"هذه الدولة أسسها عباقرة، ولكن يحكمها مجموعة من الُبلهاء" – السيناتور جون كينيدي، يناير 2018.
أثار عرض وثائقي "التجربة الأمريكية" The American Experiment على منصة "نيتفليكس" في 24 يونيو الماضي - والذي يتكون من خمس حلقات بعناوين "الحرية،" "الطغيان ، كالجحيم، لا يُقهر بسهولة،" "الولايات المتحدة ليست متحدة،" "نحن الشعب،" و"إنذار واشنطن" - جدلاً واسعاً. ومع أن هذا الوثائقي يتناول التاريخ الأمريكي كأي وثائقي آخر، خاصةً بعرضه في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، إلا أن توقيت العرض، وفريق الإنتاج، والمتحدثين المشاركين، والموضوعات المطروحة، كل ذلك طرح عدداً من الدلالات التي ترتبط بسياق المنافسة السياسية القادمة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم.
تقوم الحلقات بعرض رحلة تأسيس الولايات المتحدة منذ الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية إلى بداية عمل النظام الأمريكي. وهذا في إطار سؤال رئيسي وهو "هل يمكن لديمقراطية تُحكم ذاتياً أن تنجو؟". وتعتمد في هذا على سرد التاريخ الأمريكي، وتعدد الرؤى الحزبية، وربط الماضي بالحاضر. وتطرح في هذا الصدد عدداً من الأسئلة الأخرى والتي تشكل إعادة قراءة للتاريخ السياسي الأمريكي في ضوء الأحداث الحالية المرتبطة بصعود اليمين وتولي دونالد ترامب الرئاسة وطريقة تعامله مع المؤسسات السياسية الأمريكية.
ويوجد العديد من الأطر النظرية التي تتناول العلاقة بين العرض البصري من أفلام ومسلسلات ووثائقيات وتأثيرها السياسي على الجماهير والناخبين، وقدرتها على تغيير الصور الذهنية لدى المواطنين والتحكم في اتجاهات الرأي العام مثل إسهامات ميشيل فوكو ولويس ألتوسير وغيرهما. كما أن هناك إسهاماً بحثياً واسعاً حول قدرة الوثائقيات تحديداً على التأثير في الرأي العام عن طريق خلق نقاش عام بين المواطنين، وذلك بسبب خصائص الوثائقيات من تحقيقات مطولة وتحضيرات دقيقة والاعتماد على مراجع موثوقة تعطيها صبغة الأصالة والمصداقية، وتحويل الحقائق التاريخية والسياسية إلى قصص، وربط القضايا السياسية بالتجربة الإنسانية للمشاركين في الوثائقي.[1]
هذه الخلفية تعزز من إمكانية التعامل مع هذا الوثائقي كأداة لإعادة تشكيل وعي الشعب الأمريكي إزاء ما يتعامل معه كأزمة مؤسسية وسياسية تمر بها الولايات المتحدة بوجود اليمين على رأس السلطة بين 2017 و2021 وبين 2024 و2028.
بهذا، يمكن اعتبار هذا الوثائقي كمجموعة من الرسائل للشعب الأمريكي مطروحة في طريقة قصصية عن تاريخ الدولة الأمريكية. وهو الذي بدأ به الؤثائقي من خلال التأكيد على أن الولايات المتحدة تمر بوقت "التاريخ فيه على السطح"، أي أن هذه الأزمة تثير الأسئلة عن تاريخ الدولة والأساس الذي تم بناء المؤسسات السياسية عليه. وهذا بالأساس للنظر في أن حل الأزمة هو من داخل هذا النظام الذي تم بنائه منذ 250 عاماً، وأن الأزمة الحالية تمثل ابتعاداً فجاً عن هذا الأساس.
طاقم التصوير والمتحدثون: هوى ديمقراطي ناقد لترامب
كان واضحاً أن أغلب الأفراد المشاركين في الوثائقي، إن لم يكن مجملهم، لديهم هوى ديمقراطي وآراء ناقدة للرئيس ترامب واليمين السياسي، سواء صانعي أفلام شاركوا في أعمال تميل للفكر الديمقراطي، أو فاعلين نشطين في السياسة الأمريكية يروجوا لأفكار الديمقراطيين، أو أعضاء في الحزب الديمقراطي، أو خصوم مباشرين لترامب من داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري. فمثلاً فريق الإنتاج يضم عدداً كبيراً من ناقدي ترامب مثل سارة هويسينغا، جاري جوتزمان، جوناه بادر بجانب مخرج العمل نفسه برايان نابنبرغر، بالإضافة إلى الممثل البارز توم هانكس.
وبالتركيز على نابنبرغر وهانكس، فالأول اشتهر بانتقاده لتقييد حرية الصحافة والإعلام وللرقابة الحكومية وعلاقة السياسة بالثروة، وفي الفترة الأولى لترامب هاجم نابنبرغر محاولات الأول تقييد حرية الصحافة في عدة مواقف[2][3]، وهو ما هاجمه هانكس في نفس الفترة[4]، والذي وصف فوز ترامب قبل انتخابات 2024 بأنه قد يكون امتداداً لأزمات سياسية مرت بها الولايات المتحدة على مدار تاريخها[5]، وهو ما يعد جوهر وثائقي التجربة الأمريكية كما يتم الذكر، وهانكس معروف بشدة دعمه للحزب الديمقراطي الذي ظهر في دعم باراك أوباما، هيلاري كلينتون، وجو بايدن خلال الانتخابات الرئاسية الثلاث الماضية[6].
كما ضم الوثائقي أكثر من 60 متحدثاً بمهام مختلفة ظهرت أثناء حديثهم في الحلقات، فمثلاً مؤرخين لتقديم التفسير التاريخي، وسياسيين سابقين وحاليين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لربط التاريخ بالأحداث الحالية، وقضاة ومتخصصين في القانون الدستوري لتقديم رؤية أعمق عن عمل المؤسسات السياسية الأمريكية، وبعض قادة مجموعات السكان الأصليين لتقديم رؤية غير "بيضاء" للتاريخ الأمريكي. بالإضافة إلى خبراء عسكريين للحديث عن الحرب والقوة العسكرية والأمن القومي وغيرها من جوانب حرب الاستقلال.
وبالتركيز على السياسيين المشاركين، نجد عدداً من سياسيي الحزب الديمقراطي مثل هيلاري كلينتون، كامالا هاريس، أل جور، نانسي بيلوسي، جيمي راسكين، رون ويدن، زوي لوفجرين، ليزا روشستير، وهم المعروفون باتجاهاتهم المعادية لترامب، إن لم يكون بعضهم كان في خصومة مباشرة معه. أما من الحزب الجمهوري، فقد شارك عدد من السياسيين المعروفين بعدم قبولهم لسياسات ترامب، وأولهم مايك بينس والذي تحدث في الوثائقي بشكل تفصيلي عن أحداث "اقتحام الكابيتول" في يناير 2021، وعلاقتها بتوجهات ترامب وحركة ماجا والتي كانت نقطة افتراق بين بينس وترامب[7]. بجانب تيد كروز والذي يفكر في اتخاذ مواقف مستقلة عن ترامب لإمكانية ترشحه لانتخابات الرئاسة عام 2028 عن الحزب الجمهوري[8]، وجيف فليك وراند بول وروي بلانت المعروفين بانتقادهم الشديد لدونالد ترامب[9].
هذا الجمع من السياسيين من الحزبين يزيد من مصداقية الوثائقي في عرض الوقائع التاريخية والأحداث الحالية، خاصةً وأن الوثائقي بهذا يعبر عن المؤسسة الأمريكية The American Establishment بضم سياسيين من الحزبين، ولا يعبر عن رؤية حزبية واحدة. بجانب ذلك، فظهور هؤلاء السياسيين يدل على نقاط اتفاق موجودة بين الحزب الديمقراطي والجمهوريين التقليديين أو المؤسسيين؛ مما يعبر عن المؤسسة ككل، وأن أزمة الحكم الحالية تمس التراث السياسي والمؤسسي الأمريكي وليس أزمة عابرة مرتبطة بانتخابات أو ممتدة لعدة سنوات، بالتالي هي دعوة للوحدة من أجل إنقاذ النظام.
الأسئلة التي يطرحها ويجيب عليها الوثائقي
لا يتعامل وثائقي "التجربة الأمريكية" مع التجربة السياسية الأمريكية باعتبارها تجربة مثالية، بل على العكس يبدأ من منطلق أن هذه التجربة عادةً ما تمر بأزمات، ودائماً ما تحوي تناقضات تتأرجح بينها التجربة، وفي هذا يتم طرح أسئلة عن الحرية، الشرعية، الهوية، المؤسسات السياسية، الانقسامات السياسية والاجتماعية. وبهذا يطرح الوثائقي عدداً من الأسئلة عن الأساس السياسي والمؤسسي للدولة الأمريكية، والتي ترتبط بإسقاطات مباشرة أو غير مباشرة على سياسات وتحركات دونالد ترامب، والتي تبتعد عن هذا الأساس بتعديله أو تجاوزه أو قمعه. ومن أهم هذه الأسئلة:
1- من هم الأمريكيون؟: وهذا السؤال يتم التأكيد من خلاله على نقطتين مترابطتين: الأولى هي أن الهوية الأمريكية لم يتم بنائها على أساس عرقي واحد، والثانية أن هذه الهوية تم بنائها من خلال الوثائق التأسيسية وهى "إعلان الاستقلال" والدستور الأمريكي. بالتالي، وعلى لسان أل جور، تصبح الولادة على أراضي الولايات المتحدة دليلاً كافياً ليكون الطفل أمريكياً في رحاب هذه الوثائق، وفي هذا تم التأكيد على مركزية أول جملة في ديباجة الدستور الأمريكي وهي "نحن شعب الولايات المتحدة الأمريكية". مع التأكيد على التعددية الثقافية تاريخياً للشعب الأمريكي، والاعتراف بأن مسألة العبيد والسكان الأصليين ظلت غير محسومة لفترات طويلة، وهو ما يتناقض مع سياسات الهوية التي تتبناها إدارة ترامب والتي تحاول من خلالها حصر الهوية الأمريكية في المجتمع الأبيض، والتي انعكست منذ توليه الفترة الثانية والتي بدأت بقرار منع منح الجنسية الأمريكية بحق الولادة على الإقليم وفقاً للقرار التنفيذي 14160 [10]، وقبلها التضييق على برامج التنوع، الإنصاف، والشمول من خلال القرار رقم 14173 في يناير 2025 [11]، وغيرهما فيما يقع في نطاق سياسات الهوية.
2- لماذا نكره الاحتلال البريطاني؟: ربط الوثائقي بين الاحتلال البريطاني والاستبداد Tyranny، من خلال التركيز على بعض الأفعال التي قام بها البريطانيون في الـ13 مستعمرة في أمريكا الشمالية قبل أن تصبح دولة. ومن هذه الأفعال، نشر قوات مسلحة بين الشعب، فرض ضرائب ورسوم على البضائع، الحرمان من المحاكمات وغيرها من الأفعال، وهي محاولة لمطابقة عدد من أفعال ترامب بأفعال الاحتلال البريطاني، وبالتركيز على نقطة نشر القوات المسلحة في المدن وبين المدنيين، قام ترامب في سبتمبر ونوفمبر الماضيين بنشر قوات الحرس الوطني في مدن مثل لوس انجلس، واشنطن، بورتلاند، ميمفيس، وشيكاجو، مع الحديث عن جعلها مواقع تدريب لهذه القوات، بالإضافة إلى ترويجه لـ"الحرب من الداخل" في مواجهة الجريمة والهجرة غير النظامية[12]، بجانب توقيع ترامب قراراً بإنشاء قوات تدخل سريع للتعامل مع الاضطرابات داخل المدن[13].
3- ما هي الصورة المثلى للرئيس؟: اعتمدت الحلقات على التركيز على صورة الرئيس أو السياسي الأمريكي، وفي هذا قدمت نماذج مثل جورج واشنطن، جون آدمز، توماس جيفرسون، ألكسندر هاميلتون، وغيرهم. وتم تصويرهم كسياسيين يتبنوا القيم الأساسية للسياسة الأمريكية ويمتثلون لها في كل تحركاتهم. وبالتركيز على واشنطن تم تأطير جوانب شخصيته من حكمة، وكاريزما، وقرب من الشعب، وعدم حب السلطة والذي ظهر في أنه لا يريد أن يتصرف كملك أو إمبراطور، بإرسائه لمبدأ التداول السلمي للسلطة. وتم الإسقاط مباشرة على أحداث اقتحام الكابيتول في يناير 2021، وعلى حديث ترامب المتكرر عن إمكانية بقائه في البيت الأبيض لفترة أخرى[14]. بالتالي يقوم الوثائقي بإظهار هذه الفجوة بين صورة الآباء المؤسسين وصورة ترامب الحالية لبيان مدى اتساع هذه الفجوة.
في الأخير، كانت هذه بعض الموضوعات التي طرحها، وأكثرها ارتباطاً بعلاقة ترامب بالمؤسسة الأمريكية. وبالعودة للمؤسسة، كان ختام الوثائقي متمركزاً حول التحزب السياسي مع استرجاع الاتفاق بين هاميلتون وماديسون في يونيو 1790 حول مكان العاصمة الدائمة وتمرير خطة هاميلتون للديون، والذي مثل القدرة على الوصول إلى اتفاق بين الاختلافات السياسية، رغم المنافسة الشرسة. والحديث عن خطاب واشنطن الوداعي وأهمية الوحدة، وعدم تفرقة السياسة للشعب الأمريكي، لأن التحزب الشديد يفتح الباب للاستبداد ليحكم، مع التأكيد على أن الوحدة عن طريق الدستور والوثائق المؤسسة أهم من الاختلافات الشديدة.
بالإضافة إلى ذلك، انتهى الوثائقي بأن تجربة الحكم في الولايات المتحدة ما زالت "تجربة" تحتمل النجاح والفشل والتطور والتراجع، وهو ما يجب أن يفهمه الشعب الأمريكي حتى يدرك أن النظام يمكن أن يتأرجح في أي وقت، وأن الوقت الحالي هو وقت أزمة حقيقية، مع التأكيد على أن القوة الحقيقية الآن في الكونجرس الذي يمكن أن يُحجِّم سلطات القوة التنفيذية لأنه صوت الشعب وممثلهم، على نحو بدا واضحاً في اعتراض الكونجرس على بعض تحركات ترامب في السنتين الماضيتين، وكانت الجملة الختامية، أنها لحظة في التجربة لنتساءل: "هل نحن (الأمريكيون) لبعضٍ منا أم نحن لنا جميعاً"، للتأكيد مرة أخرى على أهمية هذه الوحدة.
[1] Nazgul Shyngyssova, Aliya Nurshaikhova, Timurgali Kopbayev, Zhumagali Yessenbek, and Gulzhazira Yertassova. 2024. “The Impact of Documentary Films as a Form of Investigative Journalism: Analysis of Methods, Ethics, and Public Influence.” Atlantic Journal of Communication 33 (2): 1–14. https://doi.org/10.1080/15456870.2024.2435940.
[9] Harris, Adam. 2026. “Never Trump, Still a Republican.” The Atlantic, Theatlantic, August 10. https://www.theatlantic.com/podcasts/2026/08/ra-jeff-flake/688216/.