، خلال شهر أكتوبر الحالي، بمشاركة المؤسسات والجهات والأفراد المعنيين بصون التراث الثقافي غير المادي.
فيما تكمن أهمية هذه الرؤية المؤسسية في أن الذاكرة الوطنية لا تعمل بوصفها استدعاء للماضي فحسب، وإنما بوصفها وسيلة من بين وسائل بناء علاقة بين الأجيال المختلفة، لاسيما وأن فهم التاريخ وإدراكه علي الأرجح يمنح الفرد سياقاً أفضل لفهم المجتمع الذي يعيش فيه، ويساعده على قراءة التحولات التي مرت بها مصر، وعلى إدراك أن الهوية المصرية تشكلت عبر تفاعلات تاريخية طويلة ومتعددة ومتشابكة.
ويحتاج هذا المعنى -في ظل المعطيات الحالية التي تشير إلى أن الأجيال الجديدة تبحث عن الأدوات غير تقليدية للمعلومات- إلى أدوات معاصرة يمكنها الوصول وجذب الأجيال الجديدة. فمع التسليم بأن الصورة والفيديو القصير والمنصات الرقمية والتجارب التفاعلية قد أصبحت جزءاً من الطريقة التي يكتسب بها الشباب معرفتهم، وبالتالي يصبح من الضروري تحديث طرق تقديم معلومات عن التاريخ والتراث للأجيال الجديدة، وهو بدوره ما يتطلب فهماً لطبيعة المجال الرقمي نفسه وكيفية توظيفه لخدمة هذا الغرض، لاسيما وأن المحتوى فقط ليس هو الأساس في سرعة الانتشار والتداول بل تحدد الخوارزميات المحتوى المعروض بشكل أوسع، ومن هنا يظهر تحدي صياغة محتوى هادف وجاذب في الوقت نفسه يستطيع بناء الثقة مجدداً مع الشباب المتلقي.
ويمكن القول بأن أحد أهم أسباب الحصول على هذه الثقة هي إشراك الأجيال الجديدة في صياغة هذا المحتوي وفتح المجال أمام بناء وعي نقدي، في ظل حاجة الشباب إلى القدرة على التمييز بين المعلومة والرأي، وعرض التاريخ بموضوعية والتوظيف الانتقائي له، والمحتوى الذي يقدم معرفة حقيقية والذي يعتمد على الإثارة أو التلاعب العاطفي. فيما تتطلب هذه البيئة حضوراً مصرياً رسمياً وعاماً أكثر فاعلية في إنتاج المحتوى، وهو ما يدفعنا نحو سؤال مهم مفاده: من يملك القدرة على رواية مصر للأجيال الجديدة؟ وهو سؤال يتجاوز اختيار الموضوعات التي تقدم لتكوين الصورة الذهنية لمصر، ليصل إلى طريقة تقديمها، ومن يتولى روايتها، واللغة المستخدمة، والصورة التي تصنعها، والجمهور الذي تخاطبه، والمنصة التي تصل من خلالها. وتؤكد الإجابة عليه أن استمرار التعامل مع الأجيال الجديدة باعتبارهم متلقين لرسائل الهوية يحتاج إلى مراجعة، وأنه من الضروري فتح مجال المشاركة في صياغة المحتوى والبرامج والسياسات الثقافية بما يمنحهم دوراً حقيقياً في إنتاج المعنى الوطني.
الفرصة المصرية في بناء هوية متجددة
تستند مصر إلى رصيد تاريخي وثقافي يمتد عبر مراحل متراكمة من الحضارة والتجربة الاجتماعية، وهو رصيد يمكن أن يتحول إلى أحد مصادر القوة الناعمة المصرية إذا جرى توظيفه في إنتاج ثقافي ومعرفي معاصر يصل إلى الجمهور داخل مصر وخارجها. يشمل ذلك إعادة تقديم التاريخ المصري من خلال السينما والدراما والأدب والمحتوى التعليمي والألعاب الرقمية، وتطوير التجارب السياحية والثقافية، إلى جانب إتاحة التراث المحلي في المحافظات والمناطق الريفية والساحلية والبدوية والصحراوية بوصفه جزءاً من الصورة المتنوعة للمجتمع المصري.
وتتصل أهمية هذا المسار بفكرة أساسية في بناء الهوية، هي أن التنوع الثقافي والجغرافي والاجتماعي يمثل أحد مكونات التجربة الوطنية المصرية. إذ أن إبراز خصوصية المجتمعات المحلية وروافدها الثقافية، وإدماجها في السردية الأوسع عن مصر، يمكن أن يوسع مساحة المشاركة في تعريف الهوية ويجعلها أكثر اتصالاً بالتجارب اليومية للمواطنين. كما يفتح المجال أمام تحويل عناصر التراث والتاريخ إلى مجالات للإبداع والتعليم والانتاج الثقافي، بحيث يصبح الرصيد التاريخي والثقافي جزءاً من الحاضر ومورداً يمكن الاستثمار فيه للمستقبل.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من الوثيقة باعتبارها إطاراً جامعاً للرؤية إلى بناء آليات تسمح بتحويل هذه الرؤية إلى عمل مؤسسي مستمر. فالوثيقة تحدد مجموعة واسعة من المجالات المرتبطة بالهوية، من المعرفة بالتاريخ وصون التراث ودعم اللغة العربية، إلى المواطنة والتسامح والتضامن واحترام التنوع الثقافي، والثقافة الرقمية، ومشاركة الشباب، وتعزيز صلة المصريين في الخارج بوطنهم، وبناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. وتحتاج هذه الأهداف إلى تحديد واضح للأدوار والمسئوليات، والأدوات التي يمكن استخدامها لتحقيقها، وكذلك آليات المتابعة والتقييم التي تسمح بقياس ما يتحقق منها وتطويره.
وفي هذا السياق تبرز عدة عوامل من شأنها أن تساعد في إنجاز هذه المهمة، من بينها:
1- بناء ما يمكن اعتباره قاعدة معرفية مستمرة للهوية المصرية: تقوم في الأساس على دراسات دورية تتقصى تحولات نظرة المصريين إلى التاريخ واللغة والتراث والرموز الوطنية والمواطنة، مع اهتمام خاص بالفروق بين الأجيال والمناطق والشرائح الاجتماعية. ويمكن أن تجمع هذه القاعدة بين استطلاعات الرأي ودراسات الاتجاهات وتحليل الخطاب الإعلامي والرقمي، بما يسمح بفهم التحولات في الوعي العام على أساس من البيانات المتراكمة، بدل الاكتفاء بقراءة مؤقتة مرتبطة بحدث أو مناسبة.
2- أولوية التراث المحلي: يظل التنوع الكبير والتعدد الثقافي المحلي المصري مبعثاً للاهتمام والتوثيق والإتاحة، إلا أن الترويج له في هذه المرحلة يتطلب علي الأرجح تشجيع تحويله إلى منتجات وتجارب ثقافية وإبداعية تشاركية قادرة على جذب الأجيال الشابة والصغيرة، فكم من فن مصري في طريقه للاندثار، وكم من حرفة مصرية خالصة لا تجد من يباريها لتظل موجودة، ومن هنا يأتي دور الجامعات والمؤسسات التعليمية والثقافية في أقاليم مصر المختلفة، والتي يمكنها أن تضع على جدول أولوياتها موضوعات الحوار المجتمعي وإحياء التراث المحلي من خلال عمل مؤسسي متواصل.
3- بناء الثقة بين المؤسسات الرسمية والمجال العام: تظل الثقة الاجتماعية والمواطنة عنصرين أساسيين في تحويل الهوية من مجموعة من الرموز والمعارف المشتركة إلى رابطة اجتماعية حية يعايشها المجتمع ويتفاعل معها بشكل يومي. ومن ثم فإن ما تطرحه وثيقة مكتبة الاسكندرية حول الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، والتماسك الاجتماعي، واحترام التنوع، والمشاركة، يحتاج إلى أن يظهر في الممارسات المؤسسية وفي المجال العام، بحيث ترتبط الهوية بخبرة المواطن اليومية وعلاقته بالمجتمع والمؤسسات التي ينتمي إليها. فمع التسليم بأن ثمة تطوراً في سبل التواصل بين بعض المؤسسات الرسمية والمجتمع من خلال المجال الرقمي، مثل ذلك التفاعل الواضح بين الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والمواطنين، على سبيل المثال لا الحصر، يمكن أن يكتمل هذا المسار بوجود آلية واضحة للمتابعة والتقييم، تسمح برصد ما يتم تنفيذه في كل مجال، وقياس أثره، ومراجعة الأدوات المستخدمة وفق التحولات التي يشهدها المجتمع.
4- الاستعانة بمراكز الفكر والمؤسسات البحثية: لتصبح جزءاً من البنية المعرفية التي تستند إليها السياسات المتعلقة بالهوية. ويمكن أن تقوم هذه المؤسسات بدور المرصد الذي يتابع تحولات الوعي الوطني، ويرصد اتجاهات الرأي العام، ويدرس تصورات الأجيال المختلفة للهوية، ويحلل الخطاب الإعلامي والرقمي المتصل بصورة مصر وذاكرتها وتاريخها. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل بيئة رقمية تتيح كماً كبيراً من المواد القابلة للرصد والتحليل، بما في ذلك الموضوعات التي تحظى باهتمام الجمهور، والرموز والصور المستخدمة في التعبير عن مصر، وأنماط اللغة المتداولة، والقضايا التي تشكل مساحة للنقاش بين الأجيال الجديدة. ويمكن لهذه الدراسات أن توفر معرفة أكثر رصانة وموضوعية بالتحولات التي يشهدها الوعي العام، وأن تساعد المؤسسات المختلفة على تطوير سياساتها وأدوات اتصالها استناداً إلى أدلة ونتائج قابلة للقياس.
بهذا المعنى، تبدو الفرصة المصرية في بناء مشروع هوية متجدد قائم في الأساس على معرفة ما يتغير في المجتمع، وعلى تطوير الأدوات التي تنتقل من خلالها الذاكرة والتاريخ والثقافة إلى الأجيال الجديدة، وعلى استثمار التنوع الثقافي والجغرافي، وربط عناصر التراث بالإنتاج المعاصر. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة المؤسسات المختلفة على العمل ضمن إطار متكامل، وبوجود معرفة دورية تسمح بفهم التحولات وقياس صدى ما يتم تنفيذه.