يشهد النظام الدولي والإقليمي خلال السنوات الأخيرة مرحلة من التحولات المتسارعة والمعقدة، لم تقتصر على إعادة توزيع موازين القوة بين الدول الكبرى فحسب، وإنما امتدت لتشمل طبيعة النظام ذاته، وأنماط التفاعلات التي تحكم العلاقات الدولية والإقليمية، وحدود قدرة الدول على حماية مصالحها في بيئة استراتيجية تتسم بدرجة متزايدة من السيولة وعدم اليقين. فقد تزامنت التحولات الداخلية التي تشهدها القوى الكبرى مع تصاعد التنافس فيما بينها، وتغير أنماط توظيف عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والدبلوماسية، بما أسهم في إعادة تشكيل بنية النظام الدولي والانتقال التدريجي من نماذج الهيمنة المنفردة نحو بيئة أكثر تعددية وتنافسية.
ولا تنفصل هذه التحولات عن التغيرات التي يشهدها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، الذي يمر بدوره بمرحلة إعادة تشكل عميقة تتجاوز حدود التغير في موازين القوى التقليدية، لتشمل طبيعة الإقليم وهويته وحدود التفاعلات داخله. فقد أدى تراجع أدوار بعض القوى العربية التقليدية، وتآكل آليات العمل العربي المشترك، وتصاعد أدوار القوى الإقليمية غير العربية، إلى انتقال المنطقة من نمط إقليمي أكثر وضوحًا في هويته وتوازناته إلى حالة من "السيولة الجيوسياسية" تتداخل فيها المشاريع العربية والإيرانية والتركية والإسرائيلية، وتتقاطع معها حسابات القوى الدولية الكبرى.
وقد فرض هذا الواقع إعادة النظر في مفهوم الإقليمية ذاته؛ فلم تعد الحدود الجغرافية وحدها كافية لتفسير أنماط التفاعل في الشرق الأوسط، في ظل تنامي شبكات المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية العابرة للحدود، وتزايد ارتباط أمن الدول العربية بالتفاعلات الدولية والإقليمية الأوسع. وفي سياق ذلك، برز اتجاه متزايد نحو إعادة صياغة طبيعة النظام الإقليمي، سواء عبر طرح ترتيبات شرق أوسطية جديدة، أو من خلال توسيع أدوار القوى الإقليمية والدولية في إدارة أزمات المنطقة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام العربي، وحدود الرابطة العربية، ومدى قدرة الدول العربية على الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي في مواجهة مشاريع الهيمنة وإعادة ترتيب الإقليم.
وتزداد أهمية هذه التحولات بالنسبة إلى مصر بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي وثقلها العربي والإقليمي، وما تفرضه البيئة الاستراتيجية المحيطة بها من تحديات متشابكة تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن القومي. فالتغير في موازين القوى الدولية ينعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على البيئة الأمنية للشرق الأوسط، بينما تؤدي التحولات الإقليمية، بدورها، إلى إعادة تعريف مصادر التهديد ومجالات المصالح المصرية، سواء في المشرق العربي أو الخليج أو البحر الأحمر أو شرق أفريقيا. كما أن تراجع فاعلية بعض آليات العمل الجماعي العربي، وتصاعد نفوذ القوى الإقليمية، وتزايد حضور الفاعلين من خارج الإقليم، يفرض على القاهرة إعادة تقييم أدواتها في إدارة التفاعلات الإقليمية، بما يحقق التوازن بين حماية المصالح الوطنية والحفاظ على الدور المصري في محيطها العربي والإقليمي.
ومن ثم، فإن فهم البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها مصر لا يمكن أن يستند إلى تحليل منفصل لمستوى واحد من مستويات التفاعل، وإنما يتطلب مقاربة مترابطة تبدأ من التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وتمر بإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتنتهي بتداعيات هذه التحولات على الأمن القومي المصري ومجالات الحركة الاستراتيجية أمام الدولة المصرية. فالتغير في طبيعة القوة الدولية يعيد تشكيل البيئة الإقليمية، والتحولات الإقليمية بدورها تعيد إنتاج مصادر التهديد والفرص أمام الدول العربية، بينما تحدد قدرة الدولة الوطنية على التكيف مع هذه التحولات موقعها في موازين القوى الجديدة.
وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية كلية للتحولات الراهنة عبر ثلاثة مستويات مترابطة -اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل مداخلات ورؤى الخبراء الواردة ضمن مناقشات التقرير الاستراتيجي العربي 2025، بين مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة-؛ يتناول المستوى الأول تحولات القوى الكبرى وتأثيرها في إعادة تشكيل النظام الدولي، من خلال رصد التحولات الداخلية والخارجية التي تشهدها الولايات المتحدة والصين وروسيا، ومدى انعكاسها على طبيعة توزيع القوة والنفوذ عالميًا. وينتقل المستوى الثاني إلى تحولات النظام الإقليمي العربي والشرق أوسطي، مع التركيز على تغير موازين القوى، وتراجع أنماط القيادة التقليدية، وصعود مشاريع إقليمية متنافسة، وإعادة تعريف مفهوم الإقليمية ومستقبل النظام العربي. أما المستوى الثالث، فيتناول انعكاسات هذه التحولات على الأمن القومي المصري ومجالات الحركة الاستراتيجية للدولة المصرية، من خلال بحث طبيعة التهديدات الناشئة، وأدوات التعامل معها، وفرص بناء الشراكات والتحالفات المرنة، بما يعزز قدرة مصر على حماية مصالحها والحفاظ على دورها الإقليمي.
وتنطلق الدراسة، في هذا الإطار، من فرضية أساسية مفادها أن التحولات الدولية والإقليمية الراهنة لا تمثل مسارات منفصلة، وإنما تشكل حلقات مترابطة ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر. فكلما تغيرت طبيعة النظام الدولي وموازين القوى بين الفاعلين الكبار، انعكس ذلك على أنماط التنافس داخل الشرق الأوسط، وكلما أعيد تشكيل النظام الإقليمي، تغيرت بدورها طبيعة التحديات التي تواجه الدولة المصرية وأدوات استجابتها لها. ومن ثم، فإن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب الانتقال من منطق الاستجابة الجزئية للأزمات إلى رؤية استراتيجية أكثر شمولًا تقوم على قراءة التحولات في مستوياتها الدولية والإقليمية والوطنية، وتوظيف عناصر القوة المصرية بما يسمح بتعظيم الفرص وتقليص مصادر التهديد.
وعليه، لا تستهدف الدراسة فقط رصد مظاهر التغير في النظامين الدولي والإقليمي، وإنما تسعى إلى تفكيك العلاقة التفاعلية بين هذه التحولات، والكشف عن الكيفية التي يمكن أن تعيد بها إعادة توزيع القوة عالميًا وإقليميًا، وصياغة البيئة الاستراتيجية لمصر، وحدود قدرتها على المناورة والحركة، ومتطلبات الحفاظ على أمنها القومي ودورها الإقليمي في ظل نظام دولي أكثر تعددية، وإقليم شرق أوسطي أكثر سيولة وتنافسية.
أولًا: تحولات القوى الكبرى وتأثيرها في النظام الدولي
يمر النظام الدولي في المرحلة الراهنة بتحولات هيكلية عميقة تتجاوز حدود التنافس التقليدي بين القوى الكبرى، لتعيد تشكيل طبيعة توزيع القوة، وأنماط التفاعلات الدولية، وقواعد الحوكمة العالمية. فلم تعد التحولات الجارية انعكاسًا لتغير موازين القوى الخارجية فحسب، وإنما أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالأزمات البنيوية والتغيرات السياسية والاقتصادية والهوياتية داخل القوى الكبرى ذاتها، بما يجعل الداخل الوطني أحد أهم محددات السياسة الخارجية. وفي السياق ذاته، برزت الولايات المتحدة والصين وروسيا باعتبارهما الفواعل الرئيسية في عملية إعادة صياغة النظام الدولي، وإن كان كل منها ينطلق من مسارات وتحديات مختلفة. وانطلاقًا من أهمية هذه التحولات، تُطرح تساؤلات عدة أهمها: هل يمثل النهج الأمريكي الحالي توجهًا استراتيجيًا مستدامًا، أم أنه مجرد ظاهرة استثنائية؟، ومتي ستتحول الصين من قوة اقتصادية وتكنولوجية صاعدة إلى قطب قائد؟، وكيف ستنعكس تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية على التوازنات الجيوسياسية الدولية، ولاسيما على مكانة روسيا وأوروبا؟، وإلى أى مدى سيؤدي استمرار القطيعة الإستراتيجية بين روسيا أوروبا وتزايد اعتماد الأخيرة على حلف الناتو في إعادة تشكيل البيئة الأمنية الأوروبية؟. وانطلاقًا من ذلك، يتم تسليط الضوء على أثر التحولات الداخلية والخارجية للقوى الكبرى في إعادة تشكيل النظام الدولي، وذلك انطلاقًا من أن مستقبل هذا النظام يتحدد بدرجة متزايدة من خلال التفاعل بين الأبعاد الداخلية للقوة وأنماط توظيفها خارجيًا، بما يعزز الاتجاه نحو نظام دولي أكثر تعددية.
1- الممارسات الداخلية لإدارة ترامب وتأثيرها في مستقبل الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي
تكشف التحولات الداخلية التي تشهدها الولايات المتحدة عن تزايد تأثير الأزمات السياسية والاجتماعية والمؤسسية على قدرتها على إدارة أدوارها الخارجية والحفاظ على موقعها في النظام الدولي. وفي هذا السياق، تبرز العلاقة بين الاستقطاب الداخلي، وتوزيع الموارد، وأولويات السياسة الخارجية باعتبارها عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل الهيمنة الأمريكية وحدود قدرتها على الاستمرار في تحمل أعباء القيادة الدولية.
أ- التحولات الداخلية وإعادة تشكيل الدور الأمريكي
تُبرز الاتجاهات الاستراتيجية التي رصدها الخبراء عن تحول بنيوي في طبيعة الدولة الأمريكية، يتجاوز التغيرات السياسية العابرة ليطال جوهر النموذجين الديموقراطي والمؤسسي. وفي هذا السياق، برز اتجاه واضح نحو ما يُعرف بـ"التراجع الديمقراطي" (Democratic Backsliding)، تجسد في تزايد تغول السلطة التنفيذية وتصاعد نزاعاتها السلطوية على حساب المؤسسات الرقابية وآليات صنع القرار الجماعي. وتزامن ذلك مع تصاعد حدة الاستقطاب الأيديولوجي والاجتماعي، بما حول الولايات المتحدة من "كتلة صلبة" إلى "عدة أمريكيات" متصارعة، تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق بشأن المبادئ الأساسية للهوية الوطنية وتوجهات السياسة الخارجية. كما رصد المحللون اتجاهًا مقلقًا تتمثل في التراجع المتسارع لمستويات الثقة في المؤسسات الفيدرالية، الأمر الذي وفر بيئة مواتية لنمو التيارات الشعبوية التي تتبنى خطابًا معاديًا للنخب والدولة العميقة، وهو ما جعل القرارات الاستراتيجية الكبرى أكثر خضوعًا لمزاج جماهيري متقلب، في ظل انقسامات عرقية وطبقية حادة. ولم يعد هذا التآكل الداخلي مجرد شأن محلي، بل تحول إلى اتجاه حاكم أسهم في تقليص جاذبية النموذج القيمي لواشنطن، وأثر بصورة مباشرة في استقرار توجهاتها وسياساتها على الساحة الدولية.
ب- مرتكزات الرؤية الأمريكية الجديدة
تنطلق الإدارة الأمريكية في تحركاتها من مبدأ "أمريكا أولًا"، الذي يستهدف إعادة صياغة موازين القوى وفق اعتبارات نفعية وواقعية خالصة، تضع المصالح القومية الداخلية فوق أي التزامات مؤسسية أو قيمية على المستوى الدولي. وفي هذا الإطار، تسعى الإدارة إلى تقويض النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على القواعد والمؤسسات الدولية، واستبداله بنهج يرتكز على "القوة والمصالح الثنائية" بما يضمن فرض الهيمنة المباشرة وتحقيق مكاسب اقتصادية سريعة من خلال تبني سياسات حمائية. ومن أبرز المحددات التي تحكم هذا التوجه، هو السعي إلى التخلص من أعباء "الحروب الدائمة" والالتزامات الأمنية المكلفة تجاه الحلفاء، مع إعادة توجيه تلك الموارد لمعالجة التحديات الداخلية، وفي مقدمتها الهجرة والتضخم، بما ينسجم مع أولويات القاعدة الانتخابية الشعبوية. وإلى جانب ذلك، برزت "الولاءات الشخصية" بوصفها أحد المحددات الرئيسة في عملية صنع القرار، حيث جرى تهميش "أهل الخبرة" داخل المؤسسات البيروقراطية الراسخة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، لصالح "أهل الثقة" من الدائرة المقربة، الأمر الذي أدى إلى توظيف ملفات السياسة الخارجية باعتبارها أدوات للتعبئة الانتخابية والمقايضة السياسية الداخلية.
ج- مآلات الهيمنة الأمريكية
تسلط المخرجات الاستراتيجية لهذه الممارسات الضوء حدوث تحول جذري في طبيعة الهيمنة الأمريكية، حيث تفتقد الولايات المتحدة تدريجيًا صفة "القيادة العالمية المستقرة" لتتحول إلى "قوة عظمى متقلبة" يصعب التنبؤ بمساراتها. وقد انعكس ذلك التحول في تآكل تماسك منظومة التحالفات التقليدية، وتراجع مصداقية الالتزامات الأمنية والاستراتيجية بعيدة المدى، بما دفع الحلفاء والخصوم -على حد سواء- إلى إعادة تقييم خياراتهم الإستراتيجية والبحث عن ترتيبات بديلة خارج المظلة الأمريكية. وعلى المستوى الهيكلي، تتمثل إحدى أهم النتائج في انتهاء مرحلة "الرفاهية الاستراتيجية" التي تمتعت خلالها الولايات المتحدة لعقود بقدرة أكبر على توظيف قوتها في النظام الدولي، دون أن تشكل أزماتها الداخلية عائقًا كبيرًا أمام تحركاتها الخارجية، حيث أصبحت في الوقت الراهن أقل قدرة على إنتاج توافق داخلي متماسك يوفر الدعم اللازم لتحركاتها الخارجية، الأمر الذي قلص من فاعلية توظيف القوة الصلبة في ظل الضغوط السياسية والانتخابية الرافضة للانخراط في الحروب. كما يُرجح أن يؤدي استمرار العجز عن معالجة الأزمات البنيوية الداخلية، وفي مقدمتها التفاوت الطبقي الحاد والتشرد، إلى مزيد من التآكل في عناصر "القوة الناعمة" وجاذبية النموذج الأمريكي، بما يسرع من وتيرة التحول نحو نظام دولي أكثر سيولة وتعددية.
د- دلالات التحول الأمريكي على النظام الدولي
تكشف القراءة الاستراتيجية أن التهديد الحقيقي للمكانة الأمريكية في توازن القوى العالمي لا يرتبط بالمنافسة الخارجية مع الصين أو روسيا بقدر ارتباطه بالتحديات البنيوية التي تواجه الداخل الأمريكي. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك فائضًا كبيرًا من القوة العسكرية والاقتصادية، غير أنها تعاني -في المقابل- من عجز واضح في الإرادة السياسية والتماسك المؤسسي اللازمين لتوظيف هذه القوة بكفاءة وفاعلية. ومن هذا المنظور، لا يُعد ترامب سببًا للأزمة بقدر ما يمثل "العرض السياسي" لواقع اجتماعي مأزوم، يعكس تراجع العدالة الاجتماعية واختلال توزيع الثروة، وما ترتب على ذلك من فجوة متزايدة بين القدرات المادية للدولة وعجز نظامها السياسي عن الاستجابة للاحتياجات الأساسية للمواطنين. وقد أدى هذا الانقسام، على المستويين النخبوي والمجتمعي، إلى تحويل السياسة الخارجية من "مشروع وطني" إلى "ساحة للاستقطاب الحزبي"، الأمر الذي حد من قدرة واشنطن على قيادة النظام الدولي في مواجهة الأزمات الكبرى. وبناءً على ذلك، فإن استمرار حالة "السيولة المؤسسية" وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة تدريجيًا إلى الانتقال من موقع "القطب الأوحد المهيمن" إلى موقع قوة كبرى ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب، بعدما أصبحت قدرتها على فرض إرادتها الدولية مرهونة بتحمل تكلفة سياسية واقتصادية متزايدة، داخليًا وخارجيًا.
2- الرؤية الصينية للنظام الدولي.. ومتى تصبح الصين قطبًا قائدًا؟
يفرض الصعود الصيني المتسارع إعادة النظر في طبيعة التحولات الجارية داخل النظام الدولي، وحدود الانتقال من نظام تقوده قوة مهيمنة إلى نظام أكثر تعددية في مراكز القوة والنفوذ. ومن ثم، يرتبط مستقبل الصين كقطب قائد بمدى قدرتها على تحويل ثقلها الاقتصادي والتكنولوجي إلى نفوذ سياسي واستراتيجي مستدام، وتجاوز القيود الداخلية والخارجية التي تحد من قدرتها على الاضطلاع بأعباء القيادة الدولية.
أ- الصين وإعادة هندسة التوازنات الدولية
ترتكز الرؤية الصينية، على مرتكزات تاريخية وسيكولوجية تجعل سلوكها الدولي مختلفًا عن سلوك القوى الكبرى التقليدية. فمنذ سنوات، ترفض بكين وصف مسارها الدولي بمفهوم "الصعود" (Rising) الذي يتبناه الخطاب الغربي، وتؤسس بدلًا منه لمفهوم "النهضة العظيمة للأمة الصينية"، انطلاقًا من قناعة راسخة لدى العقل الاستراتيجي الصيني بأن ما تشهده البلاد لا يمثل صعودًا إلى مكانة جديدة، وإنما استعادة لمكانة تاريخية طبيعية فُقدت خلال ما يُعرف بـ "قرن الإذلال" الذي تعرضت له الصين على يد القوى الاستعمارية.
وانعكس هذا الإدراك على السلوك الخارجي لبكين، التي تتجنب في خطابها الرسمي توصيف نفسها بـ "القوة العظمى"، تجنبًا لاستثارة القوى المنافسة أو تحمل الأعباء السياسية والأمنية التي تفرضها هذه المكانة، مفضلة توظيف خطاب دبلوماسي أكثر تحفظًا وأقل صدامية. وفي الوقت ذاته، هناك توجهًا صينيًا نحو تحقيق "التحول القطبي الهادئ" من خلال توظيف الأدوات الجيو-اقتصادية بدلًا من الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة، وهو ما يتجسد بوضوح في مبادرة "الحزام والطريق" بوصفها آلية لإعادة تشكيل النظام الدولي عبر تعزيز شبكات الاعتماد الاقتصادي المتبادل.
كما تشير التطورات الراهنة إلى دخول التجربة الصينية مرحلة من "النضج"، بعد أن تجاوزت دور "مصنع العالم" لتتجه نحو ترسيخ مكانتها في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بالتوازي مع سعيها إلى الإسهام في صياغة قواعد دولية جديدة تعكس وزنها المتنامي في النظام الدولي.
ب- الاستراتيجية الصينية نحو القطبية
تنطلق الصين في تحركاتها الدولية من رؤية تستهدف إصلاح النظام الدولي القائم من داخله، لا تقويضه أو استبداله، باعتبارها أحد أكبر المستفيدين من منظومة العولمة وقواعد التجارة الحرة. ويقوم تصور الصين لمفهوم القطبية على ثلاثة مرتكزات رئيسة، تتمثل في بناء "عالم متعدد الأقطاب" ينهي حالة الأحادية الأمريكية، وتعزيز "ديمقراطية العلاقات الدولية" بما يتيح لدول الجنوب العالمي دورًا أكبر في عملية صنع القرار الدولي، وترسيخ مفهوم "مشروعية القوة"، والذي يستند إلى القبول والشرعية أكثر من اعتماده على الهيمنة العسكرية المباشرة. وفي سبيل تحقيق هذه الرؤية، طرحت بكين خمس مبادرات عالمية مترابطة تتمثل في: التنمية، والأمن، والحضارة، والحوكمة، والحزام والطريق، باعتبارها إطارًا متكاملًا لتقديم نموذج دولي بديل للنموذج الغربي الذي تنظر إليه بوصفه أحد أسباب الاضطرابات الدولية. ومع ذلك، يظل الحفاظ على وضعية "المنتفع المجاني" أحد أهم المحددات الحاكمة للسلوك الصيني، حيث تسعى بكين إلى جني مكاسب القوى العظمى دون تحمل الأعباء الأمنية المترتبة عليها، مثل إدارة الأمن العالمي أو حماية حرية الملاحة في بؤر التوتر، وفي مقدمتها مضيق هرمز، مفضلة استمرار الولايات المتحدة في أداء دور "حامي النظام"، بينما تواصل هي توسيع نفوذها الاقتصادي.
ج- معوقات التحول إلى قطب قائد
أشار الخبراء إلى أن صعود الصين لا يزال يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية التي قد تحد من تحولها إلى قطب قائد شامل خلال المدى المنظور. فعلى المستوى الداخلي، تبرز معضلة "الشيخوخة الديموغرافية"، في ظل تراجع معدلات المواليد وارتفاع تكاليف المعيشة، بما ينعكس سلبًا على مستويات الطلب المحلي.أما اقتصاديًا، فقد أدى تباطؤ معدلات النمو من (10%) إلى (5%) في الفترة من (2010 – 2025)، إلى جانب تفاقم أزمة ديون القطاع العقاري واستمرار مظاهر الفساد في الإدارات المحلية، إلى تراجع الديناميكية الاقتصادية التي اتسمت بها الصين خلال العقد الماضي. وعلى الصعيد الجيوسياسي، لا يزال المشروع الصيني يفتقر إلى مقومات "الريادة الأمنية" وإلى القدرة على بناء جاذبية عالمية مماثلة للنموذج الأمريكي، في ظل غياب "حلم صيني" يمتلك التأثير الثقافي والإعلامي ذاته الذي يمثله "الحلم الأمريكي"، وهو ما يعكس استمرار الفجوة في أدوات القوة الناعمة. كما أن الصين تمارس في الوقت الراهن نمطًا من "القطبية الوظيفية"، فهي تتحرك داخل النظام الدولي من خلال مؤسسات بريتون وودز، وفي الوقت ذاته تعمل على بناء مسارات موازية عبر مؤسسات مثل بنك الاستثمار الآسيوي ومجموعة البريكس، غير أنها لا تزال غير قادرة على فك ارتباطها الكامل بالولايات المتحدة، في ظل حجم التشابك الاقتصادي القائم بين الطرفين وارتفاع تكلفة الانفصال الكامل.
د- مستقبل الدور الصيني في النظام الدولي
فنتيجة لأراء الخبراء، تُعد الصين في الوقت الراهن "قوة عظمى بملفات غير مكتملة"؛ فهي تمتلك قدرات متقدمة في المجال الجيو-اقتصادي، لكنها لا تزال تتبنى نهجًا متحفظًا في المجال الأمني، كما تفتقر إلى الشرعية التي تؤهلها للقيام بدور "الحليف الموثوق" في التهديدات الوجودية. وفي الوقت ذاته، تواجه الرؤية الصينية تحديًا يتمثل في "المزاحمة التنموية"، إذ أصبح صعودها الاقتصادي يمثل مصدر منافسة مباشرة للعديد من دول الجنوب العالمي التي تسعى إلى قيادتها، من خلال منافسة صناعاتها الوطنية وقدراتها الإنتاجية. كما تدير بكين مشروعها الصاعد بدرجة عالية من الحذر، تجنبًا للوقوع في "فخ ثيوسيديديس" أو الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما يفسر تركيزها على أولوياتها الجيوسياسية في شرق آسيا وشمال شرقها، وعلى رأسها قضية تايوان، مقابل استمرار تراجع أهمية الشرق الأوسط في أولوياتها الاستراتيجية، بوصفه ساحة للمقايضات والمصالح الاقتصادية أكثر من كونه مجالًا للتدخل المباشر. وبناءً على ذلك، لا تسعى الصين إلى "وراثة" الموقع الأمريكي في قيادة النظام الدولي، بقدر ما تستهدف بناء نظام "قطبي متوازي" تتقاسم في إطاره أدوار النفوذ الوظيفي مع القوى الكبرى الأخرى. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بقدرتها على تجاوز الضغوط الأمريكية المتزايدة، ولاسيما في المجال التكنولوجي، بما يسمح لها باستكمال مقومات القطبية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
3- الحرب الروسية - الأوكرانية وتداعياتها على أمن أوروبا ومستقبل روسيا في النظام الدولي
تعكس الحرب الروسية –الأوكرانية تحولات مهمة في البيئة الأمنية الأوروبية وفي مكانة روسيا داخل النظام الدولي، حيث لم تقتصر آثارها على التداعيات المباشرة للصراع، بل امتدت إلى التأثير في موازين القوى والتحالفات داخل القارة. وفي هذا الإطار، يرتبط مستقبل الأمن الأوروبي ومكانة روسيا الدولية بقدرة الأطراف الفاعلة على التعامل مع التحولات العسكرية والجيوسياسية والاقتصادية التي فرضتها الحرب.
أ- البيئة الاستراتيجية للحرب
كشفت المناقشات عن تحول جوهري في طبيعة الصراعات الكبرى والقواعد الحاكمة للمواجهات العسكرية في القرن الحادي والعشرين، إذ تجاوزت الحرب الروسية-الأوكرانية فكرة الحسم العسكري السريع لتتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تراهن فيها موسكو على عامل الزمن، والتقدم الميداني التدريجي الذي لا يتجاوز في المتوسط 1% من الأراضي سنويًا، إلى جانب قدرة الاقتصاد الروسي على التكيف مع متطلبات اقتصاد الحرب. وفي المقابل، تراهن الدول الغربية على استنزاف القدرات الروسية ماديًا، وتعاظم الضغوط الداخلية الناتجة عن التكلفة البشرية والاقتصادية المتزايدة. من أبرز الاتجاهات التي أفرزها الصراع تزايد وتيرة عسكرة القارة الأوروبية، بعدما كشفت الحرب عن هشاشة البنية الأمنية الأوروبية، الأمر الذي أنهى مرحلة الحياد التاريخي لكل من فنلندا والسويد، ودفع قوى أوروبية رئيسية، وفي مقدمتها ألمانيا، إلى زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي بلغت نحو 100 مليار يورو، فضلًا عن توسيع فرنسا لاستثماراتها في مجالات البحث والتطوير العسكري، بما عزز اعتماد القارة بصورة أكبر على مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والقيادة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، برز البعد الهوياتي والحضاري باعتباره أحد المحركات الرئيسية للصراع، إذ تنظر النخبة الروسية إلى الحرب باعتبارها مواجهة وجودية وحضارية للدفاع عن القيم المحافظة وهوية "روما الثالثة" في مواجهة ما تصفه بـ "الليبرالية الغربية العدوانية"، وهو ما يجعل فرص الوصول إلى تسويات سياسية تقليدية أكثر تعقيدًا. كما كشفت الحرب عن تراجع فاعلية الردع النووي في حسم النزاعات التقليدية، مقابل تصاعد أهمية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة، التي منحت القوى الأقل في القدرات إمكانيات أكبر لتحقيق قدر من التكافؤ الميداني وردع القوى الكبرى، الأمر الذي أعاد صياغة مفهوم القوة العسكرية في البيئة الدولية المعاصرة.
ب- أهداف الحرب وإشكالياتها
تعكس أهداف الأطراف المنخرطة في الصراع مصالح استراتيجية مختلفة، أسهمت في إعادة تشكيل توازنات القوى الدولية. فمن الجانب الروسي، يتمثل الهدف الاستراتيجي في تجاوز سياسة الاحتواء الغربي المستمرة منذ نهاية الحرب الباردة، وفرض منطقة عازلة ومحايدة في أوكرانيا بما يضمن أمنها القومي والحفاظ على عمقها الجيوسياسي، بالتوازي مع الدفع نحو ترسيخ نظام دولي متعدد الأقطاب وإنهاء مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية. أما على الجانب الأوروبي، فيتمثل الهدف الأساسي في الحفاظ على تماسك الاتحاد الأوروبي في ظل تنامي نفوذ التيارات اليمينية الشعبوية المتعاطفة مع موسكو، إلى جانب زيادة الإنفاق الدفاعي استجابة للضغوط الأمريكية، رغم التحديات الاقتصادية التي تواجهها القارة. في المقابل، تستهدف الولايات المتحدة وحلف الناتو استنزاف القدرات الروسية عسكريًا واقتصاديًا، وإعادة تنشيط الحلف بعد مرحلة وصفت بـ "الموت السريري"، فضلًا عن تحقيق الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية من خلال تعويض واردات الغاز الروسي، وزيادة صادرات السلاح إلى أوروبا، بما يعزز استمرار الارتباط الاستراتيجي الأوروبي بالولايات المتحدة، ويحد في الوقت ذاته من المكانة الدولية لروسيا.
ج- الحرب وإعادة تشكيل البيئة الأمنية الأوروبية
أنتجت الحرب مجموعة من النتائج الهيكلية التي أعادت تشكيل البيئة الأمنية الأوروبية وموقع روسيا في النظام الدولي. فقد تمثلت أبرز الخسائر الاستراتيجية الروسية في أن الحرب أفضت إلى نتائج عكسية لأهدافها الأصلية، وذلك بعدما تحول بحر البلطيق إلى ما يشبه "بحيرة للناتو"، بجانب تسارع الحلف إلى عسكرة الجبهة الشرقية، وهو ما يعكس الأخفاق الروسي في تحقيق الهدف المتمثل في منع توسع الحلف شرقًا. وعلى المستوى الجيوسياسي، أدى تركيز موسكو لمواردها العسكرية على الجبهة الأوكرانية إلى تراجع حضورها في مناطق أخرى، ولاسيما الشرق الأوسط وأفريقيا، بالتزامن مع انحسار دور مجموعة "فاجنر"، الأمر الذي أوجد فراغًا استغلته بعض التنظيمات الإرهابية، خاصة في منطقة الساحل الأفريقي. وعلى الصعيد الاقتصادي، فقد أدت الحرب إلى قطيعة شبه كاملة مع سوق الطاقة الأوروبية، وهو ما دفع روسيا إلى إعادة توجيه علاقاتها الاقتصادية نحو آسيا ودول الجنوب العالمي، مع تنامي مستويات الاعتماد على الصين، بما عزز من مظاهر التبعية الاستراتيجية لها. كما فرضت الحرب أعباء داخلية متزايدة، تمثلت في تجميد نحو 350 مليار دولار من الأصول الروسية، وارتفاع معدلات التضخم إلى نحو 9%، وتزايد معدلات الجريمة بين الجنود العائدين من الجبهات، إلى جانب تشديد القيود السياسية تحت مظلة مكافحة "العملاء الأجانب.
د- الصراع الروسي – الأوكراني ومستقبل التوازنات الدولية
سلطت الرؤى الضوء على أن النظام الأمني الأوروبي دخل مرحلة من الانقسام البنيوي يصعب تجاوزها في المدى القريب، وأن روسيا ستظل قوة قارية معزولة استراتيجيًا عن محيطها الغربي لسنوات قادمة. كما ترجح المؤشرات الراهنة استمرار الصراع في إطار اتفاقيات هشة تكرس حالة "اللاحرب واللاسلم"، في ظل غياب قدرة أي من الطرفين على تحقيق انتصار حاسم أو توجيه ضربة فاصلة بالمعنى التقليدي للحروب الكبرى. وفي هذا الإطار، كشفت الحرب عن محدودية الرهان الغربي على انهيار الداخل الروسي نتيجة ارتفاع الخسائر البشرية، حيث تعكس الخبرة التاريخية الروسية قدرة كبيرة على تحمل التكلفة الإنسانية للحروب، وهو ما يقلل من واقعية هذا الرهان. وبناءً على ذلك، فإن أي مكاسب ميدانية قد تحققها موسكو ستظل محدودة من منظور استراتيجي، بعدما فقدت مكانتها كقطب موازن للنظام الدولي، وأصبحت أكثر ارتباطًا بالدائرة الجيوسياسية الصينية. ويضع هذا الواقع دول الجنوب العالمي والقوى الإقليمية الصاعدة أمام ضرورة تبني سياسات تقوم على التحوط الاستراتيجي، بما يمكنها من التعامل مع التداعيات الممتدة لهذا الصراع، سواء على مستوى سلاسل الإمداد العالمية أو توازنات القوى الدولية.
ونتيجةً لذلك، تكشف التحولات التي تشهدها القوى الكبرى أن النظام الدولي لا يمر بمرحلة انتقال عابرة في موازين القوى، وإنما إعادة تشكيل هيكلية لمفهوم القوة ذاته ولأسس إنتاج النفوذ الدولي. فقد أظهرت التجربة الأمريكية أن امتلاك القدرات العسكرية والاقتصادية لم يعد كافيًا للحفاظ على المكانة القيادية في ظل تصاعد الانقسامات الداخلية وتراجع التوافق المؤسسي، بينما يعكس النموذج الصيني سعيًا متدرجًا نحو تعظيم النفوذ الدولي عبر أدوات جيو-اقتصادية ومؤسسية، دون تحمل التكلفة الكاملة لقيادة النظام العالمي. وفي المقابل، أفضت الحرب الروسية-الأوكرانية إلى إعادة رسم البيئة الأمنية الأوروبية، وكشفت حدود فاعلية القوة العسكرية التقليدية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، بما عزز من تعقيد التوازنات الدولية وأعاد تشكيل شبكة التحالفات والاعتمادات المتبادلة. وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن النظام الدولي يتجه نحو تعددية قطبية غير مكتملة، تتوزع فيها أدوار التأثير بين عدد من القوى الكبرى، دون أن تمتلك أي منها القدرة أو الرغبة في الانفراد بإدارة النظام العالمي على غرار مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة لن تُحسم بمنطق انتقال الهيمنة من قوى إلى أخرى، بقدر ما ستتسم بتزايد أنماط المنافسة والاحتواء والمقايضة الاستراتيجية، في ظل بيئة دولية تتراجع فيها اليقينات التقليدية، وتتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية بصورة غير مسبوقة. وفي هذا السياق، تصبح قدرة الدول على إدارة أوضاعها الداخلية، وتعزيز تماسكها المؤسسي، وتطوير قواعدها التكنولوجية والاقتصادية، عاملًا لا يقل أهمية عن امتلاك أدوات القوة الصلبة في تحديد مكانتها الدولية. ومن ثم، فإن استيعاب طبيعة هذه التحولات يفرض على الدول العربية تبني سياسات تقوم على التحوط الاستراتيجي، وتنويع الشراكات الدولية، وتعزيز التكامل الإقليمي، والاستثمار في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي، بما يمكنها من التعامل بفاعلية مع بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة بين القوى الكبرى وارتفاع مستويات عدم اليقين، ويحول دون تحولها إلى مجرد ساحة للتنافس الدولي، لتصبح فاعلًا أكثر قدرة على حماية مصالحه والتأثير في التفاعلات الإقليمية والدولية[1].
ثانيًا: النظام الإقليمي: مساعي الهيمنة وصراعات الأدوار
يشهد الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تحولات بنيوية متسارعة تعكس حالة من "السيولة الاستراتيجية" التي طالت طبيعة النظام الإقليمي وتوازناته ومصادر القوة والتأثير داخله. وقد اكتسبت هذه التحولات زخمًا متزايدًا منذ اندلاع الحرب على غزة وتصاعد المواجهات الإقليمية، في ظل تراجع فاعلية الأطر التقليدية للعمل العربي المشترك، وتزايد الضغوط على الدولة الوطنية، واتساع نطاق التدخلات الإقليمية والدولية في أزمات المنطقة. ومن ثم، لم يعد الصراع في الشرق الأوسط مقتصرًا على التنافس حول النفوذ، وإنما امتد إلى صراع أعمق حول طبيعة النظام الإقليمي وهويته والقواعد التي تحكم تفاعلاته.
وتتضاعف أهمية هذه الإشكالية في ظل ما يواجهه النظام العربي من تحديات بنيوية، دفعت إلى إعادة طرح العلاقة بين "الرابطة العربية" والمشروع الشرق أوسطي، والتساؤل عما إذا كانت الشرق أوسطية تمثل بديلًا للنظام العربي، أم يمكن صياغة ترتيبات تسمح بالتعايش والتعاون بينهما.
وانطلاقًا من ذلك، يُطرح عددًا من التساؤلات الرئيسية وهي: هل يمكن التوصل إلى نظام عربي جديد يحقق تطلعات الشعوب في العيش الكريم ويصون الأمن القومي، في ظل الانقسامات والحروب واحتلال الأرض والتأزم السياسي؟، وما مستقبل النظام الإقليمي العربي الراهن وما السيناريوهات المحتملة لمساره؟، وهل يمكن بناء إطار جديد للتعاون يعترف بالتنوع ويستند إلى القواسم والمصالح المشتركة؟، وهل تمتلك القوى الفاعلة الإرادة لبناء إطار يحترم سيادة الدول ويمنع الهيمنة ويلتزم بقواعد القانون الدولي؟، وهل يمكن الحفاظ على "الرابطة العربية" في ظل الاتجاه نحو مشروع شرق أوسطي جديد؟، وأخيرًا، كيف تستطيع دول المنطقة المهددة تفادي خطر الهيمنة الإسرائيلية والتصدي لمشروع "إسرائيل الكبرى"؟.
1-النظام الإقليمي بين العروبة والشرق أوسطية
يشهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط العديد من التحولات التي أعادت طرح إشكالية هويته وحدود التفاعلات الحاكمة له، في ظل التداخل بين مقومات النظام العربي ومقتضيات الترتيبات الشرق أوسطية. ويعكس التنافس بين العروبة والشرق أوسطية صراعًا أعمق حول طبيعة النظام الإقليمي ومصادر شرعيته وتوزيع الأدوار داخله، في سياق تتغير فيه موازين القوى وتتعدد مراكز النفوذ.
أ- التأطير النظري وإشكالية "الوجود" في النظام الإقليمي
تنطلق رؤى الخبراء للنظام الإقليمي في المنطقة من ضرورة التمييز بين مستويين؛ أولهما المستوى المعياري، أي "ما نتمناه"، المرتبط بالهوية والروابط القومية، وثانيهما المستوى الوصفي، أي "ما نعيشه"، المرتبط بتفاعلات القوة والمصالح. حيث لم تعد المنطقة العربية تُدرس باعتبارها كتلة مغلقة، وإنما وفق مفهوم "الإقليمية الجديدة"، التي تسمح بتجاوز الجوار الجغرافي الصرف لصالح ترتيبات وظيفية وأمنية عابرة للحدود الثقافية.
وبناءً على ذلك، يُنظر إلى "النظام العربي" بوصفه "نظامًا فرعيًا" يقع ضمن بنية هرمية أوسع هي "نظام الشرق الأوسط"، الذي يتكون بنيويًا من الكتل الأربعة الرئيسية المتنافسة.
إن الصراع الدائر بين مفهومي "العروبة" و"الشرق أوسطية" لا يمثل مجرد نزاع حول التسمية، وإنما يعكس صراعًا على "المشروعية والقيادة". ففي حين تستند العروبة إلى المشترك اللغوي والتاريخي، تُطرح الشرق أوسطية في الأدبيات الاستراتيجية الغربية والإسرائيلية كأداة لـ"نفي العروبة" وتفتيت الهوية القومية لصالح ترتيبات وظيفية تضمن دمج إسرائيل بوصفها مركز ثقل تكنولوجيًا وأمنيًا في المنطقة. ويفرض هذا التحول تحديًا وجوديًا على "الدولة الوطنية" العربية، التي تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين الحفاظ على انتمائها القومي والانخراط في ترتيبات إقليمية تفرضها موازين القوى الراهنة.
ب- التحولات الجيوسياسية وانتقال موازين القوى
تؤكد القراءة التاريخية لمسار النظام الإقليمي أن المنطقة شهدت تحولًا دراماتيكيًا من مرحلة "دولة الارتكاز القائدة" إلى مرحلة "السيولة الجيوسياسية". فخلال عقدي الخمسينيات والستينيات، كانت مصر تمثل المركز القطبي للنظام العربي، حيث امتلكت مشروعًا قوميًّا قادرًا على إدارة الصراع والندية مع المشاريع الإقليمية الأخرى، ممثلة في إيران، وتركيا، وإسرائيل. إلا أن هذا التوازن اختل هيكليًا في مرحلة ما بعد السبعينيات، حيث أدى تراجع الأيديولوجيا القومية لصالح الاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بـ"البترودولار"، وانكفاء الدور القيادي العربي المركزي، إلى نشوء "فراغ استراتيجي" واسع.
وقد أتاح هذا الفراغ للمشاريع الإقليمية غير العربية فرصة للتمدد في الجغرافيا العربية؛ فالمشروع الإيراني نجح في بناء نفوذ عابر للحدود عبر أذرع أيديولوجية وعسكرية، بينما استثمر المشروع التركي قوته الاقتصادية والعسكرية لاستعادة دور إقليمي فاعل، في حين سعت إسرائيل إلى فرض "السلام بالقوة" عبر اتفاقات تهدف إلى تغيير ملامح الإقليم. ونتيجة لذلك، أصبح القرار السياسي في عواصم عربية مثل دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء رهينة للتجاذبات بين هذه القوى الإقليمية، في ظل غياب "مشروع عربي" موحد قادر على حماية السيادة الوطنية.
ج- عسكرة الإقليم وتآكل سيادة الدولة الوطنية
يُعد غزو الكويت عام 1990 نقطة مفصلية في تاريخ النظام الإقليمي العربي، أدت إلى "تمزيق البيئة الأمنية العربية" وشرعنة التدخل العسكري الأجنبي الكثيف، وهو ما نشهد آثاره حتى اليوم تحت مسمى "عسكرة الإقليم". فقد تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة للقواعد العسكرية الدولية والسباق نحو التسلح النوعي، مما أدى إلى تآكل مفهوم "الدولة الوطنية" وتحولها، في بعض النماذج، إلى "وحدات مأزومة" تعاني من انقسامات طائفية وعرقية.
وفي هذا السياق، جرى تحليل محاولات بناء نظم إقليمية بديلة، مثل طروحات "الناتو العربي" التي برزت في عهد إدارة ترامب، والتي كانت تهدف، في جوهرها، إلى صياغة نظام أمني إقليمي يضم إسرائيل في مواجهة إيران، بما يعني تحويل العداء من "عربي-إسرائيلي" إلى "إقليمي-إقليمي"، تتلاشى فيه الخصوصية العربية. وتعكس هذه المحاولات رغبة دولية في إعادة هندسة المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى، مستغلة حالة التشرذم العربي وضعف مؤسسات العمل المشترك، مما جعل "الأرض العربية" مسرحًا للصراعات الاستخباراتية والحروب الهجينة التي تُدار بأدوات تكنولوجية متطورة، مثل المسيرات والحروب السيبرانية.
د- المعضلات الهيكلية وأزمة الفاعلية المؤسسية
تكمن الأزمة الحقيقية للنظام العربي في "الضعف المؤسسي المزمن"؛ إذ ولدت جامعة الدول العربية كمنظمة "وظيفية بروتوكولية" تقدس سيادة الدول المطلقة على حساب الفاعلية الجماعية، مما حال دون تحويل المشترك القومي إلى قوة حقيقية على الأرض. وتشير الأرقام إلى أن التجارة البينية العربية تظل ضئيلة للغاية، إذ لا تتجاوز 14% من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية، مما يعني غياب "هوية المصالح الاقتصادية" التي تُعد الضمانة الوحيدة لاستقرار أي نظام إقليمي.
بالإضافة إلى ذلك، يواجه النظام العربي تحدي "تفتيت الهوية" عبر استدعاء ولاءات فرعية، طائفية أو عرقية أو مناطقية، مدعومة من قوى الجوار، بهدف إضعاف الرابطة القومية وتسهيل عملية الاستتباع الإقليمي. وقد فرض هذا الواقع تساؤلًا حول مصلحة دول الارتكاز، مثل مصر، في الاستمرار في نظام عربي متهالك، أم الانفتاح على نظام شرق أوسطي وظيفي يتيح الاستفادة من شراكات تكنولوجية واقتصادية مع قوى الجوار، تركيا وإيران، لمواجهة التحديات الوجودية وتأمين المصالح القومية في عالم لم يعد يعترف إلا بالاقتدار الشامل.
2-السلوك الإسرائيلي في الشرق الأوسط.. حدود القوة والهيمنة
يشهد السلوك الإسرائيلي في الشرق الأوسط تحولات متسارعة في أدوات القوة ومحددات استخدامها، بما يعكس سعيًا متزايدًا إلى توظيف التفوق العسكري والتكنولوجي في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق المصالح الإسرائيلية. وفي سياق ذلك، برزت إشكالية العلاقة بين امتلاك القوة والقدرة على تحويلها إلى هيمنة مستقرة، في ظل تعقيدات البيئة الإقليمية وتعدد مصادر التهديد والمقاومة.
أ- المقاربة الاستراتيجية لإشكالية "القوة المطلقة"
ينطلق التحليل الاستراتيجي للسلوك الإسرائيلي من فرضية أن منطقة الشرق الأوسط باتت تمثل "مختبرًا حيويًا" لاختبار حدود القوة والهيمنة؛ حيث سعت تل أبيب إلى استخدام الكثافة النيرانية المفرطة لفرض واقع جيوسياسي جديد. وتكمن الإشكالية المفاهيمية في ضرورة التمييز بين "السيطرة العسكرية" القائمة على الإكراه، وبين "الهيمنة" التي تتطلب قدرًا من القبول أو التوافق الإقليمي. ويُظهر الرصد الدقيق أن السلوك الإسرائيلي الراهن، رغم اعتماده على أحدث منظومات الأسلحة والذخائر المدعومة دوليًا، يواجه "حدودًا حتمية" حالت دون تحويل الانتصارات التكتيكية إلى إنجازات استراتيجية مستدامة.
إن الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، مثل تصفية القضية الفلسطينية أو تغيير الخرائط السياسية في دول الجوار، يعكس أزمة في "جدوى القوة المفرطة" في مواجهة كيانات وفاعلين من غير الدول، وتراجع قدرة الردع التقليدي على حسم الصراعات الوجودية. وتتشكل الرؤية الاستراتيجية هنا حول مفهوم "إسرائيل الثانية"؛ وهي الدولة التي يحكمها تحالف يميني ديني وقومي متطرف، يسعى إلى استبدال الأطر السياسية العلمانية بمرجعيات "ثيوقراطية" تعتبر القوة العسكرية أداةً لتحقيق نبوءات أيديولوجية، وليس فقط لتأمين المصالح القومية.
ب- تفكيك الأيديولوجيا وتحولات العقيدة الأمنية
1) المرجعيات الأيديولوجية والنزعة الانتقامية: يستند السلوك العسكري الإسرائيلي المعاصر إلى استحضار مكثف لـ "المرجعيات التوراتية والتلمودية" لشرعنة العنف المفرط، حيث يجري تصوير الصراعات الإقليمية باعتبارها معركة بين "الخير والشر". ويبرز في هذا السياق استخدام "سردية العماليق" لشرعنة حروب الإبادة والتهجير، حيث يتحول الجندي من مدافع عن حدود الدولة إلى منفذ لمهمة دينية تاريخية. وقد أدى هذا المنحى الأيديولوجي إلى توافق العقيدة العسكرية مع الفكر الحاخامي المتطرف، ما جعل الهوية اليهودية والتفوق الديموغرافي المحددين الأساسيين للأمن القومي، وهو ما يفسر سياسات "تطهير المكان" وتدمير مقومات الحياة البشرية في بؤر التهديد.
2) التحول من "الاحتواء" إلى "المنع المطلق: شهدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية انزياحًا جذريًا عن "ركائز بن جوريون" التقليدية، المتمثلة في الردع والإنذار والحسم، نحو استراتيجية "المنع المطلق والردع الاستباقي". فلم يعد الهدف مجرد احتواء الضرر أو تجنب التصعيد، بل السعي إلى "تقويض القدرات" بشكل كامل قبل تشكلها، وهو ما يتضح في تبني "عقيدة الركام" التي تهدف إلى تحويل مناطق التهديد إلى ركام غير قابل للحياة. ويعكس هذا التحول رغبة إسرائيل في التصرف باعتبارها "قوة جيوسياسية" مهيمنة تسعى إلى ملء الفراغ الناتج عن رغبة القوى الدولية الكبرى في تقليص وجودها العسكري المباشر في المنطقة.
3) استراتيجية "تجزئة الجوار" وإدارة الهويات الفرعية: فيما يخص المحيط الجغرافي، ينتهج السلوك الإسرائيلي استراتيجية ممنهجة لتفكيك "الدولة الوطنية" في دول الجوار، سوريا ولبنان تحديدًا، من خلال استغلال التناقضات العرقية والطائفية. ويتمثل الهدف الاستراتيجي في بناء "نظام أقاليم" أو كانتونات ضعيفة تدور في الفلك الأمني الإسرائيلي، مع التركيز على السيطرة على "الموارد الاستراتيجية"، مثل الموارد المائية في حوض نهر الليطاني وسد القرعون، بما يضمن تبعية هذه الأقاليم للدولة العبرية على المدى الطويل.
ج- المعضلات الاستراتيجية والتحديات الهيكلية: تآكل الردع والعزلة الدولية
تواجه إسرائيل معضلة "تآكل الردع" رغم التفوق التقني؛ حيث أثبتت الحروب الأخيرة أن "المنع المطلق" لم يمنع اختراق العمق الإسرائيلي، كما أن إطالة أمد الصراعات في حروب استنزاف متعددة الجبهات قد استنزفت موارد الكيان وأدت إلى انقسامات داخلية حادة بين المستويين السياسي والعسكري .وتتمثل أهم تلك التحديات في الأتي:
1) العزلة الدولية و"المقاطعة الصامتة: تعاني إسرائيل من انهيار الصورة الأخلاقية، وهو ما تُرجم إلى عزلة أكاديمية وعلمية واسعة النطاق؛ حيث توقفت برامج تعاون دولية بمليارات الدولارات، وصُنفت القوات العسكرية كـ "جيوش عار" في التقارير الأممية.
2) جدلية التبعية والتحرر من المظلة الأمريكية: تبرز محاولات إسرائيلية للتحرر من "الارتهان المطلق" للقرار الأمريكي من خلال تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية، سعيًا إلى امتلاك حرية حركة لا تتقيد بالضغوط الدبلوماسية الدولية، وهو ما يخلق تباينات تكتيكية مع واشنطن رغم التحالف الاستراتيجي العضوي.
3) المقاومة البنيوية للإقليم: يواجه الطموح الإسرائيلي للهيمنة مقاومة من "القوى المتوسطة" الصاعدة، ممثلة في مصر وتركيا وإيران، التي تسعى إلى الحفاظ على "معادلة توازن القوى" ومنع انفراد تل أبيب برسم خرائط الإقليم، مما يجعل أي محاولة لفرض "نظام إقليمي إسرائيلي" تصطدم بواقع جيوسياسي متعدد الأقطاب.
د- مستقبل الهيمنة في إقليم متمرد
يتمثل السلوك الإسرائيلي الراهن في تبني ما يمكن وصفه بـ "النسخة الثانية من المشروع الصهيوني"، وهي نسخة تتسم بالعدوانية المفرطة والافتقار إلى الرؤية السياسية بعيدة المدى. إن الانتقال من "النصر الكافي" إلى "النصر المطلق" قد أدخل الكيان في نفق مظلم من الحروب المفتوحة التي لا تحقق استقرارًا؛ فالهيمنة عسكريًا لا تعني القبول سياسيًا أو ثقافيًا. ولذلك، تخلص أهم النتائج في:
1) حدود القوة: القوة العسكرية الإسرائيلية، مهما بلغت كثافتها، عاجزة عن تصفية القضايا الوجودية، مثل القضية الفلسطينية، لأنها تفتقر إلى الحلول السياسية المقبولة، مما يحول الانتصارات العسكرية إلى أعباء استراتيجية.
2) أزمة الهيمنة: فشل مشروع "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" تحت القيادة الإسرائيلية نتيجة غياب القبول الإقليمي، وتصاعد وتيرة الرفض الشعبي والحقوقي العالمي للسياسات الاستيطانية والعنصرية.
3) تآكل "دولة المؤسسات: سيطرة اليمين المتطرف على مفاصل دولة الإحتلال أضعفت البنية الديمقراطية التقليدية وحولتها إلى أداة لتمكين "الفكر الخلاصي"، ما يجعل القرار الاستراتيجي محكومًا بنزعات انتقامية أكثر من كونه محكومًا بحسابات عقلانية للمصالح القومية.
4) الاستعداد للمواجهات المستقبلية: يظل السلوك الإسرائيلي مهددًا وجوديًا للدولة الوطنية في الإقليم، خاصة مع وجود أطروحات تحرض على الصدام مع "القوى الكبرى" في المنطقة، مثل مصر، بمجرد نضوج الظروف المواتية، ما يفرض على دول الارتكاز العربي البقاء في حالة "جاهزية دفاعية واقتدار استراتيجي" دائم لصد أطماع التمدد والهيمنة. إن الهيمنة الإسرائيلية المنشودة تظل "هيمنة مأزومة"؛ فهي تمتلك القوة لتدمير "الجوار" وتحويله إلى ركام، لكنها تفتقر إلى القوة الأخلاقية والسياسية لبناء نظام إقليمي مستقر يضمن أمنها وتفوقها خارج إطار الإكراه العسكري الصرف.
3-الحرب وتداعيات الاتفاق الأمريكي مع إيران على مستقبل أمن الخليج العربي
فرضت الحرب والمواجهات العسكرية الأخيرة تحولات جوهرية على معادلات الأمن الإقليمي، وأعادت تشكيل التفاعلات بين الولايات المتحدة وإيران وانعكاساتها على أمن الخليج العربي. وفي نطاق ذلك، تتبلور تحولات العقيدة الاستراتيجية الإيرانية، إلى جانب أزمة المظلة الأمنية الخليجية، باعتبارها محددات رئيسية لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية. كما يكتسب العراق أهمية خاصة باعتباره دولة ارتكاز وساحة للتفاعل بين القوى المتنافسة، بما يجعله أحد العوامل المؤثرة في مستقبل الأمن والاستقرار الإقليمي.
أ- التحول البنيوي في الدولة الإيرانية وبروز "الجمهورية الثالثة"
تشير المداولات الاستراتيجية إلى أن الإقليم يشهد حاليًا ولادة ما يمكن تسميته بـ "الجمهورية الثالثة" في إيران؛ وهي مرحلة تختلف جذريًا عن مرحلتي "تأسيس الدولة" و"بناء الأذرع الإقليمية" السابقتين. ويتسم هذا التحول ببروز جيل عسكري وسياسي جديد، هو نتاج خالص لتربية "الحرس الثوري"، وهو جيل أكثر تشددًا وتمسكًا بأدوات القوة الصلبة، ويمتلك رؤية استراتيجية تعتبر الصدام مع الغرب وإسرائيل قدرًا حتميًا يتطلب "الاقتدار الذاتي". ويرى التحليل أن هذا الجيل الجديد استطاع تحويل "عدم الهزيمة" في المواجهات الأخيرة إلى "انتصار استراتيجي"، ما عزز من مكانة الحرس الثوري باعتباره لاعبًا مهيمنًا على مفاصل القرار الوطني، متجاوزًا بذلك الأدوار التقليدية للمؤسسات البيروقراطية والدبلوماسية في طهران.
وعلى صعيد القدرات، أثبتت التجربة الميدانية أن الأهداف الاستراتيجية الكبرى للحرب، مثل إسقاط النظام أو التفكيك الكامل للبرنامج النووي، لم تتحقق، بل إن إيران خرجت بـ "نوهاو" (Know-how) متكامل يسمح لها بإعادة إحياء برنامجها في أي لحظة، معتمدة على دورة وقود نووي وتكنولوجيا أجهزة طرد مركزي وطنية الصنع. كما انتقلت إيران إلى مفهوم "الردع غير المتماثل" عبر سلاح المسيرات والصواريخ البالستية، التي أصبحت تُوصف بأنها "قنبلة إيران الحقيقية"، لقدرتها على شل حركة الملاحة في مضيق هرمز وضرب المنشآت الحيوية بدقة عالية وكلفة منخفضة، مما أربك الحسابات العسكرية التقليدية للقوى الكبرى.
ب- أزمة "المظلة الأمنية" والمراجعات الاستراتيجية لدول الخليج
أدت تداعيات الحرب ومخرجات "مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية" إلى حالة من "القلق الاستراتيجي" العميق لدى دول الخليج العربي؛ حيث ساد إدراك جماعي بأن المظلة الأمنية الأمريكية باتت "هشة" وغير كافية لردع التهديدات الهجينة والحروب غير المتماثلة. ويتضح ذلك التحول من خلال رصد "براجماتية" السياسة الأمريكية التي قد تضحي بهواجس الحلفاء الإقليميين في سبيل تحقيق تهدئة مؤقتة مع طهران، ما دفع العواصم الخليجية نحو مراجعة شاملة لأسس أمنها الوطني والقومي.
ويتمثل ذلك في مسارين متوازيين؛ الأول هو "تنويع الشراكات الأمنية والدفاعية" مع قوى دولية صاعدة مثل روسيا والصين، والبحث عن منظومات سلاح نوعية، مثل أنظمة الإنذار المبكر والذكاء الاصطناعي، لتعويض القصور في الحماية التقليدية. أما المسار الثاني، فهو التوجه نحو "التهدئة المباشرة" والحوار مع طهران لتجنب كلفة المواجهة الشاملة، مع التركيز على حماية منشآت الطاقة وسلاسل الإمداد التي تُعد عماد الاقتصادات الإقليمية. وبناءً على ذلك، يظهر الإقليم حاليًا في حالة "هدنة تحت الاختبار" أو "صراع منخفض الكثافة"، حيث يسعى كل طرف إلى تحصين مكاسبه دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة قد تدمر الطموحات التنموية الكبرى في المنطقة.
ج- العراق كـ ساحة لإدارة التناقضات
يحتل العراق مكانة مركزية في معادلة الصراع والتهدئة بين واشنطن وطهران؛ فهو ليس مجرد ساحة لتصفية الحسابات، بل هو "دولة ارتكاز" تمثل الرئة الاقتصادية لإيران ونقطة التوازن الجيوسياسي في المشرق العربي. وعلى جانب أخر من المتوقع أن تؤثر التهدئة الراهنة على الداخل العراقي، حيث من المحتمل أن تؤدي إلى تعزيز "التيار المعتدل" داخل النخبة الشيعية الحاكمة، ما قد يفسح المجال لاستكمال بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد بعيدًا عن ضغوط التصعيد العسكري.
ومع ذلك، تظل معضلة "السلاح المنفلت" ودور الفصائل المسلحة هي التحدي الأكبر؛ فالفصائل تمتلك ثقلًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا يجعل من الصعب تفكيكها بقرار إداري بسيط. ولكن من المتوقع أن تتحول الاستراتيجية الإيرانية من الاعتماد على الفصائل الكبرى المرصودة دوليًا إلى "خلايا صغيرة" أكثر مرونة وأقل استفزازًا للولايات المتحدة، ما يضمن بقاء النفوذ الإيراني مع تقليل كلفته السياسية. كما أن الربط بين الملفين الأمني والاقتصادي في العراق، عبر استثمارات الطاقة والربط السككي، يهدف إلى جعل العراق "حلقة وصل" إقليمية، ما يفرض على القوى العربية ضرورة التواجد الفاعل في هذا المشهد لمنع انفراد أي طرف خارجي بصياغة مستقبل الدولة العراقية.
ولذلك، يمكن القول أن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط لا تعكس مجرد إعادة توزيع للقوة بين أطراف إقليمية متنافسة، وإنما تشير إلى أزمة أعمق تتصل بطبيعة النظام الإقليمي ذاته وقواعد إنتاج التوازن داخله. فقد أدى تراجع الفاعلية العربية وتآكل قدرة الدولة الوطنية في عدد من البيئات إلى نشوء فراغ استراتيجي أتاح لقوى الجوار توسيع نفوذها، بينما كشفت التطورات الأخيرة أن التفوق العسكري، مهما بلغت كثافته، لا يكفي وحده لإنتاج هيمنة مستقرة أو حسم صراعات ذات جذور سياسية وهوياتية عميقة. وتبرز مناقشات السلوك الإسرائيلي والحالة الإيرانية مفارقة أساسية في معادلة القوة الإقليمية؛ فامتلاك أدوات متقدمة للردع والإكراه لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى ترتيبات سياسية مستدامة. وفي المقابل، أظهرت أدوات القوة غير المتماثلة قدرتها على إرباك التفوق التقليدي وإطالة أمد الصراعات، بما يجعل البيئة الإقليمية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للحسم العسكري. كما كشفت أزمة الأمن الخليجي أن الاعتماد على المظلات الخارجية، رغم أهميته، لا يمكن أن يمثل بديلًا عن بناء قدرات ذاتية قادرة على التعامل مع التحولات المفاجئة في حسابات القوى الكبرى. ومن ثم، فإن جوهر الأزمة الإقليمية يتمثل في الفجوة بين امتلاك عناصر القوة والقدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي قادر على إنتاج قواعد التوازن. ويقتضي تجاوز هذه الفجوة الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة إقليمية أكثر استقلالًا، تقوم على تعزيز الدولة الوطنية، وتطوير الاقتدار الذاتي، وتوظيف التعاون الوظيفي في الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة، إلى جانب مأسسة الحوار مع قوى الجوار. وفي هذا الإطار، تظل استعادة الدور العربي، وفي القلب منه دور مصر كدولة ارتكاز، مرتبطة بالقدرة على الانتقال من موقع المتأثر بالتحولات إلى موقع الفاعل في صياغتها؛ بما يسمح بإعادة بناء توازن إقليمي أكثر تعددية واستقرارًا، ويحد من استمرار المنطقة كساحة مفتوحة لمشروعات الهيمنة وإعادة تشكيل المجال الإقليمي[2].
ثالثًا: مصر في الإقليم.. مصر والإقليم
في ظل إقليم يشهد اضطرابات وتحولات جيوسياسية متسارعة، وتموضعات الدولة المصرية ضمن عدة مفاهيم: "الدولة القائد" و"دولة الارتكاز" و" دولة الاتزان الاستراتيجي"، وبحث قدرة مصر على تحقيق الانخراط الفعال في أزمات الإقليم دون الانزلاق إلى تورط عسكري يستنزف مواردها. في هذا السياق، تم التركيز على تحديد مرتكزات الأمن القومي المصري في ظل تراجع كافة الدوائر التقليدية، ومدى استمرار صلاحية مفهومي "الأمن القومي العربي" و"الأمن القومي الخليجي"، وتقييم تكلفة ومسئوليات دور "الدولة القائد" وإمكانية تحويله إلى مشروع مصري ذو مردود ملموس، فضلًا عن بحث موقع الأمن القومي المصري في الإدراك الخليجي، وملامح المسار الاقتصادي لما بعد "صندوق النقد"، وإمكانيات توطين الصناعة وتحويل الإنفاق الاقتصادي إلى نفوذ سياسي مستدام، وآليات مواجهة "الممانعة الإقليمية" في الملفات الحيوية، وصولًا إلى بحث طبيعة الحروب القادمة وإمكانية بناء "قوة عربية مشتركة" تقوم على تكامل المنظومات الدفاعية والذكاء الاصطناعي بدلًا من حشود المشاة التقليدية.
1-الأمن القومي المصري وتحديات التوازن في الإقليم
يتسم المشهد الجيوسياسي الراهن في منطقة الشرق الأوسط بحالة من "التغيرات الأمنية المتسارعة" وتداخل المصالح بين الفواعل من الدول ومن غير الدول، ما يفرض على صانع القرار الاستراتيجي المصري ضرورة إعادة صياغة مرتكزات الأمن القومي وفق رؤية تجمع بين الحفاظ على الثوابت التاريخية والمرونة في مواجهة التهديدات الهجينة.
أ- عقيدة "الدولة القائد" والاتزان الاستراتيجي
تتبنى الرؤية التحليلية المعاصرة للأمن القومي المصري ضرورة التمسك بمفهوم "الدولة القائد" باعتباره حتمية تاريخية وجيوسياسية للحيلولة دون انهيار الدول المركزية في المنطقة. وقد أثبتت أحداث عام 2011 وما تلاها أن الدوائر التقليدية لم تكن كافية بمفردها لتأمين سلامة الدولة المصرية، ما استوجب الانخراط في استراتيجية "الاتزان الاستراتيجي".
ولا تعني هذه الاستراتيجية الحياد السلبي أو الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، بل تقوم على "حياد إيجابي" يمنح الأولوية لدوائر الأمن القومي المباشرة، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة لإدارة الأزمات المعقدة في غزة والسودان والملف الإيراني. ويفرض دور "الدولة القائد" تكلفة سياسية واقتصادية، إلا أن البديل يتمثل في ترك الفراغ أمام مشاريع إقليمية منافسة تسعى إلى إعادة رسم خريطة النفوذ بما يضر بالمصالح الوطنية.
ب- أزمة المؤسسات الأمنية والعمل العربي المشترك
يكشف التحليل الموضوعي للواقع العربي عن فجوة هيكلية بين النصوص القانونية والواقع الفعلي في منظومة الأمن الجماعي. وتبرز اتفاقية الدفاع العربي المشترك لعام 1950 كآلية معطلة نتيجة التباينات السياسية وغياب الإرادة الجماعية الموحدة.
كما تم تسليط الضوء على تراجع دور المؤسسات التصنيعية الكبرى، مثل الهيئة العربية للتصنيع، التي كانت تمثل فرصة تاريخية للتكامل العسكري، إلا أنها واجهت "ممانعة إقليمية" من أطراف رأت في استقلال مصر التصنيعي تهديدًا لموازين القوى، أو رغبت في إضعاف تقدمها الاستراتيجي.
ولذلك يُعد إحياء فكرة "القوة العربية المشتركة" بصورتها التقليدية، القائمة على قوات المشاة والحشود البرية، بات أمرًا غير ذي جدوى في ظل التحول الذي طرأ على طبيعة الصراعات.
ج- تحولات العقيدة العسكرية في مواجهة "الحروب الهجينة"
يشهد مفهوم القوة العسكرية تحولًا جذريًا؛ إذ لم تعد "المشاة على الأرض" هي العنصر الحاسم الوحيد في ظل بروز "الحروب الهجينة" التي تدمج بين العمليات السيبرانية والضغوط الاقتصادية وحروب المعلومات.
ويكمن جوهر الصراعات القادمة في "تكامل المنظومات التقنية"، بما يشمل الدفاع الجوي المتطور، وأنظمة الرصد والإنذار المبكر، وتكنولوجيا المسيرات. وفي هذا السياق، يبرز التزام المؤسسة العسكرية المصرية بضوابط المادة (152) من الدستور، التي تمنع التورط في مغامرات قتالية هجومية خارج الحدود دون موافقة البرلمان، ما يجعل المشاركة المصرية الحالية في بعض بؤر التوتر، مثل الخليج، مشاركة "رمزية دفاعية" تهدف إلى حماية الأهداف المدنية والحيوية، دون استنزاف موارد الدولة في حروب بالوكالة.
د- عسكرة الممرات الملاحية واستنزاف الاقتصاد القومي
يمثل أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي "عنق الزجاجة" للأمن القومي والاقتصادي المصري. إلا أن عسكرة الممرات المائية واستخدامها كأدوات لكسر الإرادة الدولية من قبل فواعل من غير الدول أديا إلى تداعيات اقتصادية كارثية، حيث بلغت خسائر قطاع قناة السويس نحو 15 مليار دولار منذ عام 2023.
ويفرض التنافس الدولي المحتدم في منطقة القرن الأفريقي، وسعي بعض القوى للحصول على قواعد عسكرية، مثل الطموح الإثيوبي للوصول إلى المياه الدافئة أو الوجود الإسرائيلي في مناطق استراتيجية، تحديات وجودية تتطلب تنسيقًا أمنيًا يتجاوز الأطر التقليدية، ليشمل المبادرات الخاصة بالدول المشاطئة للبحر الأحمر، التي لا تزال تواجه ممانعات إقليمية تعطل فاعليتها.
ه- الملف الإيراني وتغير إدراك "المنافس الإقليمي"
هناك تحول في كيفية إدراك النخبة الإيرانية للدور المصري؛ فبعد أن كان الإدراك الإيراني يقوم على تصنيف الدول إما "حليفًا" أو "عدوًا"، بدأت طهران تنظر باحترام إلى الموقف المصري الذي اختار إدارة الأزمة بحسابات مستقلة.
وقد أسهم رفض مصر توسيع نطاق الحرب، وتجنبها الانخراط في اصطفاف عسكري هجومي ضد إيران، في تعزيز مكانة القاهرة كطرف إقليمي موازن قادر على التأثير في توازنات الإقليم. ومع ذلك، يظل المشروع الإيراني المعتمد على "النفوذ عبر الأذرع المسلحة" في أربع عواصم عربية يمثل عائقًا أمام التطبيع الكامل للعلاقات، نظرًا إلى تهديده المباشر لاستقرار الدول المركزية، ورفض مصر لسياسات الهيمنة الإقليمية.
و- الممانعة الإقليمية وصياغة المشروع الوطني
تُطرح قضية "الممانعة الإقليمية"، سواء من أطراف عربية أو غير عربية، التي تسعى إلى تحجيم النفوذ المصري ومنع عودته إلى مكانة "الدولة القائد". وتتجلى هذه الممانعة في تعطيل المبادرات الأمنية أو محاولة استبدال "المشروع العربي" بـ"مشروع شرق أوسطي" تقوده قوى إقليمية أخرى، تتقاطع مصالحها مع أطراف دولية للهيمنة على الموارد.
كما يتم التأكيد على أن قوة الدور المصري الخارجي ترتبط عضويًا بـ "تحصين الجبهة الداخلية"؛ فالاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية هما الركيزتان اللتان تسمحان للدولة بمواجهة الضغوط الخارجية وفرض رؤيتها الاستراتيجية.
ز- تحديات منطقة القرن الأفريقي والتوازنات الجديدة
تشهد منطقة القرن الأفريقي تحولات دراماتيكية تتمثل في بروز النزعات الانفصالية، كما في حالة أرض الصومال، والسباق التنافسي على الموانئ البحرية، وهو ما يخدم مشاريع دولية وإقليمية تهدف إلى تفتيت الدول المركزية لصالح كيانات هشة يسهل التحكم فيها.
وتُعد هذه النزعات تهديدًا مباشرًا للمصالح المصرية، خاصة في ملف الأمن المائي، حيث يتم توظيف هذه الكيانات لتعزيز الغلبة الإثيوبية، ومن ورائها شركاؤها الإقليميون. لذا من الضروري الحفاظ على المؤسسات الوطنية والجيوش النظامية في هذه الدول باعتبارها الضمانة الوحيدة لمنع تحول المنطقة إلى "حزام فوضى" يمتد من شرق أفريقيا إلى غربها.
2-الجانب الاقتصادي (ملامح الخطة الاقتصادية لما بعد صندوق النقد)
تستعرض القراءة المشهد الاقتصادي المصري في ظل أزمات مركبة، مع التركيز على مسببات الهشاشة البنيوية وتحديات الاستدامة المالية. ويتم تفكيكها وفق المحاور التالية:
أ- معضلة "الانكشاف الاقتصادي" وهشاشة المصادر الريعية
يُشخّص التحليل الاقتصادي حالة الدولة المصرية بأنها تعاني من درجة عالية من "الانكشاف" أمام الصدمات الخارجية، وهي حالة تراكمية تأثرت بالأزمة المالية العالمية، وجائحة كورونا، وصولًا إلى الحرب الروسية -الأوكرانية واضطرابات البحر الأحمر. وتكمن جذور هذه الهشاشة في الاعتماد المفرط على مصادر "ريعية" للنقد الأجنبي، حيث تشكل تحويلات العاملين بالخارج، والسياحة، وقناة السويس، والصادرات البترولية أكثر من 50% من موارد العملة الصعبة.
ويجعل هذا النمط الريعي الاقتصاد عرضة لتقلبات الجيوسياسة؛ فعلى سبيل المثال، أدت التوترات في مضيق باب المندب إلى خسائر تُقدر بنحو 15 مليار دولار في قطاع قناة السويس. كما تم التركيز على "ريع مستحدث" يتمثل في بيع الأصول والأراضي، مثل صفقة رأس الحكمة، لسد الفجوات التمويلية العاجلة، وهو ما يُعد حلًا مؤقتًا لا يعالج أصل المشكلة المرتبطة بضعف القاعدة الإنتاجية.
ب- فخ "الأموال الساخنة" واختلال الهيكل التمويلي
هناك تحول خطير في سياسة تمويل التنمية خلال العقد الأخير، حيث تم الاعتماد بشكل كثيف على "استثمارات المحافظ المالية"، أو ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة". ورغم أن هذه التدفقات وفرت سيولة سهلة خلال فترات انخفاض أسعار الفائدة العالمية، فإنها تتسم بالتقلب الشديد والحساسية للمخاطر؛ فقد شهد الاقتصاد المصري خروج 8 مليارات دولار خلال أزمة كورونا، وتدفق 20 مليارًا بعدها، ثم خروج 20 مليار دولار أخرى دفعة واحدة مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022، وهو ما كان المسبب الرئيسي لأزمة الدولار اللاحقة.
ويقترن ذلك بالارتفاع المضطرد في الدين الخارجي، الذي تضاعف أربع مرات ليصل إلى 160 مليار دولار، مع زيادة مقلقة في الاعتماد على الديون قصيرة الأجل، التي ارتفعت من 5% إلى أكثر من 20% من إجمالي الدين. ويجعل هذا الاختلال الدولة تحت ضغط مستمر لإعادة جدولة الديون وخدمتها بتكلفة مرتفعة، بما يستنزف الموارد المخصصة للاستثمار الحقيقي.
ج- العوار الهيكلي في الناتج القومي.. الاستهلاك في مواجهة الإنتاج
يوجه نقدًا جوهريًا لشكل الناتج القومي المصري؛ حيث يستحوذ الاستهلاك والإنفاق الحكومي على 83% من إجمالي الناتج، بينما لا تسهم قطاعات الاستثمار والتصدير إلا بنحو 17% فقط. ويعكس هذا التوزيع خللًا بنيويًا يجعل النمو الاقتصادي مدفوعًا بزيادة الطلب المحلي والإنفاق العام "غير المنتج" أحيانًا، بدلًا من أن يكون مدفوعًا بالقيمة المضافة والتنافسية الدولية.
كما أن التحول إلى مصاف الدول الناشئة المتقدمة يتطلب استراتيجية وطنية ترفع مساهمة الاستثمار والتصدير إلى أكثر من 50% من الناتج القومي. كما يحذر من فخ "الزراعة من أجل التصدير" نظرًا إلى محدودية الموارد المائية، ويدعو بدلًا من ذلك إلى التركيز على "التصنيع من أجل التصدير" باعتباره طريقًا رئيسيًا لتحقيق الاستقلال المالي والسياسي.
د- اقتصاد المؤسسات وضياع "تكلفة الفرصة البديلة"
من منظور اقتصاد المؤسسات، تظهر إشكالية في "عقلية إدارة الأزمات" لدى الجهاز البيروقراطي، التي تنصب غالبًا على العودة إلى "توازن ما قبل الأزمة"، دون محاولة توظيف الأزمات باعتبارها فرصًا للتحول الهيكلي.
وبالتركيز على "الفرص الضائعة" نتيجة غياب المرونة؛ مثل الفشل في استقطاب رؤوس الأموال السودانية التي نزحت إلى مراكز إقليمية أخرى، أو عدم القدرة على جذب الشركات العالمية التي تبحث عن ملاذات آمنة بعيدًا عن مناطق النزاع. ويربط التحليل هذا الفشل بغياب "مؤشرات أداء" KPIs واضحة للحكومة، وغياب المساءلة عن الفرص المهدرة، مما يؤدي إلى استمرار "النمط التقليدي" في الإدارة الاقتصادية.
ه- أزمة الطاقة وحتمية التحول الاستراتيجي
يمثل أمن الطاقة أحد أكبر التحديات التي كشفت عنها الأزمات الراهنة. وتشير الرؤى إلى أن التباطؤ في تغيير "مزيج الطاقة" جعل الاقتصاد المصري رهينة لتقلبات أسعار الوقود العالمية واختناقات سلاسل الإمداد.
فعلى الرغم من الإمكانات الكبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإن مساهمتهما الفعلية لا تزال دون الطموح، إذ تقل عن 20%، في حين كان من الممكن أن تصل إلى 50% لو تم توجيه جزء من الاستثمارات الضخمة في الأصول العقارية إلى مشروعات الطاقة النظيفة وتكنولوجيا البطاريات وتخزين الطاقة.
ويحمل هذا التأخير الدولة أعباءً تضخمية مستمرة ناتجة عن "جانب العرض"، وهو نوع من التضخم لا تستطيع السياسات النقدية، مثل رفع أسعار الفائدة، السيطرة عليه بمفردها.
و- التداعيات الاجتماعية ومفهوم "الهشاشة" المستترة
تتجاوز الأبعاد الاجتماعية المطروحة أرقام الفقر التقليدية نحو مفهوم "الهشاشة الاجتماعية" وتشير الرؤى إلى وجود كتلة ضخمة تقدر بنحو 30% من السكان تقع في "منطقة الخطر"، وهي الشريحة التي تمتلك دخلًا قد يتجاوز خط الفقر، لكنه "غير مستدام" وعرضة للانهيار أمام أي صدمة سعرية مفاجئة.
ويُعد تآكل الطبقة الوسطى، التي تمثل عصب الاستقرار، تهديدًا أمنيًا وسياسيًا؛ حيث تتحول هذه الكتلة، في حالة غياب الاستثمار في "المورد البشري" والتدريب، إلى قوة غضب كامنة نتيجة فقدان مكتسباتها الاجتماعية والمعيشية.
ز- ملامح "المشروع الوطني" ما بعد الصندوق
ضرورة حسم "المسار الاقتصادي للدولة": هل الهدف هو تمكين القطاع الخاص ليقود عملية التنمية، أم الاستمرار في نموذج تقوده الدولة عبر المشروعات القومية الكبرى؟.
وتتحدد ملامح الإصلاح المطلوب في عدد من المسارات الرئيسية:
1) إصلاح منظومة الحوكمة: تقديم الرؤية الاقتصادية الرشيدة على الاعتبارات السياسية والأمنية اللحظية عند اتخاذ القرار.
2) استدامة المالية العامة: خفض الإنفاق على المشروعات "منخفضة العائد" وطويلة الأمد، وتحويل الموارد نحو قطاعات مدرة للنقد الأجنبي بصورة مستدامة.
3) التوطين التكنولوجي: الانتقال من مجرد الاستهلاك التكنولوجي إلى توطين صناعات الطاقة والرقمنة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد.
3- السياسة الخارجية المصرية في فضاء إقليمي مضطرب
بالانتقال إلى الدوائر الحيوية الأكثر تعقيدًا في السياسة الخارجية المصرية، وهي الدائرة الأفريقية ومجال البحر الأحمر والقرن الأفريقي. حيث ينطلق التحليل من فرضية مفادها أن مصر تواجه "هندسة إقليمية جديدة" تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في هذه المناطق، ما يفرض تحولًا من استراتيجيات "إدارة الأزمات" اللحظية إلى بناء "نفوذ مستدام" يستند إلى القوة الشاملة والقدرة على تحييد الممانعات الإقليمية والدولية.
أ- عقيدة "المنصة الأفريقية" ومعضلة الديمومة الدبلوماسية
تجاوز الجفوة المفاهيمية التي فصلت مصر عن محيطها القاري لعقود، عبر تبني مفهوم "المصالح الأفريقية من المنصة المصرية". ويُنظر إلى أفريقيا باعتبارها ساحة تجمع بين التهديدات الهجينة والفرص الواعدة؛ فهي منصة للاستثمار والأسواق والكتلة التصويتية الدولية، وفي الوقت ذاته مصدر للنزاعات المائية والإرهاب عابر الحدود وموجات النزوح.
ويركز التحليل على أن التراجع النسبي في "القيمة التصويتية" لأفريقيا لصالح القضايا المصرية، مثل سد النهضة، يرجع إلى غياب "الديمومة الاستراتيجية". فبينما تنجح مصر في تحقيق زخم دبلوماسي خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي أو عبر الزيارات الرئاسية، تفتقر هذه المسارات إلى آليات المتابعة التي تحول الاتفاقات السياسية إلى "نفوذ مؤسسي" دائم، ما يترك فراغًا تستغله قوى إقليمية منافسة.
ب- عسكرة البحر الأحمر ومشاريع "تفتيت الدول الوطنية"
يشهد المجال الحيوي البحري لمصر تحولًا هيكليًا من "هامش جغرافي" إلى "مركز استراتيجي للصراع الدولي". ويشير التحليل إلى وجود مشروع "إقليمي - دولي" مشترك، يضم أطرافًا إقليمية وإسرائيل، يسعى إلى إعادة هندسة منطقة القرن الأفريقي عبر أدوات خطيرة، من أبرزها:
1) عسكرة الممرات المائية: تزايد القواعد العسكرية الأجنبية واستخدام "أمن الملاحة" أداةً للضغط السياسي وانتزاع التنازلات السيادية.
2) دعم النزعات الانفصالية: يبرز خطر الاعتراف بكيانات مثل "أرض الصومال" كمدخل لتفكيك الدول المركزية لصالح مشاريع الهيمنة الإقليمية والوصول إلى المياه الدافئة، وهو ما يخدم بالأساس الغلبة الإثيوبية والمصالح الإسرائيلية في موانئ استراتيجية مثل "بربرة".
3) عقيدة "الأمن الحصري": بالتركيز على أن أمن البحر الأحمر يجب أن يظل مسئولية حصرية للدول المشاطئة له، محذرًا من محاولات تدويل هذا الأمن أو عسكرته بما يضر بحركة الملاحة في قناة السويس، التي سجلت خسائر بلغت 15 مليار دولار نتيجة الاضطرابات الراهنة.
ج- الصراع السوداني واختبار "السيادة المؤسسية"
يمثل السودان "العمق الاستراتيجي الوجودي" لمصر، ويُعد الصراع الراهن محاولة ممنهجة لهدم "الدولة الوطنية" لصالح فواعل من غير الدول، ممثلة في الميليشيات. لذلك، يتعين فك شفرة "الداخل السوداني"، مع تقديم الموقف المصري الداعم للجيش الوطني باعتباره دعمًا للدولة وبقائها، وليس لانحياز إلى اى أطراف سياسية بعينها، لتجنب استقطابات القوى الإقليمية التي توظف الصراعات العرقية والقبلية لتفتيت السودان.
وفي هذا السياق، ركزت رؤى الخبراء على أن استخدام مصر لأدوات القوة الصلبة عبر "تدخلات نوعية منخفضة الظهور" في لحظات فارقة لحماية المؤسسات الشرعية ومنع سقوط الدولة في فوضى شاملة، مع التأكيد على أن استقرار السودان يمثل حائط الصد الأول لمنع تمدد "حزام الفوضى" من شرق أفريقيا إلى الحدود الغربية والجنوبية لمصر.
د- "حرب المعلومات" وتآكل القوة الناعمة
تبرز فجوة حادة بين حجم الإنفاق المصري التقني والإغاثي في أفريقيا وبين "العائد السياسي" المحقق، ويُعزى ذلك إلى التضليل الإعلامي الممنهج الذي تقوده أطراف إقليمية، مثل إثيوبيا، عبر غرف عمليات رقمية نشطة بسبع لغات، تهدف إلى تشويه الدور المصري وتسويقه باعتباره "دورًا استعماريًا" أو "منحازًا عرقيًا".
لم تعد "القوة الناعمة" التقليدية كافية في مواجهة "الدبلوماسية السيبرانية". فبينما توظف قوى مثل إسرائيل تكنولوجيا التجسس والأمن السيبراني لبناء علاقات مع النخب الحاكمة، تظل المساعدات المصرية في قطاعات تقليدية، مثل المزارع النموذجية، تفتقر إلى عنصري "الاستدامة" و"النفوذ التكنولوجي"، مما يستوجب تحديث أدوات القوة الناعمة المصرية لتشمل حلولًا تقنية وأمنية تمنح مصر ميزة تنافسية.
ه- الفواعل من غير الدول و"اقتصادات الفدية"
تبرز خطورة "الفواعل من غير الدول"، بما في ذلك الميليشيات وحركات الشباب والتنظيمات الإرهابية، باعتبارها أدوات للضغط بالوكالة تُستخدم لتدمير بنية الدول الوطنية من الداخل. ويغذي هذا الحزام من الفوضى ما يُعرف بـ "اقتصادات الفدية" وتهريب البشر والسلاح، حيث يتم استنزاف موارد الدول في صراعات استنزافية طويلة الأمد.
تظل احتمالية "استنساخ نموذج طالبان" في الصومال قائمة في حال تراجع دعم بعثات حفظ السلام الدولية، مما يفرض على مصر ضرورة تعزيز التعاون الاستخباري والعملياتي مع الجيوش النظامية في هذه المناطق لحماية الأمن القومي العابر للحدود.
ولذلك، فإن استعادة مصر لمكانتها باعتبارها "دولة قائد" في إقليم مضطرب تتوقف على قدرتها على تحقيق "الاتزان الاستراتيجي" عبر الانخراط الفعال في الأزمات الإقليمية، دون الانزلاق إلى تورط عسكري يستنزف الموارد الوطنية. ويظل تحصين الجبهة الداخلية اقتصاديًا واجتماعيًا الجوهر الفعلي للأمن القومي، بما يستدعي حسم المسار التنموي والانتقال من نموذج يعتمد على الاستدانة والمصادر الريعية الهشة إلى بناء هيكل إنتاجي مستدام يعزز استقلالية القرار الوطني، ويرفع قدرة الدولة على مواجهة التهديدات الهجينة. وفي الوقت ذاته، تظل حماية المجال الحيوي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي أولوية قصوى في مواجهة مشاريع "إعادة الهندسة الإقليمية" التي تستهدف تفتيت الدول المركزية وإعادة صياغة موازين القوى، وهو ما يفرض تعزيز التنسيق المؤسسي الشامل وربط القدرات العسكرية بالأدوات الدبلوماسية والتقنية والاقتصادية، بما يتيح لمصر بناء نفوذ مستدام، وتحقيق توازن فعال مع القوى المنافسة، وحماية مصالحها الحيوية في الإقليم[3].
رابعًا: الدلالات الإستراتيجية ومسارات التحرك المصري
تشهد بنية النظام الدولي تحولات متسارعة في موازين القوى وطبيعة التفاعلات الدولية والإقليمية، بما يفرض تداعيات مباشرة على الأمن والمصالح العربية والمصرية. وفي ظل هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى بلورة خلاصات استراتيجية واضحة ومسارات للتحرك المصري تتناسب مع طبيعة البيئة الدولية والإقليمية المتغيرة.
1- النتائج الرئيسية
أسفر التحليل عن مجموعة من النتائج التي شهدها النظام الدولي والبيئة الإقليمية، وما ترتب عليها من تداعيات على الأمن والمصالح المصرية. ويمكن تحديد أبرز هذه النتائج على النحو التالي:
أ- التقديرات التحليلية للنظام الدولي
1) تآكل الهيمنة من منظور "الانفصام البنيوي" الداخلي: حيث تبلورت نتيجة جوهرية مفادها أن استدامة قوة الدولة العظمى، الولايات المتحدة نموذجًا، لم تعد مرتبطة فقط بتزايد القوة المادية، وإنما بمدى "التوافق الوطني" حول كيفية توظيف هذه القوة. وفي هذا السياق، تتجلى الأزمة الأمريكية الراهنة باعتبارها حالة من "الانفصام البنيوي" بين ريادة تكنولوجية واقتصادية هائلة من جهة، وعجز مؤسسي عن معالجة تآكل الثقة المجتمعية من جهة أخرى، وهو ما جعل واشنطن تمثل "قوة عظمى متقلبة"، تخضع التزاماتها الدولية بدرجة متزايدة للمقايضات الإنتخابية والضغوط الهوياتية الداخلية.
2) تبلور "القطبية الوظيفية" دون الالتزام بأعباء القيادة: برز السلوك الصيني الفترة الأخيرة بنمط جديد من القطبية يمكن وصفه بـ "القطبية الوظيفية"، حيث تنجح بكين في قيادة شبكات الاعتماد المتبادل والجيو-اقتصاد من خلال مبادراتها المختلفة، لكنها في الوقت ذاته ترفض التحول إلى "شرطي عالمي" أو تحمل الأعباء الكاملة لصيانة الأمن الدولي. ويعكس هذا السلوك رغبة صينية في استعادة "المكانة التاريخية" وتعزيز النفوذ العالمي، دون الانزلاق إلى نمط "الاستنزاف الاستراتيجي" الذي اسهم في إنهاك الاتحاد السوفيتي سابقًا.
3) فشل الردع التقليدي وصعود "حروب الاستنزاف": أثبت الصراع الروسي - الأوكراني حدوث تحول هيكلي في العقائد العسكرية، حيث أسهم "التكافؤ التكنولوجي"، ولاسيما في مجال المسيرات والذكاء الاصطناعي، في الحد من قدرة التفوق العسكري التقليدي على حسم النزاعات. وقد أدى ذلك إلى ظهور نمط من "اللاحسم" في الصراعات المعاصرة، تنتهي فيه المواجهات في كثير من الأحيان إلى اتفاقات هشة تكرس الأمر الواقع الميداني. وعلى صعيد ذلك، تحولت روسيا إلى لاعب أكثر ارتهانًا للصين جيوسياسيًا، في ظل العزلة الاستراتيجية وتوسع حلف الناتو.
4) تسييس التكنولوجيا باعتبارها معيارًا جديدًا للسيادة: "المزاحمة التكنولوجية"، ولاسيما في مجالي أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، باتت أحد المحركات الأساسية للصراع الدولي، متجاوزة في أهميتها بعض صور التنافس التقليدي على الموارد الطبيعية. ومن ثم، أصبحت السيادة في النظام الدولي المتشكل مرتبطة بصورة متزايدة بقدرة الدولة على تحقيق "الابتكار الذاتي"، وتأمين بنيتها التكنولوجية وحماية فضائها السيبراني، وهو ما يفسر تصاعد حدة التنافس الأمريكي - الصيني في هذه المجالات.
ب- التقديرات التحليلية على المستوى العربي والإقليمي
1) الانتقال من "النظام القومي" إلى "النظام الإقليمي": تشير النتائج إلى أن المنطقة العربية تشهد إعادة تشكل لطبيعة النظام الإقليمي، بحيث لم يعد "النظام العربي" يمثل الإطار المركزي الحاكم للتفاعلات في الشرق الأوسط، وإنما أصبح أقرب إلى نظام فرعي يعمل ضمن بيئة إقليمية أوسع تتداخل فيها قوى عربية وغير عربية، وتشارك بصورة مباشرة في صياغة مستقبل المنطقة. ولا يمثل هذا التحول مجرد تباين في موازين القوى، وإنما يعكس تغيرًا وظيفيًا في طبيعة التفاعلات الإقليمية، مع صعود قوى غير عربية أصبحت فاعلًا ومقررًا في العديد من الملفات الحيوية.
2) الفراغ الجيوسياسي العربي وصعود قوى الجوار: أدى تراجع دور "دولة الارتكاز" القائدة، ممثلة في مصر، منذ سبعينيات القرن الماضي، وانزياح مركز الثقل الإقليمي نحو دول الخليج، بما تمتلكه من موارد النفط والغاز، إلى نشوء فراغ جيوسياسي واسع في قلب المنطقة العربية. وقد أتاح هذا الفراغ لقوى الجوار، وفي مقدمتها إيران وتركيا وإسرائيل، توسيع نطاق حضورها داخل الجغرافيا العربية، بحيث أصبحت بعض القضايا العربية تُدار بصورة متزايدة بتأثير أطراف غير عربية على أراض عربية.
3) غزو الكويت كنقطة انكسار في منظومة الأمن العربي: تمثل نقطة الانكسار التاريخية الأبرز في غزو الكويت عام 1990، الذي أسهم في تمزيق البيئة الأمنية العربية الجماعية وشرعنة الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة. وقد أنتجت هذه العسكرة مزيدًا من الضعف البنيوي في "الدولة الوطنية"، التي باتت تعاني من انقسامات طائفية وعرقية تستغلها القوى المهيمنة لتفتيت الولاء القومي واستبداله بولاءات فرعية.
4) مشروع "الشرق الأوسط" وإعادة صياغة الهوية الإقليمية: أن مشروع الشرق الأوسط، في جوهره السياسي، لا يتماهى مع العروبة، وإنما يستهدف إعادة صياغة الإطار الإقليمي بما يؤدي إلى تهميشها وتفكيك أطرها الوطنية والقومية. ويتجلى ذلك في محاولات دمج إسرائيل باعتبارها مركز ثقل تكنولوجيًا وأمنيًا مهيمنًا، بما يؤدي إلى تحويل الصراع من صيغته التاريخية "العربية - الإسرائيلية" إلى صراعات "إقليمية - إقليمية" تتراجع فيها الخصوصية القومية لصالح ترتيبات إقليمية جديدة.
5) ضعف مؤسسات النظام العربي وتراجع التكامل الاقتصادي: يعاني النظام العربي الحالي من ضعف مؤسسي مزمن يحد من فاعلية جامعة الدول العربية، في ظل تغليب السيادة الوطنية المطلقة على متطلبات الفاعلية الجماعية. ويتزامن ذلك مع ضعف الترابط الاقتصادي العربي، حيث لا تزال التجارة العربية البينية عند مستويات محدودة، بما يجعل الدول العربية أكثر اعتمادًا على القوى الخارجية من ارتباطها الاقتصادي والاستراتيجي ببعضها البعض.
ج- التقديرات التحليلية للوضع المصري
1) انكشاف منظومة الأمن الجماعي العربي: أثبتت الأزمات الإقليمية المتتالية محدودية فعالية منظومة الأمن الجماعي العربي، في ظل استمرار الفجوة بين الاتفاقات والمؤسسات القائمة وبين القدرة الفعلية على تفعيلها. وتبرز اتفاقية الدفاع العربي المشترك لعام 1950 نموذجًا واضحًا لهذه المعضلة، نتيجة تضارب الإرادات السياسية وغياب آليات فعالة تضمن تنفيذ الالتزامات الجماعية.
2) التحول في طبيعة التهديدات والحروب: انتقل مفهوم التهديد الذي تواجهه الدولة من المواجهات العسكرية التقليدية إلى نمط أكثر تعقيدًا من الحروب الهجينة، يجمع بين العمليات السيبرانية، والضغوط الاقتصادية، وحروب المعلومات، واستهداف البنية الداخلية للدول. وهو ما يفرض إعادة تعريف مفهوم القوة العسكرية بحيث لا يقتصر على القدرات البشرية والتسليحية التقليدية، وإنما يمتد إلى التكامل بين المنظومات التقنية والاستخبارية والسيبرانية.
3) عسكرة الممرات المائية وانعكاساتها على الأمن القومي والاقتصاد: أدى تحول البحر الأحمر والممرات المائية المحيطة به إلى ساحات للتنافس والصراع الدولي إلى تداخل متزايد بين الأمن الملاحي والأمن الاقتصادي المصري. وقد انعكست الاضطرابات في المنطقة بصورة مباشرة على حركة الملاحة في قناة السويس، وتسببت في خسائر تقدر بنحو 15 مليار دولار، بما يؤكد أن حماية الممرات البحرية لم تعد قضية أمنية فحسب، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من حماية الاقتصاد الوطني.
4) التحول في إدراك الدور المصري إقليميًا: كشفت التطورات المرتبطة بالملف الإيراني عن تنامي تقدير بعض الدوائر السياسية الإقليمية للموقف المصري المتوازن، ولاسيما في ظل رفض القاهرة توسيع نطاق الصراع وتجنب الانخراط في اصطفافات عسكرية هجومية. ويفتح ذلك مساحة أمام مصر لممارسة سياسة تقوم على "الحياد الإيجابي" وإدارة التوازنات الإقليمية بما يحافظ على مصالحها الوطنية ويعزز قدرتها على التأثير.
5) الهشاشة البنيوية للاقتصاد المصري أمام الصدمات الخارجية: أظهرت الأزمات المتتالية ارتفاع درجة "الانكشاف الاقتصادي" المصري أمام الصدمات الخارجية، نتيجة الاعتماد بدرجة كبيرة على موارد للنقد الأجنبي تتأثر مباشرة بالتطورات الجيوسياسية، وفي مقدمتها قناة السويس والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج وبعض الموارد الريعية الأخرى. ويحد هذا النمط من قدرة الاقتصاد على تحقيق استدامة مالية مستقرة في مواجهة الأزمات الممتدة.
6) مخاطر الاعتماد على "الأموال الساخنة": أوضحت التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة عن المخاطر المرتبطة بالاعتماد المكثف على استثمارات المحافظ المالية قصيرة الأجل، والتي يمكن أن تتدفق بصورة سريعة في فترات الاستقرار، قبل أن تنسحب بصورة مفاجئة عند تصاعد المخاطر الدولية. وقد أسهمت هذه التدفقات الخارجة في زيادة الضغوط على سوق النقد الأجنبي، ولاسيما خلال تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022.
7) إختلال هيكل الناتج والنمو الاقتصادي: يكشف هيكل الناتج القومي عن اختلال بين الاستهلاك والإنفاق الحكومي من جهة، والاستثمار والتصدير من جهة أخرى؛ إذ يستحوذ الاستهلاك والإنفاق الحكومي على نحو 83% من إجمالي الناتج، مقابل مساهمة محدودة لقطاعات الاستثمار والتصدير. ويعكس ذلك نمطًا من النمو يظل أكثر اعتمادًا على الطلب والإنفاق الداخليين من اعتماده على الإنتاج والقيمة المضافة والقدرة التصديرية.
8) الحاجة إلى التحول من إدارة الأزمات إلى الإصلاح الهيكلي: أظهرت المناقشات أن استمرار التعامل مع الأزمات من خلال إجراءات مؤقتة لا يعالج جذور الاختلالات الاقتصادية، وإنما يؤجلها. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى توظيف الأزمات باعتبارها فرصًا لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتعزيز الإنتاج والتصدير، وتحسين كفاءة إدارة الموارد، بدلًا من الاكتفاء باستعادة توازن ما قبل الأزمة.
9) أمن الطاقة باعتباره مكونًا للأمن الاقتصادي: أصبح أمن الطاقة أحد المكونات الأساسية للاستقرار الاقتصادي، في ظل تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار الطاقة العالمية واختناقات سلاسل الإمداد. ويكشف ذلك عن ضرورة الإسراع في تنويع مزيج الطاقة والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة وتكنولوجيا التخزين، بما يقلل من تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية ويحد من الضغوط التضخمية الناجمة عن جانب العرض.
10) وجود مشاريع لإعادة هندسة التوازنات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر: أظهرت التطورات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر عن وجود تحولات ومشروعات إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة صياغة موازين القوى والسيطرة على الموانئ والممرات المائية، بالتوازي مع تنامي النزعات الانفصالية، كما في حالة أرض الصومال. ويشكل هذا الاتجاه تحديًا مباشرًا للمصالح المصرية، بالنظر إلى الارتباط بين استقرار هذه المنطقة والأمن المائي والملاحي والاستراتيجي لمصر.
11) تراجع النفوذ المصري نتيجة غياب الديمومة الاستراتيجية: لا يرتبط وزن مصر في أفريقيا بحجم حضورها الدبلوماسي أو عدد الزيارات والاتفاقات الرسمية فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الحضور إلى نفوذ مؤسسي مستدام. وقد أدى ضعف المتابعة الاستراتيجية لبعض الاتفاقات والمبادرات إلى تراجع العائد السياسي من الحضور المصري، وترك مساحات يمكن أن تستغلها القوى الإقليمية المنافسة.
12) تصاعد حرب المعلومات وتآكل أدوات القوة الناعمة التقليدية: تواجه مصر بيئة إقليمية تتزايد فيها أهمية الحرب الرقمية والتضليل الإعلامي، بما في ذلك محاولات إعادة تقديم الدور المصري في أفريقيا بصورة سلبية. وفي المقابل، لا تزال بعض أدوات القوة الناعمة المصرية تعتمد على أنماط تقليدية من المساعدات والتعاون، بما يحد من قدرتها على تحقيق عوائد سياسية مستدامة في بيئة تتزايد فيها أهمية التكنولوجيا والدبلوماسية السيبرانية.
13) تنامي خطورة الفواعل من غير الدول: أصبحت الميليشيات والتنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية أحد أبرز مصادر تهديد الدولة الوطنية في الإقليم، من خلال استنزاف مؤسسات الدولة وإضعاف الجيوش النظامية وتوسيع نطاق اقتصاديات التهريب والفدية. ويزيد انتشار هذه الفواعل من مخاطر تحول مناطق واسعة في الجوار المصري إلى أحزمة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى الأمن القومي المصري.
2- التوصيات والمسارات السياساتية
في ضوء النتائج السابقة، تطرح الدراسة عددًا من التوصيات التي تستهدف تعزيز قدرة مصر على التعامل مع التحولات الدولية والإقليمية، والحد من تداعياتها على مصالحها وأمنها القومي. وتتوزع هذه التوصيات بين مستويات النظام الدولي، والنظام العربي والإقليمي، والدولة المصرية.
أ- المسارات السياساتية المقترحة على مستوي النظام الدولي
1) مأسسة استراتيجية "التحوط الاستراتيجي المرن": العمل على نقل القوى الإقليمية، ولاسيما الدول العربية، من منطق "التحالفات الصفرية" إلى تبني نموذج "الشراكات الوظيفية المتعددة". ويقتضي ذلك الحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية باعتبارها ضرورة مرحلية، بالتوازي مع بناء شراكات تكنولوجية وتنموية أكثر عمقًا مع الصين وروسيا، بما يتيح للدول الإقليمية توسيع هامش المناورة وتعزيز استقلالية القرار الوطني في ظل نظام دولي يتجه نحو تعدد الأقطاب الوظيفية.
2) بناء "دفاعات تكنولوجية" وتعزيز السيادة الرقمية: نظرًا لتحول التكنولوجيا إلى أداة للردع والمنافسة والمحاصرة، تبرز ضرورة الاستثمار المكثف في توطين صناعات الذكاء الاصطناعي، وتأمين سلاسل إمداد تكنولوجية بديلة، وتطوير القدرات الوطنية في المجالات الرقمية والسيبرانية. فالاعتماد الكامل على التكنولوجيا الغربية أو الصينية دون امتلاك "نواة ابتكار محلية" قد يؤدي إلى نشوء نمط جديد من التبعية الاستراتيجية، تكون التكنولوجيا أداته الأساسية.
3) رصد "التماسك المجتمعي" باعتباره أداة للتنبؤ السياسي: يوصى الباحثون وصناع القرار بإدماج مؤشرات الداخل، مثل التفاوت الاجتماعي، والثقة المؤسسية، والاستقطاب الهوياتي، ضمن أدوات تقييم قوة الدول الكبرى واستشراف مستقبلها. فلم يعد الناتج المحلي أو المؤشرات الاقتصادية الكمية وحدها كافيًا لتقدير قوة الدولة، وإنما أصبحت قدرتها على إدارة التناقضات الداخلية وصهرها ضمن مشروع وطني مستقر معيارًا أساسيًا لاستدامة القوة والتأثير.
4) الاستعداد لسيناريوهات "المقايضات الاستراتيجية الكبرى": ينبغي على العواصم العربية تفعيل "دبلوماسية التكتلات" بهدف رفع كلفة تهميش مصالحها في المقايضات المحتملة بين القوى الكبرى، ولاسيما في الملفات المرتبطة بتايوان وأوكرانيا وإيران. ويكتسب بناء موقف عربي أكثر تماسكًا أهمية متزايدة في ظل احتمالية إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، بما قد يجعل المنطقة طرفًا متلقيًا لترتيبات دولية تصاغ دون مشاركة فاعلة من دولها.
5) تطوير نموذج "اقتصاد الصمود" المرن: في ظل هشاشة بعض الترتيبات الدولية واضطراب سلاسل الإمداد نتيجة تصاعد التنافس الجيو- اقتصادي، تبرز الحاجة إلى بناء مخزونات استراتيجية، وتأمين مسارات تجارية بديلة بعيدة عن بؤر التوتر، وتنويع مصادر الاستيراد والتوريد. كما يتطلب تعزيز "اقتصاد الصمود" تحفيز الادخار الوطني وتوجيهه نحو تمويل مشروعات التنمية الذاتية، بما يقلل من التعرض لتقلبات أسواق المال الدولية ويعزز قدرة الاقتصادات الوطنية على امتصاص الصدمات الخارجية.
ب- المسارات السياساتية المقترحة على مستوي النظام العربي والإقليمي
1) استعادة ريادة "دولة الارتكاز": تبرز حتمية عودة مصر إلى الاضطلاع بدورها التاريخي باعتبارها "دولة الارتكاز" في النظام العربي، من خلال بناء "مشروع وطني للنهضة" يستند إلى امتلاك عناصر القوة الشاملة. فوجود دولة عربية قائدة تمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا يمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق قدر من التكافؤ في مواجهة تنامي نفوذ القوى غير العربية وقدرتها على صياغة مستقبل المنطقة.
2) الانتقال التدريجي نحو نمط جديد من التعاون العربي: ينبغي أن يبدأ مسار التعاون العربي من الملفات التي تتوافر حولها مساحات أوسع من التوافق، ولاسيما الربط الكهربائي، وأمن الطاقة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، بما يسمح ببناء "شبكة من المصالح الاستراتيجية" تجعل الصدام بين الدول أكثر تكلفة، وتوفر أساسًا لتطوير التعاون الاقتصادي والانتقال تدريجيًا إلى مراحل أكثر تقدمًا من بناء الثقة والتكامل.
3) تأسيس "حوار الجوار الدائم": بإنشاء إطار دائم للحوار يبدأ بتوحيد الرؤى العربية من خلال حوار عربي - عربي، ثم الانفتاح على حوار ندّي مع قوى الجوار الرئيسية، وفي مقدمتها إيران وتركيا. وينبغي أن يقوم هذا الحوار على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يسمح بإدارة التناقضات الإقليمية وتأمين الممرات الملاحية والمصالح الحيوية من موقع القوة وليس التبعية.
4) تعزيز القوة الناعمة والريادة الثقافية: يمثل امتلاك القوة الناعمة والريادة الثقافية حائط صد مهمًا في مواجهة عمليات "تزييف التاريخ" ومحاولات تفتيت الهوية. ومن ثم، يجب العمل على تعزيز الهوية العربية الجامعة مع احترام الخصوصيات الوطنية والهويات الفرعية، وتقديم العروبة باعتبارها رابطة مصلحة حضارية وثقافية قادرة على تحويل الدول العربية إلى كتلة وازنة داخل النظام العالمي.
5) توطين منظومة الدفاع عن النفس: يتطلب تقليص الارتهان للمظلات الأمنية الخارجية، التي أثبتت هشاشتها في بعض الأزمات، بناء منظومات عربية مستقلة للدفاع الجوي والصاروخي، إلى جانب تطوير القدرات العسكرية الذاتية. كما يستلزم ذلك توطين الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات الأمن السيبراني والحروب الهجينة، بما يدعم الاستقلال السيادي والأمن الوطني العربي.
6) بناء إطار مؤسسي عربي للتعاون مع قوى الجوار: يُقترح تطوير أطر مؤسسية تجمع الدول العربية بقوى جوارها الجغرافي، شريطة أن تقوم هذه الأطر على أساس المصالح المتبادلة والتكافؤ، وألا تتحول إلى أدوات لاستلحاق الوحدة العربية بالمشروعات الإقليمية الأخرى. ويقتضي ذلك الحفاظ على استقلالية القرار العربي، وتطوير صيغ تعاون تسمح بإدارة التنافس والمصالح المشتركة دون التفريط في الثوابت والأمن القومي العربي.
ج- المسارات السياساتية المقترحة للدولة المصرية
1) تطوير العقيدة الدفاعية والانتقال إلى تكامل المنظومات التقنية: ضرورة تطوير العقيدة الدفاعية المصرية بما يتلاءم مع طبيعة الحروب الهجينة، من خلال الانتقال من التركيز على الحشود البشرية إلى بناء منظومة متكاملة من القدرات التقنية، تشمل الدفاع الجوي، وأنظمة الإنذار المبكر، وتكنولوجيا المسيرات، والذكاء الاصطناعي، والقدرات السيبرانية، بما يعزز قدرة الدولة على الردع وحماية مصالحها الحيوية.
2) تعزيز دور مصر باعتبارها "دولة ارتكاز" في الإقليم: التمسك بموقع مصر باعتبارها دولة ارتكاز قادرة على إدارة التوازنات الإقليمية، عبر تبني مفهوم "الاتزان الاستراتيجي" الذي يتيح للقاهرة الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف، دون الانخراط في صراعات عسكرية تستنزف مواردها أو تفرض عليها أعباء تتجاوز مصالحها الوطنية.
3) تحصين الجبهة الداخلية: اعتبار الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي جزءًا أساسيًا من منظومة الردع الوطني، من خلال تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، وتحسين كفاءة المؤسسات، والاستثمار في رأس المال البشري، بما يحصن الدولة في مواجهة محاولات التفتيت والممانعة الإقليمية.
4) حسم المسار الاقتصادي للدولة وتعزيز دور القطاع الخاص: ضرورة حسم التوجه الاقتصادي للدولة بصورة واضحة، مع تعزيز دور القطاع الخاص باعتباره محركًا رئيسيًا للنمو والاستثمار والتشغيل والتصدير، وتطوير آليات صنع القرار الاقتصادي بحيث تتقدم الاعتبارات الاقتصادية الرشيدة على القرارات قصيرة الأجل التي تفرضها الاعتبارات السياسية أو الأمنية اللحظية.
5) تحقيق استدامة المالية العامة وإعادة هيكلة الدين: العمل على خفض الاعتماد على تمويل المشروعات طويلة الأجل ومنخفضة العائد من خلال أدوات دين قصيرة الأجل وعالية التكلفة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، بما يضمن توجيه الموارد إلى القطاعات الأكثر قدرة على توليد القيمة المضافة والنقد الأجنبي وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
6) تبني استراتيجية التصنيع من أجل التصدير: وضع خطة زمنية واضحة لزيادة مساهمة التصدير والاستثمار في الناتج، مع إعطاء الأولوية للتصنيع ذي القيمة المضافة والتكنولوجيا المتقدمة، باعتباره أكثر قدرة على تحقيق موارد مستدامة من النقد الأجنبي، مع مراعاة محدودية الموارد المائية التي تحد من إمكانية الاعتماد على الزراعة باعتبارها المحرك الرئيسي للتصدير.
7) تسريع التحول في مزيج الطاقة: رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني، مع التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتكنولوجيا تخزين الطاقة والبطاريات، بما يقلل من تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار الوقود العالمية ويعزز أمن الطاقة والاستقلال النسبي في هذا المجال.
8) إصلاح آلية صنع القرار الخاص بالشأن الأفريقي: إنشاء إطار مؤسسي مركزي، سواء في صورة "مجلس أعلى للشؤون الأفريقية" أو وكالة متخصصة، يتولى تنسيق جهود الوزارات والجهات المعنية بالشأن الأفريقي، بما يضمن وحدة التمويل والتوجه، ويحول الإنفاق الاقتصادي والدبلوماسي إلى نفوذ سياسي واستراتيجي مستدام.
9) بناء دبلوماسية أفريقية طويلة الأمد: الانتقال من الدبلوماسية القائمة على الزيارات والمبادرات المؤقتة إلى دبلوماسية مستدامة تستثمر في بناء علاقات طويلة الأجل مع النخب والمجتمعات الأفريقية، من خلال مراكز الفكر، والمنح التعليمية، والتبادل الأكاديمي، وبرامج التدريب، والتعاون الأمني، بما يضمن استمرار النفوذ المصري بغض النظر عن تغير الحكومات والأنظمة.
10) تطوير أدوات القوة الناعمة المصرية: إعادة صياغة أدوات القوة الناعمة المصرية لتتجاوز المساعدات التقليدية، والانتقال نحو "الدبلوماسية التقنية والسيبرانية"، من خلال تقديم حلول في مجالات الرقمنة والأمن السيبراني والتكنولوجيا والطاقة، بما يمنح مصر ميزة تنافسية ويزيد من العائد السياسي والاستراتيجي للإنفاق الخارجي.
11) تحييد الممانعات الإقليمية وبناء تفاهمات مرنة: اتباع سياسة أكثر مرونة في التعامل مع القوى الإقليمية الصاعدة، مثل تركيا والسعودية، بهدف بناء تفاهمات تحفظ المصالح المصرية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بالتوازي مع تطوير أدوات لرفع تكلفة الإضرار بالمصالح المصرية باعتبارها عنصرًا من عناصر الردع الاستراتيجي.
12) دعم الدولة الوطنية والمؤسسات الشرعية في دول الجوار: التمسك بمبدأ دعم بقاء الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية وجيوشها النظامية في دول الجوار، وعلى رأسها السودان والصومال، باعتبار أن الحفاظ على هذه المؤسسات يمثل خط الدفاع الأساسي ضد تمدد الميليشيات والتنظيمات المسلحة وتحول المنطقة إلى أحزمة ممتدة من الفوضى وعدم الاستقرار.
13) تعزيز أمن البحر الأحمر باعتباره مسؤولية للدول المشاطئة: العمل على تفعيل أطر التعاون بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر، بما يحافظ على أمن الممرات البحرية ويحد من محاولات تدويل أو عسكرة الأمن البحري، مع تطوير آليات مشتركة لحماية الملاحة والتجارة الدولية، بما يصون المصالح المصرية المرتبطة بقناة السويس
14) الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء النفوذ المستدام: إعادة صياغة السياسة الخارجية المصرية بحيث لا تقتصر على الاستجابة للأزمات عند وقوعها، وإنما تستند إلى استراتيجية استباقية لبناء النفوذ المستدام في الدوائر الحيوية، خصوصًا أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، من خلال الجمع بين الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والتكنولوجية والثقافية.
وختامًا، يمكن القول أن البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها مصر تشهد إعادة تشكيل عميقة تتجاوز حدود التغير التقليدي في موازين القوى، لتطال طبيعة النظام الدولي والإقليمي، ومصادر القوة والنفوذ، وأنماط إدارة الصراعات والأزمات. فلم يعد النظام الدولي قائمًا على هيمنة منفردة ومستقرة، وإنما يتجه بصورة متزايدة نحو تعددية أكثر سيولة وتنافسية، تتداخل فيها اعتبارات القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية مع القدرة على بناء التحالفات وتوظيف المؤسسات والشبكات الدولية. وعلى الصعيد ذاته، تبرز الولايات المتحدة والصين وروسيا باعتبارهما قوى فاعلة في إعادة صياغة قواعد التنافس الدولي، وإن اختلفت قدرات كل منهم وأدواتها وموقعها في هذه العملية. وقد انعكست هذه التحولات الدولية بصورة مباشرة على النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، الذي أصبح أكثر تعرضًا لتداخل التنافس الدولي مع الصراعات الإقليمية، في ظل تراجع آليات الضبط التقليدية وصعود قوى ومشروعات إقليمية متنافسة. وأدى ذلك إلى انتقال المنطقة من حالة التوازنات النسبية التي كانت تحكمها مراكز قوة أكثر وضوحًا إلى حالة من "السيولة الجيوسياسية"، تتداخل فيها الحسابات العربية والإيرانية والتركية والإسرائيلية مع أدوار القوى الدولية الكبرى. ومن ثم، لم يعد مستقبل النظام الإقليمي مرتبطًا فقط بقدرة الدول العربية على استعادة التماسك فحسب، وإنما بقدرتها على التعامل مع بيئة إقليمية تتغير قواعدها بصورة مستمرة أيضًا. وفي سياق ذلك، تبرز مصر باعتبارها إحدى الدول الأكثر تأثرًا بهذه التحولات وأكثر حاجة إلى تطوير مقاربتها الاستراتيجية للتعامل معها. فالتحديات التي تواجه الأمن القومي المصري لم تعد تنحصر في التهديدات العسكرية المباشرة، وإنما باتت تشمل تداعيات الصراعات الإقليمية، وتغير موازين القوى، وأمن الممرات والمصادر الحيوية، والتهديدات السيبرانية والتكنولوجية، وتنامي أدوار الفاعلين من غير الدول، فضلًا عن احتمالات إعادة صياغة الترتيبات الإقليمية على نحو قد يؤثر في المصالح المصرية ومجالات الحركة المتاحة أمام الدولة.
وتشير هذه النتائج إلى أن الحفاظ على المكانة المصرية في البيئة الإقليمية الجديدة يتطلب تجاوز منطق إدارة الأزمات المنفردة نحو بناء رؤية استراتيجية متكاملة لإدارة التحولات، تقوم على الجمع بين تطوير القدرات الذاتية، وتنويع الشراكات الدولية والإقليمية، وتعزيز الحضور المصري في محيطه العربي والأفريقي، مع الحفاظ على القدرة على المناورة بين القوى الكبرى وعدم الارتهان لمحور دولي أو إقليمي واحد. لذا، يصبح التحوط الاستراتيجي وتنويع العلاقات الخارجية من أهم الأدوات التي يمكن من خلالها تقليل مخاطر التحولات الدولية والإقليمية وتعظيم الفرص المتاحة أمام مصر. كما يرتبط مستقبل الأمن القومي المصري بدرجة كبيرة بقدرة الدولة على استعادة قدر من الفاعلية الجماعية داخل النظام العربي، إذ إن استمرار حالة الفراغ الاستراتيجي العربي يفتح المجال أمام القوى الإقليمية والدولية لزيادة نفوذها وتشكيل البيئة الأمنية والسياسية للمنطقة وفقًا لمصالحها. ومن ثم، فإن تعزيز التعاون العربي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استعادة لصيغ تقليدية للعمل العربي المشترك، وإنما باعتباره عملية أكثر مرونة تقوم على المصالح المشتركة، والتنسيق في الملفات الحيوية، وبناء قدرات جماعية في مجالات الأمن والدفاع والطاقة والغذاء والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
وعلى المستوى الأوسع، يُعد التحول الجاري في النظامين الدولي والإقليمي يفرض إعادة تعريف مفهوم القوة ذاتها. فالقوة في البيئة الاستراتيجية الجديدة لم تعد تقاس فقط بحجم القوات المسلحة أو القدرات الاقتصادية، وإنما بقدرة الدولة على دمج عناصر القوة المختلفة وتوظيفها بصورة مرنة، بما يشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والقدرة الصناعية والاقتصادية، إلى جانب الدبلوماسية والشراكات الدولية. وهو ما يجعل تطوير القدرات الذاتية المصرية ضرورة استراتيجية لا تقتصر على مواجهة التهديدات القائمة، وإنما تستهدف أيضًا الاستعداد لتحولات مستقبلية قد تكون أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن التحدي الرئيسي أمام الدولة المصرية لا يتمثل فقط في طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي أو الإقليمي، وإنما في قدرتها على التكيف معها دون فقدان استقلالية قرارها الاستراتيجي. فكلما ازدادت السيولة في النظام الدولي والإقليمي، ازدادت الحاجة إلى امتلاك هامش أوسع للمناورة، وقدرة أكبر على تنويع البدائل والشراكات، وتوظيف الموقع الجيوسياسي والثقل السياسي والاقتصادي لمصر في خدمة مصالحها الوطنية.
أسماء الأساتذة والخبراء المشاركون في ندوات التقرير الاستراتيجي العربي 2025، بين مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة
(الأسماء مرتبة ترتيب أبجدي)
|
اللواء/ د. أحمد الشحات
|
د. أحمد عسكر
|
د. أحمد قنديل
|
|
د. أماني الطويل
|
د. أميرة عبدالحليم
|
د. إيمان أحمد الضوي
|
|
د. أيمن السيد عبدالوهاب
|
تامر طه
|
د. جمال عبدالجواد
|
|
د. حازم محفوظ
|
د. حسين سليمان
|
السفير/ خالد عمارة
|
|
د. دينا شحاتة
|
د. رابحة سيف علام
|
رانيا مكرم
|
|
د. زياد بهاء الدين
|
د. شريف الخولي
|
صافيناز محمد أحمد
|
|
السفير/ عاطف سيد الأهل
|
د. عبد العليم محمد
|
السفير/ علاء الحديدي
|
|
أ. د. علىّ الدين هلال
|
د. عمرو الشوبكي
|
د. كريم القاضي
|
|
السفيرة/ ليلى بهاء الدين
|
د. محمد السعيد إدريس
|
السفير/ د. محمد العرابي
|
|
د. محمد عباس ناجي
|
اللواء/ محمد عبدالمقصود
|
د. محمد عز العرب
|
|
د. محمد فايز فرحات
|
د. محمد مجاهد الزيات
|
د. معتز سلامة
|
|
مهاب عادل د. هناء عبيد
|
[1] ندوة بعنوان تحولات القوى الكبرى وتأثيرها على النظام الدولي، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالتعاون مع مؤسسة كيميت بطرس غالي، 9 يونيو 2026.
[2] ندوة بعنوان "النظام الإقليمي.. مساعي الهيمنة وصراعات الأدوار"، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالتعاون مع مؤسسة كيميت بطرس غالي، 1 يوليو 2026.
[3] ندوة بعنوان "مصر في الإقليم.. مصر والإقليم"، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالتعاون مع مؤسسة كيميت بطرس غالي، 21 يوليو 2026.