شروق صابر

باحثة مشاركة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

بات التنافس بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي أحد أهم المتغيرات الرئيسية التي تفرض تداعيات مباشرة على العلاقات الثنائية بين الدولتين. ويعود ذلك في المقام الأول إلى تحوله لأحد أبرز مجالات الهيمنة التكنولوجية في الوقت الراهن. صحيح أن الولايات المتحدة لا تزال تتصدر قائمة الدول المهيمنة في هذا الصدد، إلا أن الصين تواصل تقليص الفجوة بوتيرة متسارعة. ومع أنها لم تصل بعد إلى مستوى أفضل النماذج الأمريكية، إلا أنها أصبحت المنافس الوحيد الحقيقي لواشنطن، في ظل ملاحقة نماذجها للنماذج الأمريكية الرائدة بسرعة لافتة، لاسيما مع سعيها لنشر نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. بل إن النماذج الحديثة التي طورتها شركات مثل Zhipu AI وMoonshot AI وByteDance أصبحت تنافس بصورة مباشرة النماذج الأمريكية الرائدة، سواء من حيث الأداء أو الإمكانات التقنية. ولكن لا يمكن اختزال المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، في سؤال "من يتصدر السباق؟"، فالريادة في هذا المجال تقاس بمجموعة واسعة من العوامل، كما أن اختلاف المسارات التقنية بين الشركات الأمريكية والصينية يؤكد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يشكله نموذج مهيمن، وإنما تعدد النماذج التي تتفوق كل منها في مجالات واستخدامات مختلفة.

مظاهر التحدي الصيني للهيمنة الأمريكية

 تتباين رؤى الولايات المتحدة والصين حول القيمة الاقتصادية التي يمكن أن يحققها الذكاء الاصطناعي. إذ تتبنى الولايات المتحدة نموذجًا قائمًا على الاستثمار المكثف في التقنيات التأسيسية، انطلاقًا من فرضية أن الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي فائقة القدرات سيقود إلى طفرة إنتاجية واسعة تبرر ضخ رؤوس أموال غير مسبوقة في البنية التحتية الحاسوبية والشركات الرائدة. وفي المقابل، تنطلق الصين من مقاربة أكثر براجماتية، ترتكز على تعميم تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد الحقيقي، وربطها مباشرة بقطاعات التصنيع والخدمات وسلاسل الإمداد، بما يسمح بتحقيق مكاسب إنتاجية تدريجية وقابلة للقياس في المدى القريب.[1]

وتشير البيانات الحديثة إلى أن التنافس الأمريكي–الصيني في الذكاء الاصطناعي يشهد تحولًا ملحوظًا مقارنة بما كان عليه قبل سنوات قليلة. فبعد أن كانت الشركات الأمريكية تتقدم بفارق واضح في أداء النماذج الكبرى، أصبحت المنافسة أكثر تقاربًا، ووفقًا لتقرير Stanford AI Index 2026، شهدت المنافسة بين النماذج الأمريكية والصينية تقاربًا غير مسبوق في مستويات الأداء، ففي فبراير 2025 نجح نموذج DeepSeek-R1 في معادلة أداء أفضل نموذج أمريكي آنذاك، وبحلول مارس 2026 تقلص الفارق بين أفضل نموذج لشركة Anthropic وأفضل نموذج صيني إلى 2.7% فقط. ولا يقتصر هذا التقارب على أداء النماذج وحده، إذ تمتلك الصين قاعدة بحثية ضخمة، وتسجل معدلات مرتفعة في إنتاج الأوراق العلمية وبراءات الاختراع، كما تواصل توسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل قطاعها الصناعي بوتيرة سريعة.

المصدر: Stanford University, Artificial Intelligence Index Report2026: https://hai.stanford.edu/ai-index/2026-ai-index-report

يمتد القلق الأمريكي من التقدم الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي إلى أبعاد اقتصادية واستراتيجية وأمنية. فمن زاوية السوق، تخشى واشنطن أن يؤدي الانتشار المتسارع للنماذج الصينية منخفضة التكلفة إلى تقويض النموذج التجاري الذي تعتمد عليه الشركات الأمريكية الرائدة، مثل OpenAI وAnthropic، خاصة في ظل الاستثمارات الكبيرة التي ضختها هذه الشركات في تطوير النماذج التأسيسية. وعلى المستوى الاستراتيجي، تنظر الولايات المتحدة إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ركيزة أساسية للحفاظ على تفوقها التكنولوجي العالمي، وهو ما يفسر سعيها إلى ترسيخ منظومة متكاملة تضم النماذج المتقدمة، وأشباه الموصلات، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية الحاسوبية، بما يعزز الاعتماد العالمي على التكنولوجيا الأمريكية. أما البعد الأمني، فيرتبط بتزايد المخاوف من أن يسهم الانتشار الواسع للنماذج الصينية مفتوحة المصدر في إتاحة قدرات متقدمة في مجالات البرمجة والهجمات السيبرانية لجهات معادية أو جماعات إجرامية.

1- النماذج الصينية عالية الكفاءة ومنخفضة التكلفة: أثار نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد "كيمي كاي3" الذي أطلقته الشركة الصينية الناشئة "مونشوت إيه آي" في يوليو 2026، إعجابًا واسعًا بفضل قدراته القريبة من أداء أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي الأمريكية تقدمًا، ما أثار دعوات في الولايات المتحدة إلى التحرك سريعًا لمواكبة هذا التطور، وخشي الكثيرون من أن الريادة الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي ربما تتلاشى قريبًا. ووفقًا لتقييم نشره موقع "أرتيفيشال أناليسيس" عند إطلاق النموذج، حل "كيمي كاي 3" ثالثًا على مؤشر الذكاء، محققًا 57 نقطة، بمستوى مقارب لنموذجي "كلود أوبوس 4.8" و"جي بي تي 5.5"، وإن ظل خلف "كلود فابل 5" و"جي بي تي 5.6 سول". كما تفوق على نماذج أمريكية رائدة في اختبارات لبرمجة الواجهات الأمامية، وحقق ثاني أعلى نتيجة في اختبار للعمل المعرفي طويل المدى. لكن القيمة الاستراتيجية للنموذج لا تكمن في احتلاله المركز الأول، بل في تكلفته المنخفضة. ووفق تقديرات "أكسيوس"، ينخفض بنحو 40 في المائة عن بعض النماذج الأمريكية التي ينافسها.[2] ويمكن القول إن التنافس بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي امتد ليشمل أساليب الابتكار وبناء القدرات البحثية، وهو ما أكده يانغ تشي لين، الرئيس التنفيذي لشركة Moonshot AI، حيث صرح بأن "الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام لا يعتمد فقط على التقدم التقني، وإنما يتطلب أيضًا بناء مؤسسات قادرة على الابتكار المستمر"، مما يعكس تنامي ثقة الشركات الصينية في قدرتها على منافسة نظيراتها الأمريكية.

ويحمل التقدم الذي حققته النماذج الصينية عالية الكفاءة ومنخفضة التكلفة دلالة واضحة على انتقال المنافسة من سباق الأداء التقني إلى التنافس على النفوذ التكنولوجي العالمي، حيث أصبحت عوامل مثل الانفتاح النسبي للنماذج، والقدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية، عناصر مؤثرة في ذلك. لذا أثار هذا التطور نقاشًا داخل الولايات المتحدة بشأن التنافس للسيطرة على القطاع. إذ يشعر مستثمرون في وادي السيليكون وفي وول ستريت، وكذلك مسئولون في البيت الأبيض، بالقلق من أنه إذا تمكنت الصين من بناء نماذج ذكاء اصطناعي بنفس جودة نظيرتها الأمريكية، فقد تواجه الشركات الأمريكية مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" صعوبة في الاستمرار في فرض أسعار مرتفعة لمنتجاتها.[3]

2- الروبوتات الشبيهة بالبشر.. جبهة جديدة للذكاء الاصطناعي بين قوتين عظميين: دخلت المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين مرحلة جديدة تتمثل في التنافس على تقنيات الذكاء الاصطناعي المجسد (Embodied AI)، الذي يعد الركيزة الأساسية لتطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر. ففي 28 يوليو 2026، أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية حظر "الأجهزة الروبوتية المتقدمة" الجديدة أجنبية الصنع المصنعة في الصين أو المرتبطة بشركات صينية داخل الولايات المتحدة، مبررة القرار بأن هذه الأجهزة تمثل "مخاطر غير مقبولة" على الأمن القومي الأمريكي. وتضم هذه الفئة الروبوتات الشبيهة بالبشر (Humanoids)، والأجهزة ذات الأربع أرجل (Quadrupeds)، وحتى بعض المكانس الروبوتية. يستند هذا القرار إلى الطبيعة التقنية المتطورة لهذه الروبوتات، إذ لم تعد مجرد آلات ميكانيكية تؤدي وظائف محددة، وإنما أصبحت منصات ذكية مزودة بكاميرات وميكروفونات وأجهزة استشعار متقدمة وأنظمة ملاحة واتصال دائم بالإنترنت، وتعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي لمعالجة البيانات واتخاذ القرارات بصورة ذاتية، مما يمنحها قدرة كبيرة على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات المتعلقة بالأفراد والبيئات المحيطة بها، وهو ما ترى واشنطن أنه قد يفتح المجال أمام مخاطر تتعلق بالتجسس أو نقل البيانات الحساسة إلى جهات أجنبية إذا كانت هذه الأجهزة مرتبطة بشركات خاضعة للتشريعات الصينية.

ورغم أن الاعتبارات الأمنية تمثل السبب الرئيسي للقرار، فإن توقيته وسياقه يعكسان بعدًا استراتيجيًا أوسع يرتبط باحتواء التقدم الصيني في الصناعات التكنولوجية المتقدمة. فالقرار يأتي امتدادًا لسياسة أمريكية تصاعدت خلال السنوات الأخيرة لتشديد القيود على التقنيات الصينية، بدءًا من معدات الاتصالات وشبكات الجيل الخامس، مرورًا بالطائرات المسيرة والمركبات المتصلة بالإنترنت، وصولًا إلى رقائق الذكاء الاصطناعي، قبل أن تمتد اليوم إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر باعتبارها الجيل التالي من التقنيات القادرة على دمج الذكاء الاصطناعي بالعالم المادي.[4]

يعكس هذا التحول إدراكًا أمريكيًا بأن الصين لم تعد مجرد منافس صاعد في هذا القطاع، وإنما أصبحت تمتلك موقعًا متقدمًا فيه. فقد نجحت بكين في بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل إنتاج المكونات الأساسية وسلاسل التوريد والتجميع والتطوير البرمجي، الأمر الذي منح الشركات الصينية ميزة تنافسية واضحة من حيث التكلفة وسرعة الإنتاج. وتشير التقديرات إلى أن الصين تستحوذ على نحو 85% من سلسلة القيمة العالمية للروبوتات الشبيهة بالبشر، وتضم الصين أكثر من 140 شركة تعمل في هذا القطاع، كما أن ستًا من أفضل عشر شركات ناشئة في هذا المجال، من حيث قوة براءات الاختراع، من الصين. ويبرز هذا التفوق أيضًا في الأسعار، إذ تبيع شركة "يونيتري" –الأولى عالميًا من حيث المبيعات– بعض نماذجها بأقل من 5900 دولار. في حين لا تزال شركات أمريكية، مثل "تسلا"، في المراحل الأولى من الإنتاج التجاري، بعدما شحنت 150 روبوتًا فقط من طراز "أوبتيموس" خلال عام 2025.

المصدر: لماذا تخشى واشنطن الروبوتات الصينية؟، أرقام، 29 يوليو 2026: https://shorturl.at/gukMz

يعزز هذا التوجه ما تشهده الصين من توسع متسارع في توظيف الروبوتات الشبيهة بالبشر في التطبيقات التجارية والخدمية، إذ تستعد لافتتاح أول فندق في العالم يعتمد بصورة كاملة على منظومة من الروبوتات والذكاء الاصطناعي لإدارة مختلف عملياته، حيث يعكس هذا المشروع انتقال الصين من مرحلة تطوير الروبوتات إلى مرحلة دمجها في مرافق حيوية تعتمد على التفاعل المباشر مع الأفراد وجمع البيانات بصورة مستمرة، مما يعزز المخاوف الأمريكية من انتشار الروبوتات الصينية داخل البيئات الحيوية، وهو ما يفسر إدراجها ضمن التقنيات التي باتت واشنطن تنظر إليها باعتبارها ذات أبعاد استراتيجية وأمنية، وليس مجرد منتجات تجارية.[5]

وتسعى واشنطن من خلال هذه القيود إلى إتاحة مساحة زمنية أمام الشركات الأمريكية لتطوير قدراتها الصناعية وتقليل الاعتماد على المكونات الصينية، بما ينسجم مع استراتيجية أوسع لإعادة بناء سلاسل الإمداد في الصناعات التكنولوجية الحساسة، وتجنب تكرار الاعتماد الذي شهدته الولايات المتحدة في مجالات مثل المعادن الأرضية النادرة وبطاريات المركبات الكهربائية. إلا أن هذه السياسة قد تفرض في الوقت ذاته أعباءًا اقتصادية على قطاع الروبوتات الأمريكي، إذ لا تزال العديد من الشركات الناشئة تعتمد على المكونات الصينية منخفضة التكلفة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والبحث والتطوير في المدى القريب.[6]

وقد قوبل القرار الأمريكي برفض صيني رسمي، حيث أعلنت وزارة التجارة الصينية في 30 يوليو 2026 رفضها توظيف مفهوم الأمن القومي لتبرير ما وصفته بإجراءات تمييزية تستهدف الشركات والمنتجات الصينية. واعتبرت بكين أن هذه السياسات تمثل تشويهًا لقواعد المنافسة، وممارسة للضغوط الاقتصادية أحادية الجانب، مؤكدة في الوقت نفسه أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية الحقوق والمصالح المشروعة للشركات الصينية.

3- الطاقة كأحد مقومات التفوق الصيني في الذكاء الاصطناعي: تحول تفوق الصين في البنية التحتية للطاقة إلى أداة ضغط حقيقية في قلب سباق الذكاء الاصطناعي مع واشنطن. فالأمر لم يعد محصورًا فيمن يمتلك نموذجًا أفضل، بل بمن يستطيع مد هذه المراكز العملاقة بما تحتاجه من كهرباء دون انقطاع. فالصين تمنح مراكز البيانات أولوية تلقائية في الحصول على الطاقة الكهربائية دون أي تعقيدات، ما يضمن استمرارية عملها بكفاءة. أما الولايات المتحدة فتواجه مأزقًا استراتيجيًا بفعل هشاشة شبكتها الكهربائية، ولذا، فإن أي زيادة مفاجئة في الطلب على الشبكة قد تؤدي إلى انهيار جزئي أو تعطل الخدمة، وهو تهديد مباشر لاستقرار البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة.[7]

وتشير التقارير إلى أنه في عام 2025، أضافت الصين قدرًا من القدرة الكهربائية يعادل نحو 40% من إجمالي شبكة الكهرباء الأمريكية خلال عام واحد، والكثير من هذه الزيادة جاء من مصادر الطاقة المتجددة. وفي العام الماضي وحده، كانت نحو 80% من القدرة الجديدة لتوليد الطاقة في الصين من مصادر متجددة، خصوصًا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.[8] وهو رقم هائل يتيح لها تغذية مراكز الذكاء الاصطناعي العملاقة دون أدنى قلق من انقطاع أو انحسار في الإمدادات. لكن على الرغم من أن الصين تتمتع حاليًا بتفوق في كفاءة استخدام الطاقة وتكاليفها في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أنه قد تنجح الولايات المتحدة في تجاوز العقبة إذا أحدثت طفرة في كفاءة تصميم الرقائق عبر تطوير رقائق برمجية تستهلك طاقة أقل بكثير لكل عملية حسابية لتقليل العبء على الشبكة، أو استطاعت دمج المفاعلات النووية المتقدمة سريعًا لتغذية الذكاء الاصطناعي، وقد لوحظ اتجاه شركات مثل Microsoft وAmazon لشراء الطاقة مباشرة من مفاعلات نووية قائمة أو إعادة تشغيل محطات متوقفة لتغذية مراكز البيانات بالطاقة على مدار الساعة.[9]

4- من السباق التقني إلى التنافس العسكري.. الذكاء الاصطناعي في قلب التنافس بين الولايات المتحدة والصين: امتد التنافس الأمريكي–الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة إلى المجالين العسكري والأمني، وتختلف الرؤية الصينية عن الرؤية الأمريكية في هذا الإطار، فوفقًا للرؤية الصينية يعتبر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة حجر الزاوية لدعم اتخاذ القرار، وتحديد الأهداف، بل وحتى شن ما يعرف بـ "الحرب المعرفية أو حرب الوعي". وفي إطار ذلك، يطلق الجيش الصيني على المرحلة التالية من العمليات العسكرية اسم "الحرب الذكية" (Intelligentized Warfare)، وهو إطار عمل متكامل يقوم فيه الذكاء الاصطناعي بالربط بين المستشعرات ومنصات الإطلاق، وأتمتة معالجة معلومات ساحة المعركة، وصولًا إلى استهداف عمليات صنع القرار لدى الخصم نفسه.

في المقابل، يستثمر الجيش الأمريكي كذلك بكثافة في أدوات الذكاء الاصطناعي لحروب عصر المعلومات، ولكن بمنطلقات استراتيجية مغايرة. لتحقيق ما يسمى "التفوق القراري" للقادة الميدانيين، وذلك عبر توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في كافة أفرع القوات المسلحة، وتقوم الخوارزميات بدمج المعلومات الاستخبارية من مختلف الميادين (المسيرات، المستشعرات، الأقمار الصناعية، الاعتراضات السيبرانية، وغيرها) وتقديمها في خلاصة ورؤى فورية للقادة.[10] وفي هذه المعادلة، تحتفظ الولايات المتحدة بأسبقية واضحة في تطوير النماذج المتقدمة والبنية التكنولوجية الأساسية. وفي المقابل، تراهن الصين على تسريع دمج هذه التقنيات في التطبيقات الميدانية، مستفيدة من قدرتها الإنتاجية الضخمة للتوسع في نشر الأنظمة الذاتية، كأسراب الطائرات المسيرة والروبوتات الذكية. ويعكس ذلك أن مستقبل التوازن العسكري بين القوتين سيتحدد بقدرة كل دولة على دمج الذكاء الاصطناعي في عقيدتها العسكرية وتحويله إلى أداة تمنحها سرعة أكبر في اتخاذ القرار والتعامل مع ساحات القتال المستقبلية.[11]

وقد أظهرت مراجعة أجرتها "رويترز" لأكثر من 80 ورقة بحثية وبراءة اختراع صينية أن باحثين عسكريين صينيين استخدموا مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة التي طورتها شركتا "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" الأمريكيتان لتدريب أنظمة ذكاء اصطناعي محلية تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية للصين، مما يكشف عن أبعاد استفادة مؤسسات عسكرية وأمنية في الصين من نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتقدمة لتسريع تطوير أنظمة متخصصة خاصة بها. وتظهر الوثائق استخدامًا واسعًا لتقنية تعرف باسم "تقطير النماذج"، وخلالها تستخدم مخرجات نموذج ذكاء اصطناعي متقدم لتدريب نماذج أصغر وأكثر تخصصًا، يمكن تشغيلها محليًا من دون الحاجة إلى القدرات الحاسوبية الضخمة اللازمة لبناء أنظمة متطورة من الصفر. وتشير الأبحاث إلى أن مؤسسات الدفاع الصينية تعتبر نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية الرائدة مصدرًا للرؤية التقنية ووسيلة لسد الفجوة مع المنافسين الأمريكيين.[12]

الهيمنة التقنية السوقية.. كيف تعيد الشركات تشكيل المنافسة الأمريكية–الصينية في الذكاء الاصطناعي؟

يبرز مفهوم "الهيمنة التقنية السوقية" بوصفه أحد الأبعاد الجديدة للتنافس الأمريكي–الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث يمتد التنافس إلى كيفية بناء نظام بيئي عالمي قادر على جذب المطورين والشركات والمستخدمين، من خلال بناء نماذج ليس فقط أكثر قوة، بل تقدم أفضل أداء بأقل تكلفة ممكنة، بما يمنح الدولة المنتجة لها نفوذًا يتجاوز حدودها الوطنية. لذا، قد يكون الغرب يركز على السباق الخطأ في الذكاء الاصطناعي، إذ ينشغل بأداء الرقائق ومن يمتلك النموذج الأكثر تقدمًا، بينما تتبنى الصين منظومة مختلفة قائمة على نماذج مفتوحة المصدر، رخيصة، وجيدة بما يكفي لمعظم الاستخدامات. وقد تصدر نموذج Kimi K2.6 التابع لشركة Moonshot AI الصينية استخدام النماذج على OpenRouter خلال الفترة الأخيرة، رغم أنه أقل شهرة بكثير في الغرب. كما أن Qwen التابع لـ "علي بابا" يتحول بشكل سريع إلى منظومة رئيسية للنماذج التي يمكن تشغيلها ذاتيًا. وقد تجاوز 50% من تنزيلات النماذج مفتوحة المصدر عالميًا بحلول مارس وبلغ عدد تنزيلاته نحو المليار. ويشبه ذلك الأمر مبادرة الحزام والطريق، لكن بصورة مختلفة، فبدلًا من تمويل الموانئ والسكك الحديدية ومحطات الطاقة، تستطيع الصين نشر "بنية تحتية" رقمية مفتوحة المصدر بتكلفة هامشية منخفضة جدًا، بينما تتحمل الدولة المضيفة تكاليف الخوادم والكهرباء. وقد تكون دول الجنوب العالمي أكثر تقبلًا للنماذج الصينية بسبب انخفاض التكلفة، وإمكانية التخصيص، وعدم الاعتماد على الشركات الأمريكية. وسنغافورة على سبيل المثال أعلنت أنها ستتخلى عن Llama وتبني نموذجها السيادي للذكاء الاصطناعي باستخدام Qwen.[13]

هذا الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي الصيني في دول الجنوب العالمي قد يخلق "نسخة معززة من نموذج هواوي"، بحيث تصبح هذه الدول معتمدة على بنية تحتية صينية غير متوافقة مع الأنظمة الأمريكية. فهناك اختلافًا بين منطق التنافس الذي تتبناه الحكومات ومنطق السوق الذي يحكم قرارات الشركات والمستخدمين. فالإدارة الأمريكية تنظر إلى صعود النماذج الصينية مفتوحة المصدر باعتباره تحديًا للأمن القومي والتفوق التكنولوجي الأمريكي، في حين تتعامل قطاعات واسعة من صناعة التكنولوجيا مع هذه النماذج من منظور اقتصادي بحت، يقوم على الكفاءة، وانخفاض التكلفة.

بدا ذلك جليًا في الانقسام الذي شهدته كل من الإدارة الأمريكية ووادي السيليكون، إذ دفعت بعض المؤسسات الحكومية نحو فرض قيود أو عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية بدعوى حماية الأمن القومي ومنع تسرب التكنولوجيا، في حين عارضت شركات أمريكية كبرى، مثل Microsoft وNVIDIA وMeta وPalantir، أي قيود على النماذج المفتوحة، معتبرة أن انتشارها يعزز الطلب على البنية التحتية الحاسوبية، ويحفز الابتكار، ويمنع احتكار السوق من قبل عدد محدود من الشركات.[14]

ويعكس هذا الواقع أن الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين أصبحت صراعًا متعدد المستويات، وباتت قدرة أي طرف على ترسيخ ريادته مرهونة بقدرته على جذب المطورين والشركات والمستخدمين، وتحقيق انتشار واسع لنماذجه، وبناء نظام بيئي متكامل يضمن استدامة تأثيرها في المستقبل. وإذا استطاعت النماذج الصينية أن تكون الخيار "الرخيص والجيد بما يكفي" في الأسواق الناشئة، فقد تمنح بكين نفسها نفوذًا طويل الأمد,

ختامًا، يتجاوز سباق الذكاء الاصطناعي المحتدم بين الولايات المتحدة والصين حدود المنافسة التكنولوجية التقليدية، فهو يمس جوهر النفوذ العالمي ويعيد تشكيل معادلات القوة الاقتصادية والعسكرية على حد سواء. فالتفوق لم يعد مرتبطًا فقط بمن يملك الخوارزميات الأفضل أو الرقائق الأسرع، بل بمن يستطيع تشغيل هذه الأنظمة على نطاق واسع وبتكلفة طاقة مقبولة. وتكتسب الترتيبات الجارية لعقد حوار أمريكي-صيني، بالتزامن مع القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ في سبتمبر 2026، أهمية محورية. إذ تؤكد أن استمرار التواصل بين القوتين العظميين يظل ضرورة حاكمة تمليها المصالح المشتركة، وذلك لوضع أطر لإدارة المخاطر المرتبطة بالأنظمة الذكية المتقدمة، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والأنظمة العسكرية الذاتية.


[1] Richard Gray, Hedged Bets on the U.S.-China AI Race, Center for Strategic & International Studies (CSIS), 20 January 2026: https://www.csis.org/blogs/charting-geoeconomics/hedged-bets-us-china-ai-race

[2] إيلي يوسف، قمة ترمب وشي... الذكاء الاصطناعي بين التفوق الأميركي والانتشار الصيني، الشرق الأوسط، 30 يوليو 2026: https://shorturl.at/cp0WR

[3] نموذج "كيمي كاي3" الصيني يثير قلق قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي، فرانس 24، 17 يوليو 2024: https://shorturl.at/xayGp

[4] حرب التكنولوجيا تستمر.. لماذا حظرت واشنطن الروبوتات الصينية الشبيهة بالبشر؟، الجزيرة، 1 أغسطس 2026: https://shorturl.at/VnKbI

[5] وداعا لموظفي الفنادق.. الصين تستعد لافتتاح أول فندق روبوتي بالكامل، الجزيرة، 28 يوليو 2026: https://shorturl.at/SGvXe

[6] Báo Tuổi Trẻ, US bans Chinese robots: Is it solely for 'national security'?, Vietnam.vn, 31 July 2026: https://www.vietnam.vn/en/my-cam-robot-trung-quoc-chi-vi-an-ninh-quoc-gia

[7] د. عميد خالد عبد الحميد، حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»، الشرق الأوسط، 26 أغسطس 2025:

https://shorturl.at/MQafU

[8] Soumaya Keynes, Transcript: Is China catching up with the US in AI? With Kyle Chan, Financial Times 24 Jul 2026: https://www.ft.com/content/672a64b0-e1fe-4da3-bb48-7ed3f0092cff?syn-25a6b1a6=1

[9] Sara Hsu, China’s Overlooked AI Energy Edge Over the US: Cheaper Energy, 5 February 2025: https://thediplomat.com/2025/02/chinas-overlooked-ai-energy-edge-over-the-us-cheaper-energy/

[10] عز الدين عاطف، حرب على "آلة التفكير" بين الصين وأميركا.. من يبتلع من؟، الجزيرة، 6 أغسطس 2025: https://shorturl.at/fdizg

[11] Mercy A. Kuo, The Military Dimension of the China-US AI Race, the diplomat, 29 January 2026: https://thediplomat.com/2026/01/the-military-dimension-of-the-china-us-ai-race/

[12] تقرير: عسكريون صينيون يستخدمون نماذج ذكاء اصطناعي أميركية لتطوير أنظمة دفاع، الشرق الأوسط، 31 يوليو 2026، متاح على: https://shorturl.at/acIMc

[13] Agathe Demarais, How China Is Winning the Global AI Race, foreign policy, 7 May 2026: https://foreignpolicy.com/2026/05/07/artificial-intelligence-ai-china-us-west-race-silicon-valley-global/

[14] Nick Robins-Early ,China’s tech advances are causing chaos from Silicon Valley to the White House, The Guardian, 1 Aug 2026: https://www.theguardian.com/technology/2026/aug/01/china-silicon-valley-white-house