د. إبراهيم عرفات

أستاذ العلوم السياسية، المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية (جسر) جامعة حمد بن خليفة

 

الإجابة باختصار "لا". والسبب بسيط. فأي اصطناعي لا يبدأ طبيعياً لكي يعود إلى أصله أو حجمه. ولهذا فطرح السؤال كما جاء في عنوان المقال ليس إلا للتحذير من أن صدمة المستقبل القادمة ستكون أسوأ آلاف المرات من صدمة المستقبل التي توقعها ألفن توفلر في كتاب صدر بهذا الاسم في 1970. 

الصورة واضحة. فالأمور خرجت عن السيطرة وما زالت ولا توجد جهود ترتقي لحجم الخطر وكأن هناك من يمنعها. ويحضرني طالما أن الموضوع عن الذكاء مشهد لافت في فيلم أنتج سنة 1976 بعنوان "كل رجال الرئيس" عن فضيحة ووترجيت التي أجبرت الرئيس نيكسون على اعتزال الحياة السياسية. قال فيه هال هولبروك، الذي لعب دور العميل السري، لروبرت ريدفورد الذي جسد شخصية الصحفي الشهير بوب وودوارد، وهو من كشف عن الفضيحة للرأي العام، قال: "الحقيقة أن هؤلاء الناس ليسوا أذكياء. لقد خرجت الأمور عن السيطرة". ويبدو أن أموراً أشد خطراً من ذلك بكثير تخرج اليوم وبسرعة عن السيطرة.  فعندما انهمرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي انبهرت وتصورت أن وراءها رجالاً أذكياء. ثم بعد أن بدأت أرى الأمور وهي تنفلت تأكدت أنهم رعناء. لكنهم رعناء وأثرياء. يغامرون بحياتنا من أجل جيوبهم، ومع هذا لا يوجد من يوقفهم. 

تخطيت بسرعة لحظات الانبهار وأنا أتابع ما أقر بعض مطوري الذكاء الاصطناعي به من انكسار. فقد جذبتهم الخوارزميات ثم عذبتهم. فصانع السم لا بد وأن يتذوقه. لم يمض وقت طويل إلا وكشفت مجموعة من مطوري الذكاء الاصطناعي عن خروجه عن السيطرة مفضلين تقديم استقالاتهم على الاستمرار في صناعة جحيم جديد يهدد البشر راضين بالتوجه نحو ميادين علمية آمنة تحترم الأخلاق والبديهيات. وأكثر من ابتعد منهم نأى بنفسه في صمت، لكن بعضهم لم يسكت وإنما هاجم من كانوا يعملون معهم وما كانوا يعملون عليه. من أبرزهم جيفري هنتون الملقب بالأب الروحي للذكاء الاصطناعي، وإيليا سوتسكيفر المعروف بالعقل البرمجي العبقري وكلاهما حذر من انفلات التسارع التكنولوجي وانحرافه عن مساره.  فقد رأوا بأنفسهم الخطر يقترب وتبين لهم أن إمكانية وضع الذكاء الاصطناعي في حجمه الطبيعي صفر وأن أي حديث يجمع الذكاء الاصطناعي بالطبيعة ليس إلا كذبة وتسطيح للأمور. فما هو اصطناعي لا يمكن أن يتحول إلى طبيعي لأنه من الأصل ضد الطبيعة. في شركة واحدة هي Open AI كشف مسئول الحوكمة السابق فيها دانيال كوكوتايلو بعد استقالته أن 50% من العاملين في تلك الشركة على أبحاث الأمان والسلامة استقالوا احتجاجاً على تجاهل ملاكها للمخاطر الجسيمة التي تهدد الإنسانية من أجل إشباع نهمهم إلى المال، والذي لا يشبع.  

نعم لقد خرجت الأمور عن السيطرة وهي مستمرة بسرعة في هذا الاتجاه، تماماً كما خرج الأمر من يد بيجماليون في المسرحية التي استوحاها توفيق الحكيم عام 1942 من الأساطير اليونانية وتحمل نفس الإسم: بيجماليون. وبيجماليون هذا كان نحاتاً عبقرياً. كره النساء كل النساء لما رآه فيهن من عيوب ونقائص. ولهذا قرر على عكس كل الرجال أن يصنع امرأته بنفسه، فاستعمل مهاراته في النحت فجاء بتمثال رائع من العاج لامرأة لا تشوبها شائبة أسماها جالاتيا، جسد فيها كل معاني الجمال والكمال إلى درجة أنه أفتتن بها وهام فيها إلى حد الجنون. ثم طلب من أفروديت إلهة الحب وأبولو إله الفن، بحسب الأساطير اليونانية، أن يحولا تمثاله العاجي هذا إلى امرأة حقيقية يتزوجها. وكان له ما أراد. لكنه بعد أن تزوج منها جاءته الصدمة بأشد ما يكون. فقد وجد جالاتيا تتصرف مثل كل النساء اللاتي كان يشكو منهن، وتظهر عليها كافة العيوب التي كانت تنفره من المرأة. وقتها شعر بالندم وبدأ في الابتعاد عن "اختراعه" أو التمثال الذي صنعه لنفسه بنفسه. لكن الوقت كان قد فات. فبعد أن استجابت الآلهة للمرة الثانية لدعائه وأعادت جالاتيا إلى تمثال، نظر بيجماليون إليه فوجد أنه لم يعد يحبه كما كان يحبه عندما صنعه، بل كره حتى نفسه وصنعة يده. فلا وجد المرأة التي حلم بها عندما دبت الحياة في جالاتيا، ولا حافظ على ذكراه القديمة عندما عشق التمثال كلما نظر إليه. لهذا لم يجد أمامه حلاً سوى أن يرفع مطرقته عالياً ليهوي بها بكل قوة على التمثال ليحطمه ثم يسقط ميتاً إلى جواره. 

وما أشبه الليلة بالبارحة. فمبدعو الذكاء الاصطناعي المنفلت أقرب إلى بيجماليون، سيأتي على كل منهم يوماً ليموت. فيما الذكاء الاصطناعي المنفلت أشبه بجالاتيا سيأتي عليه يوم ليظهر على حقيقته. ووقتها لن ينتهي مطورو الذكاء الاصطناعي وحدهم كما انتهى بيجماليون وإنما سينتهي معهم كثيرون ولن يستطيع أحد أن يعود بالعلم وقتها إلى حجمه الطبيعي. أنا بصراحة متشائم. وتشاؤمي قد يكون بعضه من طبعي لكنه أيضاً لقراءتي. فالذكاء الاصطناعي، العسكري منه على وجه الخصوص، انفلت وتحول إلى شر مطلق وليس في ذلك ذرة شك. فهو ليس مجرد ابتكار مذهل يخرجنا من عصر ليدخلنا في آخر، وإنما نقطة تحول وجودية تغير جذرياً من فهمنا لذاتنا بل ومن تعريف وجودنا أصلاً. فمنذ العصر الحجري قبل ملايين السنين وحتى العصر الخوارزمي الذي نحياه اليوم عرفت البشرية عصوراً مختلفة شهدت عبرها انتقالات هائلة من تكنولوجيا بديعة إلى أخرى أكثر إبداعاً. لكن الذكاء الاصطناعي يحقق وعداً ظل الإنسان لملايين السنين يبحث عنه، وهو اكتشاف الحلقة المفقودة التي تحوله من حيوان ناطق إلى سوبرمان مؤله. فهو، أي الذكاء الاصطناعي، أول أداة يبتكرها الإنسان (هذا الحيوان المفكر) تمتلك الدقة على تجاوز كل القدرات الإدراكية البشرية كاسرة الحدود البيولوجية والذهنية والجينية التي ظل الإنسان محبوساً فيها لملايين السنين. ولذلك فهو ينقل البشر من عالم الاستخلاف الذي خلق الله الإنسان له إلى عالم الاستخفاف الذي نهاه عنه. هذه النقلة من الاستخلاف إلى الاستخفاف تُلغي أي احتمال لوضع الذكاء الاصطناعي في حجمه الطبيعي. فالاستخفاف البشري بالاستخلاف الإلهي أنتج كوارث من بينها اليوم عبادة الذكاء الاصطناعي AI theism، التي تزيد من خروج الأمور عن السيطرة. الأمر الطبيعي الوحيد مع أي علم أن يبقى في أي وقت تحت سيطرة الإنسان. لكن مع الذكاء الاصطناعي المنفلت بات أكثر من علم يخرج وبسرعة عن السيطرة. 

والمصيبة كبيرة لأن الشركات العاملة على تطويره تسلم عمداً أو استهتاراً الأمانة كاملةً بالتدريج إلى الخوارزميات. بعضها بدأ يترك أجهزته الذكية تتخذ قرارات معقدة دون أي تدخل من المطورين البشريين. هناك أمثلة عديدة لقرارات اتخذها الذكاء الاصطناعي بنفسه. وهناك حالات طورت فيها منصات الذكاء الاصطناعي لغة تواصل سرية بينها، وبروتوكولات تشفير خاصة هي التي تعرفها.  وهناك صناعات مرعبة لأسلحة فتاكة أصبحت مستقلة عن البشر وذاتية التشغيل، وخوارزميات يسيل لها لعاب عشاق المال، وأكواد لفيروسات وغازات سامة تحرّمها الرقابة الدولية، وأنظمة تشغيل مستقلة تتصرف وكأنها حكومات شمولية مستبدة لا تترك في حياة الناس شيئاً إلا ورصدته. وهكذا يظهر الذكاء الاصطناعي على حقيقته. فكل مهندس، أو فلنقل كل بيجماليون في الهندسة الرقمية، فوجئ بأن جالاتيا التي صنعها تكتسب روحاً مستقلة عنه وإرادة قائمة بذاتها تدفعها لتتصرف كما يحلو لها. 

والحل واحد من اثنين. إما أن يحطم بيجماليون الجديد البناء الخوارزمي الذي صنعه ثم يسقط صريعاً بجانبه كما سقط بيجماليون النحات صريعاً بجانب جالاتيا، أو أن يرفع الراية ويستسلم، لكن جالاتيا وقتها ستقتله وستقتل ملايين البشر معه. نحن باختصار أمام وحش هائل لكننا معجبون بملامحه، كما أننا وصلنا إلى حالة من الجنون الخوارزمي لكننا متيمون بها. 

نظرياً قد يكون هناك أمل (لو) تم فرض مسئولية قانونية صارمة على المطورين، ولو ألغيت كافة مشروعات التوليد الذاتي والتشغيل الذاتي للذكاء الاصطناعي ليبقى زر التحكم في هذه الآلة المدمرة علانية في يد الإنسان، بجانب عشرات "اللوات" الأخرى الأخلاقية والهندسية والضريبية والقانونية. لكن هذه اللوات لا يبدو لها حظاً كبيراً حيث لا يُفرض على شركات الذكاء الاصطناعي ما يمنعها من العبث مع المستقبل. فإلى اليوم والكونجرس الأمريكي بجلالة قدره عاجز، برغم صرخات بعض أعضائه العقلاء، عن تفعيل مشروع قانون "قتل" أنظمة الذكاء الاصطناعي الخارجة عن السيطرة AI Kill Switch Act. لكن لا حياة لمن تنادي لا في أمريكا ولا غيرها. فالمصالح كبيرة والأموال مهولة والرهان على عصر ما بعد الإنسان مستمر. والصراع الدائر غير متكافئ بين تصور إنساني قديم لكنه قويم يحاول إبقاء العلم في يد الإنسان، ومشروع فوقي جديد تديره نخبة قوة عالمية باطشة ونافذة وقاسية تفضل العيش مع الخوارزميات والتطبيقات على الحياة وسط الجماعات ومع العائلات.