تكاد أوراق السياسات ووجهات النظر التي تناولت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا الموقعة في 7 أغسطس 2026، تتفق على أمر واحد وهو إغفال لافت: لا يعامل أى منها أفريقيا كمتغيرٍ فاعل ومؤثر. وبعبارة أخرى، يتم تهميش الدور الأفريقي في عمليات إعادة الصياغة الجيوستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط. ثمة من يوسع نطاق التحليل ليشمل واشنطن وكانبرا ونيودلهي؛ بينما يناقش بعض الكتّاب تصورات أنقرة والرياض وإسلام آباد المتنافسة للتهديدات التي يتعرض لها الإقليم الشرق أوسطي. وعلى سبيل المثال، يضع تقييم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هذا الميثاق ضمن سياق تاريخي أوسع، مفاده أن الرياض فقدت تدريجياً ثقتها بالضمانات الأمنية الأمريكية غير الملزمة، وذلك في أعقاب محطتين بارزتين: امتناع واشنطن عن الرد العسكري على هجمات أرامكو عام 2019، ومن قبل توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 الذي اعتبرته الرياض تقارباً أمريكياً مع طهران على حساب مصالحها الأمنية.
ومن الواضح تمامًا أن أفريقيا لا تظهر في أى من هذه التقييمات كفاعلٍ مؤثر، بل تُذكر ضمنيًا فقط كمنطقة جغرافية تُسيّر فيها القوات البحرية للدول الموقعة دوريات. هذا الصمت بحد ذاته هو جوهر الموضوع في هذه المقالة. فأفريقيا قارةٌ يمتد ساحلها الشرقي على طول البحر الأحمر وخليج عدن، وتُعاني حربها الدائرة الأخطر في السودان من تدخل أطراف خليجية فاعلة وتركيا نفسها التي وقّعت للتو على اتفاقية الدفاع المشترك في مكة، لا يُمكن اعتبارها هامشًا ثانويًا في هذه الاتفاقية. إنها، في الواقع، أرضٌ متصلة الحلقات في فضاء أمني واحد.
لا يمكن للحلف الجديد تجاهل الجغرافيا
في بداية التسعينيات من القرن الماضي، صك المفكر الكيني الأبرز علي الأمين المزروعي مصطلح "أفرابيا" ليعبر عن طبيعة التلاحم العضوي بين المنطقتين العربية والأفريقية. إذ يجادل مزروعي أن كلاً من العرب والأفارقة كانا يعيشان في قارة واحدة قبل الانفصال الجيولوجي لأفريقيا عن شبه جزيرة العرب والذي تم بفعل ظهور البحر الأحمر. وقد اكتمل هذا الانفصال بين الكيانين في القرن التاسع عشر مع حفر قناة السويس. وعلى الرغم من ذلك، فإن حجم التفاعلات بين الشعبين العربي والأفريقي عبر هذه الفترة الجيولوجية والتاريخية الطويلة قد تجاوز عملية الانفصال العضوي التي سببها وجود البحر الأحمر. يعني ذلك أن خبرة التفاعل والعيش المشترك لأحقاب وفترات تاريخية طويلة أدت إلى ظهور الأفرابيا والمجتمعات الأفروعربية. وعليه، فإن ارتباط شبه الجزيرة العربية بمنطقة شرق أفريقيا والبحر الأحمر أمر لا يمكن تجاوزه.
من هنا، فإن القول بأن الصراع العنيف في الخليج يمتد عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ الأوسع من خلال مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، تنطبق بقوة أكبر، وبدعم مؤسسي أقل بكثير، على القرن الأفريقي. إذ تقع جيبوتي والصومال والسودان وإريتريا مباشرة على الممرات الملاحية التي تصفها اليوم القوات البحرية الثلاث للحلف بأنها مسئولية استراتيجية مشتركة. وثمة تقارير تشير إلى أن المملكة العربية السعودية قد اضطرت بالفعل إلى استخدام طرق التصدير في البحر الأحمر بعد تعطل الملاحة في الخليج العربي، وأن هجمات الحوثيين قد لاحقت ناقلات النفط تلك إلى المياه المتاخمة لأفريقيا. ولم يعد بمقدور أفريقيا التعامل مع التوسع البحري الباكستاني - الذي تجاوز جنوب آسيا اليوم ليشمل حماية طرق الملاحة في الخليج - ولا مع الوجود البحري التركي المستقر أصلاً قبالة الصومال، باعتبارهما شأنًا خارجيًا بعيدًا؛ فكلاهما يجري فعليًا ضمن حدودها البحرية.
التكالب الجديد من أجل أفريقيا
إن التطور الأكثر إثارة للقلق في المشهد الراهن لا يتعلق بالممرات البحرية وحدها، بل بإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر. فقد تحولت المنطقة تدريجيًا إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها عبر الموانئ والقواعد العسكرية وشبكات التجارة، فضلًا عن دعم حلفاء محليين داخل الدول الهشة أو المنقسمة. ولا يعمل هذا التنافس بمعزل عن الصراعات الأفريقية القائمة، بل يعيد توجيهها ويمنحها أبعادًا إقليمية أكثر خطورة. وتظهر السودان بوصفها المثال الأوضح على هذا التحول. فقد اصطفّت بعض القوى الإقليمية مع القوات المسلحة السودانية، في حين دعمت أطراف أخرى قوات الدعم السريع المنافسة. كما أشارت تقارير وتحليلات إلى توفير التدريب والدعم اللوجستي لبعض هذه القوات عبر دول مجاورة، مع بقاء بعض التفاصيل موضع نزاع. غير أن مجرد تداخل هذه الأدوار يكشف مدى ارتباط الحرب السودانية بالتنافس الإقليمي الأوسع.
ولا تكمن خطورة هذه التطورات في انحياز قوى خارجية إلى طرف سوداني فحسب، بل في تحول الحرب إلى صراع بالوكالة تتداخل فيه حسابات متعددة. فالسودان لا يمثل مجرد دولة مأزومة، بل يقع عند تقاطع طرق استراتيجية تربط البحر الأحمر بشرق أفريقيا ووسطها، كما يمتلك موارد زراعية ومعدنية وشبكات تجارية ذات قيمة كبيرة. ولذلك أصبح الصراع على السودان جزءًا من منافسة أوسع على الموانئ والموارد والنفوذ السياسي والممرات البحرية. ويتزامن ذلك مع تعميق العلاقات بين قوى خارجية وكل من إثيوبيا وصوماليلاند، ومع تزايد الأهمية الاستراتيجية للموانئ الواقعة بالقرب من خليج عدن وباب المندب. وقد ارتبطت هذه التحركات بمحاولات مراقبة التهديدات الأمنية وتأمين طرق الملاحة، لكنها أثارت في الوقت نفسه مخاوف من نشوء ترتيبات أمنية جديدة تتجاوز الحكومات المركزية وتعيد تعريف موازين القوة على جانبي البحر الأحمر.
ومن ثم، فإن ما نشهده ليس تكرارًا حرفيًا للاستعمار القديم، بل شكل جديد من التكالب على أفريقيا؛ تكالب لا يعتمد بالضرورة على الاحتلال المباشر، وإنما على النفوذ الاقتصادي، والقواعد العسكرية، والشراكات الأمنية، والاستثمارات في الموانئ، ودعم الفاعلين المحليين. وفي ظل ضعف مؤسسات الدولة وتعدد الجماعات المسلحة، تستطيع القوى الخارجية تحويل التنافس المحلي إلى ورقة في صراع إقليمي أوسع. وتكمن المعضلة في أن الانخراط الإقليمي لا يترك للدول الأفريقية والمناطق المحلية مجالًا واسعًا للمناورة. فالحكومات والأقاليم، بل وحتى أمراء الحرب، يجدون أنفسهم مدفوعين بصورة متزايدة إلى اختيار أحد المعسكرات المتنافسة. ومع مرور الوقت، قد يصبح الحياد مكلفًا، بينما تتحول المساعدات العسكرية والمالية إلى أدوات لإعادة إنتاج الانقسام بدلًا من معالجة أسبابه.
ولا شك أن الاتفاقيات الإقليمية مثل اتفاقية مكة لا تُنشئ هذه الديناميكية، لكنها قد ترسخها ضمن بيئة تتجه نحو الاستقطاب. فالمشكلة لا تكمن في الاتفاقيات الدبلوماسية بحد ذاتها، بل في استخدامها لتثبيت اصطفافات أمنية وسياسية تضع دول القرن الأفريقي داخل حسابات قوى خارجية. وإذا لم تُدعَم هذه الترتيبات بضمانات للسيادة والشفافية وعدم التدخل، فقد تتحول إلى آلية لتدويل الصراعات المحلية.
إن الخطر الأكبر هو أن تتحول منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى نظام أمني مغلق، تُدار فيه الأزمات من خلال الوكلاء بدلًا من الحوار، ومن خلال الموانئ والقواعد بدلًا من المؤسسات الإقليمية. ولذلك تحتاج الدول الأفريقية إلى تطوير أطر مستقلة للتعاون البحري والأمني، كما تحتاج القوى الإقليمية إلى إدراك أن النفوذ المستدام لا يُبنى على إضعاف الدول، بل على دعم مؤسساتها وقدرتها على إدارة خلافاتها سياسيًا. فالتكالب الجديد على أفريقيا قد يبدأ بمنافسة على الموانئ والممرات البحرية، لكنه ينتهي بإعادة تشكيل الدول والمجتمعات. وما لم تُضبط هذه المنافسة، فقد يصبح البحر الأحمر ليس جسرًا للتعاون، بل خط تماس دائم بين قوى إقليمية متنافسة، تدفع المجتمعات الأفريقية ثمن صراعاتها.
حقيقة دور باكستان وتركيا
تشير المعطيات المتاحة إلى أن اتفاقية الدفاع المشترك الموقّعة في مكة أنشأت إطارًا للتنسيق السياسي والعسكري، والتدريبات المشتركة، وتبادل المعلومات، والتعاون في الصناعات الدفاعية. كما تنص الاتفاقية، وفق البيانات الرسمية، على اعتبار الهجوم المسلح على أي دولة طرف هجومًا على الدول الثلاث، مع تأكيد الحكومات المعنية أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية ولا تستهدف دولة بعينها. وفي هذا الإطار، تبرز باكستان بوصفها مصدرًا محتملًا للقدرات العسكرية والقوى البشرية والخبرة العملياتية، بينما توفر تركيا قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والأنظمة الذاتية، والتطوير المشترك. أما السعودية، فتملك الموارد المالية والقدرة على تمويل مشروعات الدفاع والبنية التحتية. وقد أعلنت وزارة الدفاع التركية أن التعاون الثلاثي سيشمل الإمداد والتطوير والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا والدعم اللوجستي المستدام.
وتكتسب هذه الديناميكية أهمية خاصة في ضوء التقارير المتعلقة بصفقات سلاح باكستانية محتملة مع السودان وليبيا. فقد أشارت تقارير إلى صفقة تقدّر بنحو 1.5 مليار دولار مع القوات المسلحة السودانية، وإلى اتفاق أكبر مع الجيش الوطني الليبي. غير أن هذه الصفقات لا تزال تواجه عقبات سياسية وقانونية ومالية، ولا توجد أدلة علنية قاطعة تثبت أن السعودية طرف مباشر أو تعاقدي فيها، كما لا يوجد ما يؤكد أن اتفاقية مكة أدت إلى استئنافها. لذلك ينبغي التمييز بين الوقائع المثبتة، والصلات السياسية المحتملة، والتحليلات التي تفترض وجود دور سعودي غير معلن.
ومن ثم، لا يمكن الجزم بأن اتفاقية مكة تمثل حتى الآن آلية منظمة لتصدير تعاون دفاعي إلى أفريقيا، أو أنها تتيح لبكين توسيع نفوذها عبر ترتيبات ممولة خليجيًا ومنفذة باكستانيًا. فالمصادر المتاحة تثبت إنشاء إطار دفاعي ثلاثي وتعميق التعاون الصناعي والعسكري، لكنها لا تثبت وجود صلة مؤسسية مباشرة بالصين أو آلية متفق عليها لتسويق هذا التعاون في الدول الأفريقية. وينبغي تقديم هذه الفرضية بوصفها احتمالًا تحليليًا لا حقيقة مكتملة.
ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية للاتفاقية تتجاوز نصها الرسمي. فإذا اقترنت القدرات المالية السعودية بالخبرة الصناعية التركية والقدرات العسكرية الباكستانية، فقد ينشأ نموذج مرن للتعاون الأمني يمكن أن يجذب دولًا أفريقية تبحث عن بدائل للعروض الغربية أو الروسية أو الصينية. وقد يتيح هذا النموذج تقديم التدريب والتسليح والخدمات اللوجستية من خلال قنوات متعددة، بما يصعّب تحديد المسئولية السياسية ويزيد من تعقيد الرقابة الإقليمية والدولية.
وبالنسبة إلى الحكومات الأفريقية، قد يضيف هذا الترتيب مسارًا جديدًا إلى سوق أمنية شديدة التنافس، تتداخل فيها العروض الصينية والتركية، والروسية، والغربية والخليجية. وتكمن المشكلة في أن خطوط المساءلة قد تمر عبر عواصم خارج القارة بدلًا من المؤسسات الأفريقية، بما قد يضعف دور الاتحاد الأفريقي ويزيد اعتماد الحكومات الوطنية على الشركاء الخارجيين.
وعليه، فإن اتفاقية مكة لا ينبغي وصفها تلقائيًا بأنها مشروع نفوذ أفريقي أو قناة غير مباشرة للصعود الصيني. الأدق أنها إطار دفاعي ثلاثي قابل للتوسع، وقد تترتب عليه آثار أفريقية إذا تحولت آليات التعاون الصناعي والعسكري إلى صفقات أو شراكات خارجية. وستتوقف دلالتها الفعلية على مدى شفافية هذه الترتيبات، واحترامها لحظر السلاح والقانون الدولي، وخضوعها للرقابة، وعدم استخدامها لتعميق الحروب الأهلية أو تحويل الدول الأفريقية إلى ساحات تنافس بالوكالة.
وفي هذا السياق، يستحق دور تركيا إشارة خاصة. إن وجود أنقرة البحري وطائراتها المسيرة في الصومال يسبق الاتفاقية بسنوات، وقد أعادت صناعتها الدفاعية الموجهة للتصدير تشكيل الصراعات بالفعل إلى ما هو أبعد من القرن الأفريقي - فقد ظهرت الطائرات المسيرة المصنعة في تركيا في ساحات القتال في منطقة الساحل حيث تتجه المجالس العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى تنويع مصادرها بعيدًا عن الموردين الفرنسيين والروس.
إنّ اتفاقية تمنح الدبلوماسية الدفاعية والصناعية التركية دعماً رسمياً للأمن الجماعي في الخليج تُعزز مكانة أنقرة كراعٍٍ أمني بديل في العالم الإسلامي، بما في ذلك أفريقيا. ويشير البعض إلى أن هذا يُوسّع نطاق الدعم الذي سبق أن قدمته أنقرة لحلفائها في قطر وسوريا وليبيا، مُضيفاً مزيداً من العمق والموارد إلى ما يُمكن اعتباره آلية دفاع جماعي أوسع. وتجدر الإشارة إلى أن ليبيا أرض أفريقية شهدت حرباً بالوكالة بين بعض دول الخليج وتركيا.
هل نحن أمام ناتو شرق أوسطي جديد؟
قد يميل بعض المراقبين إلى وصف اتفاقية مكة بأنها أول إطار أمني جماعي عربي–غير عربي منذ حلف بغداد عام 1955. فقد جمع حلف بغداد آنذاك العراق وتركيا وباكستان وإيران والمملكة المتحدة ضمن منظومة ارتبطت بالاستراتيجية الغربية خلال الحرب الباردة. وجاء ذلك في مرحلة كانت فيها شعوب ودول أفريقية تخوض نضالًا شاقًا للتحرر من القوى الاستعمارية نفسها التي دعمت الحلف أو استفادت منه. ومع أن المقارنة بين الاتفاقيتين ليست دقيقة تمامًا، فإنها تظل مفيدة من الناحية التاريخية والسياسية. فقد أظهرت التجارب السابقة أن الترتيبات الأمنية التي تُصاغ خارج الأطر الإقليمية المحلية قد لا تظل محصورة في مناطقها الأصلية، بل يمكن أن تنقل تنافساتها وصراعاتها إلى مناطق أخرى، بما في ذلك أفريقيا، رغم أن الدول والمجتمعات الأفريقية لم تشارك في صياغة تلك الاتفاقيات أو تحديد أهدافها.
ومن هذه الزاوية، تثير اتفاقية مكة أسئلة تتجاوز بنودها المعلنة. فالنص العلني لا يتضمن، حتى الآن، عضوية مصر، رغم ورود القاهرة ضمن الإطار الاستشاري الرباعي لعام 2025 والذي برز بصورة أوضح خلال عام 2026 في سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران والتوترات الإقليمية. كما لا توضح الاتفاقية وجود آلية رسمية للتشاور مع الدول الأفريقية، ولا تتضمن إحالات مؤسسية واضحة إلى الاتحاد الأفريقي أو الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية "إيغاد". ولا يعني غياب هذه العناصر أن الاتفاقية ستتحول حتمًا إلى تحالف موجه ضد أفريقيا. غير أن غياب البعد الأفريقي يظل مهمًا، لأن أي ترتيبات أمنية تتعلق بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي وخليج عدن تمس مباشرة مصالح دول تقع على الضفة الأفريقية لهذه المناطق. ومن ثم، لا ينبغي أن تُتخذ قرارات تتصل بأمن هذه الأقاليم من دون مشاركة الدول الأفريقية المعنية أو مؤسساتها الإقليمية.
فهل نحن أمام ناتو شرق أوسطي جديد؟. لا تسمح المعطيات الحالية بإجابة قاطعة. فالاتفاقية، بحسب ما أعلنته الأطراف، تركز على الدفاع المشترك والتنسيق العسكري والتعاون الصناعي، ولا تزال تفتقر إلى البنية المؤسسية والعضوية الواسعة التي تجعل منها حلفًا مكتمل الأركان على غرار الناتو. والمسألة الحاسمة، إذن، ليست ما إذا كانت اتفاقية مكة ناتو جديدًا بالمعنى الحرفي، بل ما إذا كانت ستؤسس لنظام أمني تشارك فيه أفريقيا بوصفها شريكًا، أم سيُدار فوقها ومن دونها.
ختامًا، ماذا تعني اتفاقية مكة بالنسبة للسياسة الأفريقية؟
بالنسبة لأفريقيا، ولاسيما دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا ينبغي التعامل مع اتفاقية مكة باعتبارها تطورًا أمنيًا محصورًا في الخليج، بل باعتبارها مؤشرًا على إعادة تشكيل أوسع لمعادلات الأمن الإقليمي تمتد آثارها إلى البحر الأحمر والممرات البحرية والطاقة والتجارة. فالاتفاقية تجمع بين موارد السعودية وموقعها الاستراتيجي، والقدرات الدفاعية والصناعية التركية، والقوة العسكرية والخبرة العملياتية الباكستانية، بما قد يمنحها وزنًا يتجاوز حدود أعضائها الثلاثة. ومع ذلك، فإن تباين تصورات التهديد والمصالح بين الأطراف يجعل الاتفاقية، في مرحلتها الحالية، أقرب إلى إطار سياسي وأمني للردع والتنسيق منه إلى تحالف عسكري متكامل.
وتفرض هذه المعادلة على الدول الأفريقية اعتماد سياسة تقوم على اليقظة دون الانجرار إلى الاستقطاب. فكلما اتجهت الاتفاقية من إعلان سياسي إلى ترتيبات عملية تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب المشترك، والدفاع الجوي والصاروخي، والتنسيق اللوجستي، ستزداد أهميتها بالنسبة إلى أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والمحيط الهندي. كما أن اعتماد الاتفاقية على التنفيذ المؤسسي، لا على لغة الالتزام وحدها، يعني أن الدول الأفريقية تمتلك فرصة مبكرة للتأثير في البيئة الأمنية الناشئة بدل انتظار اكتمالها ثم التعامل مع نتائجها.
وفي هذا السياق، ينبغي للاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، ودول البحر الأحمر أن تنظر إلى موقعها الجغرافي باعتباره أصلًا استراتيجيًا وأداة تفاوضية، وليس مجرد مساحة تتنافس القوى الخارجية على تأمينها. فالموانئ، والمجال الجوي، وخطوط الملاحة والطاقة، وممرات التجارة، إلى جانب القدرة على الوساطة السياسية، تمنح الدول الأفريقية مصالح وأوراق نفوذ حقيقية في أي ترتيبات أمنية جديدة تمتد عبر البحر الأحمر.
على أن الخطر الأكبر بالنسبة لأفريقيا يكمن في أن إعادة توزيع أدوار الأمن الإقليمي قد تجعل البحر الأحمر والقرن الأفريقي أكثر ارتباطًا بحسابات قوى خارجية لا تنطلق بالضرورة من الأولويات الأفريقية أو الدول المشاطئة لمياهه الإقليمية. وإذا تحولت الترتيبات الأمنية الجديدة إلى منافسة على الموانئ والقواعد والنفوذ وممرات الطاقة، فقد تجد الدول الأفريقية نفسها مرة أخرى في موقع الساحة التي تُدار فوقها التنافسات، بدل أن تكون طرفًا في صياغة قواعدها.
لذلك، فإن الرد الأفريقي الأكثر واقعية هو المطالبة بدور أفريقي فاعل في هندسة الأمن الإقليمي. وينبغي أن يكون الهدف هو ضمان أن أي ترتيبات أمنية تخص البحر الأحمر والممرات المرتبطة به تأخذ مصالح الدول الأفريقية وسيادتها وأمنها في الحسبان منذ البداية، وأن تُعامل أفريقيا كشريك يُستشار ويشارك في وضع القواعد، لا كممر استراتيجي يُؤمَّن من الخارج.
وفي نهاية المطاف، قد تمثل اتفاقية مكة بداية انتقال في مفهوم الأمن الإقليمي من الاعتماد على الضمانات الخارجية إلى بناء قدر أكبر من القدرة الذاتية والشراكات المتعددة. وإذا كان هذا التحول يعيد تعريف من يملك القدرة على كتابة قواعد الأمن في الشرق الأوسط، فإن السؤال بالنسبة لأفريقيا هو ما إذا كانت ستكتفي بالتكيف مع القواعد الجديدة، أم ستستخدم موقعها ومصالحها ونفوذها للدخول في عملية صياغتها. فالرهان الأفريقي الحقيقي ليس على أن تتوقف القوى الخارجية عن التنافس في محيطها، بل على ألا تتحول أفريقيا مرة أخرى إلى مجرد مسرح لهذا التنافس.
مراجع وقراءات مختارة:
1- Al-Jaber, K. (2026, August 13). The Mecca Agreement: From imported security to regional joint security, Middle East Council on Global Affairs, August 13, 2026; https://n9.cl/bohwc
2- Bano, S. (2026, August 10). The Mecca Pact redraws the Indo-Pacific’s western edge. The Interpreter, August 10, 2026; https://n9.cl/7sq977
3- Bano, S. (2026, August 16). A new ‘NATO of the East?’ Why the Mecca pact isn’t quite what it seems. The Conversation, August 16, 2026; https://n9.cl/ekc9x8
4- The Unit for Political Studies. (2026, August 18). The Mecca Defense Pact: A new security architecture for the Middle East? (Situation Assessment). Arab Center for Research and Policy Studies, August 18, 2026; https://n9.cl/jz1lz