في قاعدة أندروز الجوية قرب العاصمة الأمريكية واشنطن، استقبل الرئيس دونالد ترمب في 24 سبتمبر 2026 بحفاوة شديدة نظيره الصيني شي جينبينج بنفسه، في مشهد يوحي برغبة الزعيمين في تهدئة التوتر بين بلديهما. لكن هذه الحفاوة لا يبدو أنها بددت الخلافات العميقة بين واشنطن وبكين حول الرسوم الجمركية والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي وتايوان. ومع ذلك، إذا كانت القمة الأمريكية-الصينية تمثل اختبارًا لقدرة واشنطن وبكين على إدارة تنافسهما، فإنها تطرح أيضًا على الدول العربية سؤالًا لا يقل أهمية، وهو: كيف يمكن حماية مصالح هذه الدول حين تتفاوض القوتان الأهم على الساحة العالمية في الوقت الراهن على قضايا تمس أمنها واقتصادها؟
الإجابة على هذا التساؤل ليست سهلة على الإطلاق. إذ منح تمديد الهدنة التجارية بين الدولتين، وفق ما أُعلن قبيل القمة، حتى العاشر من يناير المقبل، بعض الوقت لتخفيف حدة المواجهة والتصعيد بين القوتين. ومع ذلك، لا يضمن هذا التمديد، وما سوف تسفر عنه هذه القمة من نتائج، تحقيق مصالح العواصم العربية، حيث تثار العديد من التساؤلات، من بينها: هل سوف تساعد القمة على احتواء الأزمة الإيرانية؟ وهل سوف تنعكس على الملاحة في هرمز وباب المندب؟ وهل سوف تفتح مجالًا لمعالجة القضية الفلسطينية، أم سوف تعكس هذه القمة اقتصار مفهوم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط لدى الطرفين على حماية الأسواق وإمدادات الطاقة؟
إيران وحدود الدور الصيني
تريد الولايات المتحدة من الصين أن تستخدم علاقاتها الاقتصادية بطهران للمساعدة في دفعها إلى اتفاق وإعادة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز. ولدى بكين مصلحة واضحة في ذلك، فاضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن يضران باقتصادها، ويرفع من فاتورة واردتها النفطية من منطقة الشرق الأوسط.
غير أن المصلحة الصينية لا تعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سريعة للحرب الأمريكية-الإيرانية. إذ تستطيع بكين تشجيع طهران على التفاوض ونقل الرسائل إليها، لكنها لا تستطيع أن تقدم لواشنطن ضمانًا بقبول إيران الشروط الأمريكية. كما أن الصين لا تريد تحويل علاقتها بإيران إلى أداة في سياسة الضغط الأمريكية. ومن ثم، قد ينتج عن القمة دعم متبادل لخفض التصعيد، لكن الوصول إلى اتفاق قابل للتنفيذ سيظل مرهونًا بما تقبله الأطراف المعنية مباشرة.
وبالنسبة إلى الدول العربية، ولا سيما دول الخليج والعراق، لا تكفي دعوة القمة الأمريكية-الصينية إلى "التهدئة" مع إيران، إذا لم تتضح شروطها. فالمطلوب تفاهم يقلل احتمال تجدد المواجهة، ويحمي المنشآت النفطية والغازية وطرق التصدير، ويحدد كيف ستُعالج الخلافات إذا تعثر التنفيذ. وهذه مصالح ينبغي للدول العربية طرحها بنفسها، بدل افتراض أن توافق واشنطن وبكين عليها تلقائيًا.
أمن الملاحة ليس ملفًا واحدًا
تكشف خريطة المنطقة فجوة قد تضيع في النقاشات خلال القمة بين الرئيسين الأمريكي والصيني. فتحسن الوضع في مضيق هرمز لا يعني بالضرورة عودة الأمن إلى باب المندب. فلكل ممر أطرافه ومصادر الخطر المرتبطة به. وقد يطمئن المستوردون إلى استمرار تدفق النفط من الخليج، بينما تظل شركات الشحن مترددة في العودة إلى طريق البحر الأحمر وقناة السويس.
وهذه مسألة حيوية لمصر. فأي انخفاض في أسعار الطاقة يخفف الضغط على فاتورة وارداتها، لكن استعادة إيرادات قناة السويس تتطلب تحسنًا ملموسًا ومستمرًا في أمن البحر الأحمر. لذلك لا ينبغي تقييم نتائج القمة الأمريكية-الصينية بإعلان يتعلق بمضيق هرمز وحده، بل بحركة السفن الفعلية عبر الممرين. وتُظهر التطورات المتزامنة في اليمن سبب الحاجة إلى التعامل مع أمن البحر الأحمر بوصفه ملفًا مستقلًا يتطلب مشاركة الدول المطلة عليه، ودعم من القوى الكبرى لمثل هذه المشاركة.
فلسطين ومعنى الاستقرار
ومن ناحية أخرى، من السهل أن يتفق الرئيسان ترمب وشي، خلال قمة سبتمبر 2026، على أهمية حماية التجارة والطاقة. أما السؤال الأصعب فهو ما إذا كان حديثهما عن استقرار الشرق الأوسط سوف يشمل القضية الفلسطينية. فالأمن الإقليمي لا يُختزل في عبور السفن أو استمرار تدفق النفط، بينما تبقى الحرب في غزة ومستقبل الدولة الفلسطينية وإعادة الإعمار من دون أفق سياسي واضح.
ومع ذلك، لا تعني أهمية القضية الفلسطينية أن قمة واشنطن مرشحة لإنتاج اتفاق أمريكي-صيني شامل بشأنها. لكن على الدول العربية أن ترفض انفصال أي ترتيبات إقليمية جديدة عن حل سياسي عادل لهذه القضية المحورية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. فإذا وردت إيران والملاحة والاستثمار في نتائج القمة، وغابت فلسطين، فسيكون ذلك مؤشرًا إلى حدود مفهوم الاستقرار الذي استطاعت القوتان الاتفاق عليه، خاصة بعدما ظلت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في المناقشات الدولية خلال أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة.
الخليج بين الشريك الأمني والسوق الكبرى
أية تهدئة للمنافسة الشديدة بين واشنطن وبكين قد تنجم عن قمة واشنطن (سبتمبر 2026) سوف تتيح مساحة أوسع أمام الدول العربية لتعزيز العلاقات من العملاقين الأمريكي والصيني. إذ تربط دول الخليج بالولايات المتحدة شراكات أمنية عميقة، فيما تُعد الصين سوقًا رئيسية للطاقة وشريكًا متزايد الأهمية في الاستثمار والتكنولوجيا. أما فشل هذه القمة في تحقيق مثل هذه التهدئة، فسوف تؤدي، غالبًا، إلى عودة التصعيد بين واشنطن وبكين، وهو الأمر الذي من شأنه وضع ضغوط على خيارات هذه الدول في الاتصالات والموانئ والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد.
وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة للدول العربية التي تسعى إلى بناء اقتصادات رقمية وصناعات جديدة تقوم على مشروعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وغيرها. فالخلاف الأمريكي-الصيني حول الرقائق والذكاء الاصطناعي والاستثمارات المتقدمة سيمس هذه الدول، خاصة إذا تحولت المنافسة بين واشنطن وبكين إلى قيود أشد على نقل التكنولوجيا أو التعامل مع شركات بعينها، وهو الأمر الذي سوف يعني إمكانية اضطرار مشروعات عربية كبرى إلى تعديل مورديها أو تحمل تكاليف إضافية.
وفي هذا السياق، تحتاج الدول العربية، في تقديري، وبغض النظر عن النتائج المباشرة للقمة الأمريكية-الصينية الأخيرة، إلى تقييم طويل الأجل لاختيار التقنيات والشركاء، مع تنمية قدراتها المحلية ووضع قواعد واضحة لحماية البيانات واستمرار عمل البنية التحتية. فالرهان على أن الهدنة التجارية بين واشنطن وبكين ستزيل القيود التكنولوجية رهان لا تسنده الخلافات العميقة بين القوتين.
موقف عربي يتجاوز انتظار النتائج
قد تتمكن واشنطن وبكين، بعد القمة الأمريكية-الصينية في سبتمبر 2026، من ضبط تنافسهما، بدرجة أو أخرى، وهذا مكسب مهم. لكن موقع الدول العربية في المعادلة لا يجب أن تحدده القمة وحدها. وإنما يجب أن يتحدد أيضًا بقدرة عواصم الدول العربية الكبرى على صياغة مطالب مشتركة، والتحدث مع القوتين من موقع أصحاب مصلحة مباشرة، والمشاركة في بناء الترتيبات التي ستعيش مع نتائجها. صحيح أن مطالب الدول العربية قد لا تكون متطابقة بالكامل، حيث تريد مصر تعافي قناة السويس وتخفيف أعباء فاتورة استيراد الطاقة من الخارج. بينما تعطي دول الخليج الأولوية لحماية منشآتها وصادراتها وترتيبات أمنها. ويحتاج العراق إلى تجنب اتساع المواجهة على أرضه. وتظل القضية الفلسطينية التزامًا عربيًا لا يجوز تأجيله تحت عنوان إدارة الأزمات. ومع ذلك، توجد أرضية مشتركة يمكن البناء عليها من جانب الدول العربية، تتمثل في ضرورة دعم تسوية قابلة للتنفيذ مع إيران، وضمان حرية الملاحة في هرمز وباب المندب، وإشراك الدول المطلة على الممرات البحرية في ترتيبات أمنها، وحماية الاستثمارات من تقلبات التنافس الدولي، وربط أي حديث عن الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بمسار سياسي للقضية الفلسطينية.
على أية حال، لن يُقاس نجاح قمة ترمب وشي عربيًا بحفاوة مراسم الاستقبال أو بعدد الصفقات المعلنة بين واشنطن وبكين، وإنما سوف يكون المعيار الرئيسي للحكم على هذه القمة، وما سينجم عنها من مخرجات، هو ما إذا كانت هذه القمة ستخفض خطر تصعيد الحرب مع إيران، وتساعد السفن التجارية على العودة إلى مساراتها قبل هذه الحرب، وتمنح اقتصادات المنطقة قدرًا أكبر من اليقين، من دون أن تهمش القضية الفلسطينية أو تستبعد الدول العربية المعنية من تقرير مستقبل أمنها.