لم يكن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في اجتماعه الأخير في 12 أغسطس 2026 مع رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة المهندس محمود عصمت، بالوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 45% من إجمالي الطاقة المولدة بحلول عام 2028، مجرد رقم جديد يضاف إلى مستهدفات خطة الطاقة المصرية. وكذلك، لم يكن توجيه الرئيس السيسي بالتوسع في تخزين الكهرباء بالبطاريات، وتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة الجديدة والمتجددة، وتنمية التصنيع المحلي في الرمال السوداء والأسمدة والعناصر الأرضية النادرة، مجرد مجموعة من التكليفات القطاعية المنفصلة. ففي السياسة، كما في الاستراتيجية، لا تكمن أهمية القرارات في نصوصها وحدها، وإنما في اللحظة التي تصدر فيها، والظرف الذي تتحرك داخله، والاتجاه الذي تشير إليه. واللحظة هنا تستحق التوقف.
هرمز يعيد أمن الطاقة إلى قلب الأمن القومي
فالعالم لم يخرج بعد من صدمة هرمز. والمنطقة كلها ما تزال تعيش آثار حرب بدأت في 28 فبراير 2026، ثم سرعان ما اتسع تأثيرها من ميادين الصراع العسكري إلى أسواق النفط والغاز، ومن الخليج إلى المصانع والموانئ وشركات الطيران والبورصات في آسيا وأوروبا. فجأة، اكتشف العالم مرة أخرى أن مضيقًا ضيقًا على الخريطة، وهو مضيق هرمز، تمر من خلاله قرابة 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية، فضلًا عن حوالي ثلث التجارة العالمية من الغاز الطبيعي المسال، يستطيع أن يضع الاقتصاد العالمي كله أمام سؤال واحد، وهو ماذا يحدث إذا تعطلت حركة الطاقة في هذا المضيق؟
والسؤال بالنسبة لمصر أكثر تعقيدًا. فمصر ليست دولة بعيدة عن مسرح الأزمة، كما أنها أيضا ليست مجرد مستورد للطاقة يتابع الأسعار من الخارج. بل مصر هي، في الوقت نفسه، منتج ومستهلك ومستورد ومصدر وممر للطاقة. لديها قناة السويس، وخط سوميد، ومحطات إسالة الغاز، وموانئ على البحر الأحمر والمتوسط، وشبكة كهرباء كبيرة، ومشروعات شمس ورياح، وبرنامج نووي في طريقه إلى الدخول إلى مزيج الطاقة. وهي أيضًا فوق ذلك كله تقع في منتصف الطريق تقريبًا بين الخليج وأوروبا، وبين البحر الأحمر والبحر المتوسط.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أمامنا في مصر هو ليس كيف نوفر الوقود أو الكهرباء غدًا؟ وإنما كيف نعيد بناء أمن الطاقة المصري لعشر سنوات أو عشرين سنة مقبلة؟
من "توافر الطاقة" إلى "مرونة الطاقة"
خبراء الطاقة المصريون يعرفون أن أزمة هرمز كشفت حقيقة كان من السهل تجاهلها في سنوات الحديث المتواصل عن التحول الأخضر، والانتقال من مصادر الطاقة التقليدية (النفط والغاز الطبيعي) إلى مصادر الطاقة النظيفة (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها)، وهي أن أمن الطاقة لم يمت. بالعكس، عاد بقوة أكبر، ولكن في صورة مختلفة. فلم يعد الأمر يتعلق فقط بمن يمتلك آبار النفط أو حقول الغاز الطبيعي، حيث تستطيع دولة أو جماعة تهديد ممر بحري، أو توجيه مسيّرات نحو منشأة للطاقة، أو خلق قدر كافٍ من عدم اليقين حول سلامة الملاحة، وبالتالي يستطيع هذا الفاعل أن يؤثر في الأسواق بما يتجاوز كثيرًا حجم قوته الحقيقية.
ومن هنا فإن أول ما تحتاجه مصر هو تغيير السؤال نفسه. فلسنوات طويلة كان أمن الطاقة يعني ببساطة هل لدينا ما يكفي من الوقود والكهرباء؟. أما الآن، فالسؤال أصبح هل تستطيع منظومة الطاقة المصرية الاستمرار إذا تعطلت إحدى حلقاتها؟ وهذا السؤال الرئيسي يتفرع منه عدة أسئلة فرعية منها على سبيل المثال: ماذا يحدث إذا تعطل مصدر غاز طبيعي؟ أو ارتفعت أسعار النفط بصورة حادة؟ أو أصبح عبور ناقلات الطاقة عبر البحر الأحمر أكثر كلفة؟ أو تعطلت سلسلة توريد البطاريات والمكونات؟ أو تعرضت منشأة رئيسية لهجوم سيبراني؟
وهذه الأسئلة كلها تبرز بوضوح الفارق بين "توافر الطاقة" و"مرونة الطاقة".
الطاقة المتجددة باعتبارها هامشًا للاستقلال الاستراتيجي
ومن هذه الزاوية، يبدو هدف الوصول إلى 45% من الكهرباء المولدة من مصادر متجددة بحلول 2028 أكبر بكثير من مجرد هدف بيئي. فكل ميجاوات تنتجه مصر من شمسها ورياحها هو في الحقيقة جزء من هامش الاستقلال الاستراتيجي للدولة. فهو يقلل الحاجة إلى حرق الغاز أو المنتجات البترولية في محطات الكهرباء، ويتيح استخدام هذه الموارد في أغراض أخرى، ويقلل تعرض الاقتصاد لتقلبات الأسعار الخارجية.
لكن الدولة التقطت أيضًا المعضلة الأخرى. فالشمس لا تشرق طوال الوقت، والرياح لا تهب وفق احتياجات شبكة الكهرباء. ولذلك جاء التوجيه بالتوسع في تخزين الكهرباء بالبطاريات. وهنا ننتقل من مجرد زيادة إنتاج الطاقة المتجددة إلى بناء منظومة تستطيع الاحتفاظ بالطاقة وإطلاقها حين تحتاج إليها. وهذه ليست مسألة فنية صغيرة. إنها جزء من الانتقال من شبكة تعتمد على الوقود القادم إلى المحطة في اللحظة المناسبة إلى منظومة تستطيع أن تخزن جزءًا من قدرتها. وخبراء الطاقة المصريون يشيرون إلى أن هذا التحول أصبح جزءًا من اتجاه عالمي أوسع، حيث لم يعد الاستثمار في الطاقة منخفضة الكربون يُبرر بالمناخ فقط، وإنما كذلك بأمن الطاقة والمرونة والقدرة على تحمل التكلفة.
توطين الصناعة ضرورة
لكن هناك نقطة أخرى ربما تكون أكثر أهمية. ماذا لو أنتجنا 45% من كهربائنا من المصادر المتجددة بينما كنا نستورد معظم الألواح والبطاريات والمكونات والمواد الخام اللازمة لها؟ عندها نكون قد خففنا تبعية الطاقة التقليدية، ولكننا صنعنا تبعية أخرى. ولهذا فإن توجيه الرئيس بتوطين صناعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وربط ذلك بالرمال السوداء والعناصر الأرضية النادرة، يحمل معنى استراتيجيًا بعيدًا. ففي العالم الجديد لن تكون معارك الطاقة حول النفط والغاز وحدهما. سوف تكون هناك منافسة شرسة على النحاس والليثيوم والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، وعلى من يملك القدرة على تصنيع البطاريات والمغناطيسات والمكونات الإلكترونية.
بعبارة أخرى، ربما يكون هناك "هرمز آخر" في المستقبل، ولكن ليس مضيقًا مائيًا هذه المرة؛ وإنما سلسلة توريد معدنية أو تكنولوجية يحتكرها عدد محدود من الدول. وهنا تصبح القيمة الحقيقية للثروة المعدنية المصرية ليست في أن نستخرجها ثم نشحنها إلى الخارج، وإنما أن ندخل بها إلى مراحل التصنيع الأعلى.
النفط والغاز لم يغادرا المسرح
لكن الحديث عن 45% من الطاقة المتجددة لا ينبغي أن يدفعنا إلى خطأ آخر، وهو الاعتقاد بأن النفط والغاز أصبحا قصة من الماضي. ولهذا تبدو المزايدة العالمية الجديدة التي أعلنها وزير البترول والثروة المعدنية المهندس كريم بدوي مؤخرًا للبحث عن النفط والغاز في 14 منطقة جديدة الوجه الآخر للاستراتيجية نفسها. وليس هناك تناقض بين الأمرين. فمن الخطأ أن نضع النفط والغاز في مواجهة الشمس والرياح كأن على الدولة أن تختار بين عالمين. فالتحول الطاقي يحتاج إلى وقت. والدول لا تستطيع أن تعيش خلال هذا الوقت على النيات.
ولهذا فإن كل برميل نفط أو متر مكعب من الغاز الطبيعي تستطيع مصر إنتاجه اقتصاديًا داخل حدودها يمثل جزءًا من تأمين الدولة ضد تقلبات الخارج. وتزداد أهمية المزايدة المصرية الجديدة لأن عددًا من مناطقها يقع بالقرب من حقول قائمة وشبكات أنابيب ومحطات معالجة ومرافق تصدير؛ أي أن أي اكتشاف جديد يمكن أن يستفيد من بنية تحتية موجودة بالفعل، بما يخفض تكلفة التطوير ويسرع دخوله إلى الإنتاج.
إذن، المعادلة المصرية لإستراتيجية أمن الطاقة ليست الغاز الطبيعي أو الطاقة المتجددة فقط، وإنما الغاز والطاقة المتجددة والنووي والتخزين والكفاءة. وهذه الواو ربما تكون أهم حرف في استراتيجية الطاقة المصرية المقبلة.
الاحتياطي الاستراتيجي
ثم هناك الاحتياطيات. فأزمات الطاقة الكبرى علّمت الدول أن الإنتاج اليومي وحده لا يكفي. وبعد حرب 1973 اتجهت الدول الصناعية المستوردة للنفط إلى بناء مخزونات استراتيجية وآليات للتنسيق في حالات الطوارئ. ومصر تحتاج إلى مراجعة مستمرة لمخزوناتها من النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي، ليس فقط في ضوء معدلات الاستهلاك العادية، وإنما وفق سيناريوهات الأزمات.
لكن المخزون الاستراتيجي في عالم اليوم لا ينبغي أن يقتصر على الوقود فقط. وإنما يجب أن يمتد إلى الغاز الطبيعي وقطع غيار محطات الكهرباء والمحولات وأنظمة التحكم ومكونات البطاريات. وهنا، يظهر مفهوم جديد وهو "المخزون الاستراتيجي لسلاسل الطاقة"، لا مجرد مخزون للنفط والمنتجات البترولية.
الأمن المالي للطاقة
ثم هناك الجانب الذي كثيرًا ما يضيع وسط الحديث الفني، وهو المال. فقد تجد الدولة ناقلة نفط، وقد تجد البائع، وقد تكون الموانئ مفتوحة، ولكن ماذا يحدث إذا أصبح البرميل أغلى كثيرًا، وارتفعت معه تكلفة الشحن والتأمين، وتزايد الضغط على النقد الأجنبي؟ لقد أظهرت أزمة مضيق هرمز أن صدمة الطاقة تتحول سريعًا إلى صدمة تضخم ونقل وإنتاج وعدم يقين اقتصادي. وهذا يعني أن الأمن المالي للطاقة يجب أن يصبح جزءًا من أمن الطاقة ذاته. وهذا النوع من الأمن يمكن أن يتحقق من خلال عقود أكثر مرونة، وتحوط من تقلبات الأسعار، وترتيبات تمويل للطوارئ، وعدم ترك الدولة بالكامل تحت رحمة السوق الفورية.
الجغرافيا المصرية أصل استراتيجي
لكن كل ذلك يمثل جانب الدفاع. أما الفرصة الكبرى، فهي الموقع الجغرافي الفريد لمصر. إذ دفعت أزمة هرمز العالم، وفي مقدمته دول الخليج الشقيقة، بالفعل إلى البحث عن طرق بديلة لنقل الطاقة وتقليل الاعتماد على المضيق. وإذا كان العالم يبحث عن بدائل للممرات المهددة، فإن مصر ينبغي أن تسأل ما الذي يمكن أن نقدمه نحن؟ لدينا قناة السويس. ولدينا سوميد. ولدينا موانئ البحر الأحمر والمتوسط، ومحطات الإسالة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
المشكلة أن هذه الأصول كثيرًا ما يُنظر إليها كأن كلًا منها ملف منفصل. والفرصة هي أن ننظر إليها جميعًا كمنظومة واحدة. وفي هذا السياق، ليس المطلوب أن تظل مصر مكانًا تمر منه الطاقة، وإنما أن تصبح مكانًا تتجمع فيه وتُخزن وتُعالج وتُسال ويعاد تصديرها وتؤمّن حركتها. وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى قاعدة لصناعة معدات الطاقة، وتموين السفن، والهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، ومرافق التخزين والصيانة. كما يمكن أيضًا أن يصبح سوميد أكثر من مجرد خط أنابيب. فقد يكون جزءًا من تصور أوسع لربط مسارات الطاقة الخليجية بالبحر المتوسط بما يقلل جزءًا من مخاطر هرمز وباب المندب.
المشكلة ليست في الأدوات وإنما في جمعها
والواقع أن مصر تمتلك الآن معظم أحجار البناء اللازمة لاستراتيجية طاقة جديدة. هدف الـ45% من الطاقة النظيفة، والبطاريات، ومشروع الضبعة النووي، والبحث الجديد عن النفط والغاز، والرمال السوداء، والعناصر الأرضية النادرة، وسوميد، والسويس، ومحطات الإسالة والموانئ. لكن وجود الأحجار لا يعني أن البناء اكتمل. فما نحتاجه اليوم هو خريطة واحدة تجمع كل ذلك.
وبالتالي، قد يكون الوقت مناسبًا لإنشاء آلية وطنية دائمة "لأمن الطاقة والمرونة الاستراتيجية"، تجمع وزارات الكهرباء والبترول والصناعة والنقل والمالية والخارجية وقناة السويس والمنطقة الاقتصادية والجهات الأمنية وخبراء الطاقة في مراكز الفكر والجامعات، وتضع سيناريوهات لا خططًا ساكنة، تجاه عدة اسئلة محتملة، منها: ماذا لو تعطل هرمز ستة أشهر؟ وماذا لو جاء اضطراب باب المندب في الوقت نفسه؟ وماذا لو توقفت إمدادات غاز إقليمية وارتفع النفط والتأمين في لحظة واحدة؟
فالدول لا تستطيع منع كل الأزمات. لكنها تستطيع أن تمنع الأزمات من أن تفاجئها.
من أمن الطاقة إلى "القوة الجيوطاقية المصرية"
وهكذا ربما تكون صدمة هرمز قد جاءت لمصر برسالة أبعد من أسعار النفط والغاز. فالقضية لم تعد أن ننتج ما يكفي من الطاقة، وإنما أن نبني "قوة جيوطاقية مصرية" تجمع بين الموارد والموقع والصناعة والتكنولوجيا والتمويل والممرات. وعند هذه النقطة يتغير السؤال نفسه. فلم يعد كافيًا أن نسأل كيف نحمي مصر من أزمة الطاقة المقبلة؟ ولكن السؤال الأهم هو كيف نجعل العالم، عندما يبحث بعد أزمة مضيق هرمز عن طرق أكثر أمنًا ومصادر أكثر تنوعًا ومنظومة أكثر مرونة للطاقة، يجد مصر جزءًا من الإجابة؟
فالفرق كبير بين دولة تنتظر الأزمة التالية لكي تستعد لها، ودولة تقرأ ما وراء الأزمة، وتستعد من الآن للنظام الذي سوف يولد بعدها.