أحياناً لا يكون الجديد في السياسة هو ما قيل اليوم، وإنما الشيء القديم الذي وجد لنفسه ظرفاً جديداً ليقال فيه مرة أخرى، ولكن بوظيفة سياسية مختلفة عن تلك التي وظف من أجلها في المرة الأولى أو المرات السابقة. وهذا تحديداً ما يجعل مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي أعلنها خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية في التاسع من أغسطس الجاري (2026) أكثر أهمية من مجرد التعامل معها بوصفها خلافاً في وجهات النظر حول قطاع غزة أو خطوات المرحلة الثانية من قرار وقف إطلاق النار في القطاع ضمن مسار اتفاق السلام الذي يشرف عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
رفض نتنياهو في تصريحاته مجموعة من المقترحات شديدة الأهمية فيما يتعلق بترتيبات المرحلة الراهنة، والتي تضمنت بدورها وثيقة النقاط الخمس عشرة للقطاع،[1] مؤكداً أن إسرائيل لن تنسحب من القطاع قبل نزع سلاح حماس بالكامل، بما يشمل وفقاً له جميع أنواع الأسلحة،[2] مخالفاً بذلك موقف الفصائل الفلسطينية القائم على الالتزام بترتيبات متزامنة ومتدرجة ولا تتضمن نزع السلاح بالطريقة التي تطرحها تل أبيب.[3] مع التأكيد في ذات الوقت على رفض قيام دولة فلسطينية، والتأكيد أنه لن يسمح بذلك "ما دام هو رئيس الوزراء".[4]
للوهلة الأولى، تبدو هذه المواقف وكأنها ترتبط بشكل مباشر بالاعتراضات الإسرائيلية على اتفاق القاهرة الذي تم التوصل إليه في نهاية شهر يوليو الفائت (2026)، والخاص بترتيبات تنفيذ المرحلة الثانية وخاصة ما يتعلق منها بترتيب نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل قطاع غزة بعد الحرب.[5] ورغم التشكيك الإسرائيلي في حقيقة الوضع على الأرض، والإشارة لتنفيذ تل أبيب الفعلي لخطوات تتماشي مع بعض المبادئ الواردة في تلك النقاط ومطالب مجلس السلام،[6] إلا أن إعلان نتنياهو هذا الموقف الرافض علناً، وما يحمله من وجود خلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية، يمنحان هذا الموقف دلالة أوسع فيما يتعلق بأهدافه وتوظيفه في المشهد الانتخابي الإسرائيلي نفسه.[7]
كما يضيف توقيت التصريحات المزيد من عوامل الأهمية، خاصة وأنها تأتي بينما يفترض أن يساهم تنفيذ ترتيبات مجلس السلام في نقل القطاع إلى مرحلة سياسية وأمنية مختلفة، وفي وقت تستعد فيه إسرائيل في 27 أكتوبر القادم لأول انتخابات للكنيست بعد السابع من أكتوبر، بينما لا يزال السابع من أكتوبر، وذكراه القريبة من موعد الانتخابات، حاضراًُ في الوعي السياسي والأمني الإسرائيلي بوصفه الحدث الذي ترك تداعياته على إحدى أهم السرديات التي بنى عليها نتنياهو مسيرته، وهي تحديداً الرواية الخاصة بأنه الشخص القادر على إدراك الخطر ومنع وصوله إلى إسرائيل، وحماية أمنها وأمن مواطنيها.[8]
بهذا لا تبدو أهمية ما قاله نتنياهو في أنه كشف عن مواقف جديدة، فالعكس هو الأقرب إلى الحقيقة في تلك الحالة، حيث أعاد استخدام مجموعة من التعبيرات والدفاع عن مواقف ظهرت في خطابه قبل السابع من أكتوبر، ومن بينها رفض إقامة دولة فلسطينية، رغم الحديث سابقاً عن إنشاء دولة منزوعة السلاح، وعدم الثقة في ترتيبات لا تمنح إسرائيل قدرة على التدخل استناداً إلى مبررات حماية الأمن ومواجهة التهديدات، كما ظهرت تصريحات مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، والخاصة بالتحفظ على الانسحاب من قطاع غزة، والسعى للقضاء على حماس، وأي ترتيب فلسطيني يمكن أن يمثل وفقاً له نقطة انطلاق لتهديد جديد من القطاع مؤكدا مقولته المتكررة "لا حماسستان، ولا فتحستان".[9]
وبهذا، يمكن القول إن الجديد هو السياق الذي توضع فيه هذه المواقف في اللحظة، والوظائف السياسية التي أصبحت قادرة على أدائها. إذ نجد أنفسنا أمام نبيذ قديم فعلاً، لكن المائدة التي يقدم عليها، والظروف التي أحاطت به، والتي وظف من أجلها، تغيرت. فالمبررات السياسية والأمنية التي كان يمكن أن تخضع قبل الحرب للجدل حولها فيما يخص التسوية السياسية والدولة الفلسطينية، أصبحت بعد السابع من أكتوبر قابلة للتقديم بوصفها "ضرورة أمنية"، وما كان يمثل مخاطر أمنية محتملة قبل السابع من أكتوبر تحول إلى نموذج القياس بعده، في نفس الوقت الذي يعاد فيه تقديم نفس سردية تهديدات غزة في التعامل مع الضفة الغربية.[10] وما كان رفضاً للدولة الفلسطينية لاعتبارات قومية وسياسية مختلفة، أصبح في الخطاب الإسرائيلي، جزءاً من إجراء أمني ضروري لمنع تكرار ما تعتبره إسرائيل نموذج غزة.
أما صورة نتنياهو بوصفه "رجل الأمن" (Mr. Security)، التي أصابها الهجوم في الصميم، فيجري إعادة بنائها على أساس مختلف لا يستند على تقديم نتنياهو بوصفه الشخص الذي منع الخطر، وإنما الذي يعرف المخاطر والتهديدات أكثر من غيره، والذي يملك القدرة على منع تكرارها حال استمر في منصب رئيس الوزراء، كما يكرر في تصريحاته. المسألة، إذن، ليست ما إذا كان نتنياهو قد تغير أم لا، أو ما إذا كان السياق الذي يعاد فيه تقديم خطابه القديم قد تغير، وإنما الأهم هو كيف يعيد توظيف ما لم يتغير في خطابه القديم داخل بيئة سياسية تغيرت جذرياً من حوله، وكيف يعيد توظيف هذا النبيذ القديم نفسه بما يخدم بقاءه السياسي رغم كل التحديات والصعاب.
أولا: الدولة الفلسطينية وخطاب ما بعد السابع من أكتوبر
يصعب فهم خطاب نتنياهو الحالي بشأن الدولة الفلسطينية دون العودة إلى الموقف الذي بلوره قبل السابع من أكتوبر. فخلال حملته الانتخابية للكنيست في مارس 2015، حرص نتنياهو على تأكيد تمسكه برفض قيام دولة فلسطينية، معلناً أن ذلك لن يحدث ما دام رئيساً للوزراء.[11]
ومثل ذلك الموقف تراجعاً عن الصيغة التي كان قد قبل بها، بشروط، في خطاب جامعة بار إيلان في يونيو 2009، الذي تحدث فيه للمرة الأولى عن دعم إنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح ضمن ترتيبات أمنية محددة. وعكس خطاب نتنياهو خلال تلك الفترة تصوراً يرى أن المشكلة لا تكمن في فكرة الدولة الفلسطينية ذاتها، وإنما في طبيعة الدولة التي يمكن أن تنشأ، وفي إمكانية تحولها إلى مصدر تهديد إذا لم تبق إسرائيل صاحبة القدرة على التحكم في المخاطر التي قد تنطلق منها، ولذلك ظل سؤال الأمن سابقاً في خطابه على سؤال السيادة الفلسطينية. إلا أنه تراجع عن هذا الموقف في عام ٢٠١٥، حين أصدر حزب الليكود بياناً أعلن فيه أن خطاب بار إيلان "أصبح لاغياً وباطلاً.. وأن السيرة السياسية الكاملة لنتنياهو هي بمثابة كفاح ضد قيام دولة فلسطينية".[12]
بدورها، اكتسبت رؤية نتنياهو حول الدولة الفلسطينية وظيفة جديدة بعد السابع من أكتوبر، ففي فبراير 2024، أكد أمام الكنيست أن قيام دولة فلسطينية لا يمكن أن يفرض على إسرائيل، وربط الاعتراف بالدولة بما اعتبره مكافأة للإرهاب، مستنداً إلى تجربة غزة في تأكيد خطورة الترتيبات التي لا تستند إلى ضمانات أمنية إسرائيلية.[13] وفي كلمته خلال افتتاح الحكومة في 21 سبتمبر 2025، أكد أن على إسرائيل أن تقاتل، سواء في الأمم المتحدة أو على جميع الجبهات الأخرى، "ضد الدعوات الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية من شأنها"، وفقاً له، تعريض أمن إسرائيل "للخطر وتشكيل جائزة عبثية للإرهاب".[14]
المهم هنا ليس أن الموقف أصبح أكثر تشدداً فحسب، وإنما أن وظيفته تغيرت، فقبل السابع من أكتوبر كان يمكن تقديم رفض فكرة الدولة باعتباره خياراً سياسياً وأمنياً داخل خلاف إسرائيلي أوسع حول حدود التسوية والدولة، ولكن بعد السابع من أكتوبر أصبح الحدث نفسه جزءاً من الدليل الذي يستند إليه نتنياهو لتأكيد موقفه، فما كان يحذر منه، وفق روايته، لم يعد احتمالاً نظرياً، بل تحول إلى تهديد أمني واسع انطلق من قطاع غزة، ومن ثم يمكن إعادة تقديم التحفظ على قيام دولة فلسطينية بوصفه نتيجة للدرس الأمني الذي مثلته غزة.
وبهذا المعنى، لم ينتج السابع من أكتوبر موقف نتنياهو من الدولة الفلسطينية الذي عبر عنه في تصريحاته الأخيرة، ولكنه منح الموقف القديم إطاراً جديداً لتبريره أو سردية جديدة لتمريره، وهو ما يعيدنا لفكرة أساسية في مسيرة نتنياهو السياسية، فالأحداث الجديدة لا تستبدل أفكاره السابقة بالضرورة، وإنما توفر لها أحياناً لغة جديدة وقوة سياسية أكبر، مما يساعده على إعادة توظيفها داخل ظروف سياسية مختلفة. ولا يقتصر هذا التحول في وظيفة الموقف على مسألة الدولة الفلسطينية، ولكنه ينطبق أيضاً على فكرة الانسحاب من القطاع. فحين يصبح التهديد هو المعيار الذي تقاس به التحركات والنتائج، لا يعود الانسحاب مجرد خطوة سياسية يمكن الاتفاق على توقيتها، ولكنه يصبح قراراً مشروطاً بتقدير إسرائيل أن التهديد الذي قد ينتج عن مثل هذا السلوك قد زال أو أصبح قابلاً للسيطرة عليه. وهنا ينتقل معيار الحكم على الترتيبات من التوافق السياسي إلى التقدير الأمني الإسرائيلي.
ثانياً: غزة وسؤال البديل بعد حماس
في غزة، لم يبدأ هذا الموقف مع الخلاف الحالي حول المرحلة الثانية من خريطة الطريق، ففي ديسمبر 2023 استخدم نتنياهو تعبير "لا حماسستان ولا فتحستان" في معرض رفضه تصوراً حول مستقبل قطاع غزة أو ما يعرف بـ "اليوم التالي" يقوم على استبدال سلطة حماس بالسلطة الفلسطينية.[15]
قد تبدو العبارة في ظاهرها رفضاً لبديلين محددين، لكنها تكشف في العمق عن مشكلة سياسية أوسع. فإذا كانت حماس غير مقبولة إسرائيلياً لأنها تمثل، وفقاً للتصور الإسرائيلي، قوة مسلحة يمكن أن تهدد أمن أمنها، فإن العبارة تعنى أن "فتحستان" لن تصبح مقبولة تلقائياً أيضاً لمجرد أنها تمثل السلطة الفلسطينية. فالمسألة بالنسبة إلى نتنياهو لا تتعلق فقط بمن يحكم غزة، وإنما بما يمكن أن ينتج عن الحكم الجديد من أفق سياسي فلسطيني. ولهذا تداخلت في خطابه ثلاثة أسئلة مختلفة ظاهرياً، تتمثل في السؤال حول من يحكم غزة، ومن يملك السلاح، والنتيجة السياسية التي يمكن أن يقود الحكم الجديد إليها. وفي حين يتعلق الأول بإدارة القطاع، يتعلق الثاني بالأمن، في حين يتعلق الثالث بمستقبل الصراع نفسه. لكن هذه الأسئلة لا يتم التعامل معها بشكل منفصل عندما تكون الدولة الفلسطينية، في تصور نتنياهو، نتيجة سياسية يعمل على منع الوصول إليها.
ومع تأكيد نتنياهو بعد السابع من أكتوبر رفض استمرار حركة حماس في حكم القطاع، ظل أحد الأهداف الرئيسية للحرب، وهو القضاء على الحركة، مفتوحاً على أسئلة تتعلق بحدود تحقيق هذا الهدف وتعريفه، هل يعني إسقاط سلطتها الإدارية، أم إنهاء حكمها على القطاع، أم تفكيك قدراتها العسكرية؟ وإذا كان المقصود هو الخيار الأخير، فمن يملك سلطة التحقق من ذلك، وما طبيعة السلطة التي يمكن أن تتشكل تالياً من دون أن تتحول إلى خطوة في اتجاه دولة فلسطينية؟ وهنا تتضح إحدى نقاط الاستمرارية المهمة في موقف نتنياهو. فهو لا يضع حداً واضحاً بين الأمن والسياسة؛ فالأمن هو الذي يرسم المجال الممكن للسياسة، فإذا كان أي ترتيب سياسي يمكن أن ينتج خطراً جديداً، يصبح من المشروع، في منطق نتنياهو، تقييده مسبقاً بشروط أمنية.
وهذا يفسر لماذا لا تكفي الإطاحة بحماس في تصور تنفيذ الترتيبات التي تتعلق بما يرتبط بمستقبل القطاع، فالمشكلة ليست فقط في الحركة أو الجهة التي تحكم القطاع، بل في نوع الترتيب الذي سيحل محلها. ومن هنا فإن "لا حماسستان ولا فتحستان" ليست مجرد عبارة سياسية لافتة، ولكنها تعبير عن مأزق سياسي، فإذا لم تكن حماس مقبولة، وإذا لم يكن البديل الفلسطيني الرسمي مقبولاً بوصفه طريقاً محتملاً إلى دولة، فما الشكل السياسي الذي يمكن أن يستقر عليه القطاع في ظل تلك الأوضاع؟ وهو سؤال لم يقدم نتنياهو تصوراً واضحاً للإجابة عنه، بقدر ما أسهمت مواقفه في تضييق مجال الإجابة، وهذه هي النقطة التي تجعل الخلاف الحالي حول خطة المرحلة الثانية أعمق من خلاف على ترتيب الانسحاب ونزع السلاح.
ثالثاً: خطة المرحلة الثانية وحدود الرؤية الأمنية
تحاول ترتيبات المرحلة الثانية، وفق التصور المطروح في إطار مجلس السلام، أن تنقل غزة من ترتيبات وقف الحرب إلى عملية انتقال تجمع بين نزع سلاح الفصائل، وإنهاء حكم حركة حماس، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ونشر قوة استقرار دولية، وتطوير إدارة فلسطينية انتقالية، وإعادة الإعمار. وقد أوضح الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في يوليو 2026، أن تنفيذ الخطة يتطلب تفكيك أسلحة الفصائل وإنهاء سيطرة حماس على القطاع، وضرورة انسحاب إسرائيل بالتزامن مع تنفيذ الاتفاق.[16]
هنا، توجد مساحة من التقاطع بين الخطة والموقف الإسرائيلي. فكلاهما ينطلق من أن غزة لا يمكن أن تعود إلى الوضع الذي كان قائماً قبل السابع من أكتوبر، وأن حماس لا ينبغي أن تستعيد قدراتها العسكرية أو سلطتها السابقة. لذلك فإن الخلاف لا يبدأ من الهدف الأمني نفسه، وإنما عندما يتحول هذا الهدف إلى سؤال عن ترتيب الخطوات وعن الجهة التي تملك حق الحكم على تحقق الأمن. وفي هذا السياق، تبرز أهمية رفض نتنياهو العلني في التاسع من أغسطس لوثيقة النقاط الخمس عشرة، وتأكيده أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة، في حين تقوم الخطة على عملية متزامنة ومرحلية يتداخل فيها نزع السلاح مع الانسحاب وترتيبات الانتقال.
قد يبدو الفرق تقنياً، لكنه في الحقيقة سياسي. فالترتيب المرحلي يفترض أن الأمن يمكن أن يتحقق تدريجياً ضمن آلية دولية متعددة الأطراف، وأن الانسحاب نفسه يمكن أن يكون جزءاً من عملية إنتاج الأمن، بما يؤسس لفكرة التزامن. أما المنطق الذي يطرحه نتنياهو فيجعل الانسحاب نتيجة لتحقق الأمن، لا أداة ضمن عملية تحقيقه. وهذا يطرح سؤالاً مهماً لا يقل في أهميته عن السؤال المتعلق بأي خطوة تأتي أولاً، وهو من يقرر أن الأمن تحقق؟ وإذا احتفظت إسرائيل بوزن حاسم في هذا التقدير، فإن ذلك يعنى زيادة قدرتها على التأثير في فرص نجاح المرحلة الثانية، حتى إذا شاركت جهات دولية وفلسطينية في تنفيذها. أما إذا انتقل هذا التقدير إلى آلية دولية أو فلسطينية، فإن ذلك يعني أن جزءاً من تعريف الخطر والحكم على انتهائه قد يصبح خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة، وهو ما لا يبدو مسألة إجرائية بسيطة في ضوء تصور نتنياهو لمركزية الأمن.
من هنا يستطيع نتنياهو أن يتفق مع الخطة في جوانب، وأن يرفضها في الوقت نفسه عند نقطة الانتقال من الأمن إلى السياسة. فهو لا يحتاج فعلياً إلى الاعتراض على نزع السلاح، ولا على إنهاء حكم حماس، ولا على وجود قوة دولية يحتفظ لنفسه ووزير دفاعه بحق الفيتو على الدول التي تشارك فيها. يمكنه قبول هذه العناصر، ثم وضع شرط يجعلها غير كافية وحدها، مثل ضرورة اقتناع إسرائيل بعدم وجود تهديد قبل أن تتخلى عن أدوات السيطرة التي تعتبرها ضرورية. وهذا الشرط يعيد إنتاج موقف أقدم من خطة السلام. فالانسحاب من القطاع، وفقاً لهذا المنطق، ليس نهاية للوجود الأمني الإسرائيلي؛ بل نتيجة له، وإذا ظل تعريف التهديد مفتوحاً، والعدائيات حاضرة، ظل توقيت الانسحاب مفتوحاً بدوره.
هنا تحديداً تظهر حدود أي ترتيب دولي يحاول الانتقال من إدارة الحرب إلى التسوية السياسية. إذ يمكن بناء إدارة انتقالية، وإنشاء قوة استقرار، ونزع السلاح، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، ولكن هذه الخطوات لا تجيب وحدها عن سؤال الغاية السياسية. وإذا لم يكن واضحاً ما هو الوضع النهائي الذي تقود إليه المرحلة الانتقالية، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في غزة وآفاق التسوية السياسية، فإن ذلك يطرح سؤالاً آخر حول إمكانية تحول الترتيبات التي صممت لإنهاء الصراع المسلح إلى صيغة لإدارته. ولا يعني ذلك أن مجلس السلام يتبنى بالضرورة مساراً حتمياً نحو دولة فلسطينية، أو أن كل عناصر الخطة مصممة لإنتاجها. وهنا يظهر السقف الذي يضعه نتنياهو، فالأمن ليس مقدمة للسياسة فقط؛ ولكنه أيضاً معيار لتحديد الحدود التي يجوز للسياسة أن تتحرك داخلها.
رابعاً: الانتخابات وإعادة بناء صورة "رجل الأمن"
تكتسب مسألة "رجل الأمن" وزناً مهماً في السياق الحالي للنقاش بسبب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، والتي يخوضها نتنياهو في ظل مشكلة لم تكن موجودة في الانتخابات السابقة بالصيغة نفسها، وتتمثل في كيفية إعادة بناء صورة "رجل الأمن" بعد أن وقع في عهده الهجوم الذي هز هذه الصورة بدرجة كبيرة. فقد أسس جزء أساسي من هوية نتنياهو السياسية على تقديم نفسه باعتباره السياسي الأكثر قدرة على فهم المخاطر والتهديدات المحيطة بإسرائيل والتعامل معها.
ولكن بعد السابع من أكتوبر تعرضت هذه الرواية لمأزق، فبعد أن قدم نتنياهو نفسه لسنوات بوصفه الحارس على أمن إسرائيل لم يستطع منع الهجوم. لكن الحرب أتاحت في الوقت نفسه إمكانية إعادة تعريف الدور. لم يعد من السهل أن يقدم نتنياهو نفسه باعتباره الشخص الذي منع الخطر، لكنه يستطيع أن يعيد تقديم نفسه باعتباره الشخص الذي يعرف طبيعة الخطر، ويملك الخبرة والإرادة لمنع تكرار هجوم مماثل للسابع من أكتوبر، وفي حين لا يمثل هذا الوضع عودة كاملة إلى صورة ما قبل السابع من أكتوبر، فإنه يتيح إعادة بنائها على أساس جديد.
من هنا، يمكن فهم الأهمية السياسية لتكرار نتنياهو عبارة "ما دمت رئيساً للوزراء" التي ظهرت في سياقات أمنية مختلفة. ففي يونيو 2026، ربط نتنياهو استمرار جهوده لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي ببقائه في منصبه، كما ربط استمرار الوجود الإسرائيلي في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان بالحاجة إلى حماية الإسرائيليين،[17] وتكررت الصيغة نفسها في حديثه في التاسع من أغسطس الجاري.
ولا تكمن الوظيفة السياسية لهذه الصيغة في أن نتنياهو وحده قادر على اتخاذ القرارات الأمنية، فهذا وإنما في تحويل الخبرة الأمنية إلى علاقة مباشرة تربط بين إدراك الخطر والقيادة. فإذا كان التهديد متعدد الجبهات، وإذا كانت الحرب لم تنتهِ آثارها، وإذا كانت غزة وإيران ولبنان وسوريا حاضرة في الحسابات الأمنية حتى اللحظة الراهنة، مع ترجيح استمرار تأثيرها خلال انتخابات أكتوبر، فإن صورة القائد الذي يملك خبرة التعامل مع هذه البيئة تصبح قابلة لإعادة التوظيف، من خلال تقديم النبيذ القديم نفسه في سياق جديد.
كما أن التشدد في الساحة الفلسطينية لا ينبغي تفسيره فقط باعتباره استجابة لضغط اليمين الأكثر تطرفاً، ولا باعتباره مناورة انتخابية فقط. فرغم تأثير كلا العاملين، يتمثل العامل المهم في امتلاك نتنياهو مخزوناً سياسياً من المواقف السابقة يمكن إعادة توظيفه في ظل التصعيد في الداخل الفلسطيني. بالإضافة إلى ما سبق الإشارة له من رفض الدولة الفلسطينية، والتحفظ على الانسحاب من القطاع، ورفض مشاركة حماس في ترتيبات المستقبل، والتشكيك في البدائل الفلسطينية، وهي مواقف تبلورت في مراحل ما قبل السابع من أكتوبر وما بعده مباشرة، لكن الحرب جعلت إعادة استخدام هذه المواقف أكثر قابلية للتسويق سياسيا. كما أن الانتخابات لا تجعل نتنياهو وحده صاحب هذا الخطاب، حيث يمكن للخصوم أيضاً تقديم أنفسهم بوصفهم أكثر قدرة منه على إدارة الحرب ومواجهة إيران، أو على الجمع بين الحزم الأمني والدعم الأمريكي. ولذلك لا تختزل المنافسة في مواجهة بين نتنياهو والحرب في مقابل خيار سلمي، وإنما تشمل صراعاً على تعريف الأمن وعلى من يملك صورة القيادة الأكثر قدرة على إدارته.
الخاتمة
لا تكمن أهمية تصريحات نتنياهو في أنها تمثل عودة إلى مواقفه القديمة فقط، وإنما في أنها عادت إلى لحظة سياسية مختلفة تماماً، وأصبحت تؤدي وظيفة تتجاوز التعبير عن رؤية نتنياهو للصراع. فرفض الدولة الفلسطينية يعاد تقديمه بوصفه استنتاجاً أمنياً من تجربة السابع من أكتوبر، والتحفظ على الانسحاب من غزة يتحول إلى شرط لمنع عودة التهديد، ونزع سلاح الفصائل يصبح معياراً لتحديد متى يمكن أن تنتهي الحرب وتبدأ المرحلة التالية. وفي الوقت نفسه، يجري اختبار قدرة نتنياهو على إعادة بناء صورة "رجل الأمن". لكن العقدة الأهم لا تقع في أي من هذه المواقف منفرداً، وإنما في العلاقة بينها وبين المسار الذي تحاول المرحلة الثانية دفعه. فإذا كان الأمن وسيلة للوصول إلى ترتيب سياسي، يصبح من الممكن تحديد شروطه وآليات التحقق منه. أما إذا أصبح الأمن معياراً مفتوحاً يحدد ليس فقط شروط الانتقال وإنما سقف نتائجه، فإن الانتقال نفسه يمكن أن يظل مؤجلاً كلما ظهرت نتيجة سياسية لا تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية.
ولعل السؤال الذي يخرج من صدام نتنياهو مع خطة المرحلة الثانية ليس ببساطة ما إذا كان سيقبل الانسحاب من القطاع، أو متى تنزع أسلحة حماس، أو من سيدير غزة. السؤال الأعمق هو ما إذا كان يمكن أن تنتقل ترتيبات ما بعد الحرب من إدارة الخطر إلى معالجة الصراع، مقابل استمرار فتح المجال لتعريف الأمن على نحو يسمح بإعادة تأجيل هذا التحول كلما ظهرت نتيجة سياسية لا يريدها نتنياهو.
وهنا نعود إلى ما ذكر سابقاً، فالنبيذ قديم، لكن قيمته السياسية لا تأتي من قدمه وحدها، ولكن من أنه قابل لإعادة التقديم كلما تغيرت الظروف: رفضاً للدولة الفلسطينية، وشرطاً للانسحاب من غزة، وضمانة لمنع عودة حماس، ووسيلة لإعادة بناء صورة القيادة. والجديد وفقاً لذلك، ليس النبيذ وإنما المائدة أو مسرح التحرك وسياقه. والمائدة الحالية أكثر تعقيداً من كل ما سبق حيث تشمل حرباً أعادت تعريف الأمن في إسرائيل، وخطة دولية من أجل غزة، وانتخابات كنيست تعيد اختبار صورة القيادة وقدرتها على إدارة الأمن. وفي هذا الواقع نفسه، لا يكتفي نتنياهو بإعادة تقديم نبيذه القديم؛ بل يحاول أن يجعل تعريفه للأمن جزءاً من القواعد التي ستحدد ما يمكن أن تنتجه المرحلة التالية.
[1] Andrew Roth, "Netanyahu rejects US-led 15-point Gaza peace plan in rare public break with Trump", The Guardian, August 9, 2026.
[2] مصطفي الشاعر، "نتنياهو يرفض "وثيقة مجلس السلام": ما دمت رئيسًا للوزراء لن تُقام دولة فلسطينية"، مصراوي، 9 أغسطس 2026. وكذلك:
Jordana Miller, "Netanyahu rejects Board of Peace 15-point peace plan until Hamas 'truly disarmed'", ABC News, August 9, 2026.
[3] عبير ياسين، "المواقف الفلسطينية من مجلس السلام وترتيبات المرحلة الانتقالية في غزة: بين تباين الرؤي وإشكاليات التنفيذ"، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أغسطس 2026، ص ص. 6-7.
[4] "No Palestinian state as long as I am PM: Netanyahu rejects Gaza peace plan", Asian News International (ANI), August 9, 2026.
[5] "النص الكامل لخريطة استكمال تنفيذ خطة ترمب في غزة"، المركز الفلسطيني للإعلام، 31يوليو 2026.
[6] عميحاي شتاين، "نتنياهو يرفض وثيقة النقاط الـ15 - لكن هل تطبقها إسرائيل فعلياً على الأرض؟"، i24 News, ٩ أغسطس 2026.
[7] Ashleigh Fields, "Netanyahu rejects plan to disarm Hamas in rare break with Trump", The Hill, August 9, 2026.
[8] Lonny Baskin, "Mr. In-security -The Weakening of Israel", The Times of Israel, June 16, 2026.
[9] "Netanyahu: We are Bombing Hamas Intensely and Anyone Who Thinks We Will Stop is Detached from Reality", Waradana, Lebanon, October 8, 2024.
[10] كفاح زبون، "إسرائيل تحاكي 7 أكتوبر في الضفة"، الشرق الأوسط، 10نوفمبر 2025.
[11] "نتنياهو ينفي تراجعه عن رفض الدولة الفلسطينية"، موقع الجزيرة نت، 20مارس 2015.
[12] "The Bar-Ilan University Speech & Netanyahu’s Vision of a Palestinian State", Institute for Middle East Understanding (IMEU), March 24, 2015, available at: https://sl1nk.com/qgcrquw
[13] Sam Sokol, "Knesset votes resoundingly against unilateral Palestinian state recognition", The Times of Israel, February 22, 2024.
[14] "PM Netanyahu's remarks at the opening of the Government meeting- 21 September 2025", Ministry of Foreign Affairs, Israel, September 21, 2025.
[15] Jotam Confino, " Netanyahu rejects calls for 2-state solution: ‘Gaza will be neither Hamastan nor Fatahstan’", Jewish News, December 13, 2023.
[16] "ميلادينوف: تنفيذ اتفاق نزع سلاح غزة يتطلب انسحاب إسرائيل، موقع إرم نيوز، 31يوليو 2026.
[17] Nina Fox and Itamar Eichner, "Netanyahu: Israel will 'keep the security zone in Lebanon as long as is necessary to protect our people'", Y net Global, June 22, 2026. And: "As long as I’m PM, Iran will never have a nuclear weapon’: Netanyahu", The Print, June 22, 2026.