أصدرت وزارة الدفاع اليابانية في 4 أغسطس 2026 الكتاب الأبيض "دفاع اليابان 2026"، في ظل تصاعد التوترات الأمنية في شرق آسيا، وما تفرضه من تحديات متزايدة على أمن واستقرار اليابان، ما دفعها إلى إعادة النظر في الأسس التي حكمت سياستها الدفاعية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمع تصاعد التنافس الاستراتيجي في المنطقة، وتزايد مظاهر القوة والإكراه، لم تعد طوكيو تواجه تهديدًا منفردًا يمكن احتواؤه عبر ترتيبات دفاعية محدودة، وإنما باتت أمام بيئة أمنية تتعدد فيها مصادر التهديد وتتداخل اتجاهاتها، سواء من الصين في الجنوب والغرب، أو كوريا الشمالية وروسيا في الشمال. وتزداد صعوبة هذه البيئة مع تنامي التقارب العسكري بين بعض هذه القوى، بالتزامن مع التحولات التي فرضتها الحروب الحديثة، والتي أظهرت أهمية الصواريخ بعيدة المدى، والقدرات السيبرانية والفضائية، والأنظمة غير المأهولة، فضلًا عن ضرورة امتلاك القدرة على الاستمرار في مواجهة صراعات ممتدة.
وقد دفع ذلك اليابان إلى تجاوز تدريجي لمفهوم الدفاع التقليدي، نحو إعادة بناء قدراتها العسكرية والعملياتية، وتعزيز قدرتها على العمل عبر مجالات متعددة، وتوسيع نطاق الردع والإنذار والاستجابة. بيد أن هذا التحول يضع اليابان أمام معضلة أساسية؛ فكلما اتسع نطاق التهديدات، ازدادت الحاجة إلى قدرات عسكرية وموارد بشرية ومادية أكبر، في وقت تواجه فيه طوكيو تحديات ديموغرافية وبشرية وصناعية تحد من قدرتها على الاستجابة غير المحدودة. ومن ثم، لا تتمثل المعضلة اليابانية في كيفية مواجهة خصم بعينه، بقدر ما تتمثل في كيفية إدارة بيئة أمنية متعددة الجبهات دون أن تتجاوز متطلبات الردع حدود القدرة اليابانية. وفي نطاق ذلك، يُطرح تساؤل رئيسي: كيف تُعيد اليابان بناء استراتيجيتها العسكرية، ومدى قدرتها على التعامل مع هذه الجبهات، والمسار الذي يمكن أن تتجه إليه سياستها الدفاعية خلال المرحلة المقبلة؟.
لماذا لم تعد اليابان قادرة على الاستعداد لتهديد واحد؟
تشهد اليابان في الوقت الراهن واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيدًا، وذلك في ظل تزايد الضغوط التي يتعرض لها النظام الدولي وتراجع مستويات الاستقرار في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادى. فلا تقتصر خطورة البيئة الإقليمية المحيطة باليابان على تنامي كل تهديد على حدة، وإنما في تزامن مصادر التهديد وتداخلها جغرافيًا وتنسيقيًا، بما يحد من قدرة اليابان على تركيز مواردها العسكرية على خصم واحد أو جبهة واحدة. فعلى صعيد الجبهة الصينية، تواصل بكين توسيع إنفاقها وقدراتها العسكرية بوتيرة متسارعة، كمًا ونوعًا، بالتوازي مع تكثيف أنشطتها العسكرية والأمنية في بحر الصين الشرقي، لاسيما حول جزر سينكاكو، فضلًا عن توسيع نطاق نشاطها في المحيط الهادى. ويمثل احتمال اندلاع أزمة عسكرية حول تايوان بُعدًا إضافيًا في التهديد الصيني، في ظل قربها الجغرافي من الجزر اليابانية الجنوبية، وما قد يترتب على أي صراع حولها من تداعيات على أمن اليابان وخطوط الملاحة والإمداد في المنطقة. كما قد تجد اليابان نفسها أمام ضغوط متزامنة تتطلب تعزيز انتشارها العسكري ورفع مستويات المراقبة والاستعداد، بالتوازي مع التعامل مع التوترات القائمة في بحر الصين الشرقي، ما يضع اليابان أمام تحدٍ طويل الأمد لا يرتبط بحماية أراضيها ومياهها الإقليمية فحسب، وإنما أيضًا بالحفاظ على قدرتها على الردع والمراقبة والسيطرة على المجالين البحري والجوي في محيطها الاستراتيجي. وعلى جانب آخر، تمثل الجبهة الكورية الشمالية مصدرًا مختلفًا من التهديدات، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير وتحديث قدراتها في مجال السلاح النووي، وذلك إلى جانب توسيع ترسانتها من الصواريخ الباليستية وتكثيف عمليات إطلاقها واختبارها، ما يضيف بُعدًا صاروخيًا ونوويًا إلى البيئة الأمنية اليابانية، ويجعل من الدفاع الصاروخي والإنذار المبكر والاستجابة السريعة عناصر أساسية في حسابات الأمن القومي الياباني. وعلى صعيد موازٍ، تواصل الجبهة الروسية تعزيز أنشطتها العسكرية في المناطق المحيطة بالأراضي الشمالية لليابان، بالتزامن مع استمرار حربها في أوكرانيا، وذلك فضلًا عن تزايد أنشطة التعاون والتدريبات العسكرية المشتركة بينها وبين الصين، بما في ذلك العمليات الجوية والبحرية في المنطقة. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لليابان لكونها تضع احتمالات مواجهة ضغوط أمنية متزامنة على محاور جغرافية مختلفة، بدلًا عن التعامل مع تهديد منفرد يمكن احتواؤه بتركيز الموارد عليه.
لا تقتصر معضلة اليابان في هذا النطاق على تعدد مصادر التهديد فحسب، وإنما تمتد إلى احتمال تزامنها، بما يفرض عليها إعادة النظر في الطريقة التي توزع بها قدراتها العسكرية وبناء استعدادها العملياتي. ومن ثم، لا تتمثل المعضلة الأساسية في مواجهة تهديد منفرد، بقدر ما تكمن في إدارة موارد محدودة عبر عدة اتجاهات استراتيجية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قوة ردع كافية في كل جبهة، وهو ما يدفعها تدريجيًا إلى الانتقال من نموذج الاستعداد لسيناريو محدد إلى بناء قوة أكثر مرونة وقدرة على العمل بكفاءة في بيئة متعددة الجبهات. يضاف إلى ذلك تحدٍ آخر يتمثل في التحول في طبيعة الحرب ذاتها. فقد كشفت النزاعات المعاصرة أن التفوق العسكري لم يعد يُقاس بحجم القوات والمنصات التقليدية فحسب، وإنما بمدى القدرة على دمج الصواريخ الدقيقة، والمنظومات غير المأهولة، والحرب الإلكترونية والمعلوماتية، والذكاء الاصطناعي، وشبكات القيادة والسيطرة ضمن منظومة عملياتية واحدة، وهو ما عكسته أولويات وزارة الدفاع اليابانية في الإصدار الجديد من الكتاب الأبيض لعام 2026.
تُعد الهجمات الصاروخية الدقيقة الواسعة النطاق، جزءًا أساسيًا من أدوات فرض الضغط العسكري، وذلك باستخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بالتوازي مع تنامي أهمية الحرب الهجينة التي توظف التضليل والخداع المعلوماتي وعمليات التأثير النفسي، بما في ذلك عمليات الراية الزائفة (False Flag Operations)، والتي تهدف إلى إرباك الخصوم والتأثير في إدراكهم لطبيعة التهديد ومصدره. ولا يقتصر هذا التحول في طبيعة الحرب على تنوع أدوات الهجوم، وإنما يمتد إلى التكلفة الاقتصادية والقدرة على تعويض الخسائر، وهو ما برز في حالة الحرب الروسية – الأوكرانية، -التي تناولها الكتاب الأبيض كنموذج للحروب والصراعات الأخيرة في العالم- من خلال الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، لاسيما طائرات (FPV)، في استهداف معدات ومنشآت عسكرية قد تفوق تكلفتها تكلفة المنظومات المستخدمة لمهاجمتها، بما يعكس تغيرًا في معادلة التكلفة بين الهجوم والدفاع، الأمر الذي يشير إلى أن امتلاك منصات عسكرية متطورة ومكلفة لا يضمن –بمفرده- التفوق في ساحة المعركة، ما لم يقترن بالقدرة على حماية هذه المنظومات، وتعويض خسائرها، وإنتاج كميات كافية من البدائل منخفضة التكلفة. كما أظهرت الحروب الحديثة أن فعالية المنظومات العسكرية لا تتوقف على مستوى تطورها تقنيًا فحسب، وإنما ترتبط بسرعة اكتشاف التهديدات ومعالجة المعلومات واتخاذ القرارات والاستجابة لها، وهو ما يعزز دور الشبكات والذكاء الاصطناعي في عمليات القيادة والسيطرة والاستطلاع والاستهداف. وفي المقابل، أعادت حروب الاستنزاف الطويلة التأكيد على أهمية القدرة الصناعية واللوجيستية، لاسيما ضمان الإمدادات المستدامة من الذخائر وقطع الغيار والمعدات. وبذلك، فإن تعدد الجبهات لا يفرض على اليابان توزيع قواتها ومواردها على اتجاهات استراتيجية مختلفة فحسب، وإنما يفرض عليها أيضًا امتلاك مجموعة أكثر تنوعًا من القدرات العسكرية والتكنولوجية والصناعية، بما يجعل الاستعداد لتهديد واحد غير كافٍ لمواجهة البيئة الأمنية الراهنة.
كيف تستعد اليابان للقتال في بيئة متعددة الجبهات؟
في مواجهة البيئة الأمنية المتزايدة التعقيد بالنسبة لليابان، اتجهت طوكيو إلى تعزيز امكاناتها الدفاعية بصورة تعكس تحولًا في أولوياتها العسكرية، وذلك عن طريق رفع ميزانيتها العسكرية، والتي بلغت في عام 2025 نحو 8.47 تريليون ين، وفقًا لأساس الإنفاق السنوي الفعلي، بما يوفر موارد مالية أكبر لتنفيذ مشروعات التسلح والتطوير المخطط لها. فلم تكن تلك الزيادة مجرد توسع كمي في الإنفاق، وإنما تشير إلى محاولة لإعادة بناء قاعدة القوة الدفاعية اليابانية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات متعددة الجبهات. وتبلور ذلك في التوسع والتطوير في نظم الاستطلاع والإنذار المبكر، والاشتباك من مسافات بعيدة، إلى جانب ربط مختلف عناصر القوة العسكرية، وفي مقدمتها تطوير الصواريخ بعيدة المدى (Stand-off Missiles). بالإضافة إلى بناء مجموعة من الأقمار الاصطناعية المخصصة للاستطلاع والمراقبة، وتطوير جيل جديد من الأقمار الاصطناعية لتعزيز قدرات الاتصال العسكري ومقاومة التشويش. تكتسب هذه القدرات أهمية خاصة في سياق القتال متعدد الجبهات، حيث تتيح لطوكيو توسيع نطاق الرصد والاستهداف، وتحسين تدفق المعلومات بين القيادات والوحدات. وتقليل الاعتماد على وجود القوات في الخطوط الأمامية.
وفي سياق متصل، تُمثل قدرات الضربات بعيدة المدى أحد أبرز التحولات في الاستراتيجية الدفاعية اليابانية، حيث تعمل اليابان على نشر النسخة المطورة من صواريخ (Type-12 Surface-to-Ship Missile)، وذلك بالتوازي مع إدخال صواريخ (Tomahawk) الأمريكية، بما يعزز قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة من مسافات بعيدة، ويمنحها هامشًا أكبر للمناورة والعمل خارج نطاق بعض التهديدات المباشرة. لذا، لا تقتصر أهمية هذه القدرات على تعزيز القوة التدميرية فحسب، وإنما ترتبط بمحاولة تحقيق قدر أكبر من الردع وحرمان الخصم من حرية الحركة قبل وصول التهديد إلى الأراضي اليابانية.
وفي السياق ذاته، تعمل اليابان على تطوير نظام دفاع جوي وصاروخي متعدد الطبقات للتعامل مع اتساع نطاق التهديدات، بدءًا من الطائرات والمسيرات وصولًا إلى الصواريخ الباليستية والفرط صوتية. كما تتجه أيضًا إلى بناء سفن حربية جديدة مجهزة بنظام إيجيس (Aegis System)، إلى جانب إطلاق برنامج بحث وتطوير مشترك مع الولايات المتحدة للصاروخ الاعتراضي (Glide Phase Interceptor)، المصمم للتعامل مع المقذوفات الانزلاقية الفرط صوتية (HGVs) خلال مرحلة التحليق الانزلاقي. بالإضافة إلى إدماج المنظومات غير المأهولة في العمليات العسكرية، مع التركيز على تطوير منصات قادرة على العمل لفترات طويلة وفي بيئات عالية الخطورة، لأغراض الاستطلاع والمراقبة والدعم القتالي.
وتكتسب هذه المنظومات أهمية متزايدة لأنها تتيح توسيع نطاق الاستطلاع والمراقبة وتقليل المخاطر التي تتعرض لها القوات البشرية، ما يجعل اليابان تتحول بشكل ملحوظ في فلسفتها الدفاعية، فبدلًا من الاعتماد على منظومة دفاعية تركز على اعتراض التهديدات عند الاقتراب من أراضي الدولة؛ تسعى إلى بناء سلسلة دفاعية متكاملة تبدأ من الاكتشاف المبكر، وتنتهي بالتتبع والاعتراض بقدرات استهداف بعيدة المدى على اتجاهات عدة وبدون تكلفة مادية أو بشرية عالية، فضلًا عن توفير قدرات يمكن توزيعها على أكثر من محور في الوقت نفسه.
وبالتوازي مع ذلك، تُعيد اليابان بناء قدراتها في المجالات العملياتية الجديدة، لاسيما المجالين الفضائى والسيبراني. ففي المجال الفضائي، تعمل طوكيو على تعزيز الوعي به (Space Domain Awareness – SDA)، مع التخطيط لتأسيس جناح للعمليات الفضائية (Space Operations Wing)، ليتولى تعزيز قدرات المراقبة، بما يدعم حماية الأصول الفضائية اليابانية ويضمن استمرار خدمات الاتصالات والاستطلاع والملاحة في أوقات الأزمات. أما في المجال السيبراني، فتسعى وزارة الدفاع إلى تعزيز قدرتها على اكتشاف الهجمات الإلكترونية والتعامل معها بصورة فورية، بالتوازي مع حماية البنية التحتية الحيوية من الاختراقات والتعطيل. ويشمل ذلك تطوير سحابة موحدة وآمنة لوزارة الدفاع (MOD Cloud) لدعم عمليات القيادة والسيطرة والاستخبارات وتبادل المعلومات. وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة في بيئة متعددة الجبهات؛ لأن تعطيل شبكات الاتصالات أو أنظمة القيادة والسيطرة قد يؤدي إلى شلل في قدرات القوات اليابانية حتى في حالة بقاء المنصات والأسلحة نفسها سليمة.
وعليه، لا يتحرك بناء القوة الدفاعية اليابانية في اتجاه زيادة عدد الأسلحة، وإنما نحو إعادة صياغة طريقة إدارة الحرب نفسها. فطوكيو تعمل على دمج الصواريخ بعيدة المدى مع الدفاع الجوي والصاروخي، وربط القوات البرية والبحرية والجوية بالفضاء والقدرات السيبرانية، والاستفادة من المنظومات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في الاستطلاع واتخاذ القرار.
هل تتمكن اليابان من التعامل مع الجبهات الثلاث؟
على الرغم من التوسع المتسارع في القدرات العسكرية اليابانية، تظل قدرتها على التعامل مع بيئة أمنية متعددة الجبهات مقيدة بمجموعة من التحديات الهيكلية الداخلية، يأتي في مقدمتها العامل الديموغرافي. فشيخوخة السكان وانخفاض معدلات المواليد لا يؤثران فقط في حجم القوة العاملة المدنية، وإنما ينعكسان بصورة مباشرة على قدرة قوات الدفاع الذاتي على استقطاب الأفراد والحفاظ على حجم القوة المطلوب لتنفيذ المهام المتزايدة. حيث يبلغ معدل إجمالي إشغال الوظائف العسكرية نحو 90% فقط، أي ما يقرب من 10% عجز في عدد المجندين، في حين لم يتجاوز عدد المجندين الجدد خلال عام 2024 نحو 8 آلاف فرد، بما يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتنامية للقوات وبين قدرتها على توفير العنصر البشري اللازم. ولا تقتصر المشكلة على نقص الأفراد العسكريين فحسب، وإنما تمتد أيضًا إلى الكوادر الفنية والتكنولوجية. إذ تواجه وكالة الاستحواذ والتكنولوجيا واللوجيستيات (ATLA) صعوبات متزايدة في جذب المهندسين والباحثين والمتخصصين القادرين على إدارة برامج التسلح والتطوير التقني المتقدمة. وتزداد أهمية هذه الفجوة في ظل انتقال القوة العسكرية اليابانية نحو مجالات أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا. وفي محاولة لمعالجة تلك المعضلة، شكلت وزارة الدفاع في يوليو 2024 لجنة خبراء لتعزيز القاعدة البشرية برئاسة وزير الدولة للدفاع، والتي خلص تقريرها الصادر في أغسطس من العام نفسه إلى ثلاثة مسارات رئيسية وهي؛ رفع جاذبية الخدمة العسكرية من خلال تحسين الرواتب والبدلات وظروف العمل، وتسريع إدخال الأتمتة والمنظومات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي لتقليل الاعتماد على العمالة البشرية، إلى جانب توسيع الاستفادة من الخبرات القادمة من القطاع الخاص والمتقاعدين والكوادر المتخصصة. ويكشف ذلك عن إدراك ياباني بأن مشكلة العنصر البشري لا يمكن حلها بمجرد زيادة أعداد المجندين، وإنما تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين القوة البشرية والتكنولوجيا.
من جانب آخر، اتجهت اليابان إلى تحسين الظروف المعيشية والمهنية للمنضمين إلى قوات الدفاع الذاتي، بهدف رفع معدلات الاحتفاظ بالأفراد وزيادة جاذبية الخدمة العسكرية. وشملت إجراءات عام 2025 مراجعة شاملة لجداول رواتب العسكريين بمشاركة خبراء من خارج المؤسسة العسكرية، إلى جانب دراسة تشريعات لإقرار علاوات لتعديل مستوى المعيشة للأفراد في مواقع محددة. كما جرى رفع التعويضات الممنوحة للمجندين الجدد من فئتي الرقباء والجنود، وتخفيف بعض القيود المتعلقة بالسكن خارج الثكنات، بما يهدف إلى جعل الخدمة العسكرية أكثر توافقًا مع متطلبات الحياة المدنية.
على صعيد متوازٍ، عملت اليابان على إطالة فترة الاستفادة من الخبرات المتراكمة داخل المؤسسة العسكرية من خلال رفع سن التقاعد الإلزامي لبعض الرتب، وزيادة الحوافز الموجهة إلى المتقاعدين في سن مبكرة، وتشجيع إعادة توظيف العسكريين المتقاعدين في القطاعات المدنية. كما جرى تعزيز منظومة الاحتياط من خلال رفع البدلات وتوفير حوافز وإعانات إضافية لأفراد الاحتياط الذين يديرون أعمالًا تجارية أو يعملون لحسابهم الخاص. لذلك، تكتسب هذه الإجراءات أهمية استراتيجية تتجاوز معالجة ظروف الخدمة، لأنها تمثل محاولة لتعظيم العائد العسكري من كل فرد متاح في ظل تقلص قاعدة السكان القادرين على الالتحاق بالقوات.
من ناحية أخري، بدأت اليابان في إعادة تصميم منظومة التجنيد بما يسمح بجذب شرائح أكثر تخصصًا وتأهيلًا، وذلك لمواجهة صعوبة استقطاب الكفاءات. ففي عام 2025، استحدثت رتبة "سيرجنت مرشح كضابط" (Officer Candidate Sergeant) بهدف استقطاب أفراد يخدمون لمدة خمس سنوات قبل ترقيتهم إلى رتبة ضابط. وفي مقابل ذلك، قامت الدولة بإلغاء نظام مرشحي قوات الدفاع الذاتي التقليدي للتعيين لفترات محددة، والتي كانت تمتد لعامين أو ثلاثة أعوام في نهاية السنة المالية 2025، واستبداله في بداية السنة المالية 2026 بنظام توظيف مباشر كأفراد في قوات الدفاع الذاتي منذ بداية الخدمة. كما اتجهت قوات الدفاع البرية في 2025 إلى استحداث مسار المرشحين العامين للضباط – المتخصصين لاستقطاب أصحاب الكفاءات التقنية في مجالات متقدمة، وعلى رأسها الأمن السيبراني. لا يقتصر هذا التوجه على معالجة نقص الأعداد، وإنما يعكس تحولًا في تعريف الاحتياجات البشرية للقوات، من التركيز على العدد إلى استقطاب نوعية من الكفاءات تتناسب مع طبيعة الحرب الحديثة. بالإضافة إلى امتداد الإصلاح إلى منظومة التعليم العسكري، من خلال تحويل "المدرسة الفنية العليا لقوات الدفاع البرية" إلى مؤسسة تخضع لإدارة مشتركة للأفرع البرية والبحرية والجوية، مع تعزيز التعليم والتدريب والبحث المشترك بين القوات في أكاديمية الدفاع الوطني، لاسيما في المجالات المرتبطة بالأمن السيبراني. ويهدف هذا الاتجاه إلى تقليل الفصل التقليدي بين الأفرع وبناء كوادر أكثر قدرة على العمل ضمن مفهوم القوة المشتركة المتعددة المجالات.
لا تقف القيود أمام قدرة اليابان على خوض حرب متعددة الجبهات عند حدود العنصر البشري، وإنما تمتد إلى قدرتها على إنتاج الأسلحة والمعدات وتعويض الخسائر في حال اندلاع صراع طويل الأمد. ولذلك، تنظر وثائق الأمن القومي اليابانية إلى قاعدة التصنيع الدفاعي والابتكار التكنولوجي باعتبارهما جزءًا أساسيًا من القدرة الدفاعية للدولة، وليس مجرد قطاع اقتصادي تابع للمؤسسة العسكرية. وفي السياق ذاته، أقرت اليابان في 2023 قانون تعزيز قواعد الإنتاج والتكنولوجيا الدفاعية بهدف توفير الحوافز والتمويل المباشر للشركات، في محاولة لمعالجة عزوف بعض الشركات عن الدخول في القطاع الدفاعي وضيق حجم السوق المحلية. لذلك، خصصت الموافقات الحكومية في عام 2025 ما يقرب من 13.3 مليار ين لدعم الشركات الدفاعية الكبرى، ونحو 12.1 مليار ين للمؤسسات المتوسطة والصغيرة التي تعمل كموردين للمكونات، بما يعكس توجهًا نحو الحفاظ على سلسلة توريد دفاعية محلية قادرة على دعم التوسع العسكري. كما تعمل اليابان على تضييق الفجوة بين التكنولوجيا المدنية والعسكرية من خلال الاستفادة من الابتكارات الموجودة خارج المؤسسات الدفاعية التقليدية. ففي أكتوبر 2024، أنشأت وزارة الدفاع معهد أبحاث ابتكار العلوم والتكنولوجيا الدفاعية (DISTI) بهدف توظيف التقنيات الابتكارية في خدمة الاحتياجات الدفاعية، مع توسيع الشراكات مع الشركات الناشئة وصناديق رأس المال المغامر (Venture Capital). وتوج هذا المسار بعقد اجتماع "الابتكار الدفاعي" في أبريل 2026 لتعزيز دمج الشركات الناشئة في منظومة الابتكار الدفاعي. كما امتد التمويل البحثي لعام 2026 إلى ثلاثة مسارات رئيسية تشمل؛ تطوير تقنيات لسد الفجوة بين الابتكارات المدنية والاستخدامات العسكرية، ودعم البحوث الدفاعية الأساسية بالتعاون مع الجامعات، وتمويل البحوث الابتكارية التي تستهدف تجاوز أنماط التسلح التقليدية، ما يعكس إدراكًا يابانيًا بأن الحفاظ على القدرة العسكرية في بيئة تنافسية لا يتوقف على شراء التكنولوجيا من الخارج، وإنما يتطلب امتلاك قاعدة وطنية قادرة على الابتكار والإنتاج والتحديث وتعويض الخسائر بصورة مستدامة.
وبناءً على ذلك، تبدو قدرة اليابان على التعامل مع الجبهات الثلاث مرتبطة بمدى نجاحها في تجاوز فجوة الموارد أكثر من ارتباطها بحجم الإنفاق العسكري وحده. فمن ناحية، تمتلك اليابان موارد مالية وتكنولوجية متزايدة تمكنها من بناء قدرات متقدمة، لكنها في المقابل تواجه نقصًا ديموغرافيًا يحد من قدرتها على توفير الأفراد، كما تحتاج القاعدة الصناعية إلى التوسع والتكيف مع متطلبات الحرب طويلة الأمد. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام طوكيو يتمثل في تحويل الإنفاق العسكري المرتفع والتكنولوجيا المتقدمة إلى قدرة قتالية مستدامة؛ أي قوة تستطيع ليس فقط خوض مواجهة متعددة الجبهات، وإنما الحفاظ على فعاليتها في حال تحولت المواجهة إلى حرب طويلة ومكلفة. لذلك يُطرح تساؤل وهو؛ إلى أين تتجه اليابان؟.
إلى أين تتجه اليابان؟
تكشف الاتجاهات التي أخذتها اليابان خلال السنوات الأخيرة، وما عكسه الكتاب الأبيض للدفاع لعام 2026، أنها تتجه نحو إعادة تعريف مفهوم القوة الدفاعية بما يتلاءم مع التحول في طبيعة البيئة الأمنية المحيطة بها. فالاتجاه الياباني لم يعد يقتصر على زيادة الإنفاق الدفاعي أو امتلاك منظومات تسليحية أكثر تطورًا فحسب، وإنما يتجه نحو بناء قوة أكثر تكاملًا، واستدامة، وقدرة على العمل بصورة مستقلة نسبيًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التحالفات والشراكات الأمنية التي تمثل ركيزة أساسية في الاستراتيجية اليابانية. لذلك، من المرجح أن تواصل اليابان الانتقال من نموذج دفاعي يركز بصورة أساسية على حماية أراضي الدولة إلى نموذج القوة المتعددة المجالات، ويشير الانتقال التدريجي لقدرات المنظومة الصاروخية (Tomahawk). وتطوير قدرات الضربات بعيدة المدى إلى أن هذا التحول بدأ ينتقل من مرحلة التخطيط إلى التطبيق العملي.
وعلى جانب آخر، من المرجح أن تظل التحديات الديموغرافية ونقص الأفراد أحد أبرز محددات مسار القوة اليابانية، وهو ما سيدفعها إلى تقليل اعتمادها على التوسع الكمي في القوات، والتركيز بدلًا من ذلك على رفع الكفاءة النوعية من خلال الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والروبوتات، والأنظمة غير المأهولة، إلى جانب استقطاب الكفاءات التقنية من القطاع المدني. لذلك قد يتبلور نموذج عسكري يقوم على قوة بشرية أقل حجمًا، لكنها أكثر تخصصًا ومدعومة بقدرات تكنولوجية متقدمة.
وعلى الرغم من التوجه نحو تعزيز القدرات الذاتية، لا تبدو اليابان في طور بناء قوة مستقلة بالكامل عن الولايات المتحدة، وإنما تتجه نحو تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية داخل شبكة تحالفات وشراكات أوسع، تشمل الولايات المتحدة وأستراليا وكوريا الجنوبية والفلبين والهند وغيرها. وستسمح هذه الشبكة لليابان بتوزيع أعباء الردع والتعامل مع مصادر التهديد على أكثر من محور. وسيكون نجاح هذا التحول مرتبطًا بقدرة طوكيو على سد الفجوة بين طموحاتها الاستراتيجية وقيودها الديموغرافية والصناعية، وتحويل التطور التكنولوجي والتحالفات إلى قدرة قتالية مستدامة تمكنها من التعامل مع صراع طويل ومتعدد الجبهات، دون التخلي بالكامل عن الطابع الدفاعي الذي لطالما ميز سياستها الأمنية.
ختامًا، يمكن القول إن اليابان تقف أمام تحول جوهري في تصورها للأمن والدفاع، فرضته بيئة إقليمية تتزايد فيها مصادر التهديد. ولم يعد بإمكان اليابان الاعتماد على التفوق التكنولوجي وحده أو على التحالفات وحدها، وإنما باتت مطالبة ببناء قوة تجمع بين القدرات الذاتية المتقدمة، والاستدامة الصناعية والبشرية، والتكامل متعدد المجالات، وشبكة واسعة من التحالفات والشراكات. لا يعني ذلك أن اليابان تتجه نحو التخلي الكامل عن نهجها الدفاعي، بقدر ما يعني أنها تعمل على إعادة تعريفه بما يمنحها قدرة أكبر على الردع والاستجابة. وستظل قدرة اليابان على معالجة القيود الديموغرافية والصناعية، وتحويل التكنولوجيا والتحالفات إلى قدرة قتالية مستدامة، العامل الأهم في تحديد قدرتها على مواجهة الجبهات المتعددة والحفاظ على موقعها داخل التوازن الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادى.
المراجع
1- Defense of Japan 2026 Pamphlet, Ministry of Defense Japan, 4 Aug 2026, available at: https://www.mod.go.jp/j/press/wp/wp2026/pdf/DOJ2026_Digest_EN.pdf