د. رابحة سيف علام

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

قام رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بزيارة اسطنبول الجمعة 10 يوليو 2026 على رأس وفد وزاري لبناني يتضمن مجالات الطاقة والأشغال العامة والبيئة بالإضافة للتنسيق الأمني. لم تأت هذه الزيارة التي التقى فيها سلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كخطوة منعزلة، بل تلحقها زيارة أخرى من المتوقع أن يقوم بها الرئيس اللبناني جوزيف عون قبل نهاية الشهر، في طريق عودته من زيارة مرتقبة إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب[1].

دلالات التقارب اللبناني-التركي

يأتي التقارب اللبناني-التركي على وقع تصريحات لافتة اعتبر فيها أردوغان أن أمن تركيا يبدأ من أمن دمشق وبيروت. وفي ذلك إضافة مهمة، إذ عادةً ما كانت تركيا تضع سوريا في موقع خط الدفاع الأول ولكن إضافة لبنان إلى هذه المعادلة يعني أن تركيا ترسم ملامح جديدة لسياستها الأمنية في المنطقة[2].

تنظر أنقرة بقلق شديد للاحتلال الإسرائيلي للبنان، خاصةً عندما انعكست الهيمنة الإسرائيلية المتصاعدة على نص اتفاق الإطار الذي تم إعلانه في 28 يونيو الماضي بوساطة أمريكية. إذ أكد أردوغان أن تركيا تدعم استقلال لبنان والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه ودعا إلى مواصلة الضغوط على إسرائيل من أجل إتمام الانسحاب من لبنان.

يأتي الاهتمام التركي بلبنان ليملأ فراغاً استراتيجياً بدأ يتنامى مع تراجع النفوذ الإيراني وتغوّل الإسرائيلي على حساب لبنان. ومن ثم تحاول تركيا أن يكون لها وزن معتبر في الساحة اللبنانية كي لا يبدو لبنان بلا غطاء إقليمي قوي في ظل التراجع الإيراني. غير أن الخط التركي يتكامل بشكل كبير مع الخط العربي الذي تقدمه مصر والسعودية، من حيث أنه يدفع في اتجاه تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وفرض سيادتها على كافة أراضيها واحتكار السلاح الشرعي ومنع انفجار السلم الأهلي أو اندلاع أي توترات داخلية[3].

لن تتدخل أنقرة لدعم طرف على حساب طرف ولن تتدخل بعقد تفاهمات إلا مع الدولة اللبنانية، وهو ما انعكس بجدول أعمال الزيارة من حيث البحث في تنشيط اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، وتعزيز التنسيق الأمني وضبط الحدود، وبحث التعاون الثنائي للاستثمار في البنى التحتية والطاقة.

وكانت العلاقات التركية-اللبنانية قد أصابها بعض الفتور بعد توقيع لبنان لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص في نوفمبر 2025 بهدف الاستثمار في ثروات الطاقة الكامنة تحت مياة المتوسط[4]، وهو ما كرّس نظرة تركية سلبية ضد هذا الاتفاق فاعتبرته أنقرة ضد مصالحها في الاستحواذ على مساحة أكبر من الثروات البحرية المحتملة في شرق المتوسط. كما أن صورة تركيا الإيجابية في لبنان كانت تصطدم دوماً بالمظالم التاريخية للبنانيين الأرمن الذين يرون في تركيا عدواً تاريخياً مسئولاً عما أصاب أجدادهم من جرائم واسعة قبل أكثر من مائة عام.

حسابات جديدة تفرضها التطورات الإقليمية

غير أن تغير المفردات الجيوسياسية اليوم تجعل من تركيا حليفاً حتمياً لابد للبنان أن يسعى لاجتذاب صداقته. فخلال العام ونصف الماضي، بدا أن تركيا كانت قادرة على توفير مظلة حماية معتبرة للنظام السوري الجديد الذي استقر في حكم دمشق بعد إسقاط الأسد. بل بدا أن المساعي التركية تمكنت من توفير شرعية مهمة لحكام دمشق الجدد على المستوى الدولي وخاصةً لدى الأمريكيين[5].

وكانت لهذه المساعي التركية بالتعاون مع السعوديين دوراً حاسماً في إقناع الأمريكيين برفع العقوبات عن سوريا دون الخضوع للطلب الإسرائيلي الذي كان يُفضل أن تبقى سوريا تحت سيف العقوبات لحين إبرام اتفاق سلام غير متوازن مع الإسرائيليين للتنازل عن الجولان. وبالتالي فإن الدعم التركي والسعودي قد ساعد سوريا على المناورة والهروب من الاضطرار لقبول اتفاق لا يراعي مصالحها الوطنية.

كما أن الدعم التركي للنظام السوري الجديد قد ساهم في إقناع الأمريكيين بالضغط من أجل وقف القصف الإسرائيلي الواسع على سوريا، رغم استمرار التوغلات البرية في الجنوب في القنيطرة وغرب درعا وأحياناً في أجزاء من أطرف ريف دمشق. وتواصل إسرائيل حالياً احتلال ما يقارب 350 متر مربع من الأراضي السورية المحاذية للجولان السوري المحتل والتي كانت سابقاً منطقة لانتشار قوة الاندوف الدولية. بالإضافة لإقامة نحو 9 قواعد بين ثابتة ومتحركة في هذه المنطقة وحواجز تفتيش لعرقلة تحركات الأهالي. غير أن الغارات الإسرائيلية الموسعة على سوريا قد توقفت، بعد أن كانت تل أبيب قد شنت نحو 1000 غارة على سوريا خلال العام الأول التالي لسقوط الأسد[6].

ولذا، فالتفاهمات التركية-الأمريكية قد أضفت مزيداً من الهدوء والاستقرار بعد أن اقتنع الأمريكيون، بمساعدة الأتراك، أن نموذج "سوريا المستقرة الموحدة" هي مصلحة أمريكية في المنطقة، في مقابل نموذج "سوريا المقسمة المنهكة بالحرب" التي حاول الإسرائيليون فرضها.

انعكاسات محتملة لدور تركي نشِط في لبنان

في ضوء هذه القراءة، يمكن فهم أهمية الدور التركي المحتمل في لبنان، فإسرائيل تطمع في الاحتفاظ بالأراضي التي احتلتها في لبنان لأطول فترة ممكنة، كي تحافظ على منطقة "الخط الأصفر" كمنطقة أمنية عازلة. وأيضاً كي يبقى لبنان رهينة للمغامرات الانتخابية لنتنياهو، الذي يحتاج إلى ميدان معركة للتصعيد فيه كلما أراد حصد مزيد من أصوات اليمين المتطرف في الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في الخريف القادم.

غير أن الدور التركي قد يكون بمثابة حائط الصد لهذه الأطماع الإسرائيلية عبر إقناع الأمريكيين بأن الإبقاء على ميدان حرب مفتوحة في لبنان لا يناسب مصالح دول المنطقة ولا يخدم المصالح الأمريكية بالتبعية. ومن ثم فالدور التركي في لبنان لا يتطلب وجوداً عسكرياً خشناً ولا حتى تشجيعاً للسوريين على لعب هذا الدور في لبنان بالوكالة، بل قد يقتصر فقط على التدخل الدبلوماسي لدى الأمريكيين لمواصلة الضغط على إسرائيل من أجل الانسحاب من لبنان.

وقد يمتد هذا الدور أيضاً بالتعاون مع الأمريكيين والأوروبيين لتشكيل قوة دولية تحل محل قوات اليونيفل التي تنتهي ولايتها بنهاية العام الجاري. وكان الفرنسيون والإيطاليون والأسبان الذين شكلوا قسماً كبيراً من قوام قوات اليونيفل طوال العشرين عاماً الماضية، قد أبدوا اهتمامهم باستكمال مهمة مراقبة وقف إطلاق النار في لبنان حتى بعد انتهاء مهمة اليونيفل التي تكوّنت بموجب القرار 1701 في أغسطس 2006.

كما أن دور تركيا له بعد اقتصادي لا يستهان به ولا ينفصل عن حضورها المرتقب في إعادة إعمار سوريا ويتصل أيضاً بضخ الاستثمارات والخبرات اللازمة لإعمار الجنوب بالتعاون مع الداعمين الخليجيين والدوليين لإنعاش الاقتصاد اللبناني. فضلاً عن أدوار تقنية ولوجستية محتملة للأتراك في مجال دعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية لفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وضبط أمن الحدود البرية بين لبنان وسوريا لما لها من تأثيرات على حدود تركيا ذاتها.

ويتمايز هذا الدور التركي عن النفوذ الإيراني الذي يحاول استتباع دول المنطقة وضمهم لمظلة الأذرع الإيرانية كما كان الحال في اليمن والعراق ولبنان وسوريا قبل سقوط الأسد. فعلى عكس الإيرانيين الذين يستثمرون في هياكل وقوات موازية تنازع الدولة احتكارها للسلاح الشرعي، يسعى الأتراك لتعزيز سلطة الدولة ومنع الانفلات الأمني أو التلاعب بالحدود الدولية.

وقد بدأ الدور التركي فعلياً في التحقق في سوريا من خلال فرض سيطرة سلطة حكومة دمشق وتقليص حجم السلاح المنفلت وتفكيك الجماعات المسلحة. ولكن جهود أنقرة قد تبقى مبعثرة في هذا الإطار إذا لم تمتد إلى لبنان، لأن سيولة الحدود البرية وانفلاتها في الجانب السوري-اللبناني قد تؤثر بدورها على ضبط الحدود على الجانب السوري-التركي. ولذا، فأردوغان لم يكن يبالغ عندما اعتبر أن أمن أنقرة يبدأ من دمشق وبيروت.

ولكن الأهم أن هذا الدور التركي المرتقب في لبنان يأتي في إطار تبلور أدوار فاعلة للدول الوازنة في المنطقة، إذ تسعى إلى عزل إسرائيل "العطشى دائماً للحرب" من خلال بناء تحالف للقوى الساعية لوقف الحرب وإحلال السلام العادل. ولذا، فهذا الدور التركي يتكامل بالضرورة مع الدور المصري لوقف الحرب في غزة والدور الباكستاني لوقف الحرب الأمريكية على إيران. فضلاً عن مساعي التهدئة التي تقودها كل من السعودية وقطر في لبنان من أجل تعميق الحوار اللبناني-اللبناني وتخفيف التوترات الداخلية قبل تحولها إلى قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي.

ختاماً، يبقى الهدف الأهم لهذه الأدوار جميعها عندما تنعكس على الساحة اللبنانية، هو ألا يبقى لبنان وحيداً في مسار تفاوضه مع إسرائيل بوساطة أمريكية. بل يُتوقع أن تنعكس هذه الأدوار لتثمر موقفاً تفاوضياً أقوى للبنان يُمكنه من فرض مصالحه على طاولة المفاوضات بدلاً من القبول التلقائي بالمطالب الإسرائيلية تحت وطأة فرط القوة العسكرية لإسرائيل، وهو ما يعني فعلياً فصل مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل عن مسار تفاوض إيران والولايات المتحدة دون أن يكون ذلك إضعافاً لموقف لبنان، بل تقوية له بمساندة الأشقاء والحلفاء الداعمين له في الإقليم. إذ يتوقع أن تساهم أنقرة في ترجمة المصالح اللبنانية للوسيط الأمريكي بوضوح وقوة إقناع مثلما قامت بهذا الدور مع سوريا الجديدة. بينما تستفيد أنقرة في المقابل من هذا الدور بتعزيز حضورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط ومدّ جسور البناء والتنمية مع دول المنطقة عبرها إلى أوروبا، بالإضافة إلى تكريس صورتها كحارس أمين لبوابة أوروبا ولحلف الناتو المطلة على الشرق الأوسط.

وربما قد يسهم نقل طاولة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية من واشنطن إلى روما في إفساح المجال لدخول لاعبين جدد -من الأتراك والأوروبيين ربما- على خط الوساطة مما يقلل من حجم التأثير الأمريكي المناصر لإسرائيل وتحقيق بعض التوازن في تنفيذ الإجراءات الأمنية المرتبطة بـ"المناطق التجريبية" المرشحة لانسحاب الاحتلال الإسرائيلي منها وانتشار الجيش اللبناني فيها. إذ يصبح التحدي الأبرز للبنان في طاولة روما التي تنطلق يومي 14 و15 يوليو الجاري، هو التمسك بتحقيق انسحاب حقيقي وملموس من قضاء كامل - تقسيم إداري جغرافي لبناني - بدلاً من انسحاب رمزي من بلدتين أو ثلاثة لم تكن قوات الاحتلال متواجدة فيهم أصلاً. بالإضافة إلى تحجيم حرية الحركة العسكرية التي تتمتع بها قوات الاحتلال من حيث تفجير المباني وتدمير ما تبقى من بنى تحتية في الجنوب اللبناني.