تحلل هذه الدراسة حالة آليات الأمن الجماعي في “إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” وتستشرف مستقبلها خلال السنوات الخمس المقبلة، وذلك بالاستفادة من نظرية «مركب الأمن الإقليمي» التي طورها باري بروزان وأولي فيوير في رصد وتحليل التغير الحادث في علاقات الاعتماد الأمني المتبادل بين دول الإقليم منذ موجة الثورات العربية 2011، وما تلاها من تطورات، خاصة الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026.

تنطلق الدراسة من فكرة رئيسية، مفادها أنه مع بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين يشهد إقليم الشرق الأوسط تحولات عميقة في تفاعلات الأمن الجماعي فيه على نحو من شأنه أن يعيد رسم الحدود الجغرافية للإقليم، وطبيعة علاقات الاعتماد الأمني الجماعي المتبادل على مستوى الإقليم ككل خلال السنوات الخمس المقبلة، وعلى مستوى مناطقه الفرعية، وهي منطقة الخليج، ومنطقة المشرق العربي، ومنطقة المغرب العربي. ومن أبزر مؤشرات هذه التحولات تشكل العديد من الآليات الأمنية في المنطقة إما بمبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية أو بمبادرة من بعض دول المنطقة خلال السنوات الماضية، وهي ذات طابع جزئي، وتعالج قضايا أمنية محددة، وتضم في عضويتها عددًا محدودًا من الدول المتشابهة في تصوراتها وأولوياتها الأمنية، ومنها آليات عسكرية لمكافحة الإرهاب، وآليات معنية بالتشاور الاستراتيجي حول الأمن الإقليمي، وأخرى للطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا. وبالتوازي مع هذا التطور، ضعفت مساعي إنشاء آلية أمنية واحدة تضم كل دول إقليم الشرق الأوسط.

تجادل هذه الدراسة بأن ما يقود هذه التحولات في الشرق الأوسط هو تغير الثقافة الأمنية السائدة فيه نتيجة التطورات العالمية والإقليمية خلال المرحلة الراهنة. فمن ناحية، طوال الفترة التالية على موجة الثورات العربية 2011، لم تعد مصادر تهديد الأمن الجماعي لدول الشرق الأوسط ترتبط بدولة عدو محددة، مع غياب أو عدم استمرارية وجود تصورات مشتركة حول من هو العدو الذي يمثل تهديدًا للأمن الجماعي لدول الشرق الأوسط مجتمعة، كما أصبح هناك مروحة واسعة من التهديدات الأمنية العابرة للحدود، مثل التنظيمات الإرهابية، وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتهريب المخدرات، ونقص الغذاء والتغير المناخي، وغيرها.

من ناحية أخرى، تتبني الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب 2025-2029، سياسة تهدف إلى فرض تصور معين لميزان القوى في الشرق الأوسط، وإعادة تعريف العلاقات والتفاعلات الأمنية بين دوله، بحيث تتفق والمصالح الأمريكية في هذه المنطقة من العالم. ومن أبرز تجليات هذه السياسة حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران. 

وقد توصلت الدراسة إلى عدد من الملامح المستقبلية لآليات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، خلال السنوات الخمس المقبلة، في ضوء التداعيات المتوقعة لحرب 2026، أولها، متوقع أن نشهد تغير حدود الشرق الأوسط التي ترسخت خلال الفترة السابقة ليتكون بشكل رئيسي من منطقة الخليج ومنطقة المشرق، وليشمل  دولًا لم تكن تاريخيا جزءا منه، خاصة باكستان، باعتبارها دولة ارتكاز تعترف واشنطن لها ببعض الأدوار المؤثرة في تفاعلات المنطقة الأمنية، بما يحقق المصالح الأمريكية، مع خروج المغرب العربي من التفاعلات الأمنية للشرق الأوسط.

ثانيها، تغير ميزان القوى في الإقليم من خلال إضعاف إيران وتعزيز التفوق الاقليمي لإسرائيل في المنطقة عسكريا واستراتيجيا، واستمرار الدور المؤثر للولايات المتحدة في التفاعلات الأمنية في الإقليم عن طريق استمرار وجودها العسكري من خلال القواعد العسكرية، والانتشار المنتظم لقواتها في المنطقة، والتوسع في مبيعات السلاح لدول المنطقة، خاصة الأسلحة ذات الطابع التكنولوجي، وتلك المتعلقة بنظم الدفاع الجوي المتعددة الطبقات.

ثالثها، تغير أنماط علاقات الصداقة والعداء والتنافس فيما بين دول المنطقة، وتعدد التصورات حول ما يهدد الأمن الجماعي لدول الإقليم. فمن المتوقع أن يشهد الشرق الأوسط شدًا وجذبًا بين نوعين من القوى التي تسعى لقيادة عملية تشكيل التصورات الأمنية الجماعية في الإقليم، وتحديد ما يعد مصدر تهديد لأمن دولها من عدمه، تتمثل القوى الأولى في دولة عربية من داخل المنطقة تعمل على خلق تصور مشترك بين الدول العربية في «إقليم شرق أوسط عربي» تُستبعد إسرائيل من عضويته، ويقتصر على الدول الأعضاء في منظمة جامعة الدول العربية، وتقود تشكيل توجه محدد حول كيفية الحفاظ على أمنها الجماعي في الفترة التالية على الحرب. وقد قدمت مصر خلال فترة حرب 2026 مقترحا محددا حول ذلك. وتتمثل القوى الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية التي ستسعى لفرض تصورها الخاص بأن إيران هي مصدر تهديد للأمن الجماعي في المنطقة، ويؤطر هذا الدور ما تتضمنه استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنت نهاية 2025.

رابعها، متوقع أن يحتضن الشرق الأوسط بحدوده الجديدة العديد من الآليات الأمنية المتعددة الأطراف، وتضم في عضويتها عددًا من دول الخليج ودول المشرق، مع أخرى من خارج الشرق الأوسط، لديها تصورات أمنية مشتركة تتماشى مع الحدود الجديدة للمنطقة التي ترسمها الإدارة الأمريكية، مثل باكستان وربما تركيا والهند، ومتوقع أن يكون بعضها ذا طبيعة عسكرية يتصدى لعدو ما، والبعض الآخر ذا طبيعة غير عسكرية يتصدى لأحد التهديدات والتحديات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية العابرة للحدود التي تحتاج إلى تحرك جماعي غير تقليدي وغير عسكري يقوم على توظيف التكنولوجيا الحديثة، وتوظيف قدرات الشباب والمرأة من أجل ضمان الاستقرار والأمن الإقليمي بشكل مستدام.

خامسها وأخيرًا، تصدُّر قضية الممرات الحيوية في الشرق الأوسط أجندة الاهتمام العالمي على نحو يزيد من تأثير القوى العالمية في تفاعلاته الأمنية لتنافس التأثير الأمريكي، خاصة مع تنامي أهمية هذه القضية، كما كشفت حرب 2026 في تحقيق أمن الطاقة وحرية وسلامة العبور في الممرات البحرية الحيوية. وقد تطرح في هذا الإطار نظم إدارة لهذه الممرات تركز على مضيق هرمز بداية، وقد تشمل ممرات حيوية أخرى، مثل مضيق باب المندب، وغيره.