بينما تزداد العمليات العسكرية ضراوة على الجبهة بين القوات الروسية والأوكرانية، وتتوسع دائرة الأهداف في عمق أراضي كل طرف، وتطال الضربات سفناً أجنبية في كل من بحر قزوين والبحر الأسود، جاء مقترح رئيس كازاخستان قاسم جومارات توكاييف خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة أومسك الروسية في 25 يوليو 2026 بخصوص ضرورة تجميد الصراع والعودة إلى المفاوضات.
طرح تجميد الصراع من قبل الرئيس الكازاخي في مثل هذا التوقيت يثير مجموعة من التساؤلات من بينها: هل جاء هذا الطرح بمبادرة منفردة من الرئيس الكازاخي دون إعلام نظيره الروسي مسبقاً، أم أن الجانب الروسي كان على علم مسبق بما طرحه الجانب الكازاخي؟، ومن ثم لماذا جاء هذا الطرح في هذا التوقيت؟، وما هي تفاصيل الطرح الكازاخي؟، وهل بالإمكان ترجمته إلى واقع عملي؟
صراع يتعقد ويتمدد
ها هي العملية العسكرية الخاصة التي بدأتها روسيا ضد أوكرانيا في 22 فبراير 2022 ما زالت مستعرة، حيث لم تتحقق كل الأهداف المرجوة منها روسياً. وعلى الجانب الأوكراني، وحتى مع التراجعات والخسائر على الأرض، فإن هناك إصراراً على مواصلة القتال، رغم كل الضغوط التي تعرضت لها كييف من قبل الولايات المتحدة بعد مجيء إدارة الرئيس دونالد ترامب.
هذا القتال المستعر ينتج قتلى ومصابين بالآلاف من العسكريين، ناهيك عما يطال المدنيين من نصيب من تلك الخسائر، ومن ثم فإن عمليات تجنيد الشباب تتواصل على الجانبين، كما أن هذه الحرب قد شهدت كثافة في مشاركة المقاتلين الأجانب مع الطرفين المتحاربين بشكل فردي، فضلاً عن أن الجانب الروسي قد استعان بقوات كورية شمالية للقتال في مقاطعة كورسك التي كانت القوات الأوكرانية قد توغلت فيها قبل أن تضطر للانسحاب منها. وبغض النظر عن الجدل الذي يكتنف هذه المسائل، سواء على صعيد الخسائر أو حتى عمليات تجنيد الأجانب، ومشاركة قوات أجنبية نظامية، فإنه حتى على صعيد عمليات تجنيد المواطنين من الطرفين تثار الكثير من المسائل، من بينها الحوافز التي تقدم للشباب على هذا الصعيد، وكيفية التعامل مع من يحاولون التهرب من الالتحاق بالقوات المسلحة.
لم تعد جبهة القتال حيث تتواجه القوات الروسية-الأوكرانية على الأرض، وإنما باتت الضربات تطال العمق في البلدين، وإذا كان لروسيا اليد العليا في ذلك الأمر بحكم ما تمتلكه من ترسانة عسكرية ضخمة، بما فيها الصواريخ والطائرات القادرة على تغطية كل الأراضي الأوكرانية، فإن كييف مع الوقت باتت تنفذ إلى مسافات طويلة داخل العمق الروسي عبر المسيرات، وهي تستغل الثغرات الموجودة في الدفاعات الجوية الروسية، بحكم اتساع الأراضي الروسية، وتركز الدفاعات الجوية في المناطق الحيوية، كما أن بعض العمليات النوعية تم فيها تركيب وإطلاق الطائرات المسيرة من داخل الأراضي الروسية، بما يؤشر على اختراقات خطيرة، ومن ذلك عملية استهداف طائرات عسكرية رابضة في قواعدها في أكثر من منطقة وعلى بعد آلاف الكيلومترات من الحدود الروسية-الأوكرانية في عملية وصفتها أوكرانيا بـ"شبكة العنكبوت" وقالت إن التخطيط لها استغرق عاماً ونصف العام.
والملاحظ أن الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي تتزايد، وخسائرها تزداد تأثيراً، أي أنه لم تعد ورقة استهداف العمق حكراً على الجانب الروسي، رغم ما يمتلكه من قدرات تفوق كثيراً ما لدى أوكرانيا. هذه الضربات المتبادلة داخل عمقي البلدين تسبب ضغطاً متزايداً ليس فقط على القيادة العسكرية، وإنما على القيادة السياسية أيضاً، وفي هذا السياق ربما كان الضغط والحرج بالنسبة للجانب الروسي أكبر، لكن لا يمكن إغفال تأثير ما تقوم به روسيا على الجانب الأوكراني أيضاً، وعلى الأرجح فإن التغييرات التي تتم في القيادات العسكرية الأوكرانية بما في ذلك مستوياتها العليا مردها إلى الاختراقات الروسية في العمق، فضلاً عما تحققه قوات موسكو من تقدم على الأرض.
مؤخراً، وصلت الضربات الأوكرانية إلى بحر قزوين، والاستهداف لم يكن لسفن روسية فقط، بل كانت هناك سفينة إيرانية. وهذا تطور بالغ الخطورة، خاصة على ضوء ما هو معروف من علاقة خاصة بين روسيا وإيران من ناحية أولى، وتعرض كل منهما لسلسلة من العقوبات الأمريكية والغربية من ناحية ثانية، وحالة الحرب القائمة بين طهران وواشنطن وتل أبيب من ناحية ثالثة، والضربات الإيرانية على عدد من دول المنطقة التي وقع بعضها اتفاقيات دفاعية مع كييف على خلفية تعرضها للاعتداءات الإيرانية من ناحية رابعة، وتزويد إيران لروسيا بالطائرات المسيرة التي تستخدم بكثافة منذ بدء الحرب ضد أوكرانيا من ناحية خامسة، وما يمكن أن يمثله بحر قزوين من منفذ لإيران حتى تتغلب على التبعات السلبية للحصار البحري الذي تفرضه عليها الولايات المتحدة في إطار الصراع الدائر في الشرق الأوسط من ناحية سادسة.
في هذه السياقات، يمكن فهم ما قامت به أوكرانيا في بحر قزوين، فأوكرانيا ترى أن ذلك منفذ مهم لروسيا منذ بدء الحرب، وهي تحاول العزف على وتر العلاقات الخاصة بين طهران وموسكو في هذا الظرف حتى تستعيد بعضاً مما افتقدته على صعيد الدعم العسكري الأمريكي، ومن ثم فإنها تكثف الحديث عن تزويد موسكو لطهران بمعلومات استخبارية عن القواعد والقدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة مما يسهل على طهران استهدافها.
المسألة لا تقف عند هذا الحد، فطهران التي استدعت القائم بالأعمال الأوكراني احتجاجاً على استهداف سفينتها في بحر قزوين، قالتها صريحة بأن الأمر لن يمر دون رد. وهنا تثار الكثير من التكهنات حول نوعية الرد ومستواه وأين سيكون؟، هل ستكتفي طهران بالمزيد من التنسيق مع روسيا، وتزويدها بالمزيد من الطائرات المسيرة؟، أم أنه على ضوء ردها على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية والذي اتسعت دائرته يمكن أن ترد مباشرة على كييف؟
تبقى الأمور مفتوحة على سيناريوهات متعددة لكن تبقى مسألة إمكانية توسع دائرة الصراع ودخول أطراف أخرى ولو بضربات محدودة قائمة، خاصة وأن هناك دولاً أخرى قد اخترقت أراضيها مسيرات اتهمت روسيا بأنها من أطلقتها كما هو الحال بالنسبة لرومانيا، كما أن سفينة تركية قد تعرضت لهجوم في البحر الأسود في طريق عودتها من ميناء روسي.
مقترح التجميد.. هل من جديد؟
في هذه البيئة المعقدة، وبعد مرور أربع سنوات ونصف على اندلاع الحرب قدم الرئيس الكازاخي مقترحه بتجميد الحرب. فما الذي جعله يقدم على ذلك الآن؟، وماذا يقصد بالتجميد؟
في البداية، أوضح الرئيس الكازاخي أنه رفض القيام بدور الوسيط في هذا الصراع رغم ما قال إنها مناشدات ومقترحات قدمت له على هذا الصعيد، وهو وإن لم يوضح تحديداً أصحاب هذه المناشدات والمقترحات، إلا أنه ذكر أنه تلقى الكثير من الرسائل من أوروبا والولايات المتحدة بخصوص هذا الصراع، وأنه أطلع الرئيس بوتين عليها في حينه. لكن لماذا لا يريد القيام بدور الوسيط رغم أنه يدرك أن بلاده ليست بعيدة عن تأثيرات ما يجري كما ذكر، ورغم أنه تحدث عن ويلات الحرب، والخسائر التي تقع في صفوف الشباب على الجانبين، ورغم ما قال إنها قناعة لديه بأن هذا الصراع لا يخدم إلا مصالح من لا يريدون الخير لكل من روسيا وأوكرانيا؟
الرئيس الكازاخي كان واضحاً في تبريره لعدم المبادرة بالقيام بدور الوسيط بقوله إنه يدرك أن "روسيا قوة عظمى وأن الشعب الروسي شعب عظيم"، وأنهم "قادرون تماماً على تسوية القضايا المطروحة دون الحاجة إلى وسطاء". وعلى الرغم من ذلك عاد ليقول إنه سينقل آراءاً بخصوص سبل تسوية الصراع، مُقرِاً بأنه لا توجد حلول جاهزة، في ظل تباعد مواقف الطرفين. ومن ثم فإنه يرى الفرصة قائمة في ظل هذا الواقع المعقد لكي يتم تجميد الصراع، معتبراً أن التجميد "إجراء متعارف عليه في العلاقات الدولية وآلية أثبتت فاعليتها" ومع تجميد الصراع يمكن العودة إلى المفاوضات، وقد حدد الرئيس الكازاخي صيغة إسطنبول 2، معتبراً أن هذا المسار كان قد حقق تقدماً كبيراً، مبيناً أهمية وجود ضمانات أمنية من القوى الكبرى بما يمكن من الوصول إلى السلام المنشود، معتبراً أن روسيا من ضمن تلك القوى التي تقدم تلك الضمانات.
من ضمن ما تحدث عنه الرئيس الكازاخي طبيعة الصراع بين روسيا وأوكرانيا، والتي اعتبرها غامضة، ليس فقط بالنسبة له، وإنما بالنسبة للكثيرين غيره، وقد قارن وضع الغموض هذا بوضع الوضوح في حالة الصراع بين أرمينيا وأذربيجان. فهل بالفعل طبيعة الصراع الروسي الأوكراني غامضة وعصية على الفهم كما ذهب الرئيس الكازاخي؟
ربما يقول قائل إن الأمور شديدة الوضوح من حيث أبعاد الصراع الإثنية واللغوية وما يلحق بها من صراع على استمرار أراضٍ خاضعة للسيادة الأوكرانية أو نقل سيادتها للجانب الروسي، ومن ثم مدى قبول أو رفض الجانب الأوكراني لذلك، وأن ما يحدث هو أحد إفرازات الصراع العالمي، وأن الأمور قد انزلقت إلى هذا الصراع المسلح ثنائي القتال متعدد الأطراف من حيث الدعم أو التضييق والإدانة.
الرئيس الكازاخي في مقترحه لم يقتصر على وصف روسيا بالقوة العظمى والقادرة على تسوية أمورها، وإنما ذهب إلى وصف سلوكها خلال قمة الرئيس بوتين مع الرئيس ترامب في آلاسكا منتصف أغسطس 2025 بشديد المرونة، كما أنه أبدى احترامه الدائم للشعب الأوكراني ولغته وثقافته.
يجدر الوقوف عند بعض الملحوظات فيما يتعلق بما طرحه الرئيس الكازاخي بخصوص تجميد الصراع بين روسيا وأوكرانيا، ومن ضمنها:
أولاً: مقترح تجميد الصراع ليس جديداً، وقد سبق للرئيس الإندونيسي الحالي برابوو سبيانتو وقت أن كان وزيراً للدفاع ومن على منصة حوار شانجريلا في سنغافورة في يونيو 2023 أن قدم مقترحاً أكثر تفصيلاً، وفي حينه استشهد بحالة الصراع الكوري، الذي اعتبره مجمداً منذ عقود رغم استمرار حالة الحرب قائمة، حيث أنه كما هو معروف هناك اتفاق للهدنة، يتضمن وجود منطقة منزوعة السلاح، وإشراف دولي في هذه المنطقة، ومن ثم فقد تضمن هذا المقترح الإندونيسي انسحاب قوات كل طرف لمسافة خمسة عشر كيلو متراً من مواقعها وقت وقف إطلاق النار مع وجود قوات من الأمم المتحدة يتم نشرها في المنطقة منزوعة السلاح، على أن تقوم الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء في المناطق المتنازع عليها، مع إبداء استعداد إندونيسيا للمشاركة بقوات ضمن بعثة الأمم المتحدة المفترضة.
كما أن كل المقترحات التي قدمت كانت تبدأ بضرورة وقف إطلاق النار، بما يعني فعلياً التجميد، بغض النظر عن مدة التجميد، كما اقترح في السابق الاتفاق على هدن حتى لو كانت قصيرة.
ثانياً: من الواضح أن ما طرحه الرئيس الكازاخي مجرد فكرة، لا تتضمن أي تفاصيل على عكس ما جاء من قبل في المقترح الإندونيسي، أو ما تضمنته مقترحات أخرى صينية وتركية وأمريكية، ومن ثم فإنه يحيل إلى أحد الأطر التفاوضية التي كانت قائمة من قبل في تركيا. وعلى ذلك فقد بادرت تركيا بإبداء استعداها لاستضافة المفاوضات مرة أخرى. وهنا يتضح مدى إدراك الرئيس الكازاخي لصعوبة أن يقدم مبادرة واضحة المعالم، أو أن تقوم بلاده بدور الوساطة. الفكرة بطبيعة الحال يمكن البناء عليها إذا ما لاقت قبولاً أوّلياً من الطرفين، فهل حدث ذلك؟
ثالثاً: إذا كان الطرفان الروسي والأوكراني قد رفضا المقترح الإندونيسي في حينه، لأسباب مختلفة، فإن الجانب الأوكراني قد رحب هذه المرة بما قاله الرئيس الكازاخي، مثمناً دعوته، واصفاً إياها بالواقعية والحكيمة، وأنها جاءت في الوقت المناسب، ومعتبراً أنه قد حان أوان وقف الحرب على حد وصف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها. في المقابل، فإن الرئيس الروسي رد فوراً على الرئيس الكازاخي بأنه سوف يطلعه على تفاصيل الملف الأوكراني خلال المباحثات، دون أن يقدم رداً مباشراً على مقترح الرئيس الكازاخي، وقد جاء الرد لاحقاً على لسان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، والذي ذهب صراحة إلى القول: "إن تجميد الصراع في أوكرانيا غير ممكن في ظل موقف كييف"، مؤكداً على أن الشروط الروسية لوقف الحرب واضحة ومحددة، وتتمثل في تحقيق الأهداف الروسية المعلنة، ومن ثم فإنه وصل إلى القول بأن التجميد في ظل موقف أوكرانيا "مستحيل". فهل التجميد مستحيل بالفعل؟
رابعاً: يذهب بعض الخبراء إلى أن أوكرانيا تريد أن تسجل موقفاً على روسيا، بينما هي الأخرى لا تريد للحرب أن تتوقف على الأوضاع الحالية، حيث فقدت جزءاً مهماً من أراضيها، ومحطة نووية هي الأضخم في أوروبا، ناهيك عن الخسائر البشرية الضخمة التي تكبدتها، فضلاً عما يسوقه البعض من أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زلينسكي شخصياً سيضار من وقف الحرب، بسبب ما يثار من دعاوى تتعلق بالفساد، ناهيك عن ضرورة الذهاب إلى انتخابات رئاسية تم تأجيلها بسبب ظروف الحرب.
بينما يذهب خبراء آخرون إلى أن تزايد المطالبات من قبل حلفاء موسكو بضرورة وقف الحرب إنما يعود إلى اعتبارين أساسيين أولهما أن الحرب باتت لها تأثيرات كبيرة على اقتصادات هذه الدول، وفي هذا السياق يمكن فهم كلام الرئيس الكازاخي حول قلق بلاده مما يحدث في العالم ويؤثر على اقتصادها. والاعتبار الثاني يتمثل فيما يتعرض له هؤلاء الحلفاء من ضغوط غربية، ولربما كانت إشارة الرئيس الكازاخي إلى ما يتلقاه مما أسماه مناشدات ومطالبات من أوروبا وأمريكا مؤشر على ذلك.
كيف ستنتهي الحرب الروسية-الأوكرانية؟
يمكن الحديث عن سيناريوهات متعددة تنتهي بها الحرب الروسية-الأوكرانية، سواء أكان ذلك في القريب العاجل أم في البعيد المنظور أو غير المنظور. كما أن انتهاء الحرب لا يعني انتفاء إمكانية تجددها طالما لم تتفكك الأسباب الجذرية لنشوبها. وهنا تبدو الإشكالية الرئيسية والمتمثلة في أن لكل طرف تصوره بخصوص نشوب تلك الحرب ابتداءً. على الجانب الروسي، الأمر واضح هناك ثمة مؤامرة غربية عليها استخدمت فيها أوكرانيا كرأس حربة، وكان الأوكرانيون من أصل روسي موضع استهداف على مدار سنوات، وأن النظام في أوكرانيا اختار معاداة كل ما هو روسي، وأحيا النازية، ومن ثم فلا يمكن السكوت على كل ذلك، خاصة وأن الولايات المتحدة رفضت تقديم ضمانات أمنية لروسيا، ورفضت التعهد بعدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، ولم توف بتعهداتها السابقة بخصوص عدم توسع الحلف شرقاً.
ومع اندلاع الحرب، دخلت الأمور في نفق أكثر ضيقاً، حيث تصر روسيا على ضم كل أراضي إقليم الدونباس، وإن أرادت أوكرانيا وقف الحرب فعليها أن تنسحب من ما بقى من أراضي هذا الإقليم، وأن تتغير سياساتها، فضلاً عن تغير النخبة الحاكمة في كييف.
شروط تبدو تعجيزية وربما لا يمكن لأي مسئول أوكراني القبول مخافة الاتهام بالخيانة، وعلى ذلك فأوكرانيا تطالب بالانسحاب الروسي من كل أراضيها بما في ذلك شبه جزيرة القرم، وتطالب بالمزيد من الدعم الغربي، والمزيد من العقوبات على روسيا.
وكما هو واضح هناك تعارض تام بين ما تطالب به كلتا الدولتين، فالمطالبات هنا تتعلق بالسيادة ووحدة الأراضي. إذن فالحرب مستمرة، لكن إلى متى؟، هل سيمل الغرب من دعم أوكرانيا في ظل التململ الأمريكي، ومن ثم ترضخ أوكرانيا لمطالب روسيا؟، أم أن زيادة الخسائر الروسية على الجبهة وفي العمق ستدفع إلى مرونة أكثر، وصولاً إلى وقف العمليات العسكرية حتى لو لم تتحقق كامل الأهداف؟
في الحالتين حتى لو وقفت الحرب، فإن ذلك لن يعني انتهاء الصراع. فهل يمكن التفكير في سيناريو آخر يقدم حلاً جذرياً تتضمنه اتفاقية سلام بين الجانبين يتم الوصول بموجبها إلى ترتيبات تعيد لأوكرانيا أراضيها في الدونباس مع الإقرار بحكم ذاتي للأغلبية الروسية في المنطقة، على أن تكون هناك ترتيبات طويلة المدى بخصوص استخدام الأسطول الروسي للقواعد البحرية في شبه جزيرة القرم، وتعود السيادة عليها أوكرانية؟
يبدو هذا السيناريو أقرب إلى الخيال في ظل المواقف الروسية، خاصة وأنه سيعتبر من القيادة الروسية الحالية بمثابة هزيمة استراتيجية، ولربما على إثره تحدث ثورة في البلاد.
قد يقال إنه من الممكن أن تكون هناك سيناريوهات وسط، تلبى فيها بعض من مطالبات كل طرف، ومن ثم يتنازل كل طرف عن جزء من مطالبه. ومرة أخرى ستبقى عقدة الأراضي المراد ضمها أو الحفاظ عليها. فهل يمكن لأوكرانيا أن تتنازل عن جزء من أراضيها مقابل الاحتفاظ بأجزاء أخرى؟، وهل ستقبل روسيا بمثل هذه الحلول الوسط؟
لا يمكن إغلاق باب النقاش حول السيناريوهات دون الأخذ في الاعتبار عامل مهم طالما هددت به شخصيات نافذة في النخبة الروسية وهو المتمثل في اللجوء إلى الخيار النووي. على الرغم من كثافة الخطاب الروسي على هذا الصعيد، فإن موسكو تدرك أن السلاح النووي هو للردع أكثر منه للاستخدام الفعلي، وتدرك كذلك أن ما تمتلكه من أسلحة نووية هو ما يحول دون وصول الغرب في دعمه لأوكرانيا إلى حدود تجد روسيا نفسها مضطرة للجوء للخيار النووي.
في هذا السياق، هناك مسألة قد يكون لها تأثير على كيفية انتهاء الحرب وهي المتعلقة بالفترة الزمنية التي ستمكثها القيادات الحالية في السلطة في كلا البلدين، سواء جاء الرحيل بالموت الطبيعي أو من خلال صندوق الانتخابات أو عبر انقلاب أو ثورة شعبية. وتلك سيناريوهات شهدتها الدولتان عبر تاريخهما، وفي بعض الحالات كانت التغيرات في التوجهات والسياسات جذرية على الجانبين. طبعا ربما يقال ومن يضمن أن لا تكون القيادة أو القيادتان الجديدتان أكثر تشدداً، ومن ثم تزداد الحرب استعاراً، ولا تنطفئ جذوتها مع تغير تلك القيادة أو تلك أو كليهما معاً.
مسألة أخرى لها أهمية كبيرة في اندلاع الحرب ابتداءً، وطول أمدها حتى الآن، ومن ثم فرص توقفها مستقبلاً، تتمثل هذه المسألة فيما يمكن تسميته عبء المكانة أو المهابة، ويبدو ذلك أوضح على الجانب الروسي. إذ تمتلك روسيا تاريخاً ورصيداً كقوة عظمى، صحيح أنها تراجعت كثيراً مع تفكك الاتحاد السوفيتي، لكنها بدأت في عملية طويلة لاستعادة هذه المكانة والهيبة منذ تولي الرئيس بوتين الحكم في العام 2000. ومن ثم فإن الخطاب السياسي الروسي لا يخلو من الحنين إلى فترة الاتحاد السوفيتي، وفي ذات الوقت لا يمل من الحديث عن نظام عالمي جديد متعدد الأطراف بعيداً عن الهيمنة الأمريكية والغربية التي ظهرت وتجلت في سنوات بعد نهاية الحرب الباردة. فروسيا تأمل أن يتم التعامل معها باحترام وتقدير أكثر حفاظاً على هيبتها ومكانتها. تلك الهيبة والمكانة التي رأت أنه ما من بد من الحفاظ عليها إلا خوض هذه الحرب التي ما زالت تسميها عملية عسكرية خاصة. فهل بالغت روسيا في أهداف عمليتها العسكرية تلك لتنتقل من مجرد تأديب من تراهم أدوات التطاول عليها إلى عملية انتقام جرت عليها انتقام مضاد؟ لا سيما وأن هناك من يتحدث في الغرب عن ضرورة إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا. ويصبح السؤال الجوهري وهل ستقبل روسيا بمثل هذه الهزيمة مهما كلفها الأمر؟
من الواضع أن الحرب المستعرة في عامها الخامس إحدى إفرازات أو بالأحرى تقرحات تحولات النظام الدولي في العقود الأربعة الأخيرة. تحولات سببت جروحاً وندوباً لدى أطراف، وأثارت لدى أطراف أخرى جنون العظمة لدرجة الذهاب إلى "نهاية التاريخ"، و"النصر النهائي للرأسمالية"، وهذا ما جعل الغرب وقياداته يتصرفون وكأن لا أحد في العالم غيرهم. هل معنى ذلك أن الحرب ستظل مستعرة إلى أن ينصلح حال النظام الدولي أم أنها ستكون درساً قاسياً تستوعبه كل الأطراف بحيث يتم الانتقال إلى نظام دولي أكثر عدالة ليس فقط للأقوياء وإنما للضعفاء أيضاً؟
في الختام، من الواضح أن تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية لم تقتصر على طرفيها المباشرين، ولا داعميهما، كما أن هناك احتمالات ولو ضئيلة بدخول أطراف أخرى بشكل مباشر، سواء تحججاً بحوادث حدودية تقع هنا أو هناك، أو استهدافات بحرية توسعت دائرتها مؤخراً، وكذلك استنادا لاتفاقيات قائمة. وعلى تلك الأطراف أن تتحمل مسئوليتها فيما يتعلق بالتداعيات السلبية لتلك الحرب انعكاساً على قضايا كثيرة من بينها الإنتشار النووي، وأهداف التنمية المستدامة في شتى أرجاء العالم. هذه رسالة لابد منها في عالم بات مهووساً بملء الترسانات العسكرية لكي يعوض ما يستخدم في حروب قائمة، واستعداداً لشن حروب جديدة، ولا يعنيه مع هذا الملء لتلك الترسانات تضور الملايين جوعاً، فضلاً عن مقتل وجرح الآلاف وربما الملايين. ومن ثم فالترحيب واجب بكل ما من شأنه وقف تلك الحرب وغيرها من الحروب، حتى لو جاء ذلك تحت مسمى التجميد.