يمكن أن يمثل هذا السد رمزية ورسالة تعاون وبناء ثقة لباقى دول الحوض، ولأفق تتجاوز العلاقات الثنائية المصرية التنزانية، وخصوصاً إثيوبيا التى ما تزال تستند إلى النظرة الأحادية، وتُغلِّب النهج الصراعى، وسياسات فرض الأمر الواقع، كمنظور حاكم لعلاقاتها تجاه غالبية دول الحوض والقرن الأفريقى.
فهذا السد الذى يحمل اسم الرئيس جوليوس نيريرى (أول رئيس لتنزانيا بعد أن وحَّد جزيزة زنجبار مع تنجانيقا عام 1964)، يعطى مدلولاً تنموياً يتجاوز كونه أكبر مشرع لتوليد الكهرباء أو تخزين المياه، بل هو تعبير عن رغبة وطموح تنزانى فى تعزيز المكانة الإقليمية عبر مرتكز التنمية. ولذا، يمكن تفهم لماذا حمل السد هذا الاسم ودلالاته الشعبية، فالرئيس الأسبق نيريرى يعرف باسم "أبو الأمة"، وهو من الآباء المؤسسين فى القارة الأفريقية، الذين حملوا قضايا الاستقلال ووحدة أفريقيا والتنمية على عاتقهم لمقاومة الاحتلال.
وترتبط بتلك الدلالة دلالة أخرى تتعلق ببناء السد بخبرة وأيادى وقدرات مصرية، فهو أحد أكبر المشاريع التنموية التى تنفذها الشركات المصرية فى القارة، كما أن عامل الزمن وطبيعة التطورات التى فرضها اتفاق عنتيبى والسد الأثيوبي من تداعيات لم تحل دون إقدام مصر على التعاون ونقل الخبرات والتأكيد على حتمية التعاون بين دول حوض النيل، وهو ما يفند الادعاءات الأثيوبية القديمة الحديثة التى روجت إلى أن مصر لا تريد الاستقرار لمنطقة الحوض، وأنها لا تستهدف سوى الحصول على مياه النيل، وأنها تقف عائقاً أمام تنمية دول حوض النيل. فقد شكلت هذه الادعاءات التى حملها الخطاب العدائى الأثيوبى قديماً وحديثاً، تجاهلاً لدور مصر التاريخى فى المساهمة فى دعم مشاريع التعاون بشكل عام، ومشاريع البنية التحتية الخاصة بالزراعة والمياه والكهرباء بما فيها السدود فى دول الحوض.
والحقيقة أن موقف مصر تاريخياً وحديثاً كان داعماً لتوفير آليات جماعية لتنظيم وإدارة موارد مياه النيل ورفع كفاءة البنية التحتية للاستفادة من المياه المهدرة فى المستنقعات، وحوكمة المياة كسبيل لتعظيم الاستفادة الجماعية من هذا النهر، وأيضاً من المياه الساقطة على الحوض بشكل عام، فضلاً عن زيادة التنسيق لضبط آلية عمل السدود القائمة على النهر، ومواجهة مشكلة الجفاف والتصحر، وخاصة أن جوهر المشكلة ليس فى ندرة المياه ولكن فى تسييسها وإدارتها وتوفير البنية التحتية. كذلك كان لدخول المؤسسات الدولية كطرف دافع لرسم السياسات المائية المدعمة بالبرامج الفنية والاقتصادية أثره الواضح فى زيادة تعقيد الكثير من المواقف، لاسيما مع تزايد نظرة الكثير من دول الحوض لمصالحها الآنية والفردية.
من هنا، تبرز أهمية إعادة قراءة دلالات ورسائل سد نيريرى، فى إطار جملة التحولات والمستجدات التى يشهدها النظام الدولى وتنامى وتيرة الصراع والتنافس على الموارد بين القوى الدولية وبعض القوى الإقليمية، فضلاً عن التأثيرات السلبية التى سوف تتنامى على الدول المتوسطة والنامية من تلك التحولات وانعكاساتها السلبية على استنزاف الموارد وعملية التنمية والبناء. ولذا، تبقى معادلة الأمن والاستقرار والتعاون مقيدة بالتنافس والصراعات والمصالح الفردية فى مقدمة الرسائل الحاكمة لمستقبل التعاون بين دول حوض النيل. وفى هذا الإطار، يمكن التأكيد على عدد من الرسائل التالية:
الرسالة الأولى، ترتبط بما يحمله سد نيريرى من معانٍ ودلالات على ثمار التعاون وتجاوز الحساسيات لحساب المصالح المشتركة بين تنزانيا ومصر، ودور دبلوماسية القمة وتوافر الإرادة السياسية. فى المقابل، يضعنا السد الأثيوبى أمام جملة من التحديات والمخاطر تتعلق بمعادلات الصراع والتنافس والهيمنة الأثيوبية ليس تجاه مصر فقط ولكن إزاء سلسلة من الأزمات التى تنخرط فيها أثيوبيا مع السودان والصومال وإريتريا، وطموحها فى البحر الأحمر، وسعيها إلى هندسة الفوضى فى منطقة شرق أفريقيا وحوض النيل.
فالرؤية الإثيوبية تستند إلى توظيف التناقضات وتباين المصالح من خلال السعى لفرض الأمر الواقع، وهو ما يتجلى بوضوح فى دورها فى الصومال وتوظيف ورقة أرض الصومال، وفى السودان بدعم قوات الدعم السريع، وتقلب سياساتها تجاه إريتريا وتوظيفها فى معادلة الداخل الإثيوبى، وهو ما تعبر عنه سياساتها الراهنة، وفقاً للمشروع الإثيوبى الذى تبناه مليس زيناوى ويسعى آبى أحمد لتحويله لواقع، فهى تريد تجاوز الاتفاقات والمعادلات القديمة، وإيجاد واقع واتفاقيات جديدة، توفر لها القدرة على الهيمنة المائية، والظهور كقوة إقليمية، وحلقة التقاء وربط بين العديد من القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يتجلى بوضوح في شبكة تحالفاتها، وعمليات جذب الاستثمارات الدولية وطبيعة المشاريع الاستثمارية التي تتجه معظمها في البنية التحية ومشاريع الزراعة والرى. ولذا، فإن النهج والرؤية المصرية التعاونية سوف تظل تصطدم بالنهج والرؤية الإثيوبية، ما لم تتغير المعادلات الإقليمية وتوازنات القوة فى منطقة حوض النيل والقرن الأفريقى.
الرسالة الثانية، تتعلق بكون سد نيريرى يقدم نموذجاً للتعاون والشراكة، بعكس السد الإثيوبى الذى يُغلِّب النظرة العدائية ويمثل نموذجاً وشكلاً لطبيعة المخزون الصراعى والتنافسى ومحدداً لمستوى ودرجة الصراع المستقبلي على إدارة ملف التعاون المائى، وخاصة مع الإعلان الإثيوبى عن سلسلة السدود التى تبحث عن تمويل لها لتنفيذها حتى تتمكن من الهيمنة الكاملة على النيل الأزرق، لاسيما وأن مخرجات أزمة هذا السد سوف تنعكس على مسارات التعاون المائى الجماعى، وربما تمتد إلى أبعد من هذه المسارات. فى المقابل، يبدو نهج النفس الطويل الذى تبنته مصر والمستند إلى محاولة تفكيك العقبات التى تحول دون التوصل لاتفاق مع إثيوبيا بخصوص السد أو تلك الجماعية الناتجة عن اتفاق عنتيبى، يظل قاصراً على تحجيم أو مواجهة السيناريو الإثيوبى المستند إلى فرض الأمر الواقع حتى الآن.
الرسالة الثالثة، تستند إلى القدرة على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وتعدد مسارات التعاون وتكامله، لاسيما وأن تشابك مركب الأمن العاكس لتشابك التحديات فى قضايا مثل الأمن المائى والأمن الغذائى وأمن الطاقة تجعل من إدارتها مطلباً لعزيز التعاون والتكامل بين دول الحوض، يتجاوز الرؤية الأحادية والمصالح الآنية ويحد من النهج الصراع والتنافس، ويرفع من تكلفة أصحاب هذه الرؤية.
الرسالة الرابعة، تتمثل في تباين الأوزان النسبية للقيود التى حالت دون نجاح دول الحوض على مدار ما يقرب من ستين عاماً فى إيجاد تجمع اقتصادى مثل التجمعات الإقليمية الفرعية الأخرى للأنهار فى أفريقيا، وحالت أيضاً دون وجود أي تجمع أو إطار للتعاون المؤسسى الجماعى، وذلك رغم الحرص الجماعى المدفوع بمجموعة من العوامل الإقليمية والدولية، على التواجد والتفاعل عند المستوى الأدنى من التعاون، وهو التعاون الفنى، ويتجلى ذلك بوضوح فى "مبادرة دول حوض النيل" عام 2000 التى شكلت خطوة أكثر تقدماً مما أسفرت عنه مشاريع التعاون الجماعى الثلاثة وامتداداً لتجمع التيكونيل (مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية 1967، وتجمع الأندوجو 1983، التيكونيل 1992)، ولكنها اصطدمت بالنظرة الأحادية وتباين الأولويات وتعدد أنماط عدم الاستقرار وتغليب انعدام الثقة والحساسيات القديمة، رغم ارتباطها بدعم البنك الدولى والشركاء الدوليين.
الرسالة الخامسة، تنصرف إلى أن المداخل التنموية هى القادرة على بناء الثقة وتجاوز الحساسيات وإعلاء قيمة المصالح كمحدد حاكم لتعزيز فرص الاستقرار فى مواجهة عوامل عدم الاستقرار الداخلية فى بعض دول الحوض، والصراعات والخلافات بين بعض أطراف دول الحوض أو بعض دوله مع دول مجاورة ليست فى الحوض.
وهى القادرة أيضاً على إعادة تشكيل البيئة الحاضنة للنهج التنافسى على مستقبل الصراع على الموارد الطبيعية وفى مقدمتها الموارد المائية. فقد ساهم تنافس العديد من الشركات الدولية، ومن خلفها دول كبرى، في زيادة حجم التدفقات الاستثمارية الدولية في منطقة شرق أفريقيا والبحيرات العظمى وخاصة تلك الموجهة لقطاعات الزراعة والطاقة الحيوية والبنية التحتية في العديد من دول المنطقة وعلى رأسها إثيوبيا، كما ساهم في رسم مسارات التنافس والصراع المستقبلي في تلك المنطقة، فضلاً عن تنامى طموحات إقليمية ومحاولات الاستفادة من ذلك التنافس.
الرسالة السادسة، تتعلق بتشابك المجال الحيوى للعديد من القوى الدولية، والحرص على تأمين المجال الجيوساسى وامتلاك أدوات تأثير جيواقتصادية لضمان المكانة والهيبة والنفوذ على قمة النظام الدولى، وارتباط ذلك، في أحد جوانبه، بالقارة الأفريقية والبحر الأحمر وارتباطه بمنطقة الخليج العربى من ساحات للتنافس والصراع على منافذ العبور ومصادر الطاقة وموارد الثروة، وارتباط ذلك بإعادة هندسة توازنات القوى في المنطقة مع تزايد أعداد وتأثير القوى الإقليمية، بالقدر الذى فرض العديد من المتغيرات والتحولات التي تتوازى مع تلك المستجدات والتي أدت بدورها إلى تغيير العديد من المعادلات التي حكمت الصراع والتنافس نحو تهديدات ومخاطر وجودية تتعلق بالنظرة الأحادية للتفاعلات للمصالح.
بمعنى أدق، إن مستقبل استقرار منطقة الحوض يرتهن بالقدرة على الفصل بين حدود الثابت والمتغير، ومنطلقات التنافس والصراع، وتأثير السياق والبيئة، والإدراك المتبادل وما تمثله من تباينات فى الوزن النسبى للمصالح بين دول الحوض.
كما أن مسار التعاون مع افتراض إمكانية تجاوزه الحدود الدنيا فى كافة المجالات، فإنه سوف يتطلب قوة دفع كبيرة، ومجموعة من المحفزات الإقليمية والدولية الدافعة لتهيئة البيئة الحاكمة لرسم مسارات للتعاون فيما يعرف بـ"مثلثات التنمية" الجامعة بين الطاقة والغذاء والماء.