د. أحمد قنديل

نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

لم تعد منظمة شنغهاى للتعاون تريد الاكتفاء بالحديث عن المبادئ التي قامت عليها، وإنما تسعى إلى اختبار قدرتها على تحويل هذه المبادئ إلى مصالح، والمصالح إلى مشروعات، والمشروعات إلى واقع سياسي واقتصادي وأمني جديد.

ومن هنا، لم يعد السؤال هو: ما هي "روح شنغهاي"؟ فالإجابة أصبحت معروفة في أدبيات المنظمة. فهذه الروح تقوم على الثقة المتبادلة، والمنفعة المشتركة، واحترام التنوع، والتشاور، والتنمية المشتركة. لكن السؤال الأهم هو: ماذا تعني هذه الروح لمصر، وهي دولة تقف عند نقطة تتقاطع فيها قارات وممرات وبحار، وتحاول في الوقت نفسه إعادة تحديد موقعها في نظام دولي لم تستقر ملامحه بعد؟

تكمن أهمية هذا السؤال في أن مصر لا تنظر إلى منظمة شنغهاي للتعاون من فراغ، ولا تتحرك نحوها بدافع الفضول الدبلوماسي. بل إنها تفعل ذلك في لحظة تتراجع فيها المسلمات التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة. فالعالم اليوم أكثر اتصالاً، لكنه أيضاً أكثر توتراً. فأزمة في مضيق هرمز لا تبقى عند حدود الخليج العربي، واضطراب في البحر الأحمر لا يتوقف أثره عند باب المندب، وتوتر في مضيق تايوان لا يظل شأناً آسيوياً. فكل أزمة أصبحت قادرة على أن تهز أسعار الطاقة، وتعطل حركة السفن، وتربك إنتاج المصانع، وتضغط على أسواق الغذاء، وتعيد ترتيب حسابات الدول في قارات بعيدة عن موقع الحدث.

هذا هو المشهد الذي ظهرت فيه منظمة شنغهاي للتعاون بصورة مختلفة. فقد بدأت المنظمة، عند تأسيسها قبل 25 عاماً، بإدارة قضايا الحدود والأمن ومكافحة الإرهاب في آسيا الوسطى. لكنها توسعت تدريجياً، لا في عدد أعضائها فقط، وإنما في القضايا التي تناقشها. فأصبحت تتحدث عن الطاقة، والغذاء، والممرات التجارية، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية. أي أنها لم تعد منظمة أمنية بالمعنى الضيق، بل أصبحت إحدى المنصات التي تحاول صياغة إجابات عن سؤال أكبر، وهو كيف يمكن إدارة عالم متعدد القوى والمصالح من دون أن ينزلق إلى مواجهة مفتوحة؟

إدارة الاختلاف لا إلغاؤه

قد يذهب البعض إلى أن منظمة شنغهاي للتعاون مشروع مضاد للغرب، أو أنها نواة لتحالف دولي جديد. لكن هذا التوصيف، على جاذبيته الإعلامية، لا يفسر طبيعتها بدقة. فهي ليست حلفاً عسكرياً، ولم تُبنَ على التزامات دفاعية مشتركة، ولا تجمع دولاً متطابقة في رؤاها أو مصالحها. على العكس، فهي تضم الصين وروسيا والهند وباكستان وإيران ودول آسيا الوسطى، وبين بعض هذه الدول خلافات وتنافسات وحدود لم تهدأ تماماً.

ومع ذلك، استمرت المنظمة وتوسعت. وهنا تكمن دلالتها الحقيقية. فهي لم تحاول إلغاء الاختلاف، وإنما سعت إلى منعه من أن يصبح عائقاً دائماً أمام التعاون. وهذا الدرس ليس بعيداً عن احتياجات مصر. فالقاهرة لا تبحث عن محور جديد تنضم إليه، ولا عن شريك دولي تستبدل به شريكاً آخر. فتاريخ مصر وتجربتها وموقعها لا تسمح لها بمثل هذا الاختزال. ولهذا فإن أهمية "روح شنغهاي" بالنسبة إلى مصر لا تكمن في الاقتراب السياسي من المنظمة وحده، وإنما في ما تتيحه من تصور لسياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات. فمصر عضو في مجموعة بريكس، وشريك حوار في منظمة شنغهاي، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتتحرك داخل دوائر عربية وإفريقية ومتوسطية وآسيوية. وهذه الدوائر لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها دوائر متناقضة، بل باعتبارها مصادر متعددة للقوة، شريطة أن توجد رؤية قادرة على إدارتها.

مصر... من شريك حوار إلى شريك في إعادة تشكيل التوازنات

وفي نفس الوقت، يعد المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة خارجية، مهما بلغت براعتها، هو ما تضيفه إلى الاقتصاد، وما توفره من قدرة، وما تمنحه للدولة من هامش حركة. ومن هنا، فإن علاقة مصر بمنظمة شنغهاي للتعاون ينبغي أن تنتقل من المجال الرمزي إلى المجال العملي. بعبارة أخرى، يجب أن تُقاس هذه العلاقة بما يمكن أن تجذبه من استثمارات صناعية، وما تنقله من تكنولوجيا، وما تفتحه من أسواق، وما توفره من أدوات لتعزيز أمن الغذاء والطاقة. فمصر لا تحتاج إلى أن تظل مجرد سوق للمنتجات الآسيوية، وإنما تحتاج إلى أن تصبح شريكاً في إنتاجها، وموقعاً لتصنيعها، ونقطة انطلاق لها نحو إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

وتملك دول منظمة شنغهاي للتعاون خبرات وإمكانات واسعة في مجالات الصناعة، والبنية الأساسية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني. كما أن أسواق آسيا الوسطى، رغم بعدها النسبي عن الاهتمام الاقتصادي المصري، تتيح فرصاً للصادرات والاستثمارات والتعاون في مجالات الزراعة والدواء والغذاء والخدمات.

لكن الفرص لا تتحول وحدها إلى نتائج، حيث توجد عقبات ينبغي الاعتراف بها قبل الحديث عن الطموحات. فالتبادل التجاري بين مصر وعدد من دول المنظمة يميل بوضوح إلى صالح الشركاء الآسيويين. وخطوط النقل المباشر محدودة، والربط اللوجستي ضعيف، وآليات التسوية المالية ما زالت غير كافية. وإذا لم تُعالج هذه الاختلالات، فقد يصبح الانفتاح على المنظمة طريقاً إلى مزيد من الواردات، بدلاً من أن يكون مدخلاً للإنتاج والتصدير.

ويزداد الأمر أهمية مع تصاعد المنافسة بين الممرات التجارية الجديدة. فآسيا وأوروبا تشهدان سباقاً بين الممر الأوسط عبر آسيا الوسطى والقوقاز، والممر الدولي بين الشمال والجنوب، ومشروعات أخرى تدعمها قوى أوروبية وأمريكية وآسيوية. ولا ينبغي لمصر أن تنظر إلى هذه الممرات بعقلية الخوف، أو أن تتعامل معها باعتبارها مؤامرة على قناة السويس. فالسؤال الصحيح ليس هو كيف نمنع ظهور طرق أخرى؟ فهذا مستحيل. وإنما السؤال الأهم هو كيف نجعل قناة السويس جزءاً من خريطة الممرات الجديدة، ومركزاً يربط بينها، ويقدم لها خدمات لا تستطيع الاستغناء عنها؟

وإلى جانب الاقتصاد، هناك المجال الأمني. فقد تأسست منظمة شنغهاي للتعاون وفي قلب أجندتها مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة العابرة للحدود. ومصر تملك خبرة واسعة في هذه المجالات، كما تملك مصالح مباشرة في حماية الموانئ، والممرات البحرية، والبنية التحتية الحيوية، وشبكات الطاقة والاتصالات. ويمكن أن يفتح التعاون مع دول المنظمة مجالات لتبادل الخبرات، والتدريب، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الاستراتيجية.

لكن هذا التعاون يجب أن يبقى منضبطاً بثوابت السياسة المصرية. فمصر ليست في حاجة إلى تحالف عسكري جديد، ولا إلى الدخول في ترتيبات موجهة ضد أطراف بعينها. وما يناسبها هو التعاون الأمني الوظيفي القائم على تعاون محدد الأهداف، والمرتبط بالمصالح، والذي لا يفرض عليها اصطفافاً سياسياً أو عسكرياً.

ومن ناحية أخرى، تعد مصر دولة عربية، وإفريقية، ومتوسطية، وتطل على البحر الأحمر، وتسيطر على قناة السويس، وتملك سوقاً كبيرة وشبكة اتفاقيات إقليمية. ومن ثم، تستطيع القاهرة أن تكون جسراً بين دول منظمة شنغهاي للتعاون والعالم العربي، وبين رؤوس الأموال الآسيوية والأسواق الإفريقية، مستفيدة من اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، ومن موقعها الذي يسمح لها بأن تكون مركزاً للإنتاج والتوزيع والخدمات.

بريكس وشنغهاي.. رؤية واحدة أم مساران منفصلان؟

وفي هذا السياق، يصبح الجمع بين عضوية مصر في تجمع "بريكس" وشراكتها مع منظمة شنغهاي للتعاون ضرورة استراتيجية. فبريكس تفتح أمام مصر مجالات التمويل والتنمية، والتعامل بالعملات المحلية، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية الدولية. أما منظمة شنغهاي للتعاون فتمنحها فرصاً أوسع في الأمن والطاقة والنقل والربط الأوراسي. وإذا جرى التعامل مع الإطارين باعتبارهما مسارين منفصلين، فسوف تضيع أجزاء كبيرة من قيمتهما. أما إذا وُضعا داخل رؤية واحدة، فإنهما قد يمنحان مصر قدرة أكبر على المناورة وبناء البدائل.

لكن مثل هذه الرؤية لا يمكن أن تظل موزعة بين الوزارات والهيئات، أو مرتبطة بمناسبة أو زيارة رئاسية. فالمطلوب هو آلية وطنية دائمة تجمع مؤسسات الخارجية والاقتصاد والأمن، وهيئة قناة السويس، والمنطقة الاقتصادية، والبنك المركزي، ومجتمع الأعمال، ومراكز الفكر. فالعلاقات الدولية الجديدة لا تُدار بالمراسم وحدها، وإنما بالخرائط والمشروعات والتمويل والمتابعة.

ومع ذلك، فإن الواقعية تفرض حدودها. فمنظمة شنغهاي للتعاون ليست بديلاً للنظام الدولي القائم، وليست كتلة موحدة تتحرك بإرادة واحدة. داخلها تنافس صيني روسي مكتوم، وحسابات هندية مستقلة، ومصالح مختلفة لدول آسيا الوسطى، وخلافات بين بعض أعضائها. لكن هذه ليست نقطة ضعف كاملة. فالمنظمة، في جانب من أهميتها، مختبر لكيفية إدارة الاختلاف بين قوى لا تستطيع أن تتجاهل بعضها بعضاً، ولا تريد في الوقت نفسه أن تدخل في تحالف ملزم.

دبلوماسية مراكز الفكر

وهنا يبرز دور مراكز الفكر. ففي الأزمات الكبرى، تحتاج الدول إلى أكثر من التقارير التي تشرح ما وقع بعد وقوع هذه الأزمات. كما تحتاج الدول أيضاً إلى من يبني السيناريوهات، ويرصد التحولات، ويكشف الفرص قبل أن تضيع، ويحذر من المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات. ومن ثم، فإن إطلاق "حوار القاهرة–شنغهاي الاستراتيجي"، وإنشاء شبكة دائمة للتعاون بين مراكز الفكر المصرية ونظيراتها في دول المنظمة، يمكن أن يمنح مصر حضوراً فكرياً وسياسياً يتجاوز المشاركة في المؤتمرات إلى المساهمة في صياغة الأفكار والسياسات.

على أية حال، يمكن القول إن السؤال أمام مصر لم يعد هل نتجه شرقاً أم غرباً؟ فهذا السؤال ينتمي إلى زمن كانت فيه الطرق الدولية محدودة، ومراكز القوة قليلة، والاختيارات ضيقة. أما اليوم، فالسؤال هو: كيف تتحرك مصر بين دوائر القوة المختلفة، وتحصل من كل علاقة على ما يخدم مصالحها، من دون أن تفقد استقلالها، أو تتحول إلى ساحة لتنافس الآخرين؟

وربما كان هذا هو المعنى الأكثر عمقاً لـ"روح شنغهاي" بالنسبة إلى مصر. فهذه الروح لا تدعو القاهرة إلى مغادرة موقع والانتقال إلى موقع آخر، ولا إلى استبدال محور بمحور، وإنما إلى توسيع مساحة الحركة، وبناء شبكة من المصالح المتوازنة، وربط السياسة بالاقتصاد، والجغرافيا بالتنمية، والاستقلال الوطني بالانفتاح الدولي.

فالقوة في عالم القرن الحادي والعشرين لن تكون فقط لمن يملك السلاح أو المال، وإنما أيضاً لمن يعرف أين يقف، وكيف يتحرك، ومع من يتعاون، ومتى يحتفظ بمسافة تسمح له بأن يرى المشهد كاملاً. وفي هذا العالم، لن يصنع نفوذ مصر انحيازها إلى محور، بل قدرتها على أن تصبح جسراً بين المحاور، جسراً لا يمر عليه الآخرون فقط، وإنما تحصل مصر من خلاله على ما يعزز تنميتها، ويحمي أمنها، ويرفع مكانتها، ويجعلها شريكاً في صناعة النظام الدولي الجديد، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.