توجد لحظات تكتشف فيها الدول الكبرى أن الحياد لم يعد يحمي مصالحها، وأن الاكتفاء بالدعوة إلى التهدئة قد يصبح أقل كلفة سياسيًا، لكنه أكثر كلفة استراتيجيًا. ويبدو أن الصين تقترب الآن من واحدة من هذه اللحظات في الأزمة الإيرانية. فمنذ بداية الحرب الأمريكية ضد إيران، حرصت بكين على تقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي يقف خارج المواجهة، ويدعو إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات واحترام سيادة الدول. وفي هذا السياق، لم تشارك الصين في العمليات العسكرية، ولم تنضم إلى التحالف الأمريكي، كما تجنبت تقديم التزامات أمنية علنية لطهران. لكنها، في الوقت نفسه، لم تترك إيران وحدها أمام الضغوط والعقوبات الغربية. وقد كانت تلك هي معادلة "الدبلوماسية الهادئة" في بكين، والتي تقوم على حماية إيران من العزلة الكاملة، والإبقاء على شرايينها الاقتصادية مفتوحة، ورفض إخضاعها داخل المؤسسات الدولية، التي تهيمن عليها واشنطن، من دون التورط المباشر في الحرب ضد الولايات المتحدة.
لكن اتساع الاضطرابات من هرمز إلى باب المندب، وتعطل مسارات النفط، وارتفاع تكاليف الشحن، دفع بكين إلى الانتقال تدريجيًا نحو ما يمكن تسميته بـ "الدبلوماسية الضاغطة"، أي استخدام وزنها الاقتصادي والسياسي لحمل طهران على تغيير بعض سلوكها الإقليمي.
وهنا تكمن نقطة التحول الأهم في الموقف الصيني تجاه الأزمة الإيرانية.
شراكة تحت سقف محسوب
مثلت الصين خلال السنوات الماضية الرئة الاقتصادية الأهم لإيران. فقد اتجه أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية البحرية خلال عام 2025 إلى السوق الصينية، بما وفر لطهران مصدرًا ماليًا لا تستطيع أسواق أخرى تعويضه.
ولم يقتصر الدور الصيني على شراء النفط. فقد كشفت تقارير عن آليات مقايضة جرى من خلالها تحويل إيرادات النفط الإيراني إلى مشتريات من السلع والمعدات الصينية، بعيدًا عن القنوات المصرفية التقليدية. وتشير التقديرات إلى مرور ما بين ملياري دولار و2.5 مليار دولار عبر إحدى هذه الآليات.
وهذا يعني أن الصين لم توفر لإيران سوقًا لصادراتها النفطية فحسب، بل ساعدتها أيضًا على إعادة تدوير العائدات النفطية في الاقتصاد والصناعة. وبذلك استطاعت طهران امتصاص جانب من أثر العقوبات الأمريكية، وتأمين بعض احتياجاتها، وإعادة بناء أجزاء من قدراتها التي استهدفتها الضربات العسكرية الأمريكية.
وكان المنطق الصيني واضحًا، وهو منع انهيار إيران أو إخضاعها الكامل للولايات المتحدة، مع إبقاء مستوى الدعم دون العتبة التي تحول بكين إلى طرف مباشر في الحرب.
اتهامات أمريكية تتجاوز الاقتصاد
بالاضافة إلى الدعم المالي والاقتصادي الصيني، تتهم واشنطن عددًا من الشركات الصينية بتوفير مواد وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومكونات تدخل في صناعات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وفي هذا السياق، فرضت الإدارة الامريكية في مايو 2026 عقوبات على شركات صينية، من بينها "ميزار فيجن" و"إيرث آي" و"تشانغ غوانغ"، بدعوى جمع صور لأهداف أمريكية أو توفيرها لطهران.
وزادت خطورة هذه الاتهامات بعد ما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" عن حصول إيران على صور أقمار اصطناعية عالية الدقة من جهات صينية، ساعدتها، وفق مسئولين أمريكيين، في استهداف قاعدة موفق السلطي في الأردن في 17 يوليو الماضي، في هجوم أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين.
ومع ذلك، لم تتهم واشنطن الحكومة الصينية مباشرة، كما لم تكشف هوية الجهات التي قدمت المعلومات. ومن جهتها، نفت بكين هذه الاتهامات المتعلقة بتورطها في الحرب، وأكدت أن تعاونها مع إيران يجري وفق القانون الدولي.
ومن جهة أخرى، ظهرت أيضًا تقارير عن صفقة محتملة لشراء إيران 300 منظومة دفاع جوي محمولة على الكتف صينية الصنع، بقيمة تراوح بين 60 و70 مليون دولار، فيما نفت وزارة الخارجية الصينية وجود أساس لهذه المعلومات.
وبصرف النظر عن صحة هذه الادعاءات، فإن تكرار الحديث عن الأقمار الاصطناعية وأنظمة الدفاع الجوي ومكونات الصواريخ والمسيّرات يكشف انتقال العلاقة الصينية–الإيرانية إلى مساحة يصعب فيها الفصل بين التعاون الاقتصادي والإسناد الاستراتيجي.
لماذا تتجنب واشنطن المواجهة؟
كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب على علم بجانب من هذه الأنشطة، حسبما يؤكد عدد من المراقبين، لكنها حرصت على منع الحرب الإيرانية من إفساد العلاقة مع بكين، خصوصًا قبل القمة المرتقبة بين الرئيس ترامب والرئيس شي جينبينج في 24 سبتمبر الجاري في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ولهذا تجنبت واشنطن توجيه اتهام رسمي مباشر إلى الحكومة الصينية. وعندما سُئل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عما إذا كانت الصين تزود إيران بمعلومات تساعدها على استهداف القوات الأمريكية، اكتفى بالقول إن ما قامت به بكين لم يغير مسار الصراع.
ومن ناحية أخرى، ركزت العقوبات الأمريكية حتى الآن على شركات صغيرة ووسطاء صينيين، وتجنبت المؤسسات الصينية الكبرى. فعملية "المنبوذ الاقتصادي"، التي تعهدت بقطع كل شريان اقتصادي يبقي النظام الإيراني قادرًا على الصمود، تصطدم بحقيقة أن الصين هي الشريان الأكبر. وإذا حاولت واشنطن قطع هذا الشريان بالكامل، فقد تتحول الحرب الاقتصادية على إيران إلى مواجهة أمريكية–صينية أوسع، تمتد إلى التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والنظام المالي الدولي. وهذا ما لا يبدو أن إدارة ترامب تريده في اللحظة الراهنة، خاصة قبل انتخابات التجديد النصفي القادمة للكونجرس الامريكي في نوفمبر القادم.
حين بدأت كلفة الحرب تصل إلى الصين
بالنسبة إلى الصين، كانت إيران دائمًا شريكًا له وزنه. فهي دولة كبرى على تخوم الخليج وآسيا الوسطى، وصاحبة احتياطيات هائلة من النفط والغاز، كما أنها قوة تناهض الوجود الأمريكي، وتمنح بكين مساحة إضافية في صراعها الأوسع مع واشنطن. والأرقام تكشف جانبًا من العلاقة الوثيقة بين بكين وطهران. فقد اتجه أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية البحرية خلال عام 2025 إلى الصين. وبذلك أصبحت السوق الصينية شريانًا رئيسيًا للاقتصاد الإيراني في مواجهة العقوبات الغربية.
لكن للمشهد وجهًا آخر. فالتجارة الصينية مع دول مجلس التعاون الخليجي تقترب من 300 مليار دولار سنويًا، ونحو نصف واردات الصين النفطية يأتي من المنطقة. كما ترتبط بكين بالسعودية والإمارات وقطر وعُمان بشبكة واسعة من المصالح تمتد من الطاقة والموانئ إلى التكنولوجيا والاستثمارات والبنية الأساسية.
وهنا تقع الصين بين حاجتين. فإيران مهمة لها في حساب التوازن مع الولايات المتحدة، والخليج ضروري لها في حساب الاقتصاد والطاقة. وفي هذا الإطار، بدأت إيران تتحول من المنظور الصيني من أصل استراتيجي خالص إلى شريك يحمل معه قدرًا متزايدًا من الأعباء. فهي تمنح الصين نفوذًا في مواجهة واشنطن، لكنها حين تهدد الملاحة وإمدادات الطاقة تصبح خطرًا على المصالح التي تريد بكين حمايتها.
وقد زادت هذه القناعة الصينية بالتدريج مع استمرار الحرب. فحركة النفط عبر مضيق هرمز ما زالت شديدة الاضطراب. كما تعرض خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، الذي ينقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الاحمر، لهجوم أدى إلى وقفه احترازيًا من جانب الرياض في 11 سبتمبر الماضي. وفي الوقت نفسه، ازدادت المخاطر عند باب المندب مع سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية على الساحل اليمني، الذي يشرف على جزء أساسي من الطريق البحري لمبادرة الحزام والطريق الصينية.
وقد تزامن كل ذلك مع انخفاض واردات الصين من النفط الخام إلى نحو 8.1 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من عام 2026، بتراجع نسبته 32% مقارنة بالربع السابق، وارتفعت تكلفة نقل الخام بالناقلات العملاقة من خليج عُمان إلى الصين إلى نحو 11.5 دولار للبرميل في سبتمبر الجاري. وعند هذه النقطة، بدأت الصين تدفع ثمن الحرب التي ساعدت إيران على تحملها. واصبحت تقديرات دوائر صنع القرار في بكين تؤكد على أنه كلما طالت المواجهة، أصبح الدعم الاقتصادي والتقني لطهران متناقضًا مع أمن الطاقة والتجارة الصينيين.
بداية الدبلوماسية الضاغطة
وفي هذا السياق، جاء طلب بكين من إيران استخدام نفوذها لكبح الحوثيين، بعد طلب سعودي للمساعدة الصينية. وهو تطور يتجاوز الدعوة العامة إلى ضبط النفس، لأنه يتضمن مطالبة طهران بخطوة قابلة للقياس، وهي خفض التهديدات التي تتعرض لها الملاحة في البحر الأحمر. كما دعا وزير الخارجية الصيني وانج يي أيضًا، خلال لقائه نظيره الإيراني عباس عراقجي، في 16 سبتمبر الجاري، إلى استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران استنادًا إلى التفاهمات السابقة. كما طالب الرئيس الصيني شي جينبينج قمة دول "بريكس" الأخيرة في الهند دول هذا التحالف بالقيام بدور "صانع السلام"، مؤكدًا أن استمرار الحرب لا يخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي.
ومع كل ذلك، يجب الانتباه إلى أن هذه المواقف لا تعني أن الصين انضمت إلى استراتيجية الضغط الأمريكية. فقد استخدمت بكين وموسكو في الأيام الأخيرة حق النقض ضد تمديد مهمة المراقبة المستقلة للعقوبات الأممية على إيران. والرسالة هنا شديدة الدقة وتتمثل في أن الصين لن تساعد واشنطن على إسقاط إيران، لكنها لن تسمح لإيران بأن تجعل أمن الطاقة الصيني رهينة لحساباتها العسكرية.
اختبار النفوذ الصيني في الخليج العربي
سبق للصين أن رعت استئناف العلاقات السعودية–الإيرانية عام 2023، لكن الأزمة الحالية تمثل اختبارًا أصعب بكثير للصينيين. فقد كان المطلوب آنذاك فتح السفارات واستعادة الاتصالات، أما المطلوب اليوم فهو تغيير السلوك العسكري الإيراني في أثناء حرب مفتوحة. ومما يزيد من صعوبة الأمر أن القرار الإيراني لا يصدر عن جهة واحدة. فهناك الرئاسة ووزارة الخارجية، وهناك الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي. وبالتالي، ليس من المستبعد أن تستطيع بكين التأثير في الحكومة الإيرانية، من دون امتلاك القدرة نفسها على توجيه حسابات المؤسسات العسكرية والأمنية في طهران. كما أن العلاقة بين إيران والحوثيين لا تقوم على القيادة والطاعة الكاملة. فطهران قد توفر الدعم والتسليح والتنسيق، لكن الحوثيين يملكون حساباتهم اليمنية والإقليمية وهامشًا من الاستقلال. وهكذا تواجه الدبلوماسية الصينية في الأزمة الإيرانية الراهنة ثلاثة اختبارات مترابطة، تتمثل في: هل تستطيع بكين حمل إيران على تعديل سلوكها؟ وهل تستطيع إيران كبح الحوثيين؟ وماذا ستفعل الصين إذا تجاهلت طهران مطالبها أو لم تتمكن من تحجيم الحوثيين؟
على أية حال، تبدو الصين اليوم أمام لحظة انتقال لا يمكن تأجيلها، فلم تعد دبلوماسيتها الهادئة، القائمة على النصح والوساطة وتجنب الصدام، كافية لحماية مصالحها في الخليج، بعدما دخلت مصالح القوى الإقليمية والدولية في مواجهة مباشرة. وحين أصبح دعم إيران يهدد، بصورة غير مباشرة، أمن النفط الخليجي وسلامة الممرات البحرية التي يقوم عليها جانب مهم من الاقتصاد الصيني، بات على بكين أن تنتقل من دبلوماسية هادئة تدعو الأطراف إلى ضبط النفس، إلى دبلوماسية تملك أدوات الضغط وتستطيع أن تجعل للتصعيد ثمنًا وللتهدئة عائدًا.
ومن هنا، إذا نجحت بكين في إقناع طهران بتهدئة مضيق هرمز وكبح الحوثيين، تكون قد خطت أولى خطواتها من قوة تجارية كبرى في الشرق الأوسط إلى قوة تشارك في صياغة أمنه. أما إذا أخفقت، فسوف ينكشف الفارق بين اتساع المصالح والقدرة على حمايتها، ويبقى السؤال معلقًا فوق المنطقة: من يملك مفاتيح الشرق الأوسط الجديد، من يشتري نفطه ويبني موانئه، أم من يستطيع تغيير حسابات أطرافه وفرض أثمان قراراتهم؟