يثير مصطلح الشرق الأوسط الجديد الكثير من الجدل السياسى حول ما يفرضه المصطلح من تداعيات سياسية، ودلالات جيواستراتيجية تتعلق بتاريخ وحاضر ومستقبل جغرافيا المنطقة العربية وهويتها الثقافية والحضارية. ولكن من ضمن ما يثيره من جدل، هو القبول العربى الطوعى به رغم الإقرار بمخاطره، بدون أن يكون هناك توصيف عربى لماهيته ومكوناته، وكأن الواقعية السياسية تفرض القبول به كمشروع لإعادة هندسة جغرافيا المنطقة وتوازنات القوى بها والتماس مع الإدراكات المختلفة التى طرحتها قوى دولية وإقليمية.
ويقودنا ذلك للتساؤل: هل نحن في حاجة لمصطلح دلالى يتجاوز الواقع العربى شديد التأزم؟، أم أننا أمام لحظة استسلام فكرى لواقع دولى شديد الاضطراب والمخاطرة، ترك بصمته السلبية على هويتنا السياسية، ودفع نحو فرض التنازع على مرتكزات العروبة كهوية ثقافية؟.
صحيح أن الواقع الراهن هو نتاج تراكمات وحساسيات وحسابات للمصالح ورؤى وأفكار متصارعة، ساهمت بقدر كبير في تجسيد هذا الواقع المأزوم، الذى يتجاوز واقع الإمكانيات والموارد والقدرات التي يمكن أن ترسم واقعاً مخالفاً، وسط لحظة يعاد فيها تشكيل توازنات القوى الدولية وطبيعة التحالفات الحاكمة لبنية النظام الدولى.
وصحيح أيضاً أن الواقع المؤلم الذى تترجمه خريطة الصراعات والتنافسات العربية-العربية أكبر من القدرة على تجاوزها وإنهائها في وقت قصير، ولكن تبقى عناصر الرؤية الاستراتيجية للقوة والمصالح والمكانة مرتكزات مغرية لإعادة صياغة منطلقات تغيير هذا الواقع على مراحل وعبر فترة زمنية قصيرة ومتوسطة، لاسيما فى إطارها الثقافى والقيمى.
أولاً: نقطة البداية
تحديد من نحن وما هى هويتنا ومن يتوافق مع مكوناتها، ليس من أجل تحديد الدول المشكلة للكتلة الصلبة التي تبنى من خلالها مسارات التفاعلات ومستوياتها، ولكن لتكوين بنية مجتمعية فكرية تمثل قاعدة ومرتكزاً لتعظيم المصالح بين أعضاء هذه الكتلة، وتحديد أولويات التهديدات والمخاطر التي تعصف بالدول والمجتمعات في عالم يعصف بالهويات الضعيف. وأيضاً لأن الجميع يدرك أهمية التحصن بالهويات والخصوصية كجزء من مواجهة "تسونامى التكنولوجية" التي تضرب الإنسانية في جذورها وليس الهوية فقط.
يعرف المفكر الفرنسي أليكس ميكشيللي الهوية بأنها "منظومة متكاملة من المعطيات المادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي، وتتميز بوحدتها التي تتجسد في الروح الداخلية التي تنطوي على خاصية الإحساس بالهوية والشعور بها، فالهوية هي وحدة المشاعر الداخلية، التي تتمثل في وحدة العناصر المادية، والتمايز، والديمومة، والجهد المركزي. وهذا يعني أن الهوية هي وحدة من العناصر المادية والنفسية المتكاملة، التي تجعل الشخص يتمايز عمن سواه، ويشعر بوحدته الذاتية".
لذا تضعنا اللحظة الراهنة وما تعكسه من تحولات دولية وإقليمية، أمام تحديات كبرى ذات تأثير عميق على مجتمعاتنا العربية، تحديات ترتبط ببنيتها ودرجة تماسكها، بعد أن تعرضت تلك البنية إلى الكثير من معاول الهدم، الأمر الذي زاد من هشاشة القوى الاجتماعية وثقافاتها التقليدية وأضعفت آليات الضبط الاجتماعي، فى نفس الوقت الذي لم تتطور المجتمعات بمؤسساتها وثقافتها لتتواكب مع ما فرضته الحداثة وما بعدها من سياقات ثقافية ومادية، لنكون أمام تحديات تتقاطع مع تلك التحديات التي تواجهها المجتمعات الغربية بما فرضته قيم الحداثة من ذاتية ومادية واختلالات مجتمعية وأفكار متشددة وشاذة تصل ببعض مفكريهم للحديث عن الموت البيولوجي والأخلاقي للحضارة الغربية.
وإذا ما أضفنا ما تطرحه الثورة التكنولوجية الرابعة من مخاوف إنسانية وقيمية وأفكار حول طبيعة علاقة الفرد بالوطن والدولة، لاتضح حجم التحدي الذي يفرضه هذا الواقع بكل تجلياته الإيجابية والسلبية على واقع العقل العربي ومجتمعاتنا وخصوصيتنا الثقافية ومستقبل منطقتنا.
وإن كنا نستشعر أننا أمام منحنى خطير من التحولات البنيوية العميقة التى تشهدها غالبية المجتمعات العربية - بدرجات متفاوتة - نتجت عن تداخل العوامل الداخلية مع ديناميات العولمة والثورة التكنولوجية، فإن الشعور بالخطر أو الخوف يستند إلى جملة المستجدات الناتجة عن تفاعل العديد من عوامل التفكيك، منها: تزايد إيقاع حركة تغيير المجتمعات عن التطور الطبيعي القادر على استيعابها، وتصارع المرجعيات حول الهوية والمواطنة والقيم، وتناقض الإدراكات وسيولة النظر إلى التفاعلات الاجتماعية. ورغم ما عُرف تاريخياً من قدرة على استيعاب واحتواء المتغيرات من قبل المجتمعات ذات العمق الحضارى والثقافى، فإن مداخل التفكيك المتعددة أحدثت الكثير من الاختلالات التى تمس تماسكها وتنوعها وتوازنها الداخلي.
وهنا نستحضر من جديد قضية الوعي بالذات وأزمة العقل العربي كمنهاج قادر على إعادة ضبط هذا التوازن، باعتباره نتاجاً لتراكمات حضارية أسهمت في بلورة مفهوم الأمة والهوية الجامعة، ومكّنت من صياغة الخصوصية القادرة على توفير قدر من التماسك في مواجهة التحولات المتلاحقة. ولذا، فإن السؤال القديم الجديد حول الهوية العربية اليوم لا يُختزل في كونه بحثاً عن تعريف للانتماء ومحددات الخصوصية، بل يمثل تعبيراً عن جدل أعمق بين استمرارية الذات وتحولاتها فى واقع جغرافى يشهد تسارعاً لعمليات التفكيك على أسس طائفية وعرقية ومذهبية، وواقع دولى يمس كيان الدول وهويتها وسيادتها، وواقع فلسفى اجتماعى ثقافى يفرض إعادة التفكير فى الواقع الإنسانى الذى تجاوز حدود الهوية والخصوصية إلى ماهية الإنسانية نفسها.
ثانياً: تحديد المسارات .ـ المشروع العربى فى بعده الثقافى
نحن نتحدث عن نموذح ثقافى فكرى قادر على تحقيق أفكاره وليس مجرد أفكار تثير المزيد من الجدل وتزيد من أزمة الفكر العربى، نتحدث عن منظور فكرى يبنى مشروعاً ثقافياً عربياً، ويولد أفكاراً ترتبط بقيم حاكمة ومنطلقات مما تحقق من بنية فكرية إلى آفاق داعمة للتقدم والإبداع في مجالاته التنمية والتكنولوجية والإنسانية المنشودة عربياً. وفى هذا السياق، يمكن التأكيد على عدد من الملامح، نذكر منها:
1- يعنى النموذج بالتقدم العربى الحضارى، بحيث لا يجب أن يطابق النموذج الغربى أو الآسيوى، ولكنه يجب أن يقدم معنى للتقدم لا يقتصر على تجليات الثورات العلمية والصناعية والتكنولوجية، وانعكاسها على نمو العقلانية والتحرر كما قدمتها الحضارة الغربية الحداثية، ولكن ما يمثله التقدم الحقيقى من رؤى فلسفية ودينية تتعلق بعلاقة الإنسان بإعمار الأرض وحدود انتقال التكنولوجيا من كونها وسيلة وآلية لتحسين حياه البشر، لكونها آلية حاكمة لمسارات الحياة والمعيشة، وعلاقة ذلك كله بالإنسانية والحضارة، ومن الذى سيتحكم فى تلك التكنولوجيا ومساراتها وتوجيهها.
2- معضلة الثنائيات والاستقطاب الأيديولوجى، إذ أن تحرير بعض المفاهيم الملتبسة وذات المراجعات القيمية يتطلب تناولها بقدر من الحرص وخاصة عند محاولة إسقاطها على واقع ثقافى واجتماعى مخالف، فالتباين والتناقض فى الإدراك والممارسة يتطلب وعياً بأهمية المعرفة بالسياق والبيئة المحيطة التى انتهجت هذه المفاهيم وأعطتها دلالاتها القيمية. وإن كانت المجتمعات العربية لا تمثل استثناءً، إلا أنها تعانى من حضور مفاهيم قيمية تتناقض فيما بينها مثل الحرية والمساواة فى مقابل السلطوية والذكورية على سبيل المثال، وهى قيم ذات جذور تاريخية عميقة، إلا أنها تكتسب في السياق الراهن دلالات أكثر تعقيداً بفعل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وتتجلى أيضاً في مقدمة هذه الإشكاليات مجموعة من الثنائيات الفكرية التي طالما شكّلت محور الجدل النظري والفكرى والمجتمعي، وعلى رأسها ثنائية الأصالة والمعاصرة، وثنائية الدين والدولة، والهوية والمواطنة. ولا تعكس هذه الثنائيات مجرد اختلافات فكرية عابرة، بل تعبّر عن توترات بنيوية مستمرة تتعلق بكيفية تعريف الهوية، وتحديد مسارات التحديث، في ظل تداخل المستويات التاريخية مع المعاصرة، وتفاعل المحلي مع العالمي ضمن سياق العولمة وما بعدها.
وبعيداً عن الاستقطابات السياسية والاجتماعية، فإن السياق العولمى يفرض الارتكان لفلسفة وثقافة تنبع من خصوصيتنا وتراثنا الحضاري بالقدر الذي يساهم في ترسيخ الوعي الذاتي العربى وصياغة العقل الجمعي عبر روافد متعددة تأخذ بمقومات العلم والثقافة والتقدم وفقاً للمنظور الأخلاقي والقيمى الإنسانى والديني، للوصول إلى نموذج الدولة الحديثة المستندة إلى القانون والمؤسسية والمواطنة وبالقدر الذي يعظم من ثراء الوجدان العربي، والشعور بالذات الداعمة لمجتمع متماسك، تمثل فيه المحلية السبيل إلى التقدم والعالمية، وليس العكس حتى لا نكون أمام مجتمعات يشوبها الكثير من التشوهات الثقافية والقيمية وتتنازعها الصراعات الأيديولوجية والطائفية والعرقية والدينية.
3- الدولة الوطنية العربية، وهى طوق النجاه بارتكازها على دولة المواطنة ووضوح هويتها ومنظورها الثقافى والقيمى، وقدرتها على توفير الهوية الجمعية التى لا تلغى الهويات الفرعية، وأطوارها المؤسسية الداعمة لقيمة وقاعدة المواطنة، وبما ينعكس إيجابياً على المزج بين الوطنى والقومى، ويبنى جسوراً فكرية وثقافية بين القيم الموروثة والتحولات الراهنة، بشكل متدرج يتجاوز منهج الصراع الاجتماعى ويعطى فرصة للتفاعل الإيجابى، ويتجاوز الفجوة الجيلية، لاسيما الجيل الرقمي عبر حاضنة تحفز الخصوصية وتقدم أفق التميز والافتخار المستقبلى.
ثالثاً: معنى التقدم
اتساقاً مع أهمية زيادة المكون الثقافي والمعرفي، فى ظل تنامى مجتمع المعرفة، أصبح التساؤل حول معنى التقدم أكثر إلحاحاً، وما إذا كان التقدم الغربى وفقاً لمساراته الكلية تمثل خريطة طريقة، وهل يمكن استعادة عمقنا الحضارى من خلال الاقتداء بما يمكن تسميته النموذج الغربى للتقدم أو حتى النموذج الآسيوى الصاعد، وكيف يمكن المساهمة في التقدم مع المحافظة على هويتنا وخصوصيتنا وذاتنا. وبالتالى ليس المستهدف الوقوف على مسارات وحقائق ومرتكزات التقدم أو النهوض أو حتى استكشاف مسببات التأخر، رغم أهميتها بالطبع، ولكن المأمول أن ينشغل الفكر العربى بقضية التقدم من منظور المأزق الحضارى العربى والإسلامى، ويرتكز حول موقعنا كدول نامية من مسارات التقدم والقفزات التكنولوجية التى ولدتها الثورة الصناعية الرابعة، والخامسة المتوقعة وما تطرحه من تساؤلات يفرضها المستقبل ببصماته الكبرى على شكل الدول والمجتمعات والهويات، ويطرحها النموذج الغربى، وربما النموذج الآسيوبى بقيادة الصين والهند.
ويمكن أن تمثل قضية الهوية والثقافة الحافظة لقيمة الإنسانية الحضارية مدخلاً حاكماً لتعزيز سبل إدارة التنوع الثقافي في ظل ما يكتنف العالم المعاصر من تنازع وتآكل ثقافي أمام ما يعرف بـ"الهوية العولمية" أو "المواطن العالمي" أو "الهوية الرقمية" والتي من شأنها أن تحول التراث الإنساني وميراثه إلى تاريخ منسى، يتآكل مع الزمن ويفقد بريقه وتأثيره على هوية المجتمعات، وأجيالها الحالية والقادمة.
فما يكتنف العالم الآن من تنامي لمظاهر "مجتمع المخاطر العالمي" تحت تأثير اختلالات التوازن البيئي والتغيرات المناخية وتعامل الإنسان مع الطبيعة وتزايد مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض الخطيرة المعدية، وتحولات كبرى للنظام الدولى والاقتصاد العالمى، جميعاً عوامل دافعة لأهمية الاستفادة من خبرات التاريخ ودروسه، وما شهده من موجات نهوض وانهيار حضارات، والتعلم بما يفيد التعايش مع الواقع المعاصر، وما يفرضه من متطلبات دافعة للتقدم الحضاري مع المحافظة على إنسانياتها، ويعزز التعايش في مجتمع عالمي متعدد الثقافات.
وبالتالى يظل التحدى مرتهناً بالمحتوى التعددى المتباين للفكر العربى، وحدود تميز تلك الرؤى لعملية التقدم ومساراته. وهنا يمكن التأكيد على محددين أساسيين، الأول يتعلق بشمولية التقدم والنهوض بحيث تشمل الدولة والمجتمع والإنسان، وتجمع بين العلم والمعرفة والصناعة والتكنولوجيا من جانب، والفن والإبداع والثقافة من جانب ثانٍ، وتعميق المنظور القيمى والأخلاقى من جانب ثالث، فضلاً عن الاستدامة.
أما المحدد الثانى فيرتبط بمرجعية التقدم والتى تحكم مساراته قدرتنا على الأخذ بمسارات وحقائق ومرتكزات التقدم والنهوض والتطور، بدون أن نفقد روحنا وهويتنا وأن تكون مرجعيتنا الثقافية والدينية والأخلاقية مرتكزاً حاكماً لهذا التقدم.
بمعنى أدق أن يكون لنا حلم للتقدم من خلال تجربتنا الخاصة وعمقنا الحضارى.