لم يكن أكثر ما ميََّز ورشة العمل الأخيرة التي نظمها مركز جنيف للسياسة الأمنية (GCSP) ومؤسسة Swisspeace بالعاصمة البلغارية صوفيا، في شهر يوليو الجاري، ضمن أعمال مبادرة شرق المتوسط (Eastern Mediterranean Initiative – EMI)، تعدد الملفات المطروحة للنقاش، على أهميتها، وإنما التحول العميق في السؤال الذي حكم المناقشات.
فعلى مدى ست سنوات من المشاركة في أنشطة هذه المبادرة، التي يشارك فيها نخبة من الخبراء والدبلوماسيين وصناع السياسات من مختلف دول منطقة شرق المتوسط وأوروبا والولايات المتحدة وروسيا والصين، اعتادت هذه الانشطة، مثل غيرها من المؤتمرات الإقليمية التي ناقشت أزمات الشرق الأوسط، على أن تنطلق من سؤال مباشر وهو كيف يمكن حل الصراع في غزة؟ أو كيف يمكن تسوية القضية القبرصية؟ أو كيف يمكن احتواء التوتر بين تركيا واليونان؟ أو كيف يمكن رسم الحدود البحرية وتوزيع موارد الطاقة؟ أو كيف يمكن التعامل مع الأزمة السورية؟ أو كيف يمكن احتواء الملف الليبي؟
أما في صوفيا، فقد بدا أن نقطة البداية نفسها قد تغيرت. فلم يعد السؤال المركزي هو كيفية إنهاء كل صراع بصورة منفردة، وإنما كيفية إدارة الروابط المتشابكة بين هذه الصراعات، بحيث لا يؤدي انفجار أحدها إلى تفجير بقية الإقليم.
وقد لخص عنوان الورشة، "من التشخيص إلى المسارات"، هذا التحول بدقة. فالمشكلة لم تعد نقصاً في توصيف الأزمات أو معرفة أسبابها، بل غياب مسارات الحل القابلة للتطبيق في إقليم تبدو فيه التسويات الشاملة أكثر صعوبة من أي وقت مضى. ومن هنا برزت أولوية بناء خطوات تدريجية، ومصالح مشتركة، وقنوات تواصل قادرة على الحد من التصعيد، حتى في غياب الحلول النهائية.
لماذا تراجع منطق التسويات الكبرى؟
استندت مقاربات إدارة صراعات منطقة شرق المتوسط، طوال العقود الماضية، إلى افتراض رئيسي مفاده أن لكل أزمة مساراً مستقلاً، وأن الوصول إلى اتفاق سياسي شامل بشأنها سيؤدي إلى استقرارها. ولهذا أُنشئت مسارات منفصلة للقضية الفلسطينية، وسوريا، وليبيا، وقبرص، والخلافات البحرية بين تركيا واليونان، والأمن الإقليمي.
لكن هذه المقاربة أخفقت، ليس فقط بسبب تعنت الأطراف أو ضعف الإرادة الدولية، وإنما لأن طبيعة الإقليم نفسها تغيرت. فقد أصبح كل ملف يتجاوز حدوده الجغرافية والسياسية المباشرة. فالحرب في غزة لا تبقى داخل القطاع، بل تمتد آثارها إلى البحر الأحمر وقناة السويس وأسواق الطاقة والهجرة والعلاقات العربية–الإسرائيلية. والتوتر في شرق المتوسط لا يتعلق فقط بالحدود البحرية، بل يؤثر في الاستثمارات الأوروبية، وخطوط الغاز، والعلاقات داخل حلف شمال الأطلسي. أما الأزمات في سوريا ولبنان وليبيا، فتتشابك مع قضايا اللاجئين، والجريمة المنظمة، والممرات البحرية، وأدوار القوى الخارجية.
بعبارة أخرى، تحولت هذه الأزمات من "جزر منفصلة" إلى شبكة واحدة. ومن ثم، لم يعد ممكناً انتظار حل كامل لأزمة قبل التحرك في الملفات الأخرى، لأن التفاعل بين هذه الأزمات أصبح أسرع من قدرة الدبلوماسية التقليدية على احتوائها.
بالطبع، هذا لا يعني التخلي عن هدف التسوية السياسية لهذه الازمات المعقدة، وإنما إعادة ترتيب العلاقة بين التسوية والتعاون. ففي المقاربة التقليدية، كان التعاون يأتي بعد السلام، أما في المقاربة الجديدة، فإن التعاون المحدود والمدروس قد يصبح أداة لصناعة البيئة التي تسمح بالسلام مستقبلاً.
شرق المتوسط بوصفه نظاماً استراتيجياً
لم يعد شرق المتوسط مجرد إقليم جغرافي، ولا حتى مجرد ساحة للتنافس على الغاز الطبيعي، بل أصبح نظاماً استراتيجياً تتصل داخله عناصر الطاقة والملاحة والتجارة والأمن والهجرة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي وإعادة الإعمار.
والفارق بين الإقليم والنظام جوهري. فالإقليم هو مجموعة دول متجاورة، أما النظام فهو شبكة من الاعتماد المتبادل، تؤدي فيها الصدمة الواقعة في نقطة واحدة إلى نتائج متتابعة في بقية النقاط. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في العلاقة بين أمن الطاقة وأمن الممرات البحرية، وبين استقرار غزة والاستثمار الإقليمي، وبين حماية الكابلات البحرية والأمن الاقتصادي الأوروبي.
ولذلك لم يعد ممكناً اختزال شرق المتوسط في خرائط حقول الغاز وخطوط الأنابيب. فالغاز نفسه أصبح مرتبطاً بالبنية التحتية، والتأمين، والموانئ، والاستقرار السياسي، والقدرة على حماية المنشآت من التهديدات العسكرية والإلكترونية. كما أن إعادة إعمار المناطق المتضررة في غزة وسوريا ولبنان وليبيا لم تعد مسألة مالية أو هندسية فقط، بل عملية ترتبط بالحكم والأمن والشرعية السياسية ودور المؤسسات المحلية والإقليمية.
من الكفاءة إلى المرونة
كان واضحاً تماماً في مناقشات صوفيا التحول الكبيرة في التفكير الاستراتيجي من التركيز على الكفاءة إلى إعطاء الأولوية للاستمرارية. فمنذ نهاية الحرب الباردة، بُني جزء كبير من النظام الاقتصادي العالمي على تعظيم الكفاءة، وخفض التكلفة، وربط الأسواق بشبكات شديدة التعقيد. غير أن الأزمات المتعاقبة، من جائحة كوفيد – 19 إلى الحرب الروسية–الأوكرانية، ومن اضطرابات البحر الأحمر إلى الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، كشفت أن النظام الأكثر كفاءة ليس بالضرورة الأكثر أمناً.
ولهذا انتقل التركيز في التفكير الاستراتيجي الطاقوي من الكفاءة إلى المرونة. فلم يعد السؤال فقط هو ما أرخص مصدر للطاقة؟ بل هل يمكن استمرار تدفقات الطاقة أثناء الحرب؟ وبشكل مشابه، لم يعد السؤال هو ما أقصر طريق تجاري لنقل إمدادات الطاقة؟ بل هل توجد مسارات بديلة إذا تعطلت الممرات الأساسية؟
وكانت كلمة "المرونة" هي كلمة السر في الاجابة على كل هذه التساؤلات. إذ أكد المشاركون على أهيمة تنويع مصادر الطاقة ومساراتها، وحماية البنية التحتية، وبناء احتياطيات وقدرات بديلة، وتطوير آليات تعاون تسمح للدول بالاستجابة المشتركة للصدمات.
من الجيوبوليتيكا إلى هندسة النظام الإقليمي
كان واضحاً من مناقشات صوفيا أيضاً أن الجغرافيا السياسية ستكون العدسة الرئيسية لفهم شرق المتوسط في السنوات المقبلة، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على الموانئ وامتلاك حقول الغاز الطبيعي وفرض الحضور العسكري. كما كشفت المناقشات أيضاً أن المنافسة على النفوذ لم تعد كافية لتفسير مستقبل المنطقة. فالسؤال الأهم أصبح هو كيف يمكن بناء بنية إقليمية تمنع المنافسة من تدمير المصالح المشتركة؟
لكن اللافت أن مبادرة شرق المتوسط EMI لا تكتفي بإدارة الحوار، بل تسعى إلى بناء مؤسسات للحوار. فمجموعات العمل، وأوراق السياسات، والحوارات المستمرة ليست غاية في ذاتها، وإنما خطوات نحو رؤية أوسع تتمثل في إنشاء مؤتمر دائم للتعاون في شرق المتوسط EMCC))، ليكون إطاراً مؤسسياً للحوار الإقليمي، تماماً كما أسهمت المؤسسات الأوروبية في ترسيخ الاستقرار في القارة بعد عقود من الصراع. وهذا يؤكد أن هذا المبادرة لا تنظر إلى التعاون الاقليمي باعتباره حدثاً، بل باعتباره عملية تراكمية، وأن المعرفة التي تنتجها حوارات المسار الثاني (Track II) ليست بديلاً عن الدبلوماسية الرسمية، وإنما رافداً لها ومختبراً للأفكار التي قد تتحول لاحقاً إلى سياسات عملية. وقد أعاد ذلك إلى ذهني تجربة أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حين لم تبدأ المصالحة باتفاق سياسي شامل، وإنما بتعاون عملي في الفحم والصلب، قبل أن يتطور لاحقاً إلى مشروع الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن كثيراً من المشاركين كانوا يستحضرون المنطق نفسه وهو بناء التعاون أولاً، ثم ترك السياسة تلحق به لاحقاً.
القوى الكبرى وحدود النفوذ
كان لافتاً في صوفيا أن النقاش حول الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي لم يُطرح باعتباره مباراة صفرية بين قوى كبرى، وإنما باعتباره بحثاً في طبيعة الأدوار التي يمكن لكل طرف الاضطلاع بها.
فالولايات المتحدة ما زالت الفاعل الأمني الأكثر تأثيراً، لكنها لم تعد قادرة وحدها على تشكيل النظام الإقليمي. والاتحاد الأوروبي يملك أدوات اقتصادية وتنظيمية كبيرة، لكنه يعاني فجوة بين وزنه الاقتصادي وقدرته السياسية. أما الصين فتتوسع عبر الاستثمار والتجارة والبنية التحتية، مع تجنب الاندماج الكامل في الالتزامات الأمنية والسياسية للصراعات المحلية.
ويكشف ذلك أن النظام المقبل لن يكون نتاج هيمنة قوة واحدة، بل نتيجة تفاعل معقد بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية المتوسطة. وهنا أكد العديد من المشاركين أهمية قيام دول المنطقة بصياغة أجندتها، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف مع أجندات الآخرين.
مصر... من الوساطة إلى هندسة الاستقرار
لا ينبغي أن يتوقف السؤال المتعلق بموقع مصر عند وصفها بأنها وسيط إقليمي أو مركز للطاقة. فهذه أوصاف صحيحة، لكنها لا تعبر عن كامل إمكاناتها في النظام الجديد. ففي الواقع، تكمن قيمة مصر الاستراتيجية في أنها نقطة التقاء لعدة أنظمة فرعية في وقت واحد. شرق المتوسط، والبحر الأحمر، وقناة السويس، والمشرق العربي، وشمال أفريقيا، والقرن الأفريقي. وهي كذلك طرف رئيسي في ملفات غزة وليبيا والسودان والطاقة وتأمين الملاحة البحرية وإعادة الإعمار.
وعليه، يمكن أن تنتقل مصر من دور الوسيط الذي يتدخل عند وقوع الأزمة إلى دور "مهندس الاستقرار" الذي يربط بين الدبلوماسية والبنية التحتية والطاقة والتنمية والأمن الإنساني. فميزة مصر الحقيقية ليست فقط أنها تقع في قلب الشبكة، بل أنها تستطيع الربط بين أجزائها المتباعدة، وتحويل موقعها الجغرافي من حقيقة ثابتة إلى وظيفة استراتيجية نشطة.
مختبر النظام الدولي الجديد
من هنا، كانت هناك قناعة بأن شرق المتوسط لا يختبر فقط نموذجاً جديداً لإدارة أزماته، بل يعكس تحولاً أوسع في النظام الدولي. فالعالم ينتقل من مرحلة كانت تقوم على هيمنة قوة واحدة، ومؤسسات دولية أكثر فاعلية، وعولمة اقتصادية متسعة، إلى مرحلة تتسم بتعدد مراكز القوة، وتراجع الثقة في المؤسسات، وهشاشة سلاسل الإمداد، وتصاعد أدوار القوى المتوسطة.
وفي هذا العالم، قد تصبح التسويات الشاملة أكثر ندرة، بينما تزداد أهمية الترتيبات الجزئية، والشبكات المرنة، والمؤسسات الوظيفية، والدبلوماسية متعددة المسارات.
ومن ثم، فإن الانتقال من "حل الصراعات" إلى "إدارة الترابط" ليس تراجعاً عن طموح السلام، بل محاولة لوضعه على أساس أكثر واقعية. فالسلام في البيئة الإقليمية الحالية لن يأتي غالباً نتيجة اتفاق واحد كبير، وإنما عبر تراكم مسارات صغيرة تمنع الانهيار، وتبني المصالح، وتعيد إنتاج الثقة.
بعبارة أخرى، ربما لا يستطيع شرق المتوسط أن ينهي جميع صراعاته في المستقبل القريب. لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يمنعها من إسقاط الإقليم بأكمله. وفي عالم تتشابك فيه الأزمات أسرع من قدرة الدول على حلها، قد تكون هذه القدرة هي المعنى الأكثر واقعية للاستقرار.
وربما تكون الرسالة الأعمق التي تم استنتاجها هي أن مستقبل منطقة شرق المتوسط، وربما منطقة الشرق الأوسط كلها، لن يُبنى على انتظار تسوية كبرى قد تتأخر سنوات، وإنما على بناء شبكة من المصالح والمؤسسات والثقة تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع. وعندئذٍ فقط، قد يصبح السلام نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل المشترك، لا نقطة البداية التي ننتظرها قبل أن نبدأ.