تتعامل التغطيات الإعلامية للحروب عادة مع سؤال يدور حول: متى تنتهي الحرب؟ وغالباً ما تختزل إجابة هذا السؤال في البحث عن موعد لوقف إطلاق النار، أو توقيع اتفاق سياسي. غير أن التاريخ يقدم تصورات أكثر تعقيداً من هذا التساؤل؛ إذ إن كثيراً من الحروب توقفت عملياتها العسكرية، لكن تفاعلاتها لم تغادر المجال السياسي، وظلت لعقود تؤثر في إدراك الأطراف، وتعيد تشكيل التحالفات، وتوجه العقائد العسكرية، وتفرض نفسها على قرارات السياسة الخارجية. وفي المقابل، شهدت حروب أخرى لحظة انتقال واضحة من كونها أزمة جارية إلى حدث تاريخي، بعدما استنفدت أهدافها وأنتجت نظاماً سياسياً وأمنياً جديداً، يتجاوز كل تطوراتها.
وفي هذا السياق، يطرح المقال سؤالاً مفاده؛ متى تغادر الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران الجغرافيا مجالاً لتدخل حيز التاريخ؟ ومتي تأتي اللحظة التي تتوقف فيها هذه الحرب عن إنتاج وقائع استراتيجية جديدة، وتصبح مرجعاً لتفسير التحولات التي صاحبتها، واللاحقة لها بدلاً من أن تكون هي المحرك المباشر للمشهد الإقليمي والدولي؟.
تستدعي محاولة الإجابة على هذا التساؤل العودة إلى أدبيات إنهاء الحروب، والردع والأمن الإقليمي، لإيجاد تفسير للحظة التي يمكن أن تنتقل فيها هذه الحرب من كونها فاعلاً استراتيجياً إلى مرجع تاريخي، وذلك بوصول الأطراف المتحاربة إلى نقطة تستنفد عندها الأهداف التي اندلعت الحرب من أجلها، سواء بالتحقق أو بالإقرار الضمني باستحالة تحقيق بعضها، لتبدأ مرحلة جديدة تحكمها قواعد مختلفة عن تلك التي حكمت لحظة اندلاع الصراع.
مفاهيم إنهاء الحروب: "War Termination" و"Strategic End State"
تشير الأدبيات التأصيلية للمفاهيم التي تتناول نهاية الحروب، إلى أن انتهاء الحرب هي اللحظة التي تتوقف فيها العمليات العسكرية، بناءً على قرار سياسي واستراتيجي يتجاوز ما يحدث في ميدان القتال من تطورات عسكرية، حيث انشغلت أدبيات إنهاء الحروب "War Termination"، منذ الدراسة الكلاسيكية لـ "فريد تشارلز إكليه" " Every War Must End"، بتحليل الكيفية التي تنتقل بها الدول من استخدام القوة العسكرية إلى تسوية تحقق أهدافها السياسية، مؤكداً أن المشكلة الأساسية لا تكمن في كيفية خوض الحرب، وإنما في كيفية إنهائها بصورة تحقق الغاية السياسية التي بدأت الحرب من أجلها[1].
وفي الاتجاه نفسه، يؤكد "هيو ستراتشان" أن الحرب لا يمكن فهم نهايتها بمعزل عن العلاقة بين الوسائل العسكرية والغايات السياسية التي تهدف أطرافها الوصول إليها، وأن إنهاء حالة الحرب تمثل جزءاً من الاستراتيجية نفسها، وليس مرحلة منفصلة عنها [2].
وقد تطورت هذه الرؤية داخل الفكر العسكري الأمريكي مع بروز مفهوم الحالة النهائية الاستراتيجية "Strategic End State" الذي يشير إلى الوضع السياسي والأمني المرغوب الوصول إليه بعد استخدام القوة العسكرية. وقد أصبح هذا المفهوم أحد المرتكزات الرئيسية في العقيدة العسكرية الأمريكية، إذ عرفته "هيئة الأركان المشتركة الأمريكية" بأنه: "مجموعة الظروف التي ينبغي أن تتحقق حتى يمكن اعتبار الأهداف الاستراتيجية من الحرب قد أنجزت، بما يسمح بإنهاء العمليات العسكرية أو الانتقال إلى مرحلة مختلفة من إدارة الصراع" [3].
غير أن هذه الأدبيات، على أهميتها، تنصرف في الأساس إلى تفسير كيفية إنهاء الحرب أو تحديد الحالة النهائية التي تسعى إليها الاستراتيجية العسكرية، بينما لا تقدم معياراً واضحاً للإجابة عن سؤال: متى تتحول الحرب نفسها إلى حدث تاريخي؟ في ظل إمكانية توقف العمليات العسكرية، وأن تطورات الحرب ممكن أن تحقق حالة نهائية استراتيجية مؤقتة، بينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل قرارات الردع، وأنماط التحالف، والإدراك الأمني للأطراف التي انخرطت فيها، بما يعني أنها ما تزال فاعلاً في تشكيل الحاضر.
ومن هذا المنطلق، فإن اللحظة التي تستنفد فيها الحرب قدرتها على إنتاج تحولات استراتيجية جديدة، تتحول من متغير مستقل يصنع الأحداث إلى مرجع تاريخي يفسرها.
لماذا تنتقل بعض الحروب إلى التاريخ بينما تبقى أخرى أسيرة الجغرافيا؟
إذا كانت جميع الحروب تنتهي عسكرياً في مرحلة ما مهما طالت، فإنها لا تنتهي جميعاً بالطريقة نفسها. إذ تكشف خبرة الصراعات الدولية أن بعض الحروب تغادر المجال السياسي بمجرد توقف عملياتها العسكرية، وتتحول إلى أحداث تاريخية تستدعى لرصد ما حدث في الماضي لفهمه واستخلاص دروسه، بينما تظل حروب أخرى حاضرة في تشكيل الحاضر، رغم مرور سنوات أو حتى عقود على توقف القتال، ويعكس هذا التباين حقيقة أساسية، هي أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب.
تقدم الخبرة التاريخية شواهد عديدة على ذلك؛ منها على سبيل المثال، الحرب الكورية، برغم توقف القتال منذ عام 1953، ما تزال حاضرة في الجغرافيا السياسية لشبه الجزيرة الكورية؛ ولم يؤد وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية نهائية، وبقيت الحدود، والعقائد العسكرية، وترتيبات الردع، والتحالفات الأمنية، محكومة بإرث ما أحدثه الحرب من تحولات.
على النقيض، شهدت حروب أخرى انتقالاً إلى التاريخ بشكل نهائي، بعدما استنفدت أهدافها السياسية والعسكرية، أو فشلت في تحقيقها، وأنتجت ترتيبات جديدة أصبحت الإطار المرجعي للعلاقات اللاحقة بين أطرافها، دون أن تبقى الحرب نفسها فاعلاً مباشراً في صناعة القرارات اليومية، مثل حرب الخليج الثانية على سبيل المثال لا الحصر.
يرتبط هذا الاختلاف بمدى قدرة الحرب على الاستمرار في إنتاج تحولات جديدة. فالحرب التي تظل قضاياها الأساسية مفتوحة، وتبقى قواعد الردع التي أفرزتها محل اختبار، وتستمر في إعادة تشكيل التحالفات والقرارات السياسية، تظل أسيرة الجغرافيا مهما ابتعد زمنها. أما الحرب التي تستقر نتائجها، وتتوقف عن إعادة إنتاج أحداث، وتتحول إلى إطار تفسيري لفهم السياسات اللاحقة، فإنها تكون قد غادرت الجغرافيا ودخلت التاريخ.
وانطلاقاً من هذا التمييز، وبالتطبيق على حالة الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، يمكن تناول أربع نقاط أساسية تشكل في مجملها اختبارات ومعايير لقياس مدى إمكانية انتقال الحرب من حالتها الحالية إلى مراحل الانتهاء اعتماداً على ما تم تحقيقه من أهداف قامت بسببها الحرب، أو إدراك صعوبة وربما استحالة بعض هذه الأهداف، ما يدفع إلى ضرورة الدخول في مرحلة إنهاء الصراع.
الاختبار الأول: هل استنفدت الحرب هدفها الذي اندلعت من أجله؟
يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، لأن العمليات العسكرية لم تكن هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية. إذ ارتبطت الحرب، منذ بدايتها، بجملة من الغايات المعلنة وغير المعلنة، تختلف حتى في أولوياتها لدى الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما من بدأتا الهجوم على إيران، في مقدمتها إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو حتى إبطائه على أقل تقدير، وإعادة بناء معادلة ردع مع طهران، وتقليص قدرتها على توظيف أدوات القوة العسكرية والإقليمية، فضلاً عن دفعها إلى إعادة النظر في سلوكها في العديد من القضايا والملفات الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، دخلت إيران الحرب وهي تسعى إلى تحقيق أهداف، تمثلت في الحفاظ على بقاء النظام، ومنع فرض معادلة ردع أحادية، وإثبات قدرتها على تحمل الضغوط العسكرية، وإرسال رسالة بأن استخدام القوة لن يدفعها إلى التخلي عن خياراتها الاستراتيجية.
ومن ثم، فإن انتقال الحرب إلى التاريخ أي انتهائها، لا يرتبط بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل بمدى استنفاد هذه الأهداف. فإذا تحقق الهدف الذي قامت الحرب من أجله، فإن استمرار العمليات يفقد كثيراً من مبرراته. أما إذا ظل الهدف بعيد المنال، فإن وقف إطلاق النار يصبح مجرد توقف مؤقت لجولة من جولات الصراع، وليس نهاية للحرب. وهو بالفعل ما حدث بعودة الضربات العسكرية بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، وتعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
ومع التسليم بأن الحرب على إيران حتى الآن لم تحقق أياً من أهدافها الأساسية بشكل نهائي، عدا تعطيل عملي لبرنامجها النووي، وتراجع في قدراتها العسكرية، إلا أنها حتى الآن قادرة بمرور الوقت على استعادة هذه القدرات المتراجعة وإعادة بنائها، اعتماداً على عوامل كثيرة أهمها على الإطلاق هو أن البرنامج النووي الإيراني والاستراتيجية العسكرية الإيرانية مبنيتان على معرفة وقدرات ذاتية تتوارثها أجيال من العلماء والجنرالات.
وعلى العكس تماماً، تزايدت أهداف الضربات العسكرية الحالية لتشمل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، والذي كان مفتوحاً قبل الجولة الثانية من الحرب بشكل طبيعي، وذلك عقب تنفيذ إيران تهديداتها بإغلاق المضيق، فبات الحديث الآن مرهوناً بقدرة الولايات المتحدة على إعادة فتح المضيق مرة أخرى، وإصرار إيران على أن يباع نفطها وإلا فلا نفط آخر يباع من المنطقة.
وبالتالي فإن مؤشرات تحقق هذا البعد لم تتوفر بعد، حتى يتم فتح المضيق، وإحداث تغيير مستدام في البرنامج النووي الإيراني، وتغير الأولويات العسكرية الإيرانية، وتراجع سياستها التي تربط الأمن القومي الإيراني بممارسات تدخلية في أكثر من دولة في الإقليم، إذا تحققت غالبية هذه المؤشرات خلال هذه الجولة من الحرب، أمكن القول إن الحرب اجتازت البعد الأول من أبعاد الإغلاق الاستراتيجي.
الاختبار الثاني: هل أفرزت الحرب معادلة ردع جديدة في الإقليم؟
مثل ردع إيران أحد أهم أهداف الحرب، وذلك لإجبارها على إعادة تشكيل حساباتها المستقبلية، وإقناعها بأن تكلفة تكرار السلوك الإقليمي السابق للحرب قد أصبحت أعلى من مكاسبه. ومن ثم، فإن أحد جوانب قياس نجاح الحرب على إيران يتصل بما استطاعت تغييره في إدراك الأطراف المنخرطة فيها لحدود استخدام القوة.
ما تحقق من هذا الاختبار، هو محاولة إيران حتى الآن إثبات أن الضربات العسكرية، مهما بلغت كثافتها، لم تجردها تماماً من القدرة على الرد، أو تمنعها من فرض تكلفة على خصومها، فضلاً عن تمسكها بشبكة حلفائها في المنطقة، وإصرارها على إبقاء حالة وحدة الساحات، من خلال التأكيد على أن شرط إنهاء الحرب في لبنان سيكون جزءاً من أي اتفاق مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الرسائل التي حاول النظام إرسالها خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في العراق، تشير إلي حرصه على الإبقاء على موقع العراق المتميز في استراتيجية النفوذ الإيراني إقليمياً.
وقد حافظ ذلك بدوره على الإبقاء على جزء كبير من معادلة الردع التي بنتها إيران على مدى سنوات. فيما يمكن القول بأن قواعد الاشتباك الغامضة حتى الآن قد نتج عنها هدنة هشة، خرقتها أطراف الحرب الثلاثة، كما لم يتم تحقيق أي اختراق في توجيه المعادلة الردعية ناحية إسرائيل، التي دخلت الحرب لإنهاء ما تعتبره تهديداً كونياً يمثله وجود النظام الإيراني على رأس السلطة في إيران.
في حين يشير اتساع نطاق الحرب جغرافياً ليشمل التهديد الحوثي بإغلاق باب المندب، واستهداف سفن تابعة للمملكة العربية السعودية، ودخول جماعات عراقية موالية لإيران على خط الهجمات على السعودية، واشتراك الأخيرة في الرد مع الولايات المتحدة بقصف مناطق تابعة للحشد الشعبي داخل العراق – إلى أن معادلات الردع لازالت صعبة التشكل، وأن أمامها مزيد من الوقت، ما دامت سيناريوهات الصراع العسكري مفتوحة حتى مع استمرار الحديث عن تفاوض.
الاختبار الثالث: هل أعادت الحرب تشكيل البيئة الإقليمية؟
غالباً لا تقتصر نتائج الحروب على أطرافها المباشرين، بل تمتد إلى إعادة توزيع الأدوار داخل الإقليم، وتغيير أنماط التحالف، وإعادة تعريف أولويات الأمن الإقليمي. ولا تعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران استثناءً من هذه القاعدة. فمنذ اندلاعها، لم تكن تداعياتها محصورة في أطرافها الثلاثة بل امتدت إلى دول الخليج، والقوى الإقليمية، والفاعلين من غير الدول، كما أعادت طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة، وحدود الدور الإسرائيلي فيها، وموقع القوى الإقليمية في أي ترتيبات أمنية جديدة.
ومن ثم، فإن أحد أهم اختبارات انتقال الحرب إلى التاريخ في هذا السياق يتمثل في معرفة ما إذا كانت قد أنتجت بيئة استراتيجية مختلفة أم لا، فيما تأتي الإجابة بلا، في ظل وجود عدد من العوامل، أولها: تباين عربي عربي حول فهم ومحددات الأمن الإقليمي، وضرورة وجود قوى خارجية لتعزيزه، فضلاً عن عدم تحديد موقف عربي واضح من فكرة وجود آلية لدفاع عربي مشترك، فيما ستظل هذه الفكرة معطلة طالما لم يتم الاتفاق على مفهوم الأمن الإقليمي. ثانيها: موقع وموقف الدول الإقليمية غير العربية -إيران، تركيا، وإسرائيل- من معادلة الأمن الإقليمي، إذ لا يمكن استبعاد هذه القوي من المعادلة، فيما تتنافس وتتصارع على فرص بسط السيطرة والنفوذ في الإقليم. ثالثها: أن التواجد العسكري لأحد أطراف الحرب وهي الولايات المتحدة في المنطقة، يعد من أهم الخلافات التي تحول دون تشكل معادلة أمن إقليمي مرضية بالقدر الكافي لدوله علي اختلاف توجهاتها.
وبالتالي فإن إعادة تشكيل بيئة إقليمية يمكنها أن تساعد على إنهاء الحرب مرهون بمدى اتضاح الأدوار الإقليمية الجديدة. أما إذا ظلت البيئة الإقليمية تعيش حالة السيولة نفسها، واستمرت الأطراف في إعادة التموضع تحسباً لمواجهات الحرب، فإن الأخيرة من غير المتوقع أن تنتهي إلا لتبدأ جولات جديدة تحاول تحقيق ما لم تحققه الجولة السابقة.
الاختبار الرابع: هل استنفدت الأطراف المتحاربة قدرتها على مواصلة الحرب؟
على الرغم من ميل الأدبيات التقليدية إلى تفسير نهاية الحرب بتحقيق أحد الأطراف أهدافه العسكرية أو السياسية، فإن خبرة الصراعات الدولية تكشف عن نمط آخر من النهايات، يرتبط باستنفاد القدرة على مواصلة الحرب. بوصول الطرفين المتصارعين أو أحدهما إلى مرحلة تصبح فيها الكلفة العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية لاستمرار المواجهات أعلى من العائد المتوقع من استمرارها. فتتجه إلى وقف العمليات دون أن تكون قد حققت جميع أهدافها أو بعضها.
وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين استنفاد الأهداف واستنفاد القدرة. فقد تستمر الدولة في التمسك بأهدافها الاستراتيجية، لكنها تصبح عاجزة عن تحقيقها من خلال استمرار الحرب بالوتيرة نفسها، سواء بسبب الضغوط الاقتصادية، أو تآكل القدرات العسكرية، أو تراجع الدعم السياسي الداخلي، أو تصاعد الضغوط الدولية.
وبتطبيق ذلك على الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، فإن انتهائها يمكن أن يحدث في توقيت ما بوصول طرفيها أو أحدهما إلى قناعة بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت تفوق المكاسب الممكنة منها. وهو أمر غير مستبعد بالنظر إلى الضغوط الداخلية التي يتعرض لها أطراف الصراع، وإن كان بدرجات متفاوتة، ولأسباب متباينة، لاسيما وأن إنهاء الحرب في حالة إيران والولايات المتحدة ومعها إسرائيل سيكون على الأرجح من خلال مواصلة التفاوض بين واشنطن وطهران للوصول إلى اتفاق يحفظ ماء وجه الطرفين، إلا أنه لا ينفي أيضاً سيناريو تجدد الحرب لجولات متعاقبة، تعطي الفرصة قبل البدء فيها مجدداً للأطراف جميعها لتجميع وتعزيز قدراتها، لاسيما في ظل الحديث عن إمكانية تحول الحرب على إيران لتكون نموذجاً مشابهاً لحرب فيتنام التي امتدت لـ 14 عاماً.
يتعزز هذا السيناريو القائم على اعتماد الحرب الحالية على جولات متفرقة متتالية من المواجهات العسكرية، في ظل الإصرار الإسرائيلي على هدف إسقاط النظام في إيران، وإنهاء التهديد الإيراني الوجودي لإسرائيل، وعدم رضا إسرائيل عن أي صيغة للاتفاق مع النظام الإيراني الحالي.
في ضوء ذلك، تبدو الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أقرب إلى مرحلة انتقالية أكثر من كونها حرباً اقتربت مؤشرات نهايتها. إذ أن تطورات الحرب حتى الآن لازالت تحمل مفاجآت وتتسع دائرتها لتشمل أطرافاً جديدة، وما تزال عاجزة عن حسم الأهداف التي اندلعت لتحقيقها. كما أصبحت أهدافها متحركة بفعل مجريات الحرب، بحيث تعيد كل جولة عسكرية إنتاج أهداف جديدة تختلف جزئياً عن تلك التي بدأت بها.
وعليه، فإن ما يمكن أن يكون قد انتهى ليس الحرب، وإنما إحدى مراحلها. أما الصراع نفسه، فلا يزال يتحرك داخل الجغرافيا السياسية للإقليم، ويواصل إعادة تشكيل توازناته، بما يجعل أي حديث عن انتقاله إلى التاريخ سابقاً لأوانه.