د. محمد عباس ناجي

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

على مدى 47 عاماً من عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان السؤال الأهم الذي يَلِحُ دائماً على تفكير القيادة في إيران هو: كيف يمكن التعامل مع الخصوم؟ هذا السؤال - الذي يمثِّل في الأساس معضلة تاريخية لإيران لاعتبارات قومية ومذهبية عديدة - دفعها باستمرار إلى البحث عن الاستراتيجيات التي يمكن أن تستند إليها في الإجابة عليه. وبالفعل، فقد توصلت إيران إلى استراتيجيات عديدة كانت التجربة العملية على الأرض هي المحك الأساسي في تقييم مدى نجاحها أو فشلها في تحقيق أهدافها.

من هنا، يمكن القول إن إحدى أهم النتائج التي فرضتها الحرب التي اندلعت بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل بداية من 28 فبراير 2026، تمثلت في أنها اختبرت ثلاث استراتيجيات استندت إليها إيران، بالتوازي أحياناً وبالتوالي أحياناً أخرى، في تعاملها مع التطورات التي طرأت على الصعيدين الإقليمي والدولي.

الحرب البعيدة

الاستراتيجية الأولى، ارتبطت بأفكار مثل "الحرب البعيدة" أو "الحرب بالوكالة" أو "الحرب في أرض الخصوم". وقد تبنتها إيران في مرحلة ما بعد اندلاع الثورة والإطاحة بنظام الشاه رضا بهلوي في عام 1979. وتقوم هذه الاستراتيجية ببساطة على تأسيس شبكة علاقات مع الفاعلين من غير الدول في عدد من دول المنطقة، خاصة تلك القريبة من دول أخرى تناوئ طموحات إيران النووية والإقليمية، واستخدامهم في إدارة التصعيد مع خصوم إيران بعيداً عن حدودها، وهي في جوهرها صيغة من صيغ "تفويض العنف" التي يصفها أندرو ممفورد (Andrew Mumford) بأنها محاولات من جانب الدول لتحقيق مصالحها الاستراتيجية من دون المغامرة بتكبُد كُلفة الانخراط المباشر. ومع ذلك، فإن حدود هذا التفويض ترتبط في المقام الأول كما يلاحظ تايرون غروه (Tyrone Groh) بمعضلة الرقابة على الوكيل واحتمال تباين أجندته وحساباته عن أجندة الطرف الأصيل.

وقد لخّص المرشد الأعلى للجمهورية السابق علي خامنئي هذه الاستراتيجية عندما قال في 15 يناير 2017، إن "قتلى الجيش الإيراني الذين قتلوا في سوريا دفاعاً عن نظام بشار الأسد سقطوا من أجل أن لا تحارب إيران داخل حدودها"، مضيفاً: "لو لم نردع الأشرار ودعاة الفتنة من عملاء أمريكا والصهيونية في سوريا لكنا نصارعهم في طهران وفارس وخراسان وأصفهان".

هذه الاستراتيجية كان لها دور بالفعل ليس فقط في تحديد اتجاهات التحركات الإيرانية على المستويين الإقليمي والدولي، وإنما أيضاً في تحديد أنماط تفاعلات خصوم إيران وحلفائها معها في آنٍ واحد. وقد وصل الأمر بإيران – طبقاً لهذه الاستراتيجية – أن طلبت في مرحلة معينة أن يضاف حرفا "اللام" و"الألف" لوصفها كـ"قوة إقليمية" وذلك من أجل إخراج دورها ومكانتها من دائرة العموم والشيوع إلى دائرة التحديد والتخصيص، وبمعنى آخر معاملتها باعتبارها "القوة الإقليمية الأولى" في المنطقة وليس مجرد "قوة إقليمية" ضمن قوى إقليمية عديدة. وقد أشار الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي العربي السابق إلى سوريا إلى ذلك بوضوح، عندما كان يبذل جهوداً من أجل الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية، خلال الفترة من أغسطس 2012 وحتى مايو 2014، حيث دعا إيران إلى دعم جهوده في هذا الصدد، إلا أنه فوجئ باشتراطها الحصول على اعتراف دولي بها باعتبارها القوة الرئيسية في المنطقة، حيث قال له المسئولون الإيرانيون الذين التقى بهم في تلك الفترة: "نحن لسنا دولة مهمة في الإقليم، بل نحن الدولة المهمة فيه".

لكن مع مرور الوقت وتغير الظروف، بدا واضحاً أن تأثير تلك الاستراتيجية قد تراجع بالفعل، بل إن مفعوله انتهى، على الأقل مرحلياً. فإيران التي كانت تحارب خصومها بعيداً عن حدودها باتت تحاربهم داخلها. وبدا ذلك واضحاً في حربَي يونيو 2025 وفبراير 2026، حيث لم تعد العمليات العسكرية تجري في دمشق وحمص وبيروت وإنما في طهران وأصفهان وتبريز.

من دون شك، فإن لذلك أسباباً عديدة، أهمها أن خصوم إيران لم يدركوا فقط خطورة استمرار هذه الاستراتيجية وإنما اتجهوا إلى تبني استراتيجية مضادة للتعامل معها. وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت (كان وزيراً للتربية والتعليم وعضواً في المجلس الوزاري المصغر آنذاك) عن تلك الاستراتيجية المضادة، عندما قال، في 12 فبراير 2018، إنه "بدلاً من التعامل مع حزب الله والمنظمات الأخرى، يجب التعامل مع رأس الأفعى.. إيران"، وهو منطق يقترب مما يعتبره جاك ليفي (Jack Levy) بالحرب الوقائية، حيث يتحرك الطرف الذي يستشعر اقتراب انغلاق نافذة تفوقه قبل أن تكتمل قدرات خصمه، وليس رداً بالضرورة على تهديد وشيك، بما يعني أنه تحرك استباقي لتحول قد يحدث في ميزان القوى.

ربما يشير ذلك إلى أن إسرائيل كانت تستعد جدياً منذ سنوات للحرب مع إيران، وجاءت الحرب التي شنتها على قطاع غزة ولبنان بداية من 8 أكتوبر 2023 لتفرض معطيات جديدة أسفرت في النهاية عن الوصول إلى هذه اللحظة وهي "التعامل مع رأس الأفعى"، لاسيما بعد أن تم توجيه ضربات قوية، وفقاً لهذه الاستراتيجية، لأطرافها.

الصبر الاستراتيجي

كان لافتاً أن إيران كانت أول من أدرك أن استراتيجية "الحرب البعيدة" استنفدت أغراضها، على الأقل مرحلياً. ومع ذلك، لم تتحرك سريعاً من أجل إعادة تطويرها بما يتوافق مع المعطيات الجديدة التي فرضتها الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان. بل إنها اتجهت إلى تفعيل الاستراتيجية الثانية، التي كانت قائمة بالفعل لكنها كانت تالية لاستراتيجية "الحرب البعيدة"، وهي استراتيجية "الصبر الاستراتيجي". تقوم هذه الاستراتيجية على استيعاب ضغوط الخصوم والتعايش معها وعدم الاندفاع – أو الاستعجال – في المواجهة، وفي الوقت نفسه مراكمة القدرات العسكرية والاستراتيجية التي يمكن من خلالها رفع كُلفة هذه الضغوط.

وقد بدا ذلك واضحاً في مناسبات عديدة. فعندما حاولت إسرائيل استدراج إيران للانخراط في الحرب التي بدأتها في غزة ثم نقلتها إلى لبنان وسوريا، بعد أن بدأت في مهاجمة أهداف إيرانية مباشرة مثل القنصلية الإيرانية في دمشق في أول أبريل 2024، كان رد إيران مقيداً إلى حد كبير، انعكس في مهاجمة إسرائيل بصواريخ وطائرات من دون طيار ذات قدرات محدودة استغرق وصولها إلى أهدافها ساعات عديدة كانت كفيلة بالتصدي لها سريعاً وبعيداً عن حدود الأخيرة.

وعندما نجحت إسرائيل في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية – في العاصمة طهران – ثم الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله – الذي كان يحظى بمكانة خاصة لدى المرشد الأعلى السابق علي خامنئي – اتبعت إيران النهج نفسه، حيث حرصت على ضبط حدود رد فعلها إزاء العمليات الإسرائيلية المباشرة ضدها. كان المنطق الإيراني يعتمد آنذاك على أن الاندفاع في المواجهة يوفر فرصة ثمينة تنتظرها إسرائيل من أجل استدراج إيران إلى الحرب، فضلاً عن أنه يحرم إيران في الوقت نفسه من مراكمة القدرات العسكرية التي يمكن أن تساعدها عندما تحين اللحظة التي ستضطر فيها إلى التخلي عن تلك الاستراتيجية والانخراط في المواجهة فعلياً.

لكن هذا المنطق يمكن أن يخضع لنقاش واسع. صحيح أن إيران نجحت في مراكمة قدرات عسكرية كبيرة وهو ما كشفت عنه الحرب التي اندلعت منذ 28 فبراير 2026، وأكدت من خلاله عدم مصداقية التصورات الأمريكية والإسرائيلية في هذا الصدد. لكن الصحيح أيضاً أن إيران ربما تكون قد ارتكبت خطأ استراتيجياً فادحاً عندما تمادت في تبني تلك الاستراتيجية رغم أنها كانت تشاهد وتلحظ اقتراب الخصوم من أراضيها، ولم تتخلَّ عنها فعلاً إلا عندما وصلوا إلى أبواب عاصمتها. وبمعنى أدق، فإن التمادي في الحذر كانت كُلفته عالية لأنه سمح للخصوم بقضم المساحات وتقليص المسافات حتى وصلوا إلى حي باستور، حيث يقع المجمع الذي يضم مكتب المرشد خامنئي، وهو ما يقترب مما يُعرِّفه توماس شيلينغ (Thomas Schelling)  بتكتيكات تقطيع السلامي (Salami Tactics)، أي سياسة "القضم التدريجي" التي تبقى فيها كل خطوة من خطوات الخصم أصغر من أن تستدعي رداً بذاتها، بينما يتراكم مجموعها في النهاية إلى تحول استراتيجي كبير لم يتخذ قرار صريح بمواجهته في أي لحظة بعينها. وإذا كان داريل برس (Daryl Press) يرى أن الخصم يقرأ المصالح والقدرات الراهنة لا سجل الردود السابقة، فإن التجربة الإيرانية تقدم شاهداً معاكساً، إذ يبدو أن تراكم الردود المُقيَّدة قد أسهم بالفعل في تآكل مصداقية التهديد الإيراني بالعقاب.

بزن و دررو

رغم أن إيران لم تقر صراحة أنها ارتكبت خطأ استراتيجياً في اتباع استراتيجية الصبر الاستراتيجي، إلا أنها لم تجد غضاضة في استبعادها. فقد أعلن الأمين العام الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي تخلي إيران عن تلك الاستراتيجية، حيث قال في هذا الصدد إن إيران لن تعود أبداً إلى الوضع الذي كانت عليه قبل حرب الإثنى عشر يوماً.

هنا، فإن ذلك كان معناه المباشر أن إيران بدأت في اتباع استراتيجية ثالثة في إدارة التصعيد مع الخصوم، وهي استراتيجية "الاستنزاف". وتقوم هذه الاستراتيجية على فكرة عدم السماح للخصم بتوجيه ضرباته لإيران دون أثمان، بل رفع كُلفة تلك الضربات بحيث تصبح رادعاً له يمكن أن يمنعه مستقبلاً من التفكير في شن حرب جديدة ضدها، أو على الأقل يدفعه إلى البحث عن أدوات أخرى لإدارة الخلافات مع إيران غير الأداة العسكرية، وهي بذلك أقرب إلى الاستنزاف بمعناه السياسي منها إلى معناه العسكري، بالمعنى الذي طرحه أندرو ماك (Andrew Mack) في تفسيره لعجز الأقوياء عن حسم الحروب غير المتماثلة، حيث يكون الحاسم هو تفاوت تحمل الطرفين للكُلفة لا تفاوت قدراتهما المادية.

وقد عبّر المرشد الأعلى للجمهورية السابق علي خامنئي عن هذه الاستراتيجية في 11 يونيو 2015، عندما رد على التهديدات الأمريكية آنذاك باستخدام القوة ضد إيران، بقوله إن "حقبة الضربات دون رد انتهت" (دوران بزن و دررو تمام شده است)، ويعني أن إيران لن تتعرض لضربات عسكرية جديدة من جانب خصومها دون أن ترد. ورغم ذلك، وكما ذُكر سابقاً، فإنه حتى في سياق هذه الاستراتيجية كان رد إيران مقيداً إلى حد كبير، بفعل رغبتها في مواصلة تبني استراتيجية "الصبر الاستراتيجي" وعدم استعجال المواجهة المباشرة مع الخصوم. لكن نفاد أغراض تلك الاستراتيجية، فضلاً عما تعرضت له إيران من ضربات قوية أدت إلى اغتيال خامنئي نفسه وعدد كبير من القيادات السياسية والأمنية والعسكرية، دفع إيران إلى تفعيل الاستراتيجية الثالثة، وهي استراتيجية الاستنزاف.

هذه الاستراتيجية ربما تفسر إلى حد كبير جانباً مما يحدث حالياً، على غرار إصرار إيران على عدم التجاوب مع الجهود التي تُبذل من أجل الوصول إلى تسوية نهائية للحرب الحالية، حيث أنها ترى ببساطة أن هذه التسوية سوف تكون بمثابة فرصة للخصوم من أجل الاستعداد للجولة الجديدة، في حين أن استنزافهم عسكرياً واقتصادياً خلال المرحلة الحالية يمكن أن يمنعهم من تحقيق ذلك.

انطلاقاً من ذلك، يمكن القول ختاماً إن الحرب ساهمت في تغيير أنماط التفكير الإيراني. وحتى تتبلور معالم استراتيجية رابعة يمكن أن تستند إليها إيران– وقد لا تكون بعيدة عن الانتقال من التحوط النووي إلى الردع الصريح، وفق التصنيف الذي يقدمه فيبين ناراند (Vipin Narang) لمسارات الدول نحو التسلح – فإنها سوف تعتمد على استراتيجية الاستنزاف بوصفها ترجمة عملية لما عبّر عنه خامنئي بإنهاء عصر "بزن و دررو"، حين قال إن "الخصوم لن يستطيعوا الضرب والهرب بعد ذلك، بل إن أقدامهم ستعلق وإيران ستتبعها".