عقد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بالتعاون مع مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة، يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026، الندوة الثالثة ضمن سلسلة الندوات المشتركة، تحت عنوان "مصر في الإقليم.. مصر والإقليم"، بمشاركة نخبة من الدبلوماسيين والخبراء والباحثين، وذلك لمناقشة التحولات التي يشهدها الإقليم في أعقاب الحرب على غزة والتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وانعكاسات هذه التطورات على الأمن الإقليمي والدور المصري.
وافتتحت السفيرة ليلى بهاء الدين، مدير مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة، أعمال الندوة، موجهة الشكر للدكتور أيمن السيد عبدالوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. وأشارت إلى أن الندوة تمثل الحلقة الثالثة من سلسلة تناقش موقع مصر في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، مؤكدة أن السياسة المصرية تقوم على تبني نهج متوازن يرتكز على دعم القضية الفلسطينية، وصون أمن الخليج، ومواصلة جهود الوساطة للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي.
ومن جانبه، أوضح الدكتور أيمن السيد عبدالوهاب أن الندوة تستكمل مسارًا بحثيًا تناول تحولات النظامين الدولي والإقليمي، وصولًا إلى بحث موقع مصر في ظل المتغيرات الراهنة، مؤكدًا أهمية طرح سيناريوهات واقعية تساهم في الحفاظ على المصالح العليا للدولة المصرية وتعزيز دورها الإقليمي.
وترأس أعمال الجلسة الأولى الوزير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، الذي أكد أهمية تعزيز التعاون بين مراكز الفكر، بما يسهم في تقديم رؤى وسياسات تستفيد منها دوائر صنع القرار. وأشار إلى أن البيئة الدولية تشهد تحولات عميقة، في ظل تراجع فاعلية المؤسسات الدولية، وتزايد الاعتماد على موازين القوة، فضلًا عن تشابك القضايا العابرة للحدود، بما يجعل من الصعب فصل الأمن الوطني عن محيطه الإقليمي والدولي. كما أكد أن السياسة الخارجية المصرية ترتكز على مفهوم الاتزان الاستراتيجي في إدارة علاقاتها مع مختلف القوى الدولية والإقليمية.
وخلال الجلسة، استعرض السفير خالد عمارة رؤيته للتحولات التي فرضتها الحرب الإيرانية-الأمريكية، معتبرًا أنها تمثل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. وأوضح أن المنطقة تشهد تنافسًا بين مشروعات إقليمية ودولية متعددة، الأمر الذي يفرض على مصر التعامل مع مجموعة واسعة من التحديات، في مقدمتها الحفاظ على أمن الممرات البحرية، وضمان أمن الطاقة، ودعم استقرار الدول العربية، وتعزيز دورها في إدارة الأزمات الإقليمية. كما أشار إلى أن الحرب أوجدت فرصًا جديدة أمام مصر في مجالات جذب الاستثمارات، والاستفادة من تطوير بنيتها التحتية، إلى جانب أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف القوى الإقليمية، بما فيها إيران.
بدوره، تناول اللواء محمد عبدالمقصود، مستشار بمجلس الوزارء، محددات التحرك الاستراتيجي المصري، مؤكدًا أن الأمن القومي المصري يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي العربي، وأن أمن الخليج يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري. وأوضح أن السياسة المصرية تقوم على الانخراط في إدارة الأزمات الإقليمية دون الانزلاق إلى مواجهات عسكرية مباشرة، مع الحفاظ على الالتزامات الدستورية والقانونية المنظمة لأي مشاركة عسكرية خارج الحدود. كما شدد على أهمية استمرار التعاون الدفاعي مع الدول العربية، ودعم جهود الاستقرار الإقليمي، ورفض أي تدخلات خارجية من شأنها تقويض أمن المنطقة.
كما قدمت الأستاذة رانيا مكرم الخبيرة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ورقة بحثية بعنوان " كيف قرأت النخبة الإيرانية الموقف المصري خلال الحرب؟"، تناولت فيها الكيفية التي أعادت بها الحرب تشكيل إدراك المؤسسات الإيرانية للدور المصري. وأوضحت أن القاهرة نجحت في الحفاظ على سياسة اتسمت بالحياد الإيجابي، إذ رفضت توسيع نطاق الحرب، ودعمت أمن الخليج، وفي الوقت ذاته تجنبت الانخراط في أي اصطفاف عسكري ضد إيران، وهو ما انعكس في الخطاب الرسمي والإعلامي الإيراني، الذي امتنع عن تحميل مصر مسئولية تطورات الحرب أو تصنيفها ضمن الأطراف المعادية.
وفيما يتعلق بالتحرك العسكري المصري في الخليج، أشارت إلى أن القراءة الإيرانية لم تتجه نحو اعتباره خطوة عدائية، إذ عكست المواقف الرسمية الإيرانية إدراكًا لطبيعة العلاقات الاستراتيجية المصرية الخليجية وخصوصية الدور المصري في منظومة الأمن الإقليمي.
وترأس الجلسة الثانية الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق، والتي جاءت تحت عنوان "الآثار الاقتصادية والجيواقتصادية الناتجة عن الأزمات العالمية والإقليمية على مصر".وخلال الجلسة، قدم الدكتور حسين سليمان الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عرضًا تقديميًا حول الصدمات الخارجية التي ألمت بالاقتصاد المصري مؤخرًا على إثر تقلب الاوضاع الجيوسياسية في العالم، وما أظهرته من انكشافية الاقتصاد، وعدم قدرة مصادر الدخل الريعي على التحوط من تلك الأزمات، أو التصدي لخروج الأموال الساخنة، ما أدى إلى خروج ٢٠ مليار دولار في بداية عام ٢٠٢٢ فور اندلاع الحرب الأوكرانية.
كما عرض التداعيات الاجتماعية لتلك الانكشافية، ومثال عليها تزايد انعدام الأمن الغذائي وزيادة معدلات التضخم. ولكنه في الوقت نفسه أشار إلى أنه، ورغم خروج ١٥ مليار دولار على إثر الحرب الإيرانية الأمريكية، إلا أن الفارق هذه المرة هو مرونة سعر الصرف في مصر، إذ ساهم في امتصاص الصدمة، على عكس ما حدث في أزمة حرب أوكرانيا حين تحمل الاحتياطي النقدي وحده هذا الخروج.
وفي نهاية عرضه، طرح الدكتور سليمان عددًا من التوصيات التي تساهم في تقليص انكشافية الاقتصاد المصري، ومنها الحد من نمو الدين الخارجي، وتنويع مصادر النقد الأجنبي لتكون ذات طبيعة مستدامة، تتجاوز في وزنها المصادر الريعية.
كما أكد الأستاذ تامر طه، مستشار بوزارة التعاون الدولي ووزارة التخطيط سابقا، أن التعامل مع الأزمات يجب أن ينطلق من منظور البرنامج الوطني للدولة، وبما يضمن استعادة التوازن الاقتصادي السابق للأزمة، خاصة في ظل عالم يتسم بـ"تعدد الأزمات" نتيجة التطورات التكنولوجية، وتغير المناخ، والتحولات الديموغرافية. وأوضح أن أي برنامج تنموي يجب أن يضع في الاعتبار امتداد تأثير الأزمات إلى مختلف القطاعات، مع ضرورة تجنب "التخلي عن المسئولية"، خاصة أن أولويات إدارة الأزمات ترتبط بحماية محدودي الدخل، بما يفرض ضغوطًا على الموازنة. وأشار إلى أهمية التمييز بين أنواع الديون، موضحًا دور الديون الميسرة وأهمية الدبلوماسية الاقتصادية للحصول على التمويل، مع التأكيد على ضرورة استغلال الفرص التي تخلقها الأزمات، وتعزيز مرونة الحكومة ودور القطاع الخاص في تحويل التحديات إلى فرص اقتصادية.
ومن جانبه، أوضح الاستاذ شريف الخولي، المدير الإقليمي لشركة أكتيس، أن 83% من حجم الناتج المحلي يأتي من الاستهلاك المحلي والإنفاق الحكومي، في حين يمثل الاستثمار والصادرات 17% فقط. كما أشار لأزمة الطاقة التي أصابت الاقتصاد المصري وما لها من بعدان: البعد الأول يتعلق بارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، والبعد الآخر يتمثل في مدى إتاحة الطاقة نفسها، وما يمكن أن يترتب على هذا من اضطرابات اجتماعية، وهو ما يحتم تسريع وتيرة التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، فضلاً عن إدخال بعض الإصلاحات على نموذج التنمية، بحيث يركز على الأصول المدرة للعائد.
وبفتح باب المناقشة، أثار الحضور عددًا من التساؤلات والقضايا الجديرة، مثلاً كالتحول نحو تخزين الطاقة الشمسية في بطاريات بدلاً من الاعتماد على الألواح الشمسية وحدها، فضلاً عن طرح تساؤلات حول آلية التعلم والتطور لدى المؤسسات حتى تتفادى تكرار مثل تلك الاختناقات الاقتصادية، ومنها جدوى الاعتماد على نفس القطاعات الريعية المتقلبة كمصدر للدخل الأجنبي. فيما أثيرت نقطة جوهرية حول توجيه اهتمام نموذج التنمية المصري نحو تخريج المهمشين والضعفاء من دائرة الفقر، وهو ما يرتبط بالتساؤل الذي أثير حول رؤية المشروع الوطني المصري، والمحكومة بالقوة الاقتصادية التي تمكن الدولة المصرية من ممارسة دورها في نطاقها الاقليمي. وبالحديث عن النموذج التنموي، برز الحديث عن توطين الصناعات ذات الأولوية للمواطن المصري، والتي تحقق أعلى قيمة مضافة، ويرتبط بذلك أيضًا أزمة الطاقة، والتي يمكن التغلب عليها من خلال توليد الطاقة من المخلفات.
واختتم الدكتور زياد بهاء الدين الجلسة بالحاجة إلي تطوير فكرة المصادر الريعية، فإذا كنا لا نستطيع في المدى القصير البعد كثيرًا عن المصادر الريعية للنقد الأجنبي، فيكون بالإمكان الحد من هشاشة هذه المصادر نفسها.
أما الجلسة الثالثة فترأسها الدكتور أيمن السيد عبدالوهاب، مدير المركز، والتي جاءت بعنوان "السياسة الخارجية المصرية في فضاء إقليمي مضطرب"، مؤكدًا في مستهلها أنها تمثل امتدادًا للنقاشات التي تناولتها الجلسات السابقة حول المصالح المصرية، لكنها تقدم قراءة جديدة لطبيعة تحرك السياسة الخارجية المصرية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، خاصة في المجال الاستراتيجي الجنوبي للدولة المصرية، وما يفرضه ذلك من إعادة تقييم للأولويات وآليات إدارة التهديدات المتزايدة.
واستهلت الدكتورة أماني الطويل، مستشارة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مداخلتها باستعراض طبيعة المصالح المصرية في القارة الأفريقية، موضحة أن أفريقيا تمثل إحدى أهم دوائر الأمن القومي المصري، في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالأمن المائي، وأمن البحر الأحمر وقناة السويس، والتطورات في السودان والقرن الأفريقي. وأشارت إلى أن المصالح المصرية في القارة لا تقتصر على الجوانب الأمنية، بل تمتد إلى مجالات التكامل الاقتصادي وتعزيز النفوذ الدبلوماسي، مستعرضة أبرز التحديات التي تواجه الدور المصري، وفي مقدمتها أزمة سد النهضة، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي، وتراجع بعض أدوات القوة الناعمة. وشددت على أهمية تبني استراتيجية متكاملة ومستدامة لتعزيز الحضور المصري في أفريقيا، تقوم على توظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والثقافية بصورة متكاملة.
وقدمت الدكتورة أميرة عبدالحليم، الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ورقة بعنوان "تحديات المصالح والسياسة الخارجية المصرية تجاه البحر الأحمر" ، أوضحت خلالها أن استقرار الإقليم يمثل ركيزة أساسية للأمن القومي والاقتصادي المصري، نظرًا لارتباطه المباشر بأمن قناة السويس، وحماية خطوط الملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، مثل الإرهاب والهجرة غير المشروعة والقرصنة، إلى جانب حماية الاستثمارات وموارد الطاقة. واستعرضت أبرز التحديات التي تواجه الدور المصري في البحر الأحمر، وعلى رأسها تصاعد التنافس الإقليمي والدولي، وتعدد التدخلات الخارجية، واستمرار الأزمات في السودان واليمن والصومال، فضلًا عن تأثير تراجع حركة الملاحة. وأكدت أن المقاربة المصرية ترتكز على تعزيز الشراكات الإقليمية، والانخراط في ترتيبات أمن البحر الأحمر، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية، ودعم أدوات الحضور الأمني غير المباشر.
كما تناول الدكتور أحمد عسكر، الباحث المشارك في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في ورقته "تحديات المصالح المصرية في القرن الأفريقي"، مشيرًا إلى أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتصاعد الصراعات الإقليمية جعلت المنطقة إحدى أهم دوائر الأمن القومي المصري. واستعرض أبرز التهديدات، وفي مقدمتها الطموحات الإثيوبية المرتبطة بالوصول إلى منفذ بحري، وتصاعد عسكرة البحر الأحمر، ونشاط الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، إلى جانب تنامي التدخلات الإقليمية والدولية. كما ناقش تحديات تأمين الوجود المصري في الصومال، مؤكدًا أهمية تعزيز القدرات المصرية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، وتوسيع الشراكات الإقليمية، وتطوير أدوات الحضور السياسي والأمني والدبلوماسي، بما يسهم في حماية المصالح الاستراتيجية المصرية وتعزيز دورها وتأثيرها في الإقليم.
اختتمت الندوة بالتأكيد على أن موقع مصر في الإقليم يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين أدوات القوة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بتزايد التعقيد وتداخل الأزمات. وأكد المشاركون أن الحفاظ على الدور المصري الفاعل يرتبط بقدرة الدولة على تعزيز صمودها الداخلي، وتنويع مصادر قوتها الاقتصادية، وتطوير أدوات تحركها الخارجي بما يحقق التوازن بين حماية المصالح الوطنية والانخراط الإيجابي في قضايا الإقليم.
كما عكست المناقشات أهمية الانتقال من التعامل مع الأزمات باعتبارها تهديدات فقط، إلى توظيفها كفرص لإعادة بناء القدرات وتعزيز الشراكات، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاستراتيجي. وأبرزت الندوة أن استمرار الدور المصري في دوائر اهتمامه المختلفة، من الخليج والبحر الأحمر إلى أفريقيا والقرن الأفريقي، يتطلب رؤية طويلة المدى تقوم على التكامل بين الأبعاد الأمنية والتنموية والدبلوماسية، بما يرسخ مكانة مصر كعنصر توازن واستقرار في إقليم يشهد تحولات متسارعة.