د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تصاعد نمط البذاءات أو الإهانات السياسية في العلاقات الدولية والتفاعلات الإقليمية، على نحو ما عكسته بشكل خاص أحداث عامى 2025 و2026، من خلال تجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية وتزايد اللجوء من جانب رؤساء الدول أو أعضاء البرلمانات أو ممثلي النخب أو نواب الأحزاب لاستخدام تعبيرات نابية أو تصريحات عنيفة أو أوصاف مهينة في مواجهة الخصوم أو حتى الحلفاء، وهي لا تعبر عن "انفلات ألسنة" بل هي أقرب إلى سياسة مقصودة، فضلاً عن ممارسات الاعتداء الجسدي بين شخصيات سياسية ورموز نيابية، والتي أخذت شكل مشاجرات جماعية، ذكورية ونسائية ومختلطة، في بعض الأحيان، بخلاف "الحركات البذيئة" المباشرة أو الإيماءات الجسدية غير اللائقة التي تصدر عن بعض الشخصيات السياسية الكبرى.

ويطلق البعض على هذه الأوضاع "السياسة السيئة" التي تقوم على الخطاب العدواني والعنف الفعلي العرضي الذي يستخدمه السياسيون ضد المعارضين داخل الدول، ويتبناها بعض قادة الدول في مواجهة خصومهم عبر الحدود، وتكون الإهانات هي الشكل الأقل تهديداً والأكثر شيوعاً للسياسة السيئة أو البغيضة، المرتبطة بـ"التشهير" و"الشجار" و"الافتراء"، وهي تعكس الإشارة إلى الصلابة والقوة التي يتمتع بها كل من يطلقها، فضلاً عن طبيعتها الجاذبة للانتباه، وفقاً لقطاعات ليست بالقليلة داخل المجتمعات بما فيها الديمقراطية والليبرالية، وهو ما يفسر التحذيرات التي يطلقها البعض من الأثر المدمر للفجاجة والألفاظ النابية للخطاب السياسي الذي يمكن أن يضر بمستوى الدعم للمؤسسات السياسية، مما يؤدي إلى خفض الثقة في العمليات السياسية.   

عوامل مفسرة

إن هناك مجموعة من العوامل المترابطة فيما بينها لتفسير تزايد الإهانات السياسية في العلاقات الدولية، على النحو التالي:

1- صعود الشعبوية إلى السلطة السياسية: هناك اتجاه رئيسي في الأدبيات يربط بين انتشار الوقاحة السياسية وصعود نمط من القيادات السياسية إلى الحكم في العديد من دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية، خلال العقد الماضي، حيث تجد تلك القيادات دعماً من قاعدة مجتمعية ليس بالقليلة، وهو ما تعبر عنه ظاهرة ترامب التي تستهدف اكتساب تأييد البسطاء من الجماهير بخطاب ومفردات مبسطة قريبة من الممارسات اليومية ووصم الخصوم بصفات غير مقبولة شعبياً. بعبارة أخرى، يفضل ترامب استخدام مفردات مباشرة وعاطفية تخاطب الغرائز والمشاعر الأساسية. هذه اللغة البسيطة تسهل عملية التأثير على الرأي العام وتوجيه الانتباه نحو رسائل محددة ونقلها مباشرة إلى الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتجمعات والبث التلفزيوني المباشر.

ففي يناير 2026، تصرف ترامب بتلقائية سوقية، حين كان يزور مصنعاً لسيارات فورد في ديترويت، وصاح أحد العمال عليه قائلاً "يا حامي مغتصبي الأطفال" فى إشارة لقضية جيفري إبستين، فلم يكتف ترامب بالرد عليه فوراً بالعبارة البذيئة "..." وإنما رفع له معها أصبعه الأوسط وهي الحركة البذيئة التي تعني نفس العبارة وحين سأل أحد الصحفيين المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت عما فعله وقاله الرئيس، أجابت: لقد كان هذا هو الرد الملائم. واللافت للنظر أن المظاهرات الشعبية لعدد من الأمريكيين التى خرجت ضد سياسات ترامب لرفض الحرب ضد إيران، تحت شعار "لا للملوك"، حملت بعض اللافتات شعاراً يعكس نفس اللغة التي يستخدها الرئيس الأمريكي.

واتسمت خطابات ترامب بإطلاق ألقاب مهينة على خصومه السياسيين؛ فمن "هيلاري المحتالة" للتقليل من شأن المنافسة الديمقراطية السابقة و"جو الناعس" لمهاجمة كفاءته وأخلاقياته وأهليته للرئاسة إلى وصف كامالا هاريس بـ"العاهرة"، كما استخدم ترامب كلمات مثل "حيوان" و"مسعور" لمهاجمة المدعين العامين مثل المدعي العام لمنطقة مانهاتن ألفين براغ الذي وصفه أيضاً بأنه "مختل عقلياً ومنحط". وتجدر الإشارة إلى أن هذا النهج لم يقتصر على الأوصاف، بل شمل التشكيك في القدرات العقلية والجسدية لمنافسيه بعبارات وصفتها الصحافة الأمريكية بـ"الهابطة" و"التي لا تليق برئيس الولايات المتحدة". ولازال ترامب مستمراً في التنمر اللفظي ضد الصحفيين الذين يطرحون أسئلة صعبة، واصفاً إياهم بـ"الأغبياء".

وقد استخدم ترامب مفردات وصفت بالعنصرية والمحرضة عند الحديث عن الهجرة، حيث وصف المهاجرين بأنهم "حيوانات"، واستهل حملته الانتخابية الأولى عام 2015 بوصف المهاجرين المكسيكيين بـ"المجرمين والمغتصبين". كما أدلى بتعليق شهير خلال اجتماع في البيت الأبيض عام 2018 في شأن الهجرة من هايتي والدول الأفريقية، واصفاً هذه الدول بأنها "قذرة"، ورصدت العديد من الدراسات زيادة في استخدام ترامب الكلمات البذيئة في خطاباته بين عامي 2016 و2024. في حين تشير كتابات أخرى إلى تزايد استخدام الألفاظ النابية لدى أعضاء الكونجرس. ويسود اعتقاد واسع بين الأمريكيين بأن لغة الحوار السياسي في الولايات المتحدة أصبحت أكثر سلبية منذ نحو 10 أعوام، وفقاً لاتجاه سائد.

2- العمل على إرباك الخصوم: يشير تيار أساسي في الكتابات إلى أن ما يحدث من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر تصريحاته تجاه القادة الإيرانيين، القدامى أو الجدد، ليس مجرد نوبات غضب عابرة، بل هي أداة فعّالة لكسر قواعد الدبلوماسية التقليدية وتبني استراتيجية مدروسة متكاملة تعتمد على "الردع بالارتباك" أو الدبلوماسية القسرية وتوظيف اللسانيات المعرفية للسيطرة على السردية السياسية العالمية. ووفقاً لذلك التفسير، فإن الهدف من وراء ذلك هو جعل الخصم غير قادر على التنبؤ بردود فعل ترامب، وبلورة حالة من عدم اليقين مما يدفعه إلى الحذر الشديد والعمل على إعادة تقييم حساباته مثل وصفه لخصومه الإيرانيين بـ"الأوغاد المجانين" خلال فعالية "دحرجة بيض عيد الفصح" التقليدية في البيت الأبيض عبر منصة "تروث سوشيال" في 6 أبريل الماضي قائلاً: "افتحوا المضيق (هرمز) أيها المجانين، أو ستعيشون في الجحيم".

كما وصف ترامب القادة الإيرانيين بـألفاظ نابية مثل "الحثالة" (Scum) و"المرضى" (Sick people) و"المجانين" (Cuckoo/Madmen) و"أشرار وعنيفون وخادعون" (Evil, Vicious, Liars) خلال تصريحاته في 8 يوليو 2026 على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المنعقدة في العاصمة التركية أنقرة، وهو ما يشير إلى محاولاتهم لامتلاك سلاح نووي واتهامهم بنقض الاتفاقات واستهداف الملاحة البحرية. وهنا، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن "مخاطبة الشعب الإيراني المتحضر والشجاع بلغة مهينة لا تنتقص من عظمته"، مضيفاً أن الإيرانيين "عرفوا على مر التاريخ بتحضرهم وثقافتهم وتمسكهم بالقيم الأخلاقية". كما أكد وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف على منصة "إكس" أن "الالفاظ البذيئة ليست دليلاً على النصر وإنما على يأس صاحبها"، في إشارة إلى ما تلفظ به الرئيس ترامب في وقت سابق. وأضاف: "نحن لا نرد على البذاءة بالبذاءة، وإنما بالفعل؛ دون خوف وبشجاعة كبيرة"، في إشارة إلى أن بلاده لن تنجر إلى تبادل الإهانات، لكنها ستواصل الدفاع عن مصالحها.

فالرئيس ترمب يعتمد في استراتيجيته التي يخاطب بها جمهوره بالأساس على إظهار القوة والهيمنة على الخصوم في إطار خطابي، إذ تعد المجاملة مرادفة للضعف، وفقاً له، وهو يهدف عبر استخدام اللغة العدوانية أو القاسية إلى إبراز شخصية "مقاتل لا يلين"، "مستعد لخرق أي قاعدة للدفاع عن أتباعه"، وهو ما اتضح جلياً عند تعامله مع الدول الخصوم في مناطق جغرافية مختلفة (مثل إيران أو كوريا الشمالية أو فنزويلا)، إذ يتحول خطاب ترمب الذي يتسم أحياناً بالإهانة والبذاءة من السخرية الشخصية إلى سياسة حافة الهاوية الوجودية وتكتيكات الضغط القصوى، بهدف إظهار قوة هائلة لا يمكن التنبؤ بها لإجبار الخصم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، غالباً ما يتصاعد خطابه إلى تهديدات صريحة بالعنف أو الدمار أو الإفلاس المالي، كالتهديد بتدمير إيران بالكامل ومن قبلها تهديده كوريا الشمالية بالدمار بالكامل.

3- ممارسة الضغوط على الحلفاء: قد يكون من دوافع استخدام البذاءة من جانب طرف ما هو إظهار حالة الضعف لدى الطرف الآخر الحليف له، ولكنه قد يتخلي عن القيام بالأعباء التي يتطلبها بقاء هذا التحالف الاستراتيجي، وهو ما ينطبق على العلاقة بين الولايات المتحدة في عهد ترامب ودول أوروبا الأعضاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو". فقد وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 20 مارس الماضي، انتقادات لاذعة لقادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واصفاً إياهم بـ"الجبناء" بعد رفضهم الانخراط العسكري في الحرب الدائرة ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لن تنسى هذا الموقف. وأضاف في المنشور نفسه قوله: "من دون الولايات المتحدة، حلف الناتو مجرد قوة جوفاء".

وقلل ترامب من تضحيات قوات الناتو الحليفة (مثل القوات البريطانية والأوروبية في أفغانستان) قائلاً إنهم "بقوا في الخلف قليلاً، وبعيداً عن الخطوط الأمامية"، زاعماً أن أمريكا "لم تكن بحاجة إليهم أبداً". وقد وصف الحلفاء بـ"المتهربين" من الدفع و"المحتالين" (Delinquents) لتصبح من أكثر المصطلحات المتكررة في قاموس ترامب ضد دول الناتو حيث يتهمهم بـ"الاحتيال" على دافع الضرائب الأمريكي عبر الاعتماد الكامل على ميزانية واشنطن العسكرية دون الالتزام بنسبة الـ 2% المفترضة من ناتجهم المحلي. كما وصف ترامب حلف الناتو في مقابلة مع صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية بتاريخ 31 مارس الماضي بأنه "نمر من ورق".

وتعد هذه أقوى إشارة إلى أن البيت الأبيض لم يعد يعتبر أوروبا شريكاً دفاعياً موثوقاً به، وذلك في أعقاب رفض طلب ترامب بإرسال الحلفاء سفناً حربية لإعادة فتح مضيق هرمز الذي تشهد فيه حركة الملاحة البحرية والإمدادات النفطية تعطلاً منذ أشهر نتيجة التصعيد مع طهران. فالولايات المتحدة بدأت في إعادة تعريف دورها في الحلف، وترامب يوجه رسالة مفادها إن واشنطن لا يمكنها أن تواصل تدفع فاتورة الدفاع عن حلفاء يختاروا النأي بالنفس وقت الأزمات الكبرى، وهو ما يعبر عن تحول استراتيجي في السياسة الخارجية الأمريكية تحت حكم ترامب، إذ يعتمد على سياسة "أمريكا أولاً".

4- تراجع تقبل النخبة السياسية الرؤى المخالفة: وهو نمط شائع في العديد من الدول العربية، على نحو ما عكسه تبادل الشتائم والتهم بين النائبة اللبنانية المستقلة بولا يعقوبيان، والنائب عن التيار الوطني الحر سليم عون، وذلك خلال مشادة كلامية حول اعتراض عون والعديد من النواب على تعديل الدستور لانتخاب قائد الجيش جوزيف عون رئيساً للجمهورية، في النصف الثاني من عام 2025. وحدث أيضا شجار بالأيدي تحت قبة البرلمان العراقي خلال تصويت النواب على تشكيل حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، في 14 مايو الماضي، نتيجة خلافات مرتبطة بعدم منح الثقة لبعض المرشحين للحقائب الوزارية.

5- فجوات المواقف بين نواب الأحزاب الحاكمة والقوى المعارضة: شهد البرلمان الجورجي في 26 يونيو الفائت عراكاً جماعياً عنيفاً وتبادلاً للكمات بالأيدي بين نواب الحزب الحاكم "الحلم الجورجي" ونواب المعارضة وخاصة حزب "من أجل جورجيا". وقد اندلعت المواجهة خلال الجلسة العامة الختامية للدورة الربيعية، وتحديداً أثناء جلسة الأسئلة والأجوبة التي أعقبت تقديم رئيس الوزراء إيراكلي كوباخيدزه تقرير حكومته السنوي، إذ انتقد النائب جيورجي شاراشيدزه، عن حزب "من أجل جورجيا" ما وصفه بالدور الهامشي لكوباخيدزه خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إلى جورجيا. وقد اضطر التلفزيون الرسمي الجورجي لقطع البث المباشر لجلسة البرلمان، وتدخلت قوات الأمن البرلمانية لفض الفوضى وإخراج عدد من نواب المعارضة من القاعة، كما استُدعيت فرق الطوارئ الطبية إلى المبنى لعلاج بعض النواب.

وتكرر ذلك التوتر السياسي القائم بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، ولا سيما في ما يتصل بملفات قضائية وسياسية حساسة، وهو ما ظهر جلياً خلال جلسة أداء اليمين الدستورية لوزيري العدل أكن غورليك والداخلية مصطفى تشفتشي الجديدين اللذين عُيّنا يوم 11 فبراير الماضي بقرار رئاسي، خلفاً للوزيرين السابقين يلماز تونتش وعلي يرلي كايا، وتحوّلت الجلسة إلى مشادات كلامية واشتباكات بالأيدي بين نواب الحزبين، بعدما اعتدى نائب حزب العدالة والتنمية عثمان جوكتشك، على نائب حزب الشعب الجمهوري محمود تانال، مما أدى إلى إصابته في وجهه، وحاول عدد من نواب المعارضة منع وزير العدل من اعتلاء المنبر لأداء اليمين واصفين ترشيحه بأنه هجوم على سيادة القانون.

ويأتي الاعتراض على خلفية تعيين وزير العدل الجديد، أكن غورليك، الذي شغل سابقاً منصب المدعي العام في اسطنبول في أكتوبر 2024، وتولى النظر في قضايا تتعلق بالمؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري، حيث أُلقى القبض على أكثر من 15 رئيس بلدية ينتمون لحزب الشعب الجمهوري بتهم فساد من بينهم رئيس بلدية اسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو، وجانان كافتانجي أوغلو، وأنس بربر أوغلو. كما أمر غورليك بفتح تحقيقات مع مئات من أعضاء الحزب بتهم تلقي رشى وتورط في أعمال إرهابية وإهانة الرئيس، وهو ما اعتبره نواب الشعب الجمهوري سبباً كافياً للاعتراض على توليه حقيبة العدل. وبعد تدافع ومشادات، تمكّن الوزيران من أداء اليمين الدستورية داخل القاعة، ليباشرا مهامهما رسمياً.

كما شهد البرلمان الباكستاني (الجمعية الوطنية) خلال عام 2026 مشاحنات كلامية حادة وتبادلاً للشتائم بين أعضاء الحزب الحاكم -الرابطة الإسلامية الباكستانية- ونواب حزب حركة الإنصاف -المحسوب على المعارضة- على خلفية اتهامات بالخيانة، إذ تصاعدت حدة التلاسن بعد أن ادعى النائب عن حزب حركة الإنصاف محمد إقبال خان أن بعض السياسيين يعملون لصالح وكالة الاستخبارات الهندية (RAW)، ونتج عنها عقوبات صارمة، حيث أعلن رئيس البرلمان سردار أياز صادق، تعليق عضوية النائب طوال فترة النقاش حول جلسات الموازنة. وقد جاءت العقوبة بسبب سوء السلوك، حيث اتهم رئيس المجلس النائب بانتهاك حرمة البرلمان وإهانة موظفي الجمعية الوطنية.

وبرزت أيضاً حدة التوتر السياسي بين الحزب الحاكم اليساري مورينا وحزب العمل الوطني اليميني المعارض داخل برلمان مدينة مكسيكو، في ظل الجدل المتصاعد حول إصلاحات تتعلق بالشفافية والإشراف الحكومي في المكسيك، وتحديداً حل معهد الشفافية في المدينة ونقل مهامه إلى وكالة حكومية في 16 ديسمبر الماضي، إذ تصاعدت المشادات الكلامية سريعاً إلى عراك جسدي شاركت فيه خمس نائبات على الأقل من الجانبين، حيث حاولت نائبات من حزب مورينا إخراج ممثلات حزب العمل الوطني بالقوة بعد رفضهن مغادرة المنصة وظهرت النائبات وهن يشددن شعر بعضهن ويتبادلن الضربات. وبعد الاشتباك، غادرت نائبات حزب العمل الوطني القاعة، ما أتاح للأغلبية استئناف الجلسة ومواصلة النقاش في غياب المعارضة.

6- تبنى النخب البرلمانية نظرية المؤامرة في تفسير التحولات الإقليمية: تبادل أعضاء في مجلس النواب الأردني والمجلس الوطني العراقي الشتائم والاتهامات وأحياناً الألفاظ الخشنة عبر منصات التواصل الإجتماعي في الأسبوع الأخير من مايو الماضي. وتعود جذور الخلاف إلى مطالبة عضو المجلس الوطني العراقي علاء الحيدري بوقف صادرات النفط العراقي إلى الأردن الذي وصفه بأنه "يتآمر على العراق وايران". ورد النائب رائد رباع الظهراوي بتغريدة نشرها على فيسبوك على الحيدري قائلاً: "إخرس يا نذل". ثم أضاف الظهراوي بأن الأردن يتعامل مع الشرفاء فقط في برلمان العراق والنفط ندفع ثمنه كاملاً ولن نسمح بالتطاول على الأردن. لاحقاً عاد الحيدري وفي سياق التحريض وأعاد نشر ما قاله الظهراوي ثم أضاف: "وحق العباس نبقى لآخر نفس نطالب بوقف تصدير النفط للمتآمرين". واضطرت وزارة الطاقة الأردنية لنشر توضيح عبر الإعلام الإلكتروني تقول فيه بأن الأردن لا يستورد نفط العراق مجاناً بل يدفع ثمنه.

ظاهرة عالمية

خلاصة القول، إن انتشار السوقية والبذاءة السياسية صارت ظاهرة عالمية، وبرز ذلك جلياً في حالات دول مختلفة مثل الولايات المتحدة والمكسيك وجورجيا وتركيا وباكستان والعراق والأردن ولبنان، ضمن سياقات مختلفة وبوسائل متعددة، بدءاً بالسباب مروراً بالحركات الجسدية المهينة وصولاً إلى التشابك بالأيدي، وهو ما يعبر عن سقوط الضوابط وسوء إدارة النقاش حول القضايا العامة، والارتهان إلى القوة اللفظية والجسدية كملاذ أخير ومفضل لدى بعض نخب الحكم وقوى المعارضة في آنٍ على نحو ما عكسته تصريحات صحفية أو اجتماعات عامة أو جلسات برلمانية أو تفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان الهدف من ورائها تحقير الخصوم والاستعلاء على الحلفاء واستعراض القوة.