رنا أحمد

باحثة مساعدة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

بات ما يعرف بالزي/الطراز الصيني الجديد (Neo-Chinese Style) الذي يجمع بين التصميم التقليدي والعصري أحد عناصر القوة الناعمة الصينية. وقد لوحظ دخوله السوق المصرية خلال الفترة الأخيرة، سواء من خلال المتاجر العالمية مثل Stradivarius و Zara أو حتى العلامات التجارية المحلية Local Brands، ومن ثم انتشاره تدريجيًا بين الفئات الشبابية وصناع المحتوى والمؤثرين.

ويكتسب هذا الانتشار أهمية خاصة، إذ يتزامن مع رغبه الصين في تعزيز قوتها الناعمة وبناء حاضنة شعبية لها في الخارج. وبالتالي، لا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مجرد اتجاه عابر، بل الوقوف على ما تحمله من دلالات اقتصادية وثقافية وسياسية تستحق التحليل. ولفهم أبعاد هذا الانتشار، تجدر الإشارة أولًا إلى السمات التي تمنح الزي الصيني خصوصيته وتميزه عن غيره.

فمن ناحية الخامات، يعتمد على أقمشة فاخرة تشمل أليافًا طبيعية مثل الحرير والكتان والقطن والصوف، بما يعكس قيم الجودة والرقي. أما من حيث التصميم، فيتأثر بالفلسفة الكنفوشيوسية التي تؤكد الانسجام بين الإنسان والطبيعة، ليجمع بين ملامح عدد من الأزياء التاريخية، مثل "التشيباو" (Qipao) و"الهانفو" (Hanfu)، كما يتميز بقصات مستقيمة وبسيطة تتلاءم مع بنية الجسم، إلى جانب القصات الواسعة على شكل  (A-Line)، والأحزمة الزخرفية، والياقات الصينية المميزة.

وفيما يتعلق بالألوان، فيشمل الألوان التقليدية كالأحمر، والأسود، والأبيض، والأصفر، والأزرق. ويُعد التباين اللوني أحد أبرز سمات الأزياء الصينية التقليدية، إذ تُخصص الألوان الداكنة للمناسبات الرسمية، بينما ترتبط الألوان الفاتحة بالمناسبات الاحتفالية، في حين تعكس الألوان المختلفة الفصول والعناصر الطبيعية.[1]

الحضور الصيني في مصر: تقاطع القوة الصلبة والناعمة

وتجدر الإشارة إلى أن ظهور الزي الصيني في مصر لم يكن اعتباطيًا أو بمعزل عن تطور العلاقات الرسمية بين البلدين، إذ كشفت المتابعة عن تزامنه مع توقيع العديد من الاتفاقات الثنائية التي استهدفت تعزيز التعاون في قطاعي الغزل والنسيج والملابس الجاهزة في مصر. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك التقاء الرئيس التنفيذي السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة حسام هيبة بممثلي 7 من الشركات الصينية العاملة في صناعات الغزل والنسيج والقطاعات المرتبطة بها، وذلك لبحث فرص الاستثمار، خلال شهر يوليو 2025. [2] فضلاً عن توقيع الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس - في يوليو 2026- عقدًا مع شركة تشجيانغ هونغدا الصينية لإنشاء مشروع لتصنيع المنسوجات في المنطقة الصناعية بالقنطرة غرب، باستثمارات تبلغ 20 مليون دولار.[3]

ولم يقتصر ذلك التوجه على القطاع الحكومي فحسب بل وكذلك الخاص، إذ وقّعت شركة السويدي للتنمية الصناعية اتفاقية مع مجموعة كريستال إنترناشيونال (Crystal International Group) لإنشاء مجمع صناعي متكامل للغزل والنسيج في مصر باستثمارات تبلغ 350 مليون دولار.[4] ويعكس ذلك أن المقاربة الصينية لا تتعامل مع الملابس باعتبارها سلعاً استهلاكية للتصدير أو التبادل التجاري فقط بل نقطة التقاء تتقاطع فيها القوة الصلبة المتمثلة في الصناعة مع القوة الناعمة.

وقد جاء هذا التوجه استكمالًا للأرقام الجيدة التي حققها قطاع الملابس الجاهزة في مصر، حيث تجاوزت صادرات الملابس المصرية مليار دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 22٪ على أساس سنوي. وقد برزت الشركات الصينية التي جاء في مقدمتها شركة تشجيانغ كادي إندستري بوصفها أحد المحركات الرئيسية لهذا النمو، ويتوقع أن يوفر مصنعها الذي تم افتتاحه حديثًا باستثمارات تقدر بـ 100 مليون دولار أكثر من 4500 فرصة عمل.[5]

وبصورة أشمل، يمكن الجدال بأن الحضور الصيني المتنامي لم يقتصر على القطاعات الاستهلاكية مثل الملابس فقط، بل امتد إلى القطاعات الصناعية وعلى رأسها السيارات، حيث استحوذت العلامات التجارية الصينية على 37 - 38٪ من إجمالي سوق السيارات المصرية عام 2025، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 29٪ عن العام السابق، وسط توقعات ببلوغ تلك الحصة ما يتراوح بين 40 - 45٪ خلال 2026.[6] وبخلاف المنتجات المطروحة في الأسواق، وفيما يتعلق بالنشاط الاستثماري، تعمل 2800 شركة صينية في مصر، في مناطق مثل المنطقة الاقتصادية بقناة السويس والعاصمة الإدارية، ذلك بحسب بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة،[7] ما يعزز من الانتشار الاقتصادي والقبول الثقافي للصين على حد سواء، ويقلل من حدة الانتقادات التي لطالما لحقتها من الغرب بخصوص غياب قوتها الناعمة وتأثيرها الثقافي. 

ويأتي ذلك كله في ظل انتقال الصين من التصنيع منخفض التكلفة إلى عالي الجودة أو القائم على التكنولوجيا Technology-Driven Industries، بما يتماشى مع أهداف الخطة الخمسية الخامسة عشر، الرامية إلى إعادة تشكيل الصورة الذهنية عن الصين، وهو ما سيؤول إلى تغيير النظرة السلبية المصحوبة بما هو "صنع في الصين"، بشكل تدريجي.

عولمة الطراز الصيني: مسارات الانتشار والتأثير

استكمالًا للحديث عن الملابس، يُذكر أن ذلك الرواج لم يكن في مصر فقط، بل امتد إلى العديد من البلدان مثل الولايات المتحدة، فأصبحت الملابس ذات الطراز الصيني، وخاصة ما يسمى بـ "سترة الماندرين"، أو"تانغتشوانغ"، شائعة في متاجر مثل Zara. ويرجع جزء من هذا الاتجاه إلى أكتوبر 2025 عقب إطلاق شركة Adidas Originals "قميص المسار الصيني" خلال أسبوع الموضة في شنغهاي.[8]

ولم يقف الأمر عن هذا الحد، بل امتد إلى المجال الثقافي، إذ برزت ظاهرة "تشايناماكسينغ" (Chinamaxxing)، وهي اتجاه واسع الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي يتبنى فيه بعض الشباب في الدول الغربية جوانب من أنماط الحياة الصينية، مثل شرب الماء الساخن. كما تعزز هذا الزخم بفضل النجاح العالمي لعدد من المنتجات الثقافية الصينية، مثل دمى Labubu.[9] ومن الولايات المتحدة إلى باكستان، انتقل الحضور الصيني إلى الفاعليات الدبلوماسية، فقامت سفارة باكستان في بكين باستضافة عرض الأزياء الباكستاني الصيني، والذي حمل شعار  “Silk Road Elegance: Two Nations, One Runway”[10]

 وعن الحضور الصيني في عروض الأزياء العالمية، فخلال أسبوع ميلانو للموضة في شهر سبتمبر 2025، كشفت العلامة التجارية الصينية HEAVEN GAIA عن مجموعتها لموسم ربيع/صيف 2026، والتي تضمنت تصميمات مستوحاة من عناصر الهانفو –الزي الصيني التقليدي– وكان قد سبق للعلامة أن عرضت مجموعاتها ضمن فعاليات أسبوع باريس للموضة، في خطوة تعكس الحضور المتنامي للأزياء الصينية على أبرز منصات الموضة العالمية، وبالتالي، انتقالها من المحلية إلى كونها عنصرًا فاعلًا في صناعة الموضة الدولية.[11]

التوجه نحو "الصيننة": هل تتغير موازين القوة الناعمة؟

ويصب ذلك في مصلحة الجاليات الصينية المقيمة في الخارج لكونه وسيلة للحفاظ على ارتباطهم بجذورهم الثقافية، ومواكبة الأذواق العصرية في الوقت ذاته.[12] وفي هذا الصدد، لا يمكن إغفال الدور الذي قام به Gen  Z عن طريق إضفاء بصمته الخاصة على هذا المسار،[13] سواء من خلال إعادة تقديم الزي بلمسة عصرية أو عبر نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، ما ساهم في توسيع دائرة انتشاره، على نحو يفسر تأثير الانفتاح على الثقافات الأخرى والأذواق المتنوعة، وهو ما وظفته السردية الصينية في الترويج إلى تزايد الإقبال على ارتداء ملابس ذات دلالات وقيم حضارية.

ويعكس ذلك أكثر من دلالة: أولها، ذكاء الصين في اختيار التوقيت وانتهاز الفرص، ولعل غلاف مجلة الايكونوميست الذي جاء بعنوان "لا تقاطع عدوك عندما ينهمك في ارتكاب الاخطاء" كان من أبرز المؤشرات التي عبرت عن ذلك،[14] في إشارة إلى تبني الصين نهجًا هادئًا وعدم اكتراثها لتصحيح أخطاء خصومها بل استثمار تلك المتغيرات الدولية لتعزيز حضورها الاقتصادي والثقافي، بما يتيح توغلها دون لفت الانتباه أو الدخول في صدام مباشر.

 ثانيها، يثبت ذلك نجاح الصين واستفادتها من تجربة كورونا التي ساهمت في زيادة التجارة الإلكترونية ومستويات الشراء عبر الانترنت؛ للترويج لمنتجاتها وطرازها الثقافي. وقد لوحظ خلال الفترة الأخيرة تزايد أعداد متاجر الملابس الصينية الافتراضية التي تستهدف قاعدة جديدة من العملاء من بينهم المصري وذلك عن طريق عرض الأسعار بالجنية، في محاولة لفتح أسواق جديدة. [15] وكان من اللافت توفير أحد تلك المتاجر خدمة التوصيل المجاني لمختلف بلاد العالم عدا الولايات المتحدة.[16]

ختامًا، يكتسب التساؤل حول مدى اتجاه العالم نحو "الصيننة" Chineseization أهمية متزايدة في ظل التحولات التي تشهدها الصورة الذهنية للصين، خاصة، وأنه للمرة الأولى منذ عقدين تقريباً، خلص التقرير الصادر عن مركز بيو للأبحاث  Pew Research Center في 15 يوليو 2026 إلى أن الصين أصبحت تحظى بصورة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في معظم الدول التي شملها الاستطلاع، وذلك استناداً إلى مقابلات أُجريت مع أكثر من 42  ألف شخص في 36 دولة.

وفي المقابل، أكدت البيانات الصادرة عن جالوب Gallup تراجع القوة الناعمة الأمريكية، إذ بلغ صافي التأييد للصين في عام 2025 نحو سالب 1٪ فقط، في حين تراجع صافي التأييد للولايات المتحدة إلى سالب 15٪، وهو أدنى مستوى يُسجل على الإطلاق.[17] لتطرح هذه المؤشرات، إلى جانب الانتشار المتزايد للمنتجات والأنماط الثقافية الصينية، تساؤلاً أوسع حول إمكانية انتقال الصين تدريجياً من مجرد منافس اقتصادي للغرب إلى نموذج ثقافي وحضاري أكثر قدرة على استقطاب الشعوب والتأثير في أنماط استهلاكها.


[1] Chunhui Song et al., “Design Expression of ‘Chinese-Style’ Costumes in The...,” Paradigm, July 4, 2023, https://reference-global.com/article/10.2478/ftee-2023-0019.

[2] “GAFI Explores Opportunities for Relocating Chinese Apparel Production Chains to Egypt,” GAFI - Invest in Egypt, July 7, 2025, https://www.investinegypt.gov.eg/English/NewsAndEvents/News/Pages/GAFI-Explores-Opportunities-for-Relocating-Chinese-Apparel-Production-Chains-to-Egypt.aspx.

[3] “Zhejiang Hongda Invests in Egypt Textile Plant,” Middle East Africa Textile News - Kohan Textile Journal, July 19, 2026, https://kohantextilejournal.com/zhejiang-hongda-invests-egypt-textile-plant/.

[4] “Elsewedy, Hong Kong Firm to Build $350 Mln Textile Complex in Egypt - Markets & Companies - Business,” Ahram Online, January 19, 2026, https://english.ahram.org.eg/UI/Front/Inner.aspx?NewsContentID=560775.

[5] “Cairo Calling: Why Chinese Manufacturers Are Choosing Egypt, and Why Eldib & Co Is Their Gateway,” ELDIB & CO, June 18, 2025, https://eldib.com/cairo-calling-why-chinese-manufacturers-are-choosing-egypt-and-why-eldib-co-is-their-gateway/.

[6] “Why Egypt’s CEOS Are Opting for Chinese Luxury Cars over Range Rovers,” EnterpriseAM Egypt, February 11, 2026, https://enterpriseam.com/egypt/2026/02/11/why-egypts-ceos-are-opting-for-chinese-luxury-cars-over-range-rovers/.

[7] “Multiple Heavyweight Projects Have Been Implemented; Egypt Is Becoming a Hot Spot for Chinese Enterprise Investment.,” China-Africa TEDA Investment Co., Ltd., September 9, 2025, https://en.setc-zone.com/News_D/1965241789754511360.html.

[8] “Sportswear Brand Revives Trend, Sparking Fresh Interest in ‘New Chinese Style,’” Chinadaily, April 9, 2026, https://www.chinadaily.com.cn/a/202604/09/WS69d6f91aa310d6866eb42572.html.

[9]  Yanzhong Huang, “China Now Outranks the United States in Global Favorability. What Happened?,” Council on Foreign Relations, July 27, 2026, https://www.cfr.org/articles/china-now-outranks-the-united-states-in-global-favorability-what-happened.

[10]  “Pakistan-China Fashion Show Strengthens Cultural Ties,” People’s Daily Online, October 20, 2025, https://en.people.cn/n3/2025/1020/c90000-20379616.html.

[12] “Why Modern Chinese Fashion Is Trending Worldwide,” Luxe Orienta CO., LIMITED, March 11, 2026, https://luxeorienta.com/blogs/fashion-trends/why-modern-chinese-fashion-is-trending-globally?srsltid=AfmBOoq70jVeg4kXRU4WAYICeEHqnKeH8fXMz-5UhVTOGiob-GCZs11D.

[13] “Netizens Teach Tiktok Refugees about Neo-Chinese Style | Jing Daily,” Jing Daily, February 7, 2025, https://jingdaily.com/posts/gen-z-reinterpret-neo-chinese-style.

[14]  “Cover Story Newsletter: How China Hopes to Win from the War,” The Economist, April 3, 2026, https://www.economist.com/the-world-this-week/2026/04/03/cover-story-newsletter-how-china-hopes-to-win-from-the-war.

[15] Ziyun He et al., “Digital Transformation and New Quality Productive Forces of Fashion Industry: Evidence from Chinese Listed Firms,” SPIE Digital Library, January 22, 2026, https://www.spiedigitallibrary.org/conference-proceedings-of-spie/14018/140186T/Digital-transformation-and-new-quality-productive-forces-of-fashion-industry/10.1117/12.3088978.short.

[16] “Traditional and Modern Chinese Clothing, Costumes,” Hanfu Story, accessed August 8, 2026, https://thehanfustory.com/?srsltid=AfmBOor_b2LSJAJIsLTE_wofF4cwzuVNzgcQauh7zNrPZlI2R00zfPu7.

[17] “China Now Outranks the United States in Global Favorability. What Happened?,” Council on Foreign Relations, July 27, 2026, https://www.cfr.org/articles/china-now-outranks-the-united-states-in-global-favorability-what-happened.