تزايدت موجة النزوح داخل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، على نحو ما عكسته تفاعلات ليبيا والسودان والصومال واليمن وغزة ولبنان وسوريا والعراق وإيران وأفغانستان، خلال عام 2026، بحيث حُرم النازحون من الأمن والمأوى والغذاء والمياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي، ولاسيما بالنسبة إلى الفئات السكانية الأكثر ضعفًا، مثل النساء والأطفال وكبار السن، بما يهدد بقاءهم على قيد الحياة، وفقًا لتقديرات مركز مراقبة النزوح الداخلي IDMC التابع للمجلس النرويجي للاجئين NRC، وكذلك تقارير المنظمة الدولية للهجرة ووكالات الأمم المتحدة. غير أن إقليم الشرق الأوسط يأتي في المرتبة الثالثة عالميًا بعد شرق آسيا والمحيط الهادئ ثم أفريقيا جنوب الصحراء في المعدلات الأعلى للنزوح.
المشردون داخليًا
إن أحد التساؤلات الرئيسية في هذا الإطار يتعلق بتحديد من هم النازحون داخل بلادهم، في الأدبيات السياسية، وخاصة المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني. إذ يتم تعريفهم بأنهم "أشخاص أو مجموعات من الأشخاص اضطروا أو أجبروا على الفرار أو مغادرة ديارهم أو أماكن إقامتهم المعتادة، وخاصة نتيجة أو سعيًا لتفادي آثار نزاع مسلح أو حالات عنف عام أو انتهاكات لحقوق الإنسان أو كوارث طبيعية أو كوارث من صنع البشر، داخل دولة ما، ولم يعبروا حدود دولة معترف بها دوليًا، ويبقون داخل حدود بلادهم".
ولعل ذلك يسلط الضوء على الحاجة الملحة لحماية النازحين داخليًا ومنع حالات النزوح في المستقبل، وفقًا للنهج الاستباقي أو الوقائي وهو ما دعا عثمان البلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة الدولية للهجرة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصرح في هذا الصدد في 21 مايو 2024: "من المثير للقلق أن نرى هذه الزيادة الهائلة في عمليات النزوح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وأضاف: "إننا ننظر إليها على أنها دعوة للعمل، وبالتالي سنضاعف جهودنا لتوسيع نطاق الحد من أخطار الكوارث، ودعم حقوق الإنسان، ومنع النزوح قبل حدوثه كلما أمكن ذلك".
واللافت للنظر الحيلولة دون منع حدوث النزوح في مختلف المراحل اللاحقة. وهنا تجدر الإشارة إلى احتمال تكرار موجات الفرار للشخص الواحد عدة مرات، في بيئات الصراعات المسلحة كاليمن والسودان وسوريا والكوارث الطبيعية كالزلازل التي تعرضت لها سوريا والمغرب وتركيا والفيضانات في ليبيا، خلال الأعوام الماضية، الأمر الذي يعرضه لخطر الهجمات المباشرة من الأطراف المتصارعة، وسوء المعاملة، وفقدان الممتلكات، وتزايد خطر تمزق العائلات، وانفصال الأطفال عن باقي أفراد الأسرة، وتزايد خطر تعرض النساء والفتيات للعنف الجنسي.
البيئة الحاضنة
فالفوضى وغياب السلطة اللذان يرافقان النزاعات الداخلية يمثلان تحديات هائلة في مواجهة النازحين لاسيما مع الموارد الشحيحة بحيث صارت النزاعات للمرة الأولى العامل الرئيسي وراء النزوح الداخلي عالميًا وشرق أوسطيًا، حيث تسببت في 32.3 مليون حالة نزوح. وفي هذا الإطار، يشير التقرير العالمي عن النزوح الداخلي 2026 إلى تزايد حالات النزوح الداخلي في المناطق التي لايزال انعدام الأمن سائدًا فيها، فضلًا عن ضعف جهود الحد من مخاطر الكوارث والتكيف مع تغير المناخ وبناء السلام، لاسيما في الدول الهشة والمتضررة من النزاعات.
كما أن هناك تأثيرًا بالغًا للتصعيد العسكري الإقليمي في الشرق الأوسط، إذ أدت المواجهات الممتدة واتساع رقعة الأعمال العدائية في مرحلة ما بعد حرب غزة الخامسة إلى خلق موجات نزوح مفاجئة وكثيفة كما حدث في غزة وجنوب لبنان، فضلًا عن توابع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. علاوة على تدمير البنية التحتية المتمثلة في تدمير المستشفيات، وشبكات المياه، ومحطات الكهرباء وتعطل الخدمات العامة، مما يعطل الأسواق والنقل والحكم والاتصالات والتعليم والرعاية الصحية. كما أنه يعيق الاستجابة لحالات الطوارئ وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
بخلاف محدودية عمليات التنمية الشاملة فى العديد من البلدان وتفاقم الصعوبات المعيشية وغياب فرص العمل وتداعيات التغير المناخى (التصحر وارتفاع درجات الحرارة وانهيار النشاط الزراعى). وفي الحالة العراقية فإن مظاهر التطرف المناخي وتفاقم درجات الحرارة المرتفعة، والجفاف والملوحة في مياه الأهوار ساهمت في حركة نزوح واسعة لآلاف الأسر من 10 محافظات عراقية نتيجة للجفاف بعدما أثرت على حياة المزارعين وأدت إلى نفوق حيواناتهم. ومن ثم، يمكن اعتبار تغير المناخ بمثابة عامل تهديد مضاعف في الدول التي تشهد نزوحًا متواصلًا. وظل المدنيون يتحملون العبء الأكبر للنزاعات وأعمال العنف، لاسيما في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.
خريطة الانتشار
تعد السودان أكثر دولة عرفت خريطة نزوح عربية، بل شهدت أكبر أزمة نزوح داخلي على المستوى العالمي خلال عام 2025، إذ كان 9.1 مليون شخص يعيشون في نزوح داخلي بسبب الحرب، إضافة إلى 1.7 مليون نزحوا بسبب الكوارث، وفق التقرير السنوي المشترك لمركز رصد النزوح الداخلي التابع للمجلس النرويجي للاجئين لعام 2026. في حين أكدت منسقية النازحين في السودان في تصريحات لقناة العربية بتاريح 23 سبتمبر الجاري أن عدد النازحين لا يقل عن 19 مليون شخص. فقد ترك الملايين ديارهم في دارفور ونيالا والجنينة والفاشر والخرطوم والجزيرة والنيل الأزرق وكردفان، حيث اشتعلت المواجهات بين الجيش ومليشيات الدعم السريع، واتجه كثيرون نحو ولايات أقل توترًا مثل ود مدني، بورتسودان والقضارف، أو لجأوا إلى مخيمات في دارفور أو بيوت الأقارب.
وفي الصومال، تشير تقديرات تقرير IDMC إلى وجود نحو 3.3 مليون نازح داخلي، حيث يدفعهم إلى ذلك الصراع المسلح والجفاف وفقدان سبل العيش. ويأتي النزوح أساسًا من المناطق الريفية في جنوب ووسط الصومال (باي، بكول، شبيلي، هيران)، حيث يتسبب الجفاف وفشل المواسم المطرية في دفع الرعاة والمزارعين إلى ترك أراضيهم، بينما تجبر هجمات حركة شباب المجاهدين الإرهابية والصراع العشائري العديد من النازحين على الهروب. ويهاجر النازحون إلى أطراف المدن مثل مقديشو وبيدوا وغالكعيو ودولو، ليستقروا في مخيمات مكتظة أو مناطق عشوائية. ويُعد غياب الأمطار وفقدان المواشي والمحاصيل المحرك الرئيسي للنزوح، مع تصاعد الصراع المسلح والفقر المدقع.
وتشير تقارير المجلس النرويجي للاجئين إلى أنه بحلول نهاية العام 2025، كان 4.8 مليون شخص يعيشون في نزوح داخلي باليمن، ويتوزع النزوح في مناطق بارزة مطلة على ساحل البحر الأحمر مثل الحديدة وتعز ومأرب وأبين والضالع وحضرموت، إضافة إلى الأحياء الفقيرة في عدن. ويفر الناس إلى مخيمات عشوائية على أطراف مأرب وتعز وعدن، أو ينزحون نحو المدن الرئيسية ومناطق الحكومة. وهنا، تتداخل الأسباب بين الحرب المستمرة والقصف والحصار، والألغام الأرضية، والفقر والجوع، إضافة إلى الكوارث المناخية التي تدمر المخيمات والمنازل. وقد توقّعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين في 22 سبتمبر الجاري أن يرتفع عدد النازحين داخل اليمن جراء تجدد المعارك بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين من 130 ألف (بينهم أكثر من 2700 امرأة حامل) إلى نحو 230 ألف خلال الأشهر المقبلة.
وفي حالة ليبيا، يمكن القول أن ثمة نزوحًا أقل عددًا لكنه لم يُغلق حتى مع انخفاض وتيرة القتال في بعض المناطق. وتتركز خريطة النزوح في مدن ومناطق مثل سبها ومصراتة ومرزق وتاورغاء ودرنة، وتمتد إلى طرابلس وبنغازي وسرت وغات وأوباري، وتعود أسباب النزوح إلى سنوات الصراع المسلح، والانقسام السياسي، والاشتباكات المحلية والقبلية، إضافة إلى فيضانات درنة المرتبطة بعاصفة دانيال عام 2023، التي دفعت عائلات جديدة إلى ترك مساكنها. علاوة على ضعف في برامج إعادة الإعمار، وغياب مؤسسات موحدة بسبب الانقسام السياسي بين حكومتي شرق وغرب ليبيا، إضافة إلى خطر الألغام ومخلفات الحرب. في حين تتركز خريطة النزوح اللبناني في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، مع انتقال العائلات من القرى الحدودية ومناطق القصف إلى بيروت وجبل لبنان ومناطق أبعد نسبيًا عن الجبهة، أو إلى مدارس ومبانٍ عامة حُولت إلى مراكز إيواء، بعد الاستهداف الإسرائيلي لمناطق تمركز حزب الله بدءًا من مارس 2026.
ووفقًا للأمم المتحدة، لا يزال نحو 1,7 مليون شخص من أصل 2,2 مليون نسمة يعيشون في مخيمات نزوح في قطاع غزة، في ظل الدمار الذي لحق بمنازلهم أو نظرًا إلى أن حوالي نصف مساحة القطاع ما زال تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية وتتركز خريطة النزوح في غزة بين مراكز الإيواء، الخيام، المدارس، المباني المتضررة، ومناطق الركام. ولم تعد حركة الناس تُقرأ فقط بوصفها فرارًا مباشرًا من القصف، بل أيضًا بوصفها بحثًا عن مأوى وماء وخدمة صحية ومساحة أقل خطرًا. وفي الضفة الغربية، يأخذ النزوح شكلًا آخر، مثل هدم منازل، وقيود حركة، وعمليات عسكرية، وعنف مستوطنين يدفع تجمعات فلسطينية، خصوصًا بدوية ورعوية، إلى الرحيل التدريجي. ويقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية "أوتشا" إن أكثر من 5,900 فلسطيني نزحوا منذ يناير 2023 وحتى 4 مايو 2026 بفعل جرائم المستوطنين والقيود المرتبطة بهم، بينهم نحو 2,000 شخص في 2026 وحده.
في حين يصف البعض حالة سوريا بأنها أقرب إلى نزوح قديم لا ينتهي، إذ تمر البلاد بمرحلة انتقالية يحاول فيها السوريون إعادة ترتيب أوضاعهم عبر العودة إلى مناطقهم أو الاستقرار في غيرها. فوفق تحديثات مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين "UNHCR" في ربيع 2026، عاد أكثر من 1.8 مليون نازح داخلي منذ سقوط نظام الأسد نهاية 2024، لكن ما يزيد على 5.5 مليون شخص ما زالوا نازحين داخل البلاد. وقد خرجت عائلات كثيرة من مخيمات ومواقع نزوح في مناطق محددة مثل إدلب وريف دمشق وحلب، بينما برزت حلب وإدلب وحماة وحمص ودرعا كوجهات رئيسية للعودة الداخلية، وفق أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين. لكن هذا لا يعني أن العودة تحولت إلى حل مستقر لدى الكثيرين من السوريين، فكثير من العائدين يرجعون إلى مناطق مدمرة أو ضعيفة الخدمات، وبعضهم يعود تدريجيًا لاستطلاع الأمن والسكن والعمل قبل إعادة لمّ شمل الأسرة. وبقيت عوائق العودة الثقيلة تتمثل في حزمة من الأبعاد مثل منازل تحتاج إلى ترميم، وإيجارات لا يمكن تحملها، وضعف الخدمات، وفقدان الوثائق، وصعوبة إثبات الملكية، ومخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة.
وفي حالة العراق، لا يعني نهاية الحرب ضد تنظيم داعش انتهاء النزوح، إذ ظل نحو 997 ألف شخص نازحين بالعراق حتى مارس 2026، إضافة إلى 186 ألف نزحوا بسبب الكوارث. وينحدر معظم النازحين من محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وأجزاء من حزام بغداد، حيث دمرت المعارك أحياءً بأكملها. ويقيم كثير منهم في كردستان (دهوك، أربيل، السليمانية) أو في مخيمات منتشرة في البلاد. وحتى مارس 2026، لا يزال نحو 101 ألف شخص يعيشون في مخيمات داخل الإقليم. وهنا تتداخل أسباب استمرار النزوح ما بين المخاوف الأمنية بسبب بقايا الخلايا المسلحة، وتدمير المنازل والبنى التحتية، والنزاعات العشائرية، ونقص الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار البطالة وخاصة في صفوف الشباب.
التحديات الضاغطة
يشير التيار الرئيسي في الأدبيات إلى أن هناك مجموعة من الإشكاليات التي تواجه النازحون الداخليون خاصة في بؤر الصراعات ومناطق الحروب بالإقليم، على النحو التالي:
1- غياب الملاذات الآمنة: انعدام المساحات الجغرافية الآمنة، خصوصاً في المناطق الضيقة والمغلقة مثل قطاع غزة، لاسيما مع استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي للكوادر والنشطاء من حركة حماس. ولذا، تصف التقارير الدولية ما يجري في غزة بأنه نزوح متكرر في مساحة مغلقة.
2- تراجع الدعم الإنساني: على الرغم من الدعم الذي تقدمه المفوضية العليا لشئون اللاجئين ومنظمات الصليب والهلال الأحمر للأشخاص النازحين داخلياً منذ سبعينات القرن العشرين، إلا أن هناك إشكالية تتعلق بشح التمويل الدولي خصوصًا مع خفض بعض الدول لمساعداتها الدولية وعجز خطط الاستجابة الأممية عن تغطية الاحتياجات المتصاعدة للمجتمعات المتضررة.
3- الضغط على الاقتصادات المحلية: وهو ما يحدث مع لجوء النازحين إلى قطاعات العمل غير الرسمي والسكن العشوائي في ظل غياب مظلات الحماية الحكومية الرسمية.
4- معضلة عدم الاستقرار الممتد: وهو ما يعكس تحوّل النزوح للقاطنين في هذه المنطقة الجغرافية أو تلك من طارئ مؤقت إلى أزمة طويلة الأمد.
5- إشكالية توافر الموارد المالية لإعادة الإعمار: مع اتساع موجة العودة، تبرز أمام نازحي سوريا، مثلًا، مجموعة من الملفات المرتبطة بتهيئة الظروف المناسبة لاستقرار العائدين، وفي مقدمتها توفير السكن، إلى جانب تأمين سبل العيش والخدمات الأساسية، لدعم المجتمعات المحلية وتسريع التعافي وإعادة تأهيل البنية التحتية بالتوازي مع العمل على إزالة الألغام ومخلفات الحرب التي لا تزال تمثل أحد أبرز التحديات أمام عودة السكان بأمان.
التأثيرات الانتشارية
هناك حزمة من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية على طالبي النزوح داخل بعض دول الإقليم، على النحو التالي:
1- تفاقم الفوارق والهشاشة المجتمعية: تزايد المخاطر على الفئات الأكثر ضعفًا كالأطفال، والنساء، وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة وأصحاب الاحتياجات الخاصة داخل مخيمات النزوح، وزيادة التوترات الاجتماعية نظرًا إلى التنافس على الموارد الطبيعية.
2- صعوبات الاندماج فى بيئات جديدة: يظل هناك تحدي التكيف مع العالم الجديد من وجهة نظر المرتحلين وفى بيئات لم تعهد قدوم أعداد كبيرة من خارجها للحياة بين ظهرانيها.
3- تزايد حدة الأزمات الغذائية: ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي والتهديد المستمر بخطر المجاعة في بيئات النزوح المغلقة أو المحاصرة. فعلى سبيل المثال، تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن التصعيد داخل اليمن يأتي في وقت يعاني فيه أكثر من 18 مليون شخص، أي ما يقرب من نصف السكان، انعداماً حاداً للأمن الغذائي، بينما يعاني نحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد.
4- تعاظم الأزمات الاقتصادية والمعيشية: ولاسيما في عدد من البلدان الرئيسية، حتى تحولت أغلبها من بلدان آمنة جاذبة للاجئين من ظروف الحرب والدمار أو ضيق العيش وانتشار البطالة بين الشباب، إلى بلدان مثقلة بأعباء مالية وأمنية متزايدة فرضتها الضغوط الكبيرة على الموارد واتساع دائرة العوز.
5- السيولة العاكسة لتحركات النازحين: إن أرقام النزوح والعودة تقديرية وقابلة للتحديث بسبب استمرار القتال في بؤر الصراعات المسلحة، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، وسرعة تحرك السكان. فعلى سبيل المثال، يشهد السودان حركتين سكانيتين متعاكستين: عودة إلى مناطق انحسر فيها القتال، ونزوحًا جديدًا من جبهات تتسع فيها الحرب.
فائض التعقيد
خلاصة القول، إن الموجة الراهنة من النزوح من دول الإقليم تأتي في ظل تحالف عوامل معززة له خصوصًا من المناطق المتأثرة بالقتال، وكوارث الطبيعة، في وقت تعاني فيه مناطق الاستقبال أصلًا من محدودية الخدمات والمساعدات، وتراجع في تمويل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، مما يقلل من فاعلية الأدوار التي يقومون بها، فضلًا عن تعليق بعض التحركات الميدانية والعملياتية نظرًا للاضطرابات الأمنية وانتشار مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة. ومن دون برامج واسعة لإعادة الإعمار، يمكن أن تتحول العودة إلى مرحلة جديدة من النزوح داخل المدن نفسها، بحيث تنتقل الأسر من المخيمات ومناطق الاستضافة إلى أحياء مدمرة أو تجمعات عشوائية تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.