د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية، ورئيس تحرير سلسلة كراسات استراتيجية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تصاعدت تهديدات "الأنفاق" أو المعابر غير النظامية للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، خلال الأعوام الماضية، في ظل التحولات الصاعدة في طبيعة الأنفاق التي باتت تتسم بالعمق المساحي والامتداد الجغرافي والتحصين غير التقليدي وتعدد المداخل والمخارج كما لو أنها "نقاط عمياء" لمن لا يعرفونها، وهو ما أدى لتعدد وظائفها التي لم تعد تقتصر على عمليات التهريب العابرة للحدود الرخوة وإنما باتت تتضمن تخزين الأسلحة وتهريب المخدرات وإيواء المقاتلين والعناصر الخارجة عن القانون وتنفيذ عمليات عسكرية ضد الأهداف المحصنة بالإضافة إلى تحصن قيادات التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة من الغارات الجوية للدول أو تحالف مجموعة من الدول.

النشأة التاريخية

على الرغم من ارتباط الأنفاق بأنشطة التهريب العابرة للحدود وعمليات المليشيات المسلحة، إلا أن نشأة الأنفاق تاريخياً ارتبطت بسعي بعض الدول لتأمين بعض الأهداف العسكرية الحيوية وتخزين الأسلحة والمناورة في مواجهة التفوق الجوي للدول المعادية، حيث ترجع بدايات الاعتماد على الأنفاق إلى الفيتناميين في إطار الصراع العسكري المسلح مع فرنسا والولايات المتحدة، ثم انتقلت تقنيات التحصين من خلال الأنفاق لكل من روسيا وكوريا الشمالية والصين التي باتت تُنشِئ قواعد عسكرية ومناطق لتخزين الأسلحة وملاجئ للقوات داخل بعض الأنفاق لتحصينها من الرصد الجوي.

وترجع بدايات تأسيس الأنفاق في منطقة الشرق الأوسط لإيران التي استعانت بها لإخفاء منشآتها النووية والقواعد العسكرية الاستراتيجية ثم انتقلت هذه التكتيكات لحزب الله في جنوب لبنان كوسيلة للتخفي من الغارات الجوية الإسرائيلية ولمهاجمة أهداف إسرائيلية على الحدود وهي التكتيكات التي انتقلت لحركة حماس ولكافة المليشيات المسلحة وعصابات التهريب في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما في مرحلة ما بعد الحراك الثوري وتمدد الصراع المسلح في العديد من دول الإقليم.

الأبعاد الدالة

تعددت الأبعاد الدالة على الأنماط المتصاعدة لتهديدات الأنفاق في الشرق الأوسط، خلال تفاعلات عام 2026، وذلك على النحو التالي:

1- إزالة إسرائيل البنية التحتية التابعة لحزب الله في لبنان (في مرتفعات علي الطاهر وقلعة شقيف): تواصل إسرائيل حربها على شبكات أنفاق حزب الله في الجنوب اللبناني، إذ يستخدم الحزب مدناً واسعة تحت الأرض، ضمت مستودعات ضخمة للصواريخ ومراكز قيادة وسيطرة، ويصعب اكتشافها عبر الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية. وتندمج مع البيئة المجتمعية المحيطة والبنية التحتية المدنية لتجنب الكشف الجوي. ويعتمد الحزب على شبكة تهريب معقدة للحصول على معدات الحفر ومواد البناء. إذ تم الاستعانة بخبرات من كوريا الشمالية وإيران ويقوم مهندسون مختصون بمسح التضاريس الصخرية ويحددون الأماكن الأكثر أماناً للحفر لتجنب الانهيارات الأرضية ثم يختارون البناء أسفل المناطق السكنية أحياناً لإخفاء العمليات الصادرة عن التصنيع.

وتجدر الإشارة إلى أنه يتم استخدام تقنيات ناتجة عن العمل اليدوي من قبل عناصر حزب الله يزودونها بمولدات كهربائية لتوليد الطاقة تعمل على مدار الساعة وتسهم في توفير أنظمة تهوية وخزانات مياه وأنظمة اتصالات ويمدونها بآليات سحب الرطوبة لحماية الحديد من الصدأ، ويغلفون الصواريخ بمادة النيلون ويسحبون منها الهواء ويضعون في داخلها مادة مضادة للرطوبة ويتركون إلى جانبها الشيفرات ليتمكن المقاتل من فتحها بسرعة عند اندلاع القتال، وفقاً لما ذكرته العديد من المصادر الإعلامية الدولية. وهنا، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتاريح 14 سبتمبر الجاري: "سياستنا واضحة، سنواصل تدمير البنية التحتية الإرهابية في المنطقة الأمنية في لبنان. وسنواصل القضاء على أي تهديد يواجه دولة إسرائيل".

فقد مثلت أنفاق منطقة علي الطاهر سبباً في تصعيد متواصل بين إسرائيل وحزب الله، خلال الأشهر الثلاث الماضية (يونيو- سبتمبر 2026)، حيث تم استخدام أكثر من 1100 طن من المتفجرات لتدميرها، وتتجاوز أهمية التطورات مصير الأنفاق نفسها، إذ أعلنت إسرائيل أنها تعتزم تثبيت وجودها العسكري في مرتفعات علي طاهر ومنع حزب الله من العودة إليها، لاسيما أن هذه الأنفاق كانت تستخدم كمركز رئيسي من قبل كوادر حزب الله لتعزيز السيطرة العملياتية لإطلاق مسيرات وصواريخ كتف وصواريخ مضادة للدروع في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وهو ما سبق أن كشفه الأخير بشأن منشأة تابعة لشبكة أنفاق تحت أرضية لحزب الله في منطقة سلسلة جبال الشقيف جنوب لبنان، يتم التخطيط لها وتمويلها من قبل النظام الإيراني، على حد مزاعم إسرائيل.

وفي هذا السياق، أوضح بيان صادر عن الجيش الإسرائيلي بتاريخ 7 يونيو 2026 أن هذه الشبكة تضم عدة أنفاق تحت الأرض شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث وتجهيزات تسمح بالإقامة والقتال لفترات طويلة، إضافة إلى بنى تحتية للمياه والكهرباء ومنظومات مضادة للدروع والدفاع الجوي، وتم العثور داخل أحد الأنفاق، الذي يبلغ طوله نحو كيلومتر، على ست فتحات تحت أرضية وغرف لتخزين الأسلحة ومنصة لإطلاق الصواريخ المضادة للدروع، إضافة إلى صواريخ وقنابل يدوية وذخائر ومعدات قتالية وطبية متطورة. وأضاف البيان أن الموقع ضم أيضاً غرف مبيت ومرافق صحية وغرف استحمام وغرفة عمليات جراحية ومطابخ، الأمر الذي يعكس دورة حياة كاملة داخل هذه الأنفاق.

2-تفكيك إسرائيل شبكة أنفاق حركة حماس في قطاع غزة: يبرز ملف أنفاق حماس كأحد أكثر القضايا تعقيداً، ليس فقط بسبب عمقها وتشعبها، بل أيضاً لتداخلها مع الحياة المدنية فوق الأرض، غير أن الأنفاق بنيت على مدى عقود، ومن المستحيل أن تنهيها إسرائيل في سنة أو حتى عشرين عاماً، ما لم تتعاون حماس رسمياً على تفكيكها وهو ما تستغله إسرائيل في سرديتها أمام العالم الخارجي بأنها لا تنوي استنساخ أو تكرار ما جري في 7 أكتوبر مرة أخرى. ولذا، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصدر عسكري في 5 فبراير 2026، قوله إن "الجيش لم يتمكن من التعامل إلا مع نصف الأنفاق تقريباً في قطاع غزة"، موضحاً: "نشن حملة شرسة ضد شبكة حماس السرية، والتعامل مع جميع الأنفاق قد يستغرق عامين آخرين".

وهنا، تعمل قوات الجيش الإسرائيلي على تفكيك المسارات الممهدة لأنفاق أرضية في جنوب قطاع غزة، والتي كانت جزءاً من شبكة أنفاق استُخدمت لتخزين أسلحة للحركة وتوفير مرافق معيشية لكوادرها واحتجاز رهائن داخل القطاع، ويبلغ الطول الإجمالي لبعض الأنفاق أكثر من كيلومترين ونصف، في حين البعض الآخر ضيق على نحو ما جاء في بيان صادر عن الجيش الإسرائيلي بتاريح 8 مايو الماضي، وهو ما تعتبره إسرائيل "تهديدات فورية" تتطلب القضاء عليها قبل الانتقال للمرحلة الثانية من تطبيق اتفاق غزة الذي يقتضي الانسحاب المتدرج للقوات الإسرائيلية من القطاع.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن تدمير الأنفاق ليس فقط مطلباً إسرائيلياً، بل أيضاً شرط أساسي لإعادة إعمار غزة، إذ لا يمكن بناء مدينة فوق شبكة جوفية غير مستقرة بحيث يأتي ضمن مشروع دولي تشارك فيه خبرات فلسطينية وعربية ودولية، يجمع بين "الهندسة والبيئة والسياسة"، لإغلاق الملف بأقل الأضرار الممكنة. غير أن هناك معضلة مفادها أن الحركة نفسها "قد لا تمتلك خرائط دقيقة لكل الأنفاق، لأن كثيراً ممن قاموا بتأسيسها ماتوا أو تركوا التنظيم"، كما غيّرت الغارات الإسرائيلية طبيعة الأرض ومواقع المداخل. علاوة على ذلك، فإن القضية ليست في الأنفاق فقط، بل في غياب الأفق السياسي، فإن لم يُمنح الفلسطينيون أملاً حقيقياً، فلن يردم أي نفق في الواقع.

3- اكتشاف الجيش السوري أنفاقاً لحزب الله على الحدود المشتركة مع لبنان: كشف الجيش السوري، في 1 أبريل الماضي، عن شبكة أنفاق عابرة للحدود مع لبنان، وخاصة في غرب حمص، كانت تستخدم من قبل كوادر وعناصر تابعة لحزب الله خلال سنوات النزاع، وذلك في إطار تعزيزات عسكرية على الحدود الثنائية  التي تمتد على طول 375 كلم. وتجدر الإشارة إلى أن بعضها مجهز بالكهرباء وأنظمة تهوية، وتستخدم لتهريب السلاح والمخدرات خلال فترة دعم حزب الله لقوات الرئيس السوري السابق بشار الأسد، على مدى عقد ونصف، إذ وُجدت داخل بعض المواقع صور للأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله وقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني.

وتجدر الإشارة إلى أن منطقة القصير في ريف حمص تعد موقعاً استراتيجياً يربط الداخل السوري بالبقاع اللبناني، وشكلت لسنوات نقطة إمداد رئيسية لحزب الله، وهو ما يدركه الجيش السوري ويعمل على تفكيك أية مسارات بشأنها من خلال نشر مدرعات ووحدات استطلاع لمراقبة الأنشطة الحدودية ومكافحة التهريب. كما يتزامن ذلك مع تنسيق أمني مستمر بين دمشق وبيروت في ملفات مكافحة التهريب والتنظيمات المسلحة. ففي 10 مارس الماضي، اتفق الرئيسان اللبناني جوزيف عون، والسوري أحمد الشرع، خلال اتصال هاتفي على تفعيل التنسيق والتشاور بين البلدين، لاسيما بملف ضبط الحدود ومنع أي تفلت أمني، وفق بيانات رسمية. وسبق لإسرائيل أن أعلنت مراراً قصف معابر حدودية بين البلدين بهدف قطع طرق الإمداد إلى حزب الله.

4- إشراف عناصر من الحرس الثوري على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على باب المندب: وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين قولهما بتاريخ 19 سبتمبر 2026 إن خبراء من الحرس الثوري الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار في شرق المخا لدراسة تركيب رادارات قربها والإشراف على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة عليها وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر، وهو ما يأتي في ظل اشتداد المعارك بين جماعة أنصار الله الحوثي والقوات الحكومية حول منطقة جبال كهبوب المطلة على منطقة باب المندب.

ولعل ذلك يمنح الجماعة مواقع إضافية لتهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، وتوسيع قنوات تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر عبر خليج عدن والبحر الأحمر، بما يعزز قدرة إيران على الضغط على الممرات البحرية الحيوية. إذ يمكن أن تتحول السواحل والجزر اليمنية (مثل حيس والخوخة والمخا وميون) إلى نقاط للإمداد والتخزين، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف التجارة وتفاقم الأعباء المعيشية على القطاع الأوسع من المجتمع اليمني.

5- حرص إيران على إعادة بناء الترسانة الباليستية وتحصين المخزون من المواد النووية: أشارت العديد من وسائل الإعلام وفي مقدمتها شبكة "سي إن إن" الأمريكية، وصحيفة "وول استريت جورنال" في منتصف يونيو 2026 إلى أن إيران اتخذت إجراءات ميدانية لتأمين مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وأوضحت أن هذه الإجراءات شملت إغلاق بعض الأنفاق المؤدية إلى مواقع التخزين النووية حيث تتخوف من قدرة الولايات المتحدة على استهدافها في لحظة ما. كما أفاد مسئولون أمريكيون مطلعون، لبعض وسائل الإعلام بتاريح 10 سبتمبر الجاري، أن إيران استأنفت إنتاج الصواريخ الباليستية باستخدام مكونات كانت مخزنة لديها، وبكميات أقل مما كانت تنتجه قبل الحرب، بالتزامن مع استئناف العمل في منشآت تحت الأرض، علاوة على إنشاء مواقع تجميع جديدة تحت الأرض لتقليل احتمالات تعرضها لضربات مستقبلية.

6- استمرار تصاعد اقتصاديات الحدود في بؤر الصراعات المسلحة: يمكن اعتبار الأنفاق بمثابة علاقة بين طرف ضعيف وآخر قوي يسعي لتأمين مصالحه وحماية ذاته من تداعيات الفوضى، ولذلك فإن إغلاق المنافذ الحدودية وتشديد الرقابة على الحدود يؤدي لتصاعد اقتصاديات التهريب من خلال الأنفاق، حيث تتحول عمليات التهريب عبر الأنفاق لنمط معيشي طبيعي في بعض المناطق لتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، في ظل انهيار مؤسسات الدولة وهيمنة التنظيمات المسلحة على المناطق الحدودية على غرار الأوضاع في اليمن وليبيا والسودان.

إذ تستغل العصابات الإجرامية والتنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة الأنفاق في تهريب مختلف السلع والبضائع في إطار "اقتصاديات التعايش" التي تقوم على سعي المواطنين إلى تدبير احتياجاتهم الأساسية في مناطق الصراعات المسلحة من خلال تهريب السلع التقليدية عبر الحدود مثل الأغذية والأدوية وبعض السلع الكمالية مثل السجائر وتحقيق أرباح من التجارة العابرة للحدود في هذه السلع، وعادة ما تسيطر بعض التنظيمات على معابر التهريب لتحقيق أرباح من توفير السلع الأساسية للمواطنين مما يطيل أمد الصراعات المحلية.

ولعل ذلك يفسر تنفيذ الجيش المصري عملية جديدة في جنوب البلاد، في أغسطس 2026، أسفرت عن إحباط أنشطة شبكة تهريب ذخائر وسلاح على الحدود الجنوبية، في تواصل لنشاط عملياتي واسع ضد عناصر التنقيب غير المشروع عن الذهب. وجاءت هذه الضربة لتلحق بعمليات مستمرة للجيش المصري منذ يونيو الماضي في جنوب البلاد، وهي تحمل دلالة كبيرة تؤكد أن العمليات الاستباقية لأي تهديد تنفذ على أكمل وجه في تأمين الحدود، ولا تتعلق فقط بمنع اختراق الحدود، بل بمنع تحول المناطق الحدودية والصحراوية إلى ممرات لاقتصاد الجريمة المنظمة.  فالمسألة تتعلق بخط إمداد له قدرة لوجستية وتسويقية، وليس مجرد حيازة فردية.

توظيف الأنفاق

خلاصة القول، لم يعد ميدان القتال في الشرق الأوسط محصوراً على سطح الأرض، بل امتد ليشمل شبكة تحت الأرض، في ظل تكتيكات الحرب الهجينة، وتكشف تفاعلات عام 2026 عن انتشار توظيف الأنفاق من جانب عصابات الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية في تهديد الأمن في بعض دول الإقليم فضلاً عن توظيف بعض الجماعات للأنفاق في تنفيذ عمليات عسكرية في العمق ضد بعض المناطق الحيوية المحصنة، وتتركز خطورتها في تقويض سيادة الحدود، وتغذية النزاعات الإقليمية، إذ تخلق هذه الممرات توترات سياسية مستمرة ودائمة بين الدول المتاخمة ومناطق النزاع وكذلك استمرار العمليات الإسرائيلية العسكرية الهادفة إلى تدمير البنية التحتية التابعة لحزب الله وحركة حماس، عبر أنفاق تم بناؤها على مدى نحو عقد أو أكثر، وتضم عشرات الصواريخ والقذائف والطائرات المسيرة الإيرانية الصنع، إضافة إلى مدافع رشاشة وعشرات الصواريخ المضادة للدبابات ومئات الألغام والعبوات الناسفة.