صارت إدارة العلاقات مع الحلفاء توازي إن لم تكن تتجاوز أهمية إدارة المواجهة مع الخصوم في الشرق الأوسط، خلال السنوات الأخيرة، وهو ما عرَّض تلك التحالفات لتكون أقل استقراراً أو تماسكاً على نحو يمثل إعاقة لها في اتجاه المصلحة الرئيسية أو مجموعة المصالح الفرعية التي تبغي كل دولة تحقيقها من الانخراط في تحالف أو محور، سواء ثنائي أو ثلاثي أو متعدد الأطراف، يسعى إلى بلورة فرصة أو درء تهديد يتعلق باضطرابات الملاحة البحرية وممرات الطاقة الحيوية و"توحش" بعض القوى الإقليمية والتصدي للتهديدات العسكرية الخارجية وتعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وتطوير القدرات المشتركة والإنذار المبكر والاستجابة للأزمات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقليل الاعتماد على الأطراف الخارجية وتنويع الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية دون الانزلاق إلى تحالفات جامدة.
وفي هذا السياق، تصاعد اتجاه رئيسي في الأدبيات الغربية أو العربية يطلق على هذه النوعية من التحالفات مسميات مختلفة مثل "التحالفات المرنة أو الجزئية"، و"تحالفات القضية الواحدة"، و"الأحلاف الناعمة"، و"الائتلافات المؤقتة"، و"الشراكات الهجينة"، وهو ما يؤثر تباعاً على دورة حياة التحالف Alliance Life Cycle، المرتبطة بمرحلة المد والجزر في تطور التحالفات، وصارت الأخيرة مرتبطة بأوضاع طارئة تنتهي بزوالها أو تغير سياقاتها. ولعل ذلك أثير مع توقيع اتفاق مكة مؤخراً بين السعودية وتركيا وباكستان. إذ ينص الإطار الدفاعي للاتفاقية على أن أي هجوم خارجي مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوماً على الجميع. ويهدف هذا المبدأ إلى تعزيز التضامن، ورفع كلفة الاعتداء، وتقليص احتمالات سوء تقدير إرادة الدول الأعضاء وقدرتها على الرد. غير أن الردع لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة، وقنوات اتصال فعالة، وتدريبات مشتركة، وتنسيق في اتخاذ القرار.
وعلى الرغم من أن هذه النوعية من التحالفات "السائلة" ليست ظاهرة حديثة النشأة بل تشكلت منذ ما يزيد عن عقد ونصف من الزمن، لكن ملامحها بدأت أكثر وضوحاً وتأثيراتها بدت متسعة في المرحلة الحالية، لاسيما مع تعدد مصادر التهديد وتنوع الخصوم. وتجدر الإشارة إلى أنه من المهام الأساسية الموكلة للتحالف بين مجموعة من الدول في إقليم بعينه هي ردع العدوان والتصدي له ودحره من دون القيام بشن عمليات عسكرية. هذه المهمة حسب تعبير باحث شهير هو باسكال بونيفاس تعتبر من الدوافع التقليدية العلنية وراء انخراط الدول في التحالفات مع غيرها من الدول، فالخوف من التعرض لأي شكل من أشكال التهديد هو الذي يدفع الدول نحو التحالف، خاصة إذا كان يواجهها عدو مشترك. هذا الطرح يتماشى والقاعدة المتداولة في أدبيات العلاقات الدولية، والتي تتمثل في أنه "لا يوجد عدو لا يوجد تحالف".
فالتحالفات الصلبة التقليدية تقوم على تجميع الموارد العسكرية والمحركات الاقتصادية ومواءمة المصالح الاستراتيجية وتحديد الأهداف المشتركة ضد الخصوم المشتركين لردع التهديدات التي تواجه الدول الأعضاء في التحالف. غير أنه يلاحظ تراجع التحالفات الجامدة لصالح شراكات مرنة ومتعددة المستويات تجمع بين التعاون والمنافسة في الوقت نفسه، وهو الخيار الأكثر واقعية وخاصة لدى "القوى الوسطى الإقليمية" التي تمثلها مصر والسعودية وباكستان وتركيا. لا يعني ذلك أن هذه الدول تشكل محوراً واحداً أو تتبنى رؤية مشتركة، بل إن دلالة صعودها تكمن في تعدد أدوارها، وقدرتها على الانتقال بين دوائر مختلفة، وعلى التحالف مع القوى الكبرى والحفاظ على هامش من الاستقلال. وبروزها يقلل قدرة أي قوة واحدة، سواء الولايات المتحدة أو إيران أو إسرائيل، على الانفراد بصياغة قواعد النظام الإقليمي.
ويمكن القول إن هناك عدة تفسيرات رئيسية لتعثر دورة التحالفات الصلبة، التي تستند إلى مصالح استراتيجية جوهرية في الشرق الأوسط، بما يجعل الإقليم لا تتوافر فيه صيغة "تحالفية مستقرة" بين أطراف من الأساس، وهو ما وصفته كتابات بأشباه أحلاف Quasi Alliances مع الأخذ في الاعتبار أن هناك قوى إقليمية تفضل مثل هذه التحالفات كإيران لأنها لا تضع سقفاً استراتيجياً على خياراتها الخارجية. كما أن سلطنة عُمان تدعم بقاءها داخل مجلس التعاون الخليجي مع وجود تباينات نسبية مع دول الخليج في التعامل مع بعض القضايا الإقليمية مثل الأزمة اليمنية والأزمة السورية والعلاقة مع طهران والتحول من مجلس تعاون إلى اتحاد خليجي وغيرها.
فقد برهنت أزمة 5 يونيو 2017 داخل مجلس التعاون الخليجي فضلاً عن الخلافات السعودية الإماراتية المتواصلة والتي برزت بشكل كبير في الملفين اليمني والسوداني، فضلاً عن التباينات في تقدير التهديدات - سواء تجاه إيران أو تجاه الحركات الإسلامية أو طبيعة العلاقة مع القوى الكبرى – أنه يمكن أن يعاد ترتيب الأولويات الوطنية حتى داخل التكتل الواحد. ورغم الاحتواء الشكلي لهذه الخلافات، بقيت آثار الأزمة حاضرة في نزعة بعض الدول إلى تنويع شراكاتها الدفاعية والاقتصادية خارج الإطار الخليجي التقليدي، بما يعكس سعياً لتقليل الاعتماد على النهج الجماعي، بحيث شكلت السعودية إطاراً دفاعياً مع باكستان وتركيا، ووقعت الكويت منفردة اتفاقية دفاعية مع باكستان، وهو ما يعكس الانشغال بالأمن الوطني على حساب الأمن الخليجي.
وينعكس ذلك أيضاً منذ عقود بشأن التوتر المستمر بين الجزائر والمغرب، خصوصاً على خلفية ملف الصحراء، في تعطيل فاعلية اتحاد المغرب العربي، ما يدفع كل دولة إلى بناء شبكات علاقات قوية ثنائية أو متعددة خارج الإطار الإقليمي المباشر. وهكذا صارت العلاقات أو التحالفات بين دول الإقليم بشأن الحفاظ على التنسيق بين المصالح المختلفة لتلك الدول مأزومة.
سيولة إقليمية
التفسير الأول لتعثر التحالفات الصلبة بالإقليم هو السياقات الإقليمية المعقدة والسائلة، التي ارتبطت بالتحولات الثورية العنيفة بموجاتها الأولى (2011) والثانية (2019) والثالثة (2024)، بما أدت إليه من تفكك دول وطنية وانهيار نظم سياسية وصعود أدوار جيوش موازية وتزايد تهديدات تنظيمات إرهابية، على نحو شعل بيئة محفزة لاستمرار اشتعال الصراعات الداخلية المسلحة ذات الأبعاد الإقليمية، وما صاحبها من استقطابات متصاعدة، الأمر الذي أدى إلى مراجعات متواصلة في المحاور الإقليمية، والتي شهدت بزوغ الفاعلين المسلحين من غير الدول وبصفة خاصة في بؤر الصراعات المسلحة وتزايد الارتباطات الخارجية لهم على نحو يفسر التأييد السياسي والدعم الإعلامي والتسليح العسكري الذي يحصلون عليه من بعض القوى الإقليمية والدول العربية مثل جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن وحزب الله في لبنان والمليشيات الشيعية في العراق.
هذا فضلاً عن التحولات الضخمة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط بعد عملية طوفان الأقصى، سواء من حيث تراجع نفوذ حركة حماس في غزة وتصدع دور حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد في سوريا، ومواصلة إسرائيل قضم الأراضي في مناطق عربية مختلفة، ومحاولة دول عربية وقوى إقليمية مثل مصر وتركيا منع حدوث اختلال في موازين القوى لصالح إسرائيل، وهو ما يفسر – في أحد أبعاده- تشكل ما يُعرف بـ "الرباعية الإقليمية" (R4) - وهو الاسم الذي أطلقته كل من السعودية وباكستان ومصر وتركيا على تكتلها الناشئ – حيث تشكلت قناعة راسخة لدى هذه الدول الأربع بأن أمن محيطها الإقليمي لم يعد من الممكن تركه رهينةً للتنافس بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ورغم ذلك بدا هناك تباعداً في مواقف الدول أثر على تحويل الرباعية لتحالف دفاعي حيث لم تنضم مصر لاتفاق مكة الموقع بين الدول الثلاث الأخرى.
ولعل حالة السيولة الإقليمية هي التي تدفع الدول إلى الدخول في أكثر من تحالف في توقيت واحد. ولعل ذلك يفسر انخراط السعودية في أنماط من التحالفات، وهما التحالف العربي في إطار عملية عاصفة الحزم لاستعادة الشرعية في اليمن (مارس 2015) والتحالف الإسلامي ضد الإرهاب (ديسمبر 2015)، والتحالف الدفاعي البحري (يوليو 2026) بمشاركة أطراف مختلفة. وكذلك انخرطت مصر في صيغ تشاركية أكثر منها علاقات تحالفية أو بالأحرى اتبعت سياسات إقليمية "متوازية" مثل توثيق العلاقات بالسودان لتعزيز موقفها بعد التعنت الإثيوبي على مدى سنوات فيما يخص التوافق بشأن تسوية أزمة السد الإثيوبي، في الوقت الذي اتجهت إلى تعزيز أطر التعاون المؤسسي السياسي والاقتصادي والعسكري مع قبرص واليونان لمواجهة التهديد التركي في منطقة شرق المتوسط، قبل الاستدارة في السياسة الخارجية التركية تجاه مصر بدءاً من منتصف عام 2021، على نحو ما انعكس في المحادثات الاستكشافية والزيارات المتبادلة والمناورات العسكرية والمنافع الاقتصادية المتبادلة. يضاف إلى ذلك تعزيز مصر علاقاتها بمحور العراق والأردن، منذ عام 2021، لتطوير شبكة العلاقات الاقتصادية في مجال الكهرباء والطاقة وتقوية التعاون الاستخباري خاصة في مجال مكافحة التطرف والإرهاب.
المتغير القيادي
أما التفسير الثاني فيتعلق بالتغير في هيكل السلطة السياسية، إذ يؤدي صعود قيادات إلى الحكم في دول محورية بمنطقة الشرق الأوسط إلى التغير في نسقها العقيدي ومدركاتها لمصادر التهديد التي تواجه الأمن الوطني، وأساليب التعامل معها، وما يتضمنه ذلك من إعادة النظر في الأحلاف القائمة أو بلورة أحلاف جديدة تتهيأ إلى توزيع الأعباء والوفاء بالالتزامات من ناحية وزيادة الفرص الناتجة عن الانخراط فيها من ناحية أخرى. ولعل ذلك ينطبق على تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر وتولي الشيخ محمد بن زايد السلطة في دولة الإمارات وتولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد في السعودية، وكذلك صعود آبي أحمد إلى السلطة في أديس أبابا. بعبارة أخرى، يؤدي التغير في قمة هرم السلطة إلى حدوث تحول في خيارات التحالفات الإقليمية بدرجة كبيرة، سواء بالدخول فيها أو بالانصراف عنها. فعلى سبيل المثال، مصر في عهد الرئيس السيسي لا تفضل الانخراط في علاقات تحالفية في حين تراهن السعودية في عهد الملك سلمان على تحالفات مختلفة لتحقيق أهداف مصلحية متعددة.
المصالح الناقصة
في حين يتمثل التفسير الثالث في التباينات الداخلية للأطراف المتحالفة، إذ تعد إشكالية وجود أو تنامي الخلافات بين الحلفاء في الشرق الأوسط أحد العوامل المفسرة لعدم صلابتها في ظل سياق إقليمي متأزم وقيادات سياسية تحمل مدركات مغايرة. ولعل ذلك يدفع بأحد الأطراف إلى البحث عن ائتلافات أو تحالفات جديدة، بديلة أو مكملة، على نحو يؤدي إلى ازدياد تعقيد خريطة التحالفات الإقليمية، وازدياد احتمالات جمود تلك الأحلاف أو تشرذمها أو حتى نهايتها وفقاً لأسوأ سيناريو محتمل في حال مراكمة الخلافات بين أطرافها وعدم معالجتها وامتدادها إلى القضايا والتهديدات الأساسية المشتركة. بل برزت عملية ارتباط تشكيل التحالفات الإقليمية بالحفاظ على تماسك النظم الحاكمة في مواجهة التحديات الداخلية وتعزيز السلامة الإقليمية للدولة.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة مثلت "خصماً وحليفاً" في نفس الوقت لعدد من القوى الرئيسية في الشرق الأوسط، في مرحلة ما بعد الحراك الثوري في عام 2011، حيث دعمت قوى الإسلام السياسي للصعود إلى السلطة وخاصة في مصر وتونس، ودافعت عن بقاء هذا الفصيل لحكم مصر لمدى زمني بعد قيام ثورة 30 يونيو 2013، ولم تأخذ موقفاً مناوئاً صلباً تجاه المليشيات المسلحة في السلطة في ليبيا واليمن، وتعاملت ببراجماتية مع هيئة تحرير الشام بعد وصولها للحكم في سوريا، ولا تنشغل بمصالح أي دولة عربية أو قوى إقليمية باستثناء إسرائيل، على نحو ما عكسته بشكل جلي الحرب الأمريكية على طهران (2026) الأمر الذي يشير إلى توصيف العديد من الكتابات الغربية بل والأمريكية لواشنطن بأنها "حليف غير مستقر" أو لا يمكن الاعتماد عليه من جانب العديد من دول الإقليم.
غير أن التباين في الأولويات لا يقتصر على العلاقات بين دول الإقليم والقوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة بل يمتد إلى العلاقات الحاكمة بين الدول العربية والأطراف الإقليمية، وهو ما يظهر جلياً في التباين بين الدول الأعضاء في اتفاف مكة. ويبدو أن لكل طرف حساباته الخاصة من وراء التوقيع على هذا التحالف الدفاعي؛ إذ ترتبط الأولويات الأمنية الباكستانية أساساً بالهند، بينما تحتل إسرائيل موقعاً متزايداً في الحسابات التركية، في حين تتركز المخاوف السعودية بصورة أكبر على إيران والجماعات المتحالفة معها. فالدول الثلاث غير متفقة أصلاً في تعريف مصادر التهديد. فما تعده الرياض تهديداً لا يلزم أن تعده أنقرة أو إسلام آباد كذلك. وبالتالي لا توجد معطيات تمكِّن بصورة كافية من تحديد مدى قابلية المصالح المتباينة للتحول إلى عقيدة دفاعية مشتركة.
استدارة الخصوم
ويرتبط العامل الرابع بمدى تأثر أطراف التحالفات الإقليمية باحتمالات التغير في السياسات الخارجية لبعض القوى الإقليمية، على نحو ما تعكسه إرهاصات تراكمية اتخذتها تركيا تجاه عدد من الدول مثل مصر والإمارات والسعودية التي تدهورت علاقاتها بتلك الأطراف قبل عدة سنوات لأسباب متباينة. وقد شهدت المرحلة الماضية اختباراً لمدى تمسك الدول الأعضاء بالتزاماتها تجاه التحالف، وانخفاض مستوى مشاركتهم في الأنشطة التي تقتضيها الاستمرارية الفعالة للتحالف، لاسيما بعد زوال الخطر المشترك. فالتركيز في هذا السياق على التهديد وليس القوة، مع الأخذ في الاعتبار أن التحركات التي قد تتخذها بعض القوى الإقليمية ذات الخصومة مع دول عديدة "تكتيكية" وليست "استراتيجية".
وانطلاقاً من هذه الحقيقة، يفترض على أعضاء التحالف تجديد آليات تحالفاتهم بشكل مستمر، حتى يظل التحالف متماسكاً وفعالاً، وقيام الدول الأعضاء فيه بعملية تكيف ومواءمة مستمرة مع المستجدات التي تطرأ على الأوضاع في الإقليم، مع الأخذ في الاعتبار أن التحالفات تنشأ للدفاع عن المصالح الوطنية للأطراف المتحالفة في المقام الأول، ومتى توفرت وتوحدت الرؤى بشأنها زادت قوة وتماسك وصلابة الحلف، والدول تسعى عبر سياستها الخارجية إلى تحديد مصالحها، مع العمل على أن تكون لديها القدرة على حماية تلك المصلحة. فالدول لا تدخل في تحالفات من أجل غيرها، وإنما للدفاع عن أمنها ومصالحها وسيادتها وسلامة أراضيها بما يؤدي إلى زيادة مناعتها من متغيرات الإقليم. ولذا، لا يزال من المبكر اعتبار اتفاق مكة تحالفاً عسكرياً متكاملاً في ظل عدم نشر نص الاتفاق وغياب معلومات واضحة عن آليات القيادة والتدخل العسكري والقوات المشتركة.
عجز الموارد
ويتمثل العامل الخامس في تفكير الأطراف المتحالفة بالإقليم في جني الثمار بدرجة تسبق إدراك عجز الموارد. وبالتالي، تدخل الدول في الشرق الأوسط أو إقليم جغرافي آخر في تحالفات عندما يتولد لديها إدراك أن قاعدة مواردها الذاتية غير كافية للتعامل مع المشكلات التي تواجهها أو لتحقيق أهدافها أو عندما تدرك أن قاعدة مواردها تحتاج إلى مصدر حماية من التهديدات الخارجية. فالدولة لن تبحث عن الدخول في تحالفات إلا عندما تدرك عجز مواردها الذاتية عن تحقيق أهدافها. وعندما تواجه الدولة تلك القضية فإنها تبحث عن شركاء تحالف، سواء في الأهداف المشتركة أو الخصوم المشتركة أو كلاهما معاً. وكلما تزايدت الأهداف وتعددت الخصوم وتنوعت قضايا التفاعل، أمكن عمل مقايضة بمبادلة الاهداف بينهما، إذ لا تنظر كل الدول المنخرطة في تحالفات أو ائتلافات إلى كل القضايا بنفس القدر من الأهمية، وهو ما يؤدي إلى عدم فعالية هذا التحالف أو ذاك.
تمدد الدور
في حين يشير العامل السادس إلى سعي بعض القوى الإقليمية إلى تمدد دورها، وهو ما يتضح من التحالفات المتعددة التي تنخرط فيها السعودية مثل التحالف العشري لاستعادة الشرعية في اليمن والتحالف العسكري لمحاربة الإرهاب والتحالف الدفاعي البحري وتحالف مكة، بما يجعل للرياض أدواراً في مناطق متعددة مثل الشرق الأوسط وغرب آسيا والبحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، مع الأخذ في الاعتبار السعي لتوظيف القوة المالية والجيوسياسية السعودية مع القدرات العسكرية والقوة النووية والصناعة الدفاعية لكل من أنقرة وإسلام أباد، دون أن يكون ذلك بديلاً عن المظلة الأمنية الأمريكية وإنما قوة مضاعفة لها. ولهذا، تنطلق بعض التصورات داخل إيران من رفض اختزال اتفاق مكة في كونه تحالفاً موجَّهاً ضد إيران، وتضعه بدلاً من ذلك ضمن تحوُّل أوسع في بنية الأمن الإقليمي، ترتبط بمرحلة حرب إيران وتهديد الحوثي بعرقلة الملاحة في باب المندب، وتثير تساؤلاً حول ما إذا كان هذا النظام سيقوم على تحالفات محدودة وارتباطات خارجية، أم على ترتيبات إقليمية أكثر استقلالاً وشمولاً.
كذلك تسعى إسرائيل إلى ترسيخ اصطفاف استراتيجي أوسع يمتد من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا، على نحو عكسته تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي أشار فيها إلى تشكّل شبكة عريضة من التحالفات المحيطة بإسرائيل تضم شركاء عدة مثل الهند واليونان وقبرص إلى جانب أطراف إقليمية أخرى في مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية على إيران. وهنا، توظف إسرائيل الخلافات البينية العربية لتعزيز تحالفاتها مع قوى متعددة داخل الإقليم من جهة وإظهار تأثيرها على مسار تفاعلات الشرق الأوسط من جهة أخرى.
سياسات براجماتية
خلاصة القول، إن إدارة التحالفات صارت تشبه إدارة الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، وتحتاج إلى سياسات براجماتية متوازية من جانب أطراف التحالف، إذ أن وجود علاقة تحالفية لا تعني التطابق في الرؤى تجاه القضايا والصراعات والأزمات الإقليمية، بل تقتضي التعايش مع ما يمكن تسميته "المصالح الناقصة" التي فرضتها تحولات متسارعة على مدى عقد، شهد صعود وهبوط قيادات وحركات وتنظيمات ومليشيات. فالاختلافات داخل الأحلاف تمثل ظاهرة طبيعية وليست حالة استثنائية في الإقليم. غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في اهتزاز صيغ بعض التحالفات التي تشكلات خلافات الفترة الماضية عبر تحول أحد الأطراف من الحليف إلى الخصم في بعض الأحيان بشأن أحد الملفات التي تمثل مصلحة استراتيجية للطرف الحليف الآخر. وهنا، قد تصبح التحالفات غير فعالة inoperative في لحظة ما ويصير توازن المنافع غائباً، وهو ما يؤدي إلى إعادة الحسابات بشأن الانخراط في تحالف من عدمه.