عبير ياسين

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

شهدت ترتيبات المرحلة الانتقالية في قطاع غزة خلال فترة قصيرة تطورات متسارعة أعادت إلى الواجهة الجدل حول مجلس السلام ودوره في إدارة هذه المرحلة. ففي 31 يوليو الفائت (2026) أُعلن عن خريطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، متضمنة تفاهمات القاهرة الخاصة بترتيبات إدارة القطاع وآليات التعامل مع سلاح الفصائل ضمن إطار انتقالي تشرف عليه اللجنة الوطنية لإدارة غزة.[1] وقد حظيت تلك الخطوة بترحيب دولي واسع، ووصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها اتفاق "تاريخي" من شأنه إحداث تحول جذري في الأوضاع الأمنية والسياسية داخل القطاع.[2]

غير أن هذا الزخم لم يدم طويلا، حيث برزت تفسيرات متباينة لآليات تنفيذ خريطة الطريق، ولاسيما فيما يتعلق بالعلاقة بين مساري التعامل مع سلاح الفصائل والانسحاب الإسرائيلي المرحلي إلى ما وراء الخط الأصفر. وفي حين أكدت حركة حماس تمسكها بتنفيذ متزامن للالتزامات الأمنية والسياسية،[3] طرحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تصورا مختلفا يربط أي تحرك إسرائيلي باستكمال عملية نزع السلاح، قبل أن يصدر مجلس السلام في 3 أغسطس الجاري (2026)، وعقب اجتماع الممثل الأعلى للمجلس نيكولاي ملادينوف وفريقه مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بيانا أكد فيه أن الانسحاب الإسرائيلي لن يتم إلا بعد استكمال عملية نزع سلاح الفصائل.[4]

بدوره، أعاد هذا التطور فتح النقاش حول مجلس السلام وطبيعة الإطار التنفيذي الذي يحكم المرحلة الانتقالية، وحدود التوافق بين ما أعلن في خريطة الطريق وما طرح لاحقا بشأن آليات تنفيذها. ولم يقتصر أثر هذه التطورات على الجوانب الإجرائية، بل امتد إلى إعادة إحياء المخاوف الفلسطينية المرتبطة بطبيعة المجلس، ومدى استقلاليته، وما إذا كانت آليات التنفيذ تعكس توازنا بين التزامات الأطراف المعنية، أم أنها تعيد ترتيب أولويات التنفيذ بما يقترب من الأولويات الأمنية الإسرائيلية. وفي هذا السياق، تكتسب العودة إلى طبيعة مجلس السلام والخلفية التي نشأ في إطارها أهمية خاصة لفهم أسباب تباين المواقف الفلسطينية من ترتيباته، وحدود القبول أو التحفظ تجاه الدور الذي ينتظر أن يضطلع به خلال المرحلة الانتقالية.

وقد جرى طرح المجلس عبر تحركات دولية قادتها إدارة الرئيس ترامب، ارتباطا برؤية تهدف إلى تنظيم ترتيبات مستقبل القطاع أو ما يسمى بـ "اليوم التالي" عبر إطار دولي يتولى تنسيق الجوانب السياسية والتنفيذية للمرحلة الانتقالية.[5] ومن ثم، فإن مجلس السلام لم يطرح باعتباره مؤسسة معنية بالإغاثة أو إعادة الإعمار فقط، وإنما باعتباره إطارا سياسيا وتنفيذيا لتنظيم المرحلة الانتقالية والإشراف على تنفيذها، وهو ما منح النقاش حوله أبعادا تتجاوز الجانب الإنساني إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني نفسه.

وبهذا لم ينصب الجدل الفلسطيني حول مجلس السلام على وجود إطار دولي للمساعدة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب بقدر ما انصب على طبيعته، وحدود صلاحياته، وعلاقته بالمؤسسات الفلسطينية. فالمجلس لا يتحرك في فراغ سياسي، وإنما يتداخل مع قضايا تتعلق بالشرعية والتمثيل، ومستقبل إدارة قطاع غزة، والعلاقة بين السلطة الفلسطينية والفصائل، فضلا عن ملف السلاح الذي أصبح أحد أكثر عناصر المرحلة الانتقالية حساسية.  

ولذلك، اختلفت مقاربات الفاعلين الفلسطينيين باختلاف مواقعهم السياسية وتقديراتهم لأولويات المرحلة الانتقالية والمصالح السياسية والمؤسسية وفقا لتطورات القضية والمواقف المعنية، حيث تنظر السلطة الفلسطينية إلى ترتيبات ما بعد الحرب باعتبارها فرصة لإعادة دمج قطاع غزة ضمن الإطار المؤسسي الفلسطيني، وإنهاء حالة الانقسام الإداري والسياسي، مع التأكيد على أن أي ترتيبات انتقالية يجب ألا تؤدي إلى إنشاء هياكل بديلة عن المؤسسات الفلسطينية الرسمية. أما الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، فتنظر إلى المجلس من زاوية مختلفة، ترتبط بمدى انعكاس ترتيباته على واقع القطاع، ودورها السياسي والأمني، وعلى طبيعة العلاقة بين إعادة تنظيم الوضع الأمني وبين المسار السياسي الأوسع.

كما تأثرت المواقف الفلسطينية أيضا بطبيعة التصورات الدولية للمجلس. ففي حين ركزت الرؤية الأمريكية على اعتبارات الاستقرار وإعادة بناء الإدارة، ركزت إسرائيل على إعادة تشكيل البيئة الأمنية في القطاع. وأدت تلك التصورات إلى تنامي التساؤلات داخل الساحة الفلسطينية بشأن ما إذا كان المجلس يمثل إطارا دوليا محايدا لإدارة المرحلة الانتقالية، أم أنه يعكس بدرجات متفاوتة أولويات القوى الراعية له، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على طبيعة المواقف الفلسطينية منه.

وقد انتقل هذا الجدل من مستوى التصورات العامة إلى مستوى ترتيبات التنفيذ، متضمنا تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة في 16 يناير 2026،[6] وإنشاء السلطة لمكتب الارتباط والتنسيق مع مجلس السلام في 21 فبراير من نفس العام،[7] وصولا إلى اتفاق سلاح الفصائل الذي أعاد ترتيب أولويات المرحلة الانتقالية، ونقل النقاش من سؤال إدارة القطاع إلى سؤال إعادة تنظيم المجال الأمني ومستقبل احتكار أدوات القوة، وخاصة في ظل بيان الثالث من أغسطس وما تبعه من تباين في تفسير التزامات الأطراف المختلفة خلال هذه المرحلة. [8]

هذا وتعكس المواقف الفلسطينية حسابات مختلفة تتعلق بإعادة توزيع السلطة والشرعية والنفوذ خلال المرحلة الانتقالية. وتثير هذه التفاعلات سؤالا رئيسيا يتمثل في الكيفية التي أعادت بها ترتيبات مجلس السلام تشكيل المواقف الفلسطينية، وما إذا كانت هذه المواقف تعكس اختلافا حول المجلس ذاته، أم حول طبيعة المرحلة الانتقالية وأولوياتها وآليات تنفيذها. وانطلاقا من ذلك، يسعى هذا الموضوع إلى تحليل المواقف الفلسطينية من مجلس السلام، وبيان تأثير التفاعلات الدولية والإسرائيلية في تشكيل هذه المواقف، والسيناريوهات المحتملة للتعامل الفلسطيني مع المجلس خلال المرحلة المقبلة.

أولاً: مجلس السلام وترتيبات المرحلة الانتقالية في غزة

برز مجلس السلام ضمن التصورات المطروحة لإدارة قطاع غزة في المرحلة الانتقالية، باعتباره أحد الأطر الدولية الهادفة إلى تنظيم الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة وقف إطلاق النار والسعي إلى الاستقرار وإعادة البناء السياسي والإداري. غير أن أهمية المجلس لا ترتبط بطبيعته التنظيمية أو التنفيذية فحسب، وإنما بالموقع الذي يشغله داخل التصور السياسي الأشمل لإدارة غزة بعد الحرب، إذ يتقاطع عمله مع ملفات الحكم والإدارة وإعادة الإعمار، فضلا عن إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية وترتيبات إدارة القوة، وهو ما جعله يتجاوز كونه آلية فنية أو إنسانية إلى اعتباره جزءا من معادلة إعادة تشكيل الواقع السياسي في القطاع.

ويرتبط هذا التصور بالرؤية الأمريكية لمجلس السلام الذي يتولى تنسيق الجهود السياسية والتنفيذية خلال المرحلة الانتقالية، وفق تصور يقوم على توزيع الأدوار بين الأطراف الدولية والإقليمية والفلسطينية، بما يضمن إدارة عملية التعافي وإعادة الإعمار بصورة متزامنة مع إعادة تنظيم البيئة الأمنية والمؤسسية في القطاع. ومن ثم، يمثل المجلس إحدى آليات التعامل مع اليوم التالي للحرب،[9] وليس مشروعا مستقلا بالضرورة، إلا أن نجاحه في أداء هذا الدور يتوقف على العديد من العوامل، لعل أهمها قدرته على تحقيق التطلعات الفلسطينية في إنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

ومن ثم، تنبع أهمية مجلس السلام في الحالة الفلسطينية من كونه يمثل نقطة تقاطع بين ثلاثة مستويات متداخلة، وهي المستوى الدولي المرتبط بإدارة مرحلة ما بعد الحرب، والمستوى الفلسطيني الداخلي المرتبط بإعادة بناء النظام السياسي، والمستوى الأمني المرتبط بإعادة تنظيم أدوات القوة داخل قطاع غزة.

إلا أن انتقال المجلس من مستوى التصور إلى مستوى التنفيذ أدى إلى اتساع دائرة النقاش الفلسطيني حوله، لأن نطاق عمله يمتد إلى ملفات تمس جوهر النظام السياسي الفلسطيني، مثل تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، والعلاقة بين السلطة الفلسطينية والإدارة الانتقالية، ودور الفصائل، وآليات التنسيق مع الأطراف الدولية، فضلاً عن مستقبل الملف الأمني.

ويكشف تطور النقاش حول المجلس أن جوهر الخلاف الفلسطيني لم يكن منصبا على الحاجة إلى وجود مرحلة انتقالية أو التصور الخاص بكيفية إدارتها، بقدر ما انصب على طبيعة هذه الإدارة، والمرجعية التي تستند إليها، والجهة التي تضع قواعدها، والأطراف التي تمتلك سلطة اتخاذ القرارات. ففي حين تنظر السلطة الفلسطينية إلى المجلس باعتباره إطارا يمكن الاستفادة منه إذا عمل ضمن الشرعية الفلسطينية، تتخوف قطاعات من الفصائل من أن يتحول إلى آلية تفترض ترتيبات سياسية وأمنية تتجاوز التوافق الفلسطيني أو تعيد رسم موازين القوى الداخلية تحت مظلة دولية.

وقد تعززت المخاوف الفلسطينية عقب ما اعتبرته تهميشا للجانب الفلسطيني في تشكيل المجلس، ولاسيما بعد الاجتماعات التي عقدت في واشنطن في فبراير 2026 بدون تمثيل فلسطيني رغم مشاركة إسرائيل. وقد رأت هذه الأطراف أن ذلك يعكس اتجاها نحو مناقشة ترتيبات المرحلة الانتقالية بمعزل عن المشاركة الفلسطينية المباشرة، وسط مخاوف معلنة من استبدال الأمم المتحدة ومجلس الأمن بمجلس السلام، والعمل على فصل الضفة الغربية عن غزة وفقا لتصريحات المتحدث باسم حركة فتح منذر حايك، مع ما أثاره هذا التحرك من تساؤلات تظل حاضرة حول موقع الفلسطينيين في عملية صنع القرار ومستقبل التمثيل السياسي خلال المرحلة الانتقالية والترتيبات التي تمس القضية الفلسطينية ومستقبل الدولة.[10]

ثانيا: السلطة الفلسطينية بين المرجعية وترتيبات التنفيذ

يمثل موقف السلطة الفلسطينية من مجلس السلام انعكاسا لرؤيتها الأوسع تجاه قطاع غزة بصفة عامة، وتجاه مرحلة ما بعد الحرب بصفة خاصة، إذ لا تنظر إلى المجلس باعتباره قضية مستقلة، وإنما باعتباره أحد العناصر التي قد تعيد تشكيل العلاقة بين قطاع غزة والمؤسسات الفلسطينية، وبين مختلف الفاعلين الفلسطينيين والأطراف الدولية المنخرطة في إدارة المرحلة الانتقالية. وتؤكد السلطة في هذا الإطار على محورية "الوحدة الجغرافية ووحدة النظام السياسي" بوصفها أولوية فلسطينية. [11]

ويتسق هذا الموقف مع تمسك السلطة منذ بداية النقاش حول ترتيبات "اليوم التالي" بمبدأ أساسي مؤداه أن قطاع غزة يمثل جزءا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية، وأن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تنتهي إلى إعادة دمج القطاع ضمن النظام السياسي الفلسطيني،[12] وألا تقود إلى إنشاء هياكل انتقالية موازية أو ترتيبات مفتوحة قد تكرس واقعا سياسيا وإداريا منفصلا.

ويعكس هذا الموقف إدراكا لدى السلطة بأن المرحلة الانتقالية لن تكون مجرد مرحلة لإدارة آثار الحرب، بل ستكون مرحلة لإعادة توزيع الأدوار والنفوذ داخل النظام الفلسطيني. ولذلك فإن الحفاظ على المرجعية الفلسطينية لا يرتبط فقط باعتبارات قانونية أو سياسية، وإنما أيضا بالرغبة في منع انتقال مركز صنع القرار الخاص بغزة إلى أطر انتقالية أو دولية لا تستند إلى المرجعية الفلسطينية الرسمية ولا تخضع لسلطتها السياسية والمؤسسية.

ومن هذا المنطلق، سعت السلطة إلى التحرك على مسارين متوازيين، تمثل الأول في الانخراط العملي في ترتيبات المرحلة الانتقالية من خلال قنوات الاتصال والتنسيق مع مجلس السلام والأطراف الدولية المعنية، والمشاركة في المناقشات المتعلقة بالإدارة وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات. أما المسار الثاني فتمثل في تثبيت المرجعية السياسية، عبر التأكيد المستمر على أن أي إدارة انتقالية يجب أن تستند إلى الشرعية الفلسطينية، وأن تكون جزءا من مسار ينتهي بعودة المؤسسات الفلسطينية إلى ممارسة اختصاصاتها في قطاع غزة على أساس التمسك بتأسيس الدولة المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استنادا إلى قرارات الشرعية الدولية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة للسلطة على ضوء تجربة الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007، إذ ترى السلطة أن أحد أبرز أسباب استمرار الانقسام تمثل في وجود سلطات ومؤسسات موازية داخل القطاع. ومن ثم، فإنها تتعامل مع مجلس السلام من منظور يهدف إلى تجنب إنتاج نموذج مؤسسي جديد قد يفضي إلى تكريس هذا الواقع تحت غطاء دولي، حتى وإن كان مؤقتا.

وبناء على ذلك، لم يقتصر موقف السلطة على الخطاب السياسي، ولكنه اقترن بمجموعة من الخطوات العملية الرامية إلى تثبيت حضورها في ترتيبات المستقبل، من خلال إنشاء مكتب الاتصال والتنسيق مع مجلس السلام، والتحرك الدبلوماسي بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية، والمشاركة في المناقشات الخاصة بإدارة القطاع وإعادة الإعمار. وهي التحركات التي عكست سعي السلطة للتأثير في مضمون الترتيبات المطروحة، ومراعاة المرجعية الفلسطينية، أكثر من سعيها إلى رفضها من حيث المبدأ.

كما أولت السلطة أهمية خاصة لملف الإدارة المدنية، باعتباره المدخل الأكثر قابلية لاستعادة حضورها في القطاع. إذ يتطلب نجاح أي إدارة انتقالية وجود جهاز إداري قادر على إدارة المرافق العامة وتقديم الخدمات الأساسية، وهو ما ترى أنه لا يمكن تحقيقه بصورة مستقرة من دون الاستفادة من المؤسسات الرسمية الفلسطينية وخبراتها الإدارية والقانونية.

ويتجلى البعد المؤسسي في موقف السلطة بصورة أوضح عند تناول ملف السلاح. فتمسكها بمبدأ "سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد" لا يعكس مجرد رؤية أمنية، وإنما يعبر عن تصور متكامل لبناء السلطة العامة، يقوم على احتكار المؤسسات الشرعية لاستخدام القوة باعتباره من المقومات الأساسية لقيام نظام سياسي موحد. ومن ثم، فإنها تنظر إلى معالجة ملف السلاح باعتباره جزءا من إعادة بناء الدولة، وليس مجرد استجابة لمطالب أمنية خارجية. إلا أن هذا الطرح يواجه تحديات عملية وسياسية معقدة. فمن ناحية، يتطلب تطبيقه توافقا فلسطينيا يصعب تحقيقه حتى اللحظة في ظل استمرار تباين الرؤى بين السلطة والفصائل. ومن ناحية أخرى، يرتبط نجاحه بطبيعة الدور الذي ستلعبه الأطراف الإقليمية للوساطة والحفاظ على أهمية القضية في مواجهة جهود تصفيتها، وكذلك تعامل المواقف الدولية مع السلطة، وهل سيتم التعامل معها بوصفها الشريك الرئيسي في إدارة المرحلة الانتقالية، أم باعتبارها أحد الأطراف المشاركة فقط.

وإلى جانب التوافق الفلسطيني تواجه السلطة معضلة أخرى تتمثل في ضرورة الموازنة بين الانخراط في الترتيبات الدولية والحفاظ على استقلالية قرارها السياسي. ففي حين يمكن أن يُعرِّضها الإفراط في الارتباط بالمقترحات والتصورات الدولية للنقد الداخلي أحيانا، يمكن أن يؤدي الابتعاد عن هذه الترتيبات إلى تراجع قدرتها على التأثير في الترتيبات القائمة ومستقبل القطاع. ومن ثم، فإن سياستها تقوم على تحقيق قدر من التوازن الضروري بين الحضور وسط الترتيبات القائمة، ومحاولة التأثير فيها وتشكيلها بما يخدم المصلحة الفلسطينية، وبين الحفاظ على خطاب يؤكد أولوية القرار الفلسطيني ضمن وحدة السيادة ووحدة السلطة بوصفها الأساس للدولة الفلسطينية المنتظرة.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن موقف السلطة الفلسطينية من مجلس السلام لا يعبر عن قبول أو رفض مبدئي، وإنما يعبر عن استراتيجية احتواء تهدف إلى توظيف الترتيبات الدولية بما يخدم إعادة بناء المرجعية الفلسطينية. ومن ثم، فإن جوهر موقفها لا ينصب على مجلس السلام بوصفه إطارا مؤسسيا في حد ذاته، وإنما على الكيفية التي ستعيد بها ترتيبات المرحلة الانتقالية تعريف موقعها ودورها داخل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب.

ثالثا: الفصائل الفلسطينية بين الحفاظ على الدور والتحفظ على المسار

إذا كانت السلطة الفلسطينية تنظر إلى مجلس السلام من زاوية ترسيخ المرجعية المؤسسية، تنظر الفصائل الفلسطينية إليه من زاوية مختلفة تنطلق من موقعها في معادلة القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني، ومن تقديرها للآثار التي قد تترتب على ترتيبات المرحلة الانتقالية بالنسبة إلى مستقبل أدوارها السياسية والعسكرية.

ويرتبط موقف حركة حماس، التي تولت عملية إدارة القطاع لفترة طويلة، من مجلس السلام بحجم الدمار الذي خلفته الحرب وما فرضه من حاجة إلى ترتيبات انتقالية تتيح استعادة الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار، دون أن تتحول هذه الترتيبات إلى مدخل لفصل الملفات الأمنية عن سياقها السياسي.[13] وفي هذا الإطار، أعلنت الحركة قبولها إسناد الإدارة المدنية والأمنية في القطاع إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مع تأكيد رفضها أي وصاية أجنبية على عمل اللجنة، واتهام إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة لبدء عملها ودخولها للقطاع.[14]

ويعكس هذا الموقف تمسك الحركة بالتزامن بين الترتيبات التنفيذية ووجود مسار سياسي وضمانات متبادلة، بحيث لا يعالج ملف السلاح بمعزل عن قضايا وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من القطاع، وإعادة الإعمار.[15] ومن ثم، تنظر الحركة إلى أي معالجة أمنية منفصلة عن هذا السياق باعتبارها معالجة جزئية قد تؤدي إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل القطاع، دون معالجة جذور الصراع المرتبطة باستمرار الاحتلال.

وقد اكتسب هذا الموقف بعدا أكثر وضوحا عقب التطورات التي شهدتها ترتيبات تنفيذ خريطة الطريق خلال الفترة الممتدة بين 31 يوليو و4 أغسطس 2026. ففي حين تعاملت حماس مع تفاهمات القاهرة على أساس قيامها على تنفيذ متزامن للالتزامات الأمنية والسياسية، ولاسيما ما يتعلق بملف السلاح والانسحاب الإسرائيلي، أثار بيان مجلس السلام مخاوف الحركة من انعكاسات التعامل مع استكمال نزع السلاح بوصفه شرطا مسبقا لبدء الانسحاب الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، لم يعد تحفظ الحركة موجها إلى ملف السلاح في حد ذاته، بقدر ما أصبح منصبا على الكيفية التي يجري بها تفسير التزامات الأطراف وتسلسل تنفيذها، وما إذا كانت هذه التفسيرات – لاسيما في البيان - تعكس ما تم التوافق عليه، أم تمثل انزياحا نحو المقاربة الأمنية الإسرائيلية بما يقيد فرص الالتزام بما تم الاتفاق عليه.[16]

أما حركة الجهاد الإسلامي، فتتقاطع مقاربتها مع حركة حماس في رفض إعطاء الأولوية للترتيبات الأمنية على حساب المسار السياسي، مع استمرار تأكيدها أن مستقبل المقاومة لا ينبغي أن يحسم في إطار ترتيبات انتقالية تفرضها الأطراف الدولية بمعزل عن معالجة جوهر الصراع. [17] وفي حين ارتبط تحفظ الجهاد الذي أعلن عنه في اللحظات الأولى من إعلان الاتفاق حول سلاح الفصائل، والذي زال مع تأكيد التفسير القائم على التزامن بين تسليم سلاح الفصائل وانسحاب إسرائيل، فقد عاد التحفظ للواجهة لدى الجهاد وغيرها من الفصائل مع صدور بيان المجلس في الثالث من أغسطس وما تضمنه من ربط الانسحاب الإسرائيلي باستكمال عملية نزع سلاح الفصائل، وهو وضع ترى فيه الفصائل ابتعادا عن التفسير الذي تبنته للاتفاق، ويثير المخاوف من أن تؤدي إعادة ترتيب الأولويات الأمنية لإعادة تشكيل المشهد لصالح إسرائيل.

ومن ثم، لا يمكن اختزال موقف الفصائل من مجلس السلام في ثنائية القبول أو الرفض، إذ تعكس في مجملها مقاربة تفاوضية مشروطة لا تستبعد الانخراط في ترتيبات المرحلة الانتقالية من حيث المبدأ، ولكنها تسعى إلى إعادة التفاوض بشأن مضمونها، وتسلسل خطواتها، والضمانات السياسية المصاحبة لها، بما يمنع تكريس ترتيبات أمنية لا تقترن بانتهاء الاحتلال وتنفيذ الالتزامات السياسية والأمنية المعلنة. ويعكس ذلك إدراكا لدى الفصائل بأن النقاش الدائر حول مجلس السلام يتجاوز مستقبل إدارة قطاع غزة، ليمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى وأدوار الفاعلين خلال مرحلة ما بعد الحرب. ولذلك، فإن درجة التحفظ التي تبديها بعض الفصائل لا ترتبط فقط بطبيعة المجلس، وإنما أيضا بما قد يترتب على ترتيباته من آثار على توزيع السلطة والشرعية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وأفق الدولة الفلسطينية ذاتها.

وتكشف هذه التباينات أن الجدل الفلسطيني لم يعد يدور حول مبدأ وجود مجلس السلام بقدر ما أصبح يدور حول طبيعة الدور الذي سيمارسه، والمرجعية التي ستحدد آليات تنفيذ التزاماته، وهو ما يفسر استمرار تباين المواقف الفلسطينية مع كل تطور يطرأ على مسار تنفيذ المرحلة الانتقالية.

رابعاً: اتفاق القاهرة وإعادة ترتيب أولويات المرحلة الانتقالية

مثل اتفاق القاهرة بشأن خريطة طريق المرحلة الثانية وخاصة ما يتعلق بنزع سلاح الفصائل نقطة تحول في مسار النقاش حول ترتيبات المرحلة الانتقالية، ليس فقط لأنه تناول أحد أكثر ملفات المرحلة الانتقالية حساسية، وإنما لأنه أعاد تعريف العلاقة بين المسار الأمني وبقية مسارات المرحلة الانتقالية. فمنذ الإعلان عنه في 31 يوليو الفائت، لم يعد النقاش حول كيفية إدارة القطاع وإعادة إعماره فحسب، بل امتد إلى ترتيب تنفيذ الالتزامات الأمنية والسياسية، وأيهما يشكل المدخل للآخر.

 ففي المراحل الأولى من النقاش، انصب الاهتمام على تشكيل الإدارة الانتقالية، وإعادة تشغيل المؤسسات، وتنسيق جهود الإغاثة والإعمار. إلا أن إدراج ملف السلاح ضمن ترتيبات التنفيذ أعاد ترتيب الأولويات، وربط نجاح بقية الملفات بكيفية معالجة ملف سلاح الفصائل، نظرا لاتصاله المباشر بطبيعة المرحلة الانتقالية ودور اللجنة الفلسطينية لإدارة غزة، ومستقبل الفصائل والعلاقة بينها وبين السلطة، وإعادة تنظيم المجال الأمني.

وفي هذا السياق، لم يكن الخلاف الفلسطيني مقتصرا على آليات تنفيذ ترتيبات السلاح، وإنما امتد إلى طبيعة المقاربة الحاكمة لهذا الملف. وينسجم إدراج هذا الملف مع رؤية السلطة الفلسطينية القائمة على توحيد المرجعية الأمنية والمؤسسية، ولذلك، تنظر السلطة إلى معالجة هذا الملف باعتبارها جزءا من مشروع إعادة بناء سلطة فلسطينية موحدة تمارس ولايتها على كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس مجرد استجابة لمطلب أمني. وبالنسبة للفصائل، لا تكمن الإشكالية في آليات التنفيذ وحدها، وإنما في السياق السياسي الذي يجري فيه تناول ملف السلاح، وكيفية التعامل معه، وموقعه في ترتيبات المرحلة الانتقالية وما إذا كان يمثل جزءا من تسوية سياسية شاملة ومتوازنة، أم أنه يتحول إلى شرط مسبق لإطلاق بقية مراحل العملية الانتقالية.

وبهذا يمكن القول إن الجدل حول ملف السلاح لا يعكس خلافا تقنيا حول آليات التنفيذ بقدر ما يكشف اختلافا أوسع في تصور طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها. فبينما تنظر السلطة الفلسطينية إلى توحيد أدوات القوة باعتباره أحد متطلبات إعادة بناء السلطة العامة، ترى فصائل فلسطينية أن إعادة تنظيم المجال الأمني ينبغي أن تكون نتيجة لتسوية سياسية متوازنة، لا مدخلا إليها.

ووفقا للنص المعلن وتفسير الفصائل، فقد قبلت حماس تخزين السلاح تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ووفق جدول زمني متفق عليه، وبحماية قوات الاستقرار الدولية، مع رفض تسليم أي جزء من السلاح إلى إسرائيل أو أي جهة خارجية، وتم ربط تنفيذ هذه الإجراءات بالوقف الشامل للحرب والانسحاب الإسرائيلي المتزامن.[18] وبذلك، انصرف جانب مهم من النقاش الفلسطيني إلى تفسير طبيعة الالتزامات الواردة في الاتفاق، وما إذا كانت تقوم على التزامن أم على ترتيب متعاقب.

ولم يظل الخلاف نظريا حول تفسير اتفاق، بل اكتسب بعدا عمليا عقب بيان الثالث من أغسطس الجاري، والذي أثار المخاوف بالانتقال من مفهوم التنفيذ المتزامن للالتزامات إلى مفهوم الترتيب المتعاقب، بما يمنح الأولوية للاعتبارات الأمنية، ويجعل تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية مرهوناً باستكمال الإجراءات المتعلقة بالسلاح. كما عزز ذلك الانطباع لدى بعض القوى الفلسطينية بأن المجلس بات يقترب في تحركاته من الرؤية الأمنية الإسرائيلية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن توازن دوره في إدارة المرحلة الانتقالية.

وبذلك، تحول اتفاق سلاح الفصائل من مجرد أحد بنود خريطة الطريق إلى معيار حكم لقياس توازن المرحلة الانتقالية، فكلما جرى التعامل مع الملف في إطار متوازن يراعي تزامن الالتزامات المتبادلة، ازدادت فرص بناء توافق فلسطيني حول المرحلة الانتقالية. أما إذا غلبت المقاربة الأمنية أو اختل التوازن في تنفيذ الالتزامات، فمن المرجح أن تتسع دائرة التحفظات الفلسطينية تجاه مجلس السلام وترتيباته.

خامسا: سيناريوهات الموقف الفلسطيني من مجلس السلام خلال المرحلة المقبلة

في ضوء المواقف الفلسطينية السابق تناولها، وتطور ترتيبات المرحلة الانتقالية، والتفاعل المستمر بين الاعتبارات الفلسطينية والضغوط الدولية والإسرائيلية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية للموقف الفلسطيني من مجلس السلام خلال المرحلة المقبلة. ولا تعكس هذه السيناريوهات توقعات حتمية، وإنما تمثل مسارات تحليلية تستند إلى اتجاهات التفاعلات الراهنة، والعوامل المؤثرة في تطورها سواء على صعيد القطاع، أو على صعيد الأطراف المعنية.

السيناريو الأول: الانخراط الفلسطيني المشروط

يفترض هذا السيناريو استمرار السلطة الفلسطينية، ومعها عدد من القوى والفصائل الفلسطينية، في التعامل مع مجلس السلام باعتباره إطارا قائما تفرضه المرحلة الانتقالية، مع السعي إلى إعادة تشكيل آليات عمله بما يعزز الدور الفلسطيني في عملية صنع القرار. ويفترض هذا السيناريو أن الأطراف الفلسطينية ستفضل التأثير في مسار المجلس من الداخل بدلا من تركه يتطور بمعزل عن مشاركتها. ويستند في ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها الحاجة إلى الحد من تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية، وإعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية، إلى جانب إدراك مختلف الأطراف الفلسطينية أن استمرار الفراغ الإداري أو الأمني قد يطيل أمد حالة عدم الاستقرار.

غير أن تحقق هذا السيناريو يظل مرهونا بتوافر عدد من الشروط غير المتوفرة في اللحظة، أبرزها توسيع مساحة المشاركة الفلسطينية في إدارة المرحلة الانتقالية، وقدرة المجلس على الحفاظ على توازن ترتيبات المرحلة الانتقالية، وعدم ترجيح المقاربة الأمنية على حساب المسارات السياسية والإنسانية والإدارية. كما يواجه تحديات متعددة لعل أبرزها استمرار الخلافات بشأن ترتيب الأولويات، ولا سيما فيما يتعلق بملف السلاح، واستعداد الأطراف الدولية لإتاحة مساحة أوسع للمشاركة الفلسطينية في صياغة ترتيبات المرحلة الانتقالية.

السيناريو الثاني: إدارة الخلاف واستمرار الترتيبات الانتقالية

يقوم هذا السيناريو على استمرار التباين الفلسطيني، مع إدارة الخلافات بصورة تمنع تحولها إلى مواجهة سياسية مباشرة تعطل ترتيبات المرحلة الانتقالية. وفي هذا السيناريو، لا يختفي الخلاف حول القضايا الجوهرية، وإنما يجري احتواؤه وتأجيل حسمه، بما يسمح باستمرار تنفيذ بعض الترتيبات التنفيذية، ولا سيما في الجوانب الإنسانية والإدارية، دون الوصول إلى توافق سياسي شامل بشأن القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها مستقبل السلاح وشكل إدارة المرحلة الانتقالية. ويقوم هذا السيناريو على الفصل النسبي بين إدارة الملفات التنفيذية واستمرار الخلاف حول القضايا السياسية الجوهرية.

وتتمثل مؤشرات تحقق السيناريو في استمرار الاجتماعات الفلسطينية دون التوصل إلى اتفاق شامل، والتقدم في الملفات الإنسانية والإدارية بوتيرة أسرع من الملفات السياسية والأمنية، وبقاء الخلافات حول السلاح ضمن إطار التفاوض دون انهيار المسار العام. ويبدو هذا السيناريو وفقا لذلك الأكثر ترجيحا في المدى المنظور، بالنظر إلى استمرار التباين الفلسطيني من دون وصوله إلى حد القطيعة، مع وجود ضغوط إنسانية ودولية تدفع مختلف الأطراف إلى الإبقاء على الحد الأدنى من التعاون في الملفات التنفيذية.

السيناريو الثالث: التحفظ الفلسطيني وتعثر الترتيبات الانتقالية

يفترض هذا السيناريو اتساع نطاق التحفظات الفلسطينية إذا اتجهت ترتيبات المرحلة الانتقالية إلى إعطاء الأولوية للاعتبارات الأمنية على حساب المسارات السياسية والمؤسسية، أو إذا استمرت آليات صنع القرار في العمل بتمثيل فلسطيني محدود، بما يعزز الانطباع بأن الأولويات الأساسية يجري تحديدها خارج الإطار الفلسطيني.  

ويزداد احتمال تحقق هذا السيناريو إذا ترسخت المقاربة التي تربط تنفيذ كامل الترتيبات الانتقالية باستكمال الالتزامات الأمنية، بما يعزز الانطباع الفلسطيني بأن مجلس السلام بات أقرب إلى تبني الأولويات الأمنية الإسرائيلية منه إلى إدارة متوازنة للمرحلة الانتقالية. وفي هذه الحالة، قد تتراجع فرص التوافق الداخلي، وتتزايد الخلافات بين السلطة والفصائل بشأن المرحلة الانتقالية، ويتراجع مستوى الانخراط الفلسطيني في مؤسسات وآليات المرحلة الانتقالية، ما ينعكس سلبا بدوره على قدرة المجلس على تنفيذ مهامه، ويؤدي إلى إطالة أمد حالة عدم اليقين السياسي والأمني في القطاع.

وتشير المعطيات السابقة إلى أن مستقبل الموقف الفلسطيني من مجلس السلام يتحدد بالكيفية التي ستدار بها المرحلة الانتقالية، ومدى قدرة المجلس على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والشرعية السياسية، وبين الالتزامات المتبادلة للأطراف المختلفة. ومن ثم، لا يتجه المشهد الفلسطيني إلى قبول أو رفض كامل للمجلس بقدر ما يتجه نحو تفاوض مستمر حول وظائفه وصلاحياته وآليات عمله، وستظل درجة الشرعية الفلسطينية التي يكتسبها المجلس هي العامل الحاسم في تحديد فرص نجاح أو تعثر ترتيبات المرحلة الانتقالية.

الخاتمة

يكشف تحليل المواقف الفلسطينية أن الخلاف بشأن مجلس السلام لا يدور حول وجود إطار دولي لإدارة المرحلة الانتقالية، وإنما حول الكيفية التي ستدار بها، والمرجعية التي سوف ستستند إليها، وكيفية توزيع الأدوار والصلاحيات بين الطرف الفلسطيني والأطراف الدولية. ويعكس هذا التباين اختلافا في تصور كل طرف فلسطيني لطبيعة المرحلة الانتقالية ووظيفتها، فبينما تنظر إليها بعض الأطراف بوصفها مدخلا لإعادة بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية، تنظر إليها أطراف اخرى باعتبارها مرحلة قد تعيد توزيع موازين القوة والشرعية بما ينعكس على مستقبل إدارة القطاع وموقعه داخل النظام السياسي الفلسطيني.  

كما أظهر تحليل المواقف أن ملف السلاح تجاوز كونه قضية أمنية، ليصبح المعيار الأكثر حساسية في اختبار توازن ترتيبات المرحلة الانتقالية، من خلال ارتباطه بقضايا الشرعية وإعادة بناء المؤسسات والعلاقة بين السلطة والفصائل، وطبيعة الدور الدولي في غزة. ومن ثم، فإن كيفية إدارة هذا الملف ستظل عاملا رئيسيا في تحديد مستوى القبول الفلسطيني بترتيبات المرحلة الانتقالية.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن مستقبل مجلس السلام لن يتوقف فقط على حجم الدعم الدولي الذي يحظى به، وإنما على قدرته على بناء شراكة فلسطينية حقيقية في إدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على المرجعية الوطنية الفلسطينية. فكلما اتسعت المشاركة الفلسطينية في صياغة ترتيبات المرحلة الانتقالية، وجرى التعامل مع الملفات السياسية والإدارية والأمنية بوصفها مسارات متكاملة ومتوازية، ازدادت فرص نجاح المجلس في أداء مهامه. أما إذا استمرت أولوية الاعتبارات الأمنية على بقية مسارات المرحلة الانتقالية، أو جرى تجاوز الإرادة الفلسطينية في صناعة القرارات، فإن ذلك قد يحول المجلس من أداة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب إلى عامل جديد يفاقم تعقيدات المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، ويحد من فرص استقرار القطاع وعمليات إعادة الإعمار.


[1] "النص الكامل لخريطة استكمال تنفيذ خطة ترمب في غزة"، المركز الفلسطيني للإعلام، 31 يوليو 2026.

[2] Fanny Arlandis and Claire Gatinois, "Trump announces 'historic agreement' on Hamas disarmament, details remain unclear", Le Monde, July 31, 2026.

[3] "حماس: اتفاق غزة حزمة متكاملة.. والسلاح سيخزن لا يسلم"، موقع العربية، 1 أغسطس 2026. وكذلك: "حماس توافق على تزع السلاح مقابل الانسحاب من غزة...ترامب يشير إلى اتفاق تاريخي ولت أبيب تتحفظ"، مونت كارلو الدولية، 31 يوليو 2026.

[4] Jacob Magid, " Board of Peace appears to shift terms for IDF withdrawal after meeting with Netanyahu", The Times of Israel, August 3, 2026.

[5]  Chris Cameron, "What Is the Board of Peace?: President Trump created the international organization, aimed at resolving the long-running war in Gaza and other conflicts", The New York Times, July 30, 2026.

[6]  "رسميا.. اللجنة الوطنية لإدارة غزة تبدأ مهامها وتعلن الأولويات"، جريدة الشرق، 17 يناير 2026.

[7]  "الشيخ يعلن إنشاء مكتب ارتباط مع مجلس السلام بشأن غزة"، سكاي نيوز عربية، 21 فبراير 2026.

[8] "حماس: متمسكون بما اتفقنا عليه بشأن تطبيق المرحلة الثانية"، المركز الفلسطيني للإعلام، 4 أغسطس 2026.

[9] حسن الرشيدى، "مجلس السلام في غزة الدور والمآلات"، مجلة البيان، العدد 469، فبراير- مارس 2026، متاح على الرابط التالي:

https://albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?ID=34799

[10] عماد حسن، "فتح تنتقد غياب التمثيل الفلسطيني في اجتماع مجلس السلام"، دويتش فيله، 19 فبراير 2026.

[11]" الرئيس عباس: لا مستقبل لغزة إلا ضمن الدولة الفلسطينية.. ويعلن موعد الانتخابات"، صحيفة دنيا الوطن، رام الله، فلسطين، 27 يوليو 2026.

[12]"السلطة الفلسطينية تعلن جاهزية مكتب الارتباط للعمل مع مجلس السلام"، موقع القاهرة الإخبارية، 21 فبراير 2026.

[13]"حماس لـ "العربية": اخترنا التنازلات لإنقاذ الشعب الفلسطيني"، موقع العربية، 31 يوليو 2026.

[14]"حماس: جاهزة لتسليم الحكم إلى لجنة إدارة غزة"، موقع سكاي نيوز عربية، 6 يوليو 2026.

[15]"حماس: لا تنفيذ لأي خطوة بشأن حصر السلاح قبل انسحاب الاحتلال من قطاع غزة"، وكالة 4D PAL، شركة البعد الرابع للإعلام، فلسطين، 31 يوليو 2026.

[16]" "حماس تطالب ميلادينوف والوسطاء برد واضح بشأن اتفاق غزة"، موقع إرم نيوز، 3 أغسطس 2026.

[17]"حركة الجهاد الفلسطينية توافق على اتفاق نزع السلاح"، موقع الأقباط متحدون، 2 أغسطس 2026. وكذلك: "حماس والفصائل توافقان على بنود اتفاق غزة.. والإعلان الرسمي ينتظر موافقة إسرائيل"، وكالة القدس للأنباء، 31 يوليو 2026.

[18]عارف جابو، "المرحلة الثانية لاتفاق الهدنة... على ماذا وافقت حماس؟"، دويتش فيله، 31 يوليو 2026. وكذلك: "غازي حمد لـ"الشرق": الاتفاق رزمة كاملة تشمل السلاح وانسحاب إسرائيل ودخول لجنة غزة وحل المليشيات"، الشرق، 31 يوليو 2026.