رانيا مكرم

مدير تحرير التقرير الاستراتيجي، ورئيس برنامج الدراسات الإعلامية والرأي العام

 

تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية من فضاءات رقمية لتبادل المعلومات أو التعبير عن الآراء، إلى نموذج اقتصادي متكامل أعاد تشكيل طبيعة المجال الإعلامي الرقمي، وأنماط التفاعل الاجتماعي، وحدود العلاقة بين المجالين العام والخاص.

فمع صعود ما يعرف بـ"رأسمالية المنصات" "Platform Capitalism"، باتت القيمة الاقتصادية للمنصة تستمد من القدرة على جذب الانتباه والاحتفاظ به وتحويله إلى بيانات يمكن استثمارها تجارياً. وعلى هذا الأساس، أصبحت المنصات تتنافس على إدارة الانتباه الإنساني وتسليعه.

امتدت آثار هذا التحول إلى الحياة اليومية للأفراد، حيث أعادت المنصات تعريف ما يمكن أن يصبح مادة إعلامية قابلة للتداول والربح. فأصبحت الحياة الخاصة، والعلاقات الأسرية، محتوى يخضع لقواعد السوق الرقمي، تقيسه الخوارزميات بعدد المشاهدات، ومعدلات التفاعل، والقدرة على جذب المعلنين.

وفي هذا السياق، برزت ظاهرة التوسع في استخدام الأطفال داخل المحتوى الرقمي بوصفها واحدة من أكثر الظواهر إثارة للنقاش خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبح الأطفال حاضرين بصورة متزايدة في الحسابات الشخصية والعائلية، بهدف تعزيز انتشارها، وتحقيق عوائد اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة. وأدى ذلك إلى بروز تساؤلات أخلاقية وقانونية حول حدود سلطة الوالدين في إدارة الحضور الرقمي لأبنائهم، وحق الطفل في الخصوصية، ومدى مسئولية المنصات الرقمية عن تشجيع هذا النمط من المحتوى.

وقد انتبهت الدولة المصرية إلى خطورة هذا التوظيف للأطفال في المحتوي الرقمي، واستغلالهم من قبل آبائهم لجذب الانتباه والحشد والتأثير على الرأي العام، وكذلك الضغط على الخصوم، حتى وإن كان الخصم والد أو والدة الطفل، كأحد صور الاستخدامات السلبية للشبكات الاجتماعية التي تهدد سلامة المجتمع وقيمه وأمنه وحقوق أفراده، حيث ناقش مجلس الوزراء خطة عمل مبادرة الاستخدام المسئول لصفحات التواصل الاجتماعي، بهدف الحد من مخاطر الاستخدامات السلبية لها.

رأسمالية المنصات.. كيف أعادت الخوارزميات تشكيل الحياة الخاصة؟

ارتبط التحول في طبيعة استخدام المنصات الرقمية بصعود نموذج اقتصادي جديد يقوم على جعل البيانات والانتباه والتفاعل الاجتماعي موارد أساسية لإنتاج القيمة. وتعمل على تحويل النشاط الذي يحدث داخلها إلى قيمة قابلة للاستثمار. وفي هذا السياق، يشير مفهوم "رأسمالية المنصات" "Platform Capitalism" إلى نمط اقتصادي أصبحت فيه المنصات الرقمية وسيطاً رئيسياً لتنظيم التفاعلات بين أطراف متعددة، بينما تمثل البيانات المتولدة عن هذه التفاعلات إحدى أهم الموارد التي تعتمد عليها في بناء نماذج أعمالها وتحقيق العوائد، وهو ذلك التعريف الذي اعتمده نيك سرنيتشيك في كتابه Platform Capitalism الصادر عام 2016، والذي قدم فيه تحليلاً لصعود المنصات في سياق التحولات التي شهدها الاقتصاد الرأسمالي منذ سبعينيات القرن العشرين، وصولاً إلى أزمة السوق العقارية الأمريكية في 2008 وما أعقبها من توسع في اقتصاد البيانات والمنصات [1].

وتكتسب الخوارزميات داخل هذا النموذج أهمية تتجاوز وظيفتها التقنية في ترتيب المحتوى؛ إذ أصبحت تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم تدفق المعلومات وتحديد ما يراه المستخدم، وتوقيت ظهوره، ومدى وصوله إلى جمهور أوسع. وتعتمد هذه الخوارزميات على تحليل كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بسلوك المستخدمين، مثل مدة المشاهدة، ونوع المحتوى الذي يتوقفون عنده، والتعليقات والمشاركات والإعجابات، والحسابات التي يتابعونها، ثم تستخدم هذه المؤشرات في التنبؤ بأنماط المحتوى الأكثر قدرة على جذب انتباههم وإبقائهم داخل المنصة.

وبذلك، باتت العلاقة بين صانع المحتوى والجمهور علاقة غير مباشرة تتوسط بينهما الخوارزميات لتؤثر في فرص وصول المحتوى إلى الجمهور. بينما هذه الخوارزميات لا تكافئ بالضرورة المحتوى الأكثر أهمية أو قيمة من الناحية الاجتماعية، وإنما تميل إلى تعزيز المحتوى الذي تشير مؤشرات التفاعل إلى قدرته على جذب الانتباه وإطالة زمن الاستخدام وتحفيز المشاركة وإعادة النشر. ولذلك، يصبح المحتوى الذي يتضمن عناصر عاطفية قوية، أو جدلاً، أو مفاجأة، أو صراعاً، أو تفاصيل شخصية، أكثر قدرة في بعض الحالات على تحقيق الانتشار من المحتوى الهادئ الذي لا ينتج مستويات مرتفعة من التفاعل.

ولا تقف آثار هذا النموذج عند حدود صناعة المحتوى، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل مفهوم الحياة الخاصة ذاته. فما كان ينظر إليه تقليدياً باعتباره شأناً شخصياً يظل داخل حدود الأسرة والمنزل، أصبح قابلاً للتحول إلى مادة إعلامية متى أمكن تصويره وتقديمه للجمهور. وبالتالي أصبحت الحدود الفاصلة بين المجال الخاص والمجال العام أكثر مرونة؛ إذ يستطيع الفرد أن ينقل تفاصيل من منزله وحياته اليومية إلى جمهور قد يضم مئات الآلاف أو الملايين، وأن يحول هذه التفاصيل إلى مصدر للمتابعة والتفاعل، ثم إلى عائد اقتصادي مباشر أو غير مباشر.

ومن ثم، فإن اقتصاد المنصات قد عمل على إعادة رسم الحدود بين الخاص والعام، وبين الحياة والتوثيق، وبين العلاقة الأسرية والنشاط الاقتصادي، فكلما ازدادت قدرة تفاصيل الحياة الخاصة على إنتاج المشاهدات والتفاعل، ازدادت احتمالات انتقالها من مجرد مشاركة شخصية إلى مورد اقتصادي. وفي هذه النقطة تحديداً يبدأ السؤال الأخلاقي الأكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما تصبح أكثر عناصر الحياة الخاصة قدرة على جذب الجمهور هي نفسها العناصر الأكثر حساسية، وعلى رأسها حياة الأطفال ومشاعرهم وعلاقاتهم ومعاناتهم؟

مظاهر الاستغلال الرقمي للأطفال

يثير الحضور المتزايد للأطفال على منصات التواصل الاجتماعي في مصر سؤالاً حول كيفية التمييز بين المشاركة الأسرية المشروعة والاستغلال الرقمي للأطفال. إذ ليس كل ظهور لطفل على منصة رقمية يمثل انتهاكاً لحقوقه، ومن ثم، فإن جوهر القضية لا يتعلق بالفعل ذاته، وإنما بالسياق الذي يحدث فيه، والوظيفة التي يؤديها، والنتائج التي يترتب عليها.

وانطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن المشاركة الأسرية تظل ضمن حدودها الطبيعية عندما يكون ظهور الطفل عرضياً، وغير مرتبط بتحقيق منفعة اقتصادية، ولا يترتب عليه انتهاك لخصوصيته أو المساس بكرامته أو الإضرار بمصلحته الفضلى. أما عندما يصبح وجود الطفل شرطاً لاستمرار النشاط الاقتصادي للحساب، فإن طبيعة العلاقة تتغير؛ مع تحول الطفل إلى مورد اقتصادي، اعتماداً على أن الطفل، بما يمثله من براءة وعفوية وتلقائية، يمتلك قدرة استثنائية على استدعاء المشاعر الإنسانية، وهو ما يجعل المحتوى الذي يعتمد عليه أكثر قابلية للانتشار وفقاً لمنطق الخوارزميات.

وفق هذه الآلية، فإن كل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم على المنصة تعني بيانات أكثر، وفرصاً أكبر للإعلانات، وعائداً اقتصادياً أعلى. ومن ثم، يصبح الانتباه هو السلعة الحقيقية، بينما يتحول المحتوى إلى وسيلة للحصول عليه. ويفسر هذا المنطق تنوع أنماط المحتوى التي يعتمد عليها بعض المؤثرين. فهناك محتوى يقوم على إبراز لحظات اللعب والمرح، وآخر يعتمد على المفاجآت والمقالب، وثالث يوثق تفاصيل المرض أو العلاج أو التحديات اليومية، ورابع يركز على الإنجازات الدراسية أو الرياضية. ورغم اختلاف هذه المضامين، فإنها تشترك جميعاً في استثمار القيمة العاطفية المرتبطة بالطفولة، باعتبارها المورد الأكثر قدرة على جذب الانتباه.

وتزداد تعقيدات الظاهرة مع صعود ما يمكن وصفه بـ "انتباه التعاطف"، حيث يقوم المحتوى على توظيف المواقف الإنسانية المؤثرة لتعظيم التفاعل، من خلال توثيق رحلة علاج طفل، أو نشر مقاطع متكررة لمعاناته مع مرض مزمن، أو إظهار لحظات الألم والانهيار النفسي، على نحو قد يحقق مستويات مرتفعة من الانتشار. وتكشف هذه الظاهرة أن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود الأطفال في المحتوى المشارك على المنصات، وإنما في المنطق الاقتصادي الذي يحكم ظهورهم. فحين تتحول البراءة إلى مصدر للقيمة، ويصبح التفاعل معياراً للنجاح، تزداد احتمالات تجاوز الحدود الفاصلة بين المشاركة الأسرية الطبيعية والاستثمار المنظم في الطفولة.

فيما تجدر الإشارة إلى تحول ظاهرة استغلال الأطفال رقمياً إلى أداة في الصراع الأسرى، لا سيما في حالات الانفصال والطلاق. ففي بعض الحالات، تتحول حسابات الوالدين على منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات غير مباشرة لتبادل الاتهامات، ويصبح الطفل جزءاً من السردية التي يسعى كل طرف إلى تقديمها للجمهور لإثبات أحقيته أو نفي مسئولية الطرف الآخر، من خلال تصوير الطفل أو نشر أحاديثه للإيحاء بعدم صلاحية الأب، أو لإظهار الأم باعتبارها غير قادرة على رعاية أبنائها، بما قد يتحول إلى وسيلة للضغط النفسي والاجتماعي، أو إلى محاولة للتأثير في الرأي العام والمحيط الأسري والقانوني.

وتتعاظم خطورة هذا النمط عندما يجري إشراك الطفل بصورة مباشرة في الصراع، من خلال دفعه إلى التعبير أمام الكاميرا عن موقفه من أحد الوالدين، أو استخدام أقواله وشهاداته في حملات رقمية تستهدف تشويه صورة طرف لحساب الطرف الآخر أو الضغط عليه. وفي حالات أخرى، قد تتحول المنصة إلى وسيلة للتهديد بنشر تفاصيل الحياة الأسرية أو صور الأطفال أو محادثاتهم، بما يجعل الطفل نفسه أداة ضغط أو ابتزاز داخل النزاع، بما يمس الطفل نفسه بوضعه في موقع يتجاوز قدرته على الاختيار.

وتفرض هذه الظاهرة بدورها إعادة النظر في مفهوم الخصوصية الرقمية للأطفال؛ من خلال حماية صور الطفل وبياناته من الغرباء، وحمايته أيضاً من استخدام أقرب الأشخاص إليه من خلال حضوره في محتوي يمثل أحد أدوات نزاعاتهم الخاصة.

إشكاليات حماية الطفل في اقتصاد المحتوى العائلي

تتعدد الإشكاليات التي تفرضها ممارسات استغلال الأطفال في المحتوي الرقمي، لتتجاوز حدود النشر ذاته إلى أسئلة تتعلق بحقوق الطفل ومصلحته الفضلى، ومن أهم هذه الإشكاليات ما يلي:

1- أزمة الموافقة في البيئة الرقمية: من المبادئ المستقرة في الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية أن الوالدين يمارسان الولاية على الطفل بما يحقق مصلحته الفضلى. غير أن هذا المبدأ يواجه تحدياً جديداً في البيئة الرقمية، لأن القرارات المتعلقة بالنشر لا تتوقف آثارها عند لحظة التصوير، ولكنها تمتد إلى المستقبل، لتشكل جزءاً من الهوية الرقمية للطفل.

فالطفل لا يملك القدرة القانونية أو الإدراكية للموافقة على نشر تفاصيل حياته، كما لا يستطيع تقدير الآثار المستقبلية لهذا النشر، وربما يفرح لكونه مشهوراً. ومع ذلك، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام سجل رقمي يوثق طفولته بكل تفاصيلها؛ بشكل ربما لا يرضيه مستقبلاً. ومن هنا، تعد مسألة الموافقة قضية تتعلق بحق الطفل في أن يختار بنفسه صورته العامة عندما يصبح قادراً على اتخاذ القرار، وهو ما دفع عدداً متزايداً من الأدبيات إلى الحديث عما يمكن تسميته مجازاً "الحق في المستقبل الرقمي"، بوصفه امتداداً طبيعياً للحق في الخصوصية.

2- الكرامة الرقمية للطفل: وهي إشكالية تتصل إلى حد كبير بسابقتها، إذ تكون الكرامة هي المعني الأكثر غياباً في النقاشات حول قضية استغلال الطفولة رقمياً. إذ ينصب التركيز غالباً على الخصوصية أو على الجانب القانوني. فالكرامة الرقمية لا تعني فقط عدم نشر صور محرجة، وإنما أيضاً عدم اختزال وجود الطفل في كونه أداة لجذب الجمهور وزيادة الأرباح. كما تعني احترام حقه في ألا تتحول حياته اليومية إلى مادة استهلاكية دائمة، وألا تصبح قيمته الاجتماعية مرتبطة بما يحققه من مشاهدات أو تفاعل.

ومن هذا المنطلق، فإن معيار الكرامة يوفر أساساً أكثر شمولاً من مجرد معيار الخصوصية؛ لأنه ينظر إلى الطفل بوصفه صاحب حقوق أصيلة إلى جانب أحقيته في الحماية.

3- تسليع الحياة الخاصة: تكشف ظاهرة المحتوى العائلي عن تحول أعمق من مجرد نشر الصور أو مقاطع الفيديو؛ مع تحول الحياة الخاصة نفسها إلى مجال للتسويق. وتتزايد خطورة هذا التحول عندما تصبح المواقف الصعبة جزءاً من سياق إنتاج المحتوى. إذ يلجأ أشخاص إلى توثيق لحظات مرض الأطفال، أو نوبات البكاء، أو العقاب، أو الخلافات الأسرية، بصورة متكررة، بسبب ما تحققه هذه المشاهد من معدلات مرتفعة من المشاهدة. وبالتالي تصبح معاناته وتجربته الإنسانية جزءاً من دورة إنتاج محتوى والديه، بهدف التربح.

4- تضارب المصالح داخل الأسرة: ويقصد هنا تضارب المصالح بين الولاية الأسرية على الطفل والمنفعة الاقتصادية أو الاجتماعية الناتجة عن ظهوره على المنصات الرقمية. فالوالدان، اللذان يفترض أن تكون مهمتهما الأساسية حماية الطفل ورعاية مصلحته الفضلى، قد يصبحان في الوقت نفسه أصحاب مصلحة مباشرة في استمرار حضوره الرقمي، خصوصاً عندما يتحول المحتوى العائلي إلى مصدر للدخل أو إلى وسيلة لبناء قاعدة جماهيرية وتحقيق النفوذ والشهرة.

فكلما ارتبط نجاح الحساب بشخصية الطفل أو بتفاصيل حياته، أصبح التراجع عن نشر محتواه أكثر صعوبة؛ إذ تتحول صورته وحياته اليومية إلى جزء من قيمة الحساب التجارية. وبذلك قد تنشأ علاقة غير متوازنة بين مصلحة الأسرة في استمرار المحتوى ومصلحة الطفل في حماية خصوصيته وحقه في أن يعيش طفولته بعيداً عن مقتضيات السوق الرقمي.

نحو إطار جديد لحماية الأطفال في اقتصاد المنصات

تكشف التحولات التي فرضها اقتصاد المنصات عن اتساع الفجوة بين سرعة تطور البيئة الرقمية وبطء تطور الأطر القانونية والتنظيمية. فالقوانين التي تحكم حماية الطفل قد صيغت في الأساس لمواجهة أنماط الاستغلال التقليدية، سواء داخل سوق العمل أو المجال العام، بينما أوجدت المنصات الرقمية نموذجاً مختلفاً للاستغلال، يتم داخل المجال الأسري، ويعتمد على الرضا الظاهري للوالدين والطفل، ويمارس في إطار نشاط يبدو في صورته الخارجية امتداداً للحياة اليومية، بينما هو في حقيقته نشاط اقتصادي متنامي.

ولهذا، فإن الاقتصار على تطبيق النصوص القانونية القائمة، رغم أهميته، قد لا يكون كافياً لمواجهة هذه الظاهرة، لاسيما وأن التحدي لم يعد قانونياً فقط، مع تعدد جوانبه لتشمل الأبعاد التنظيمية والأخلاقية، والتقنية. ومن هنا، يبرز مفهوم "حوكمة الطفولة الرقمية" باعتباره مدخلاً أكثر شمولاً، يقوم على توزيع المسئولية بين الدولة، والمنصات الرقمية، والأسر، والمؤثرين، ومؤسسات المجتمع، بدلاً من إلقائها على طرف واحد، وهو مفهوم يستخدم لوصف "مجموعة القواعد والسياسات والممارسات والآليات التي تنظم وجود الأطفال في البيئة الرقمية، وتحمي حقوقهم ومصالحهم، وتحدد مسئوليات الأسرة والمنصات والدولة والمجتمع تجاههم". ويعد أقوى تأصيل لهذا المفهوم هو التعليق العام رقم 25 للجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 2021 بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية. إذ نقلت الوثيقة حقوق الطفل التقليدية إلى البيئة الرقمية، وأكدت مسئوليات الدول والشركات والجهات المختلفة في حماية الطفل، وتحقيق مصلحته الفضلى، وخصوصيته، وحقه في أن يُسمع، وفي تطور قدراته واستقلاليته [2].

1- مسئولية المنصات الرقمية: اعتادت شركات التكنولوجيا تقديم نفسها بوصفها منصات محايدة لا تتحكم في المحتوى الذي ينتجه المستخدمون. غير أن هذا الطرح أصبح محل مراجعة متزايدة، خاصة بعد أن أثبت الواقع أن الخوارزميات تلعب دوراً حاسماً في تحديد المحتوى الذي يتوسع نشره أو يتقلص. ومن ثم، فإن مسئولية المنصات لا تقتصر على إزالة المحتوى المخالف، وإنما تمتد إلى مراجعة الحوافز التي تشجع بصورة غير مباشرة على إنتاج المحتوى القائم على استغلال الأطفال. ويشمل ذلك تطوير سياسات أكثر وضوحاً بشأن المحتوى الذي يمس حياة الأطفال اليومية، لتحقيق الدخل منه، حتى لا يصبح انتهاك خصوصية الطفل وسيلة للوصول إلى جمهور أوسع.

2- تحديث التشريعات: تكشف التجارب المقارنة أن عدداً متزايداً من الدول بدأ في تطوير تشريعات تتعامل مع الأطفال المؤثرين باعتبارهم فئة تستحق حماية خاصة. وقد اتجهت بعض هذه التشريعات إلى الاعتراف بحق الطفل في نصيب من العوائد المالية الناتجة عن استغلال صورته أو مشاركته في المحتوى، وإلزام أولياء الأمور بحفظ جزء من هذه العوائد لمصلحة الطفل، وإلى تنظيم ساعات التصوير، فضلاً عن تعزيز حقه في الاعتراض على استمرار نشر المحتوى بعد بلوغه سن الرشد. فيما يكفل التشريع الفرنسي على سبيل المثال في هذا الشأن لجوء الطفل، بعد بلوغه، إلى القضاء وللاعتراض على استغلاله، استناداً إلى القواعد العامة لحماية الحق في الخصوصية.

3- تدشين مدونة سلوك وطنية لأخلاقيات المحتوى العائلي: مع التسليم بأن لكل مجتمع خصوصيته، فإن مدونات السلوك المهنية الوطنية تعد إحدى الأدوات الفعالة لسد الفجوة بين النصوص القانونية والممارسات اليومية في مصر، ومن ثم، قد يكون من المناسب التفكير في إعداد مدونة وطنية لأخلاقيات المحتوى العائلي الرقمي، تتضمن معايير استرشادية للمؤثرين والأسر، تحدد الحدود الفاصلة بين تصوير لقطات من الحياة الأسرية، وبين الممارسات التي تنطوي على استغلال أو انتهاك لحقوق الطفل، لتكون هذه المدونات وسيلة لنشر ثقافة المسئولية الرقمية، وترسيخ الوعي بأن حقوق الطفل تمتد إلى الفضاء الإلكتروني، كما تمتد إلى الواقع المادي.

4- بناء الوعي المجتمعي: تحتاج التشريعات إلي تحقق ثقافة رقمية في المجتمع حتى تؤتي النتائج المرجوة منها. وتتزايد أهمية هذه الخطوة المتمثلة في بناء وعي مجتمعي بهذه القضية، في ظل اعتقاد قطاعات واسعة من الأسر التي تعمل في مجال السوشيال ميديا أن مشاركة فيديوهات للأطفال وتفاصيل حياتهم باعتبارها شأناً شخصياً، دون إدراك أن هذه المواد قد تبقى متاحة لسنوات طويلة، وأنها تسهم في تشكيل نظرة الطفل لنفسه في المستقبل.

ومن ثم، تبرز أهمية إطلاق برامج توعوية تستهدف الآباء والأمهات بشكل عام، وصناع المحتوى بشكل خاص، وكذلك المؤسسات التعليمية، لشرح الحقوق الرقمية للأطفال، والمخاطر المرتبطة بالإفراط في النشر، وأثر ذلك في مستقبلهم النفسي والاجتماعي والمهني.

في النهاية، يمكن القول إن ظاهرة توظيف واستغلال الأطفال في المحتوى الرقمي تكشف عن تحول عميق في طبيعة المجتمع وقيمه وقناعاته، ووظيفة المنصات الرقمية على حد سواء، إذ أصبحت العلاقات الإنسانية نفسها جزءاً من دورة إنتاج اقتصادي للمنصات. وإذا كانت الثورة الصناعية قد دفعت الدول، في القرن التاسع عشر، إلى سن قوانين لحماية الأطفال داخل المصانع، فإن الثورة الرقمية تفرض اليوم تحدياً لا يقل أهمية، يتمثل في حمايتهم داخل اقتصاد المنصات.


[1] Srnicek, Nick, Platform Capitalism, Cambridge: Polity Press,  October 2023, https://www.researchgate.net/publication/374807411_Platform_Capitalism.

[2] التعليق العام رقم 25 (2021) بشأن حقوق الطفل فيما يتعلق بالبيئة الرقمية، موقع الأمم المتحدة مكتب المفوض السامي، 2 مارس 2021، https://www.ohchr.org/ar/documents/general-comments-and-recommendations/general-comment-no-25-2021-childrens-rights-relation.