صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

على مدار سنوات انقسمت قوات البيشمركة الكردية فى إقليم كردستان العراق إلى وحدتين: واحدة تتبع الحزب الديمقراطى الكردستانى (آل بارزانى) وهى الوحدة (80) وتتولى حماية محافظات أربيل ودهوك. والثانية تتبع حزب الاتحاد الوطنى الكردستانى (آل طالبانى) وهى الوحدة (70) وتتولى حماية محافظات السليمانية وحلبجة. ولكل من الوحدتين قيادة منفردة وهيكل أمنى مستقل وتبعية منفردة للقرار السياسى لكل حزب على حدة. والمحافظات الأربعة المذكورة هى المكونة لإقليم كردستان العراق المتمتع بنوع من الحكم الذاتى منذ عام 1971، هذا الانقسام الحزبى المناطقى فى الإقليم جاء انعكاساً للحرب الأهلية الكردية خلال الفترة (1994-1998) والتى انتهت بوساطة أمريكية دولية فى سبتمبر 1998. ويرتبط إقليم كردستان بالحكومة المركزية فى بغداد عبر علاقة اتحادية "فيدرالية" نظمها دستور 2005، الذى بلور طبيعة العلاقة بين الإقليم والحكومة المركزية وفقاً لنص المادة رقم (117) التى أقرت بأن "إقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليم اتحادي" ضمن الدولة العراقية. وقد واجهت الدولة العراقية محاولات انفصال الإقليم بعد استفتاء عام 2017، ما أدى إلى وقوع مواجهات مسلحة بين القوات الحكومية وقوات البيشمركة فى 16 أكتوبر 2017.

وخارجياً، يرتبط الإقليم بعلاقات متميزة مع الولايات المتحدة؛ حيث تعد الداعم الدولى الرئيسى له، لاسيما فى مجال تقديم المشورة الأمنية والتسليح والتدريب، كما تتواجد بالإقليم عدد من القواعد الأمريكية. وقد لعبت قوات البيشمركة دوراً محورياً فى مواجهة تنظيم "داعش"، وكانت سبباً مباشراً فى إعلان الانتصار عليه بتحرير الموصل فى يوليو 2017. وتوجت هذه العلاقات النوعية بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان فى 21 سبتمبر 2022، بتوقيع وزارة البيشمركة ووزارة الدفاع الأمريكية مذكرة تفاهم بموجبها تستمر الولايات المتحدة فى دعم قوات البيشمركة فى مواجهة "داعش" ومساندة برنامج الإصلاح داخل الوزارة، وكان هذا البرنامج تحديداً هو المسار الفعلى الذى بناءً عليه دخلت قوات البيشمركة فى 21 سبتمبر 2026، مرحلة جديدة من العمل المؤسسى الموحد بالاندماج فى هيكلية أمنية موحدة تحت إشراف وزارة البيشمركة باعتبارها "قوة دفاع وطنية موحدة" تتمركز فى منطقتين عسكريتين وليس ضمن وحدتين منفصلتين، وأصبحت القوة الموحدة تضم (11) فرقة عسكرية وقوات للدعم وقوات كوماندوز، بالإضافة إلى غرفة عمليات مشتركة بقيادة موحدة.

دلالات الداخل

إعلان اكتمال عملية دمج قوات البيشمركة تحت قيادة آلية مؤسسية (وزارة) كردية لا يمكن فصلها لا عن مجمل تطورات المشهد العراقى الداخلى، ولا عن الأوضاع الإقليمية التى تشهدها المنطقة من تطورات سريعة ومتلاحقة:

فعلى مستوى الداخل العراقى؛ بالنسبة للإقليم نفسه؛ فإن مسار دمج القوات الكردية فى آلية واحدة بدلاً من كونها عدة وحدات تتبع أحزاب الإقليم، لاسيما الحزبين الكبيرين الحزب الديمقراطى وحزب الاتحاد، يعنى أن قوات البيشمركة الكردية انتقلت من مرحلة العمل وفقاً لالتزامات "الولاء الحزبى"، إلى مرحلة العمل وفقاً لآليات "الإطار الحكومى الرسمى"؛ بمعنى أنها أصبحت تتبع سلطة حكومة الإقليم ووزارة البيشمركة واللتين ترتبطان بعلاقة مؤسسية أوسع مع الحكومة الاتحادية فى بغداد.

أما بالنسبة للحكومة المركزية نفسها؛ فثمة حملة يشنها رئيس الوزراء على الزيدى تستهدف حصر السلاح فى يد الدولة رسمياً، بما يعنى تجريد كافة الجماعات والفصائل من امتلاك السلاح أو أن يكون لها ظهير عسكري مسلح؛ وهى الحملة التى بدأت منذ الشهر الأول لتولى الزيدى الحكومة العراقية فى مايو 2026، وحدد لها نهاية سبتمبر 2026 كمرحلة أولى يتم فيها الانتهاء من حصر السلاح وتسليمه للمؤسسة العسكرية والأمنية للدولة، ثم تليها مرحلة أخرى لتوفيق أوضاع الفصائل المسلحة داخل هيئة الحشد الشعبى.

فى هذا السياق، يمكن تفسير أهمية دمج الوحدات العسكرية الكردية فى بوتقة واحدة، مع ملاحظة أن خيارات الحكومة المركزية فى التعامل مع البيشمركة خاضعة للدستور؛ حيث أن المادة (121) أعطت للإقليم حق "إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلى كالشرطة والأمن وحرس الأقاليم".

ورغم صعوبات حصر سلاح الفصائل الشيعية لاسيما المنخرطة فى دعم إيران إقليمياً والتى تدفع العراق يوماً بعد يوم بعيداً عن مسار "الحياد" الذى تحاول حكومته البقاء فيه، إلا أن الخطوة الخاصة بدمج القوات الكردية العراقية – البيشمركة – فى آلية مؤسسية واحدة من شأنها التأثير إيجابياً بشأن تقليص قدرة الفصائل المسلحة على لعب أدوار "موازية" لدور الدولة نفسها؛ سواء على مستوى حفظ الأمن الداخلى، أو على مستوى ممارسة دور خارجى فى الإقليم وأزماته، وهو ما يعنى أن قوات البيشمركة المنضوية فى آلية مسلحة واحدة تحت إشراف مؤسسى متمثل فى وزارة البيشمركة باتت جزءاً من"منظومة الدفاع العراقية" كونها أصبحت قادرة على التعاون مع القوات المسلحة الاتحادية، حتى وإن كان هذا التعاون مشروطاً بموافقة الوزارة (أى وزارة البيشمركة). 

يضاف إلى ذلك ما صرح به رئيس الوزراء على الزيدى القائد العام للقوات المسلحة بشأن قرار دمج القوات الكردية فى وزارة البيشمركة بكونه "خطوة مهمة لترسيخ الأمن الوطنى ووحدة القرار الدفاعى"، وهو ما يشير إلى أن قوات البيشمركة ستكون جزءاً من "المنظومة الدفاعية للعراق"، لكن مع ملاحظة أن قرار تحريك تلك القوات فى أى مهمة أمنية سيتم وفقاً لمسار اتفقت عليه الأحزاب فى حكومة الإقليم وبالتنسيق مع رئيس الحكومة المركزية. وبالرغم من احتفاظ وزراة البيشمركة فى الإقليم بأحقية قرار استخدام القوات الموحدة فى أى عملية أمنية أو دفاعية مستقبلاً، إلا أن ربط هذا الاستخدام بقرار مماثل من بغداد يعد تطوراً إيجابياً فى سياق تنسيق القرارات الحيوية بين الإقليم والحكومة على حد سواء.

قرار الدمج ومتغيرات إقليمية

أما على المستوى الخارجى؛ فإن الإسراع بعملية توحيد فصائل البيشمركة ودمجها فى آلية مؤسسية واحدة ورسمية يبدو غير منفصل عن واقع التطورات الإقليمية فى المنطقة؛ فمن ناحية يأتى القرار متزامناً مع الموعد المعلن والمحدد لانسحاب قوات التحالف الدولى من العراق فى 30 سبتمبر 2026، وهذا الانسحاب سيحدث فراغاً أمنياً نوعياً، لاسيما داخل إقليم كردستان العراق الذى تتواجد فيه قاعدتان أمريكيتان هما أربيل وحرير، وكانتا تستخدما كنقاط لتقديم الدعم اللوجيستى لقوات التحالف عبر الحدود العراقية السورية، وكلتا القاعدتين تعرضتا بداية من مارس 2026 إلى استهدافات مباشرة من بعض الفصائل المسلحة العراقية فى سياق الحرب الأمريكية على إيران التى بدأت فى فبراير 2026، ما دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرار بإخلاء القاعدتين فى أغسطس 2026، وبالتالى فإن ملء الفراغ الأمنى المتوقع يتطلب قوات نوعية قادرة على حفظ الاستقرار والأمن فى الإقليم تحسباً لعودة نشاط خلايا تنظيم "داعش". ويلاحظ هنا أن مرحلة ما بعد انسحاب قوات التحالف ومتطلباتها الأمنية ستعكس مدى قدرة بغداد وأربيل على اتخاذ قرار عسكرى مؤسسى تجاه أى تهديد أمنى مستقبلى.

هذا إلى جانب أن طبيعة البيئة الإقليمية الحالية المحيطة بالعراق وبإقليم كردستان خصوصاً، والتى ستعمل فيها قوات البيشمركة بصيغتها الموحدة وبقدراتها الذاتية بداية من نوفمبر 2026 تفرض على حكومة الإقليم عدة تحديات منها:

1- ضرورة التقارب الشامل مع بغداد بما يعنى تقليص حجم الخلافات حول الإشكاليات المالية والنفطية وغيرها إلى أدنى مستوياتها، بما يعطى لفكرة "المنظومة الدفاعية العراقية الموحدة" بعداً أمنياً متميزاً، يُمكِّن الدولة ككل من مواجهة تهديدات خلايا "داعش" التى لازالت تمارس بعض العمليات داخل المناطق المتنازع عليها بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية.

2- استمرار الدعم الأمنى الأمريكى لكل من بغداد وأربيل على حد سواء؛ وهو تحدٍ كبير تواجهه الحكومتان؛ خاصة مع الاشتراطات الأمريكية التى أصبحت تمثل اختباراً حقيقياً لحكومة على الزيدى وهى: حصر سلاح الفصائل ودمجها فى المؤسسة العسكرية الرسمية، وتنقية العلاقات بين الحكومة وبين الإقليم بما يخدم الاستقرار فيه بعد الانسحاب الأمريكى منه. فى المقابل تمثلت الاشتراطات الأمريكية على حكومة الإقليم فى أربيل، لاستمرار عمليات الدعم اللوجيستى من تدريب وتسليح، فى ضرورة وجود "إدارة مؤسسية واحدة" للتعامل معها بشأن هذا الدعم مستقبلاً، بدلاً من وحدات عسكرية تخضع لقرارات حزبية متعارضة.

3- تهديد الولايات المتحدة لحكومة أربيل بوقف الدعم المالى واللوجيستى لقوات البيشمركة ما لم يتم توحيدها فى مؤسسة حكومية واحدة، وإنهاء "ازدواجية القيادة" الحزبية على تلك القوات، على أن تتبع القائد العام للقوات المسلحة فى الإقليم.

4- المسألة الكردية السورية؛ والتى انتهت بالإعلان فى 25 أغسطس 2026 عن دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية العسكرية والمدنية تتويجاً لاتفاق يناير 2026. ورغم أن التنفيذ على الأرض لازال فى مراحله الأولى، إلا أن القرار فى حد ذاته يعد متغيراً مهماً فى إدارة علاقة الأكراد السوريين بدولتهم، لاسيما بعد نجاح الرئيس أحمد الشرع فى تفكيك فكرة انفصال الإدارة الذاتية الكردية عن الدولة السورية عبر عدة قرارات (مراسيم) اعترفت فيها الدولة السورية بالحقوق النوعية والثقافية للأكراد، فضلاً عن اختيار قائد قوات "قسد" مظلوم العبدى مستشاراً لرئاسة الجمهورية. التحول النوعى هنا فى المسألة الكردية السورية خلال الشهرين الماضيين مثل دفعاً للقرار الذى اتخذته حكومة إقليم كردستان العراق فى 21 سبتمبر 2026، والخاص بدمج قوات البيشمركة ضمن آلية عمل مؤسسية واحدة، أى بعد حوالى شهر من نجاح الشرع فى الإعلان عن دمج "قسد" ضمن مؤسسة الدولة العسكرية. تجدر الإشارة هنا إلى اختلافات ملموسة بين حالتى الدمج لا يتسع المجال هنا لشرحها.

مما سبق يتضح أن قرار دمج قوات البيشمركة الكردية العراقية فى مؤسسة وزارية واحدة وموحدة تتبع الإقليم أنهى الوصاية السياسية على تلك القوات من قبل الحزبين الكردستانيين؛ الحزب الديمقراطى وحزب الاتحاد الوطنى، وأن القرار يتماشى مع تطورات داخلية فى العراق أبرزها محاولات رئيس الوزراء على الزيدى حصر السلاح فى يد الدولة بصورة مؤسسية من ناحية، ويتماشى كذلك مع متغيرات إقليمية حادة تتعلق بانتهاء مهام التحالف الدولى فى المنطقة من ناحية ثانية، ومع تعاطيات العراق الإقليمية بشأن المواجهات الأمريكية الإيرانية منذ فبراير 2026 وتداعياتها الجيوسياسية من ناحية ثالثة.