بثَّ الأداء المتميز للمنتخب المصري في كأس العالم لكرة القدم روحاً جديدة من الفخر والتفاؤل الوطني، ليس فقط بالمستقبل الكروي، إنما بالمستقبل المصري بشكل عام، وطرح السؤال حول دور القوة الناعمة كعنصر في التماسك الوطني ودعامة من دعامات الدولة المصرية، ومرتكز في تماسك الهوية العربية.
ولعل أهم ما يميز القوة الناعمة المصرية هو ما تنشره من الثقة الوطنية وروح التفاؤل بالمستقبل، التي تتجسد فيما تعكسه من مظاهر المرح والدعابة والفكاهة، وفي غرس قيم الصبر وتحمل المعاناة عند الملمات والشدائد، بما يعزز سلامة المزاج الوطني وصحته.
ولقد أكد حجم التفاعل الوجداني مع المنتخب المصري، وتفاعلات الجمهور والمحللين والنقاد في كثير من الدول العربية، خاصة بعد مباراته الأخيرة مع الأرجنتين، استمرار العاطفة القومية العربية، على الرغم من تفاعلات السوشيال ميديا، التي أعطت الانطباع بطغيان الجوانب السلبية على الجوانب الإيجابية في العلاقات العربية، في السنوات الأخيرة.
ولطالما ارتبط الحضور المصري عربياً بقوة مصر الناعمة، وبقدرتها الإشعاعية الجذابة المتمثلة في قوى الثقافة والفكر والعلم والإعلام والفنون والرياضة، والطابع الاجتماعي الذي يعكس خصائص المصريين ونمط الحياة المصري الخاص، وهو ما يبرز بعض علاماته في استنساخ بعض الدول العربية أسماء شوارع ومدن ونوادٍ رياضية وثقافية مصرية على بعض أسماء شوارعها ومدنها وأنديتها الرياضية والثقافية.
وعلى الرغم من بروز أدوار دول وعواصم عربية أخرى جديدة وقديمة في العقود الأخيرة، فلا يزال الانخراط العربي في الأحداث المصرية يشكل أهم الركائز في مفهوم العروبة والقومية العربية، ولا يزال حال مصر يعكس الحال العربي وينعكس عليه. ذلك ما يؤكده المثل الذي يردده بعض الإخوة العرب، والذي يقول أنه "إذا عطست القاهرة، أصيبت الدول العربية بالزكام".
أولاً: القوة الناعمة.. الشيفرة المميزة للطابع الوطني
على الرغم من المشكلات الكبرى التي واجهتها مصر منذ أحداث 2011، وما تبعها من أحداث عنف داخلية أدت لموجات من عدم استقرار، إلا أن قدرة الدولة المصرية على الصمود في ظل انهيار دول عربية مرت بأحداث مشابهة، جعلت من مصر حالة استثنائية. وعلى الرغم من أن أغلب المصريين تتملكهم الثقة الكبيرة ببلدهم، ويشككون في احتمال تعرض مصر لحالة السقوط والانهيار، ارتكاناً إلى قوة وعمق الوجود الوطني المصري التاريخي والحضاري، إلا أن حجم المخاطر كان كبيراً، بحد يخلخل القناعات بشأن الثوابت.
كان أحد أسرار بقاء الدولة المصرية هو ثقل قوتها الناعمة وخصوصيات تفعيلها وتشغيلها في أوقات الأزمات. ومن أهم جوانب هذه "القوة" في مصر هو مخزون الخبرات والذكريات التاريخي للمصريين، الذي يشكل ملامح شيفرة خاصة للمكون الوطني المصري، تجعل من البواعث التي تدفع بدول عربية أخرى للتمزق هي ذاتها التي تدفع المصريين للتوحد والالتفاف حول الدولة، وهي نفسها التي قد ينقسمون حول كونها ظالمة أو مظلومة، لكنهم يستميتون خلف بقائها، اندفاعاً في الحالتين بهدف استمرار الوجود الوطني.
مخزون المصريين من الخبرات التاريخية هو أهم عامل تماسك وتلاحم وطني؛ لذلك بينما قد يلجأ المصريون إلى رفع المطالب الدنيا إلى مقام الأولويات الوطنية في حالات الترف والوفرة، فإن هذه المطالب نفسها تتوارى وتختفي حين يجدون بلدهم في حاجة إلى لحظات إسناد مطلوبة، وهي اللحظة التي شعر بها المصريون في أوقات كثيرة، أشهرها لحظة ما بعد نكسة 1967.
وعودة سريعة إلى ما اختزنه الأرشيف الفني المصري من الملاحم التراثية والمواويل الشعبية والأغاني والدراما المصرية، تلمح إلى المخزون الكبير من روح الدعابة والتفاؤل والصبر والتحمل. ذلك ما جعل البعض يتحدث عن "أسطورة الصبر عند المصريين". لكن ممارسة الصبر والتحمل يرافقها في الأغلب وعد بالوصول إلى هدف كبير في المستقبل، سواء في رفع هزيمة أو تحقيق انتصار، أو رفع المعاناة في الوضع الاقتصادي، هنا يرتبط الصبر بطموح وطني منشود، يُلقي عليه المصريون بحمولتهم تخففاً من أعباء اللحظة الحاضرة، ليتمكنوا من رفعها في المستقبل.
ثانياً: القوة الناعمة المصرية.. ومشروع النهوض العربي
كان الارتباط بين القوة الناعمة المصرية والمشروع العربي ارتباطاً وثيقاً، برز بشكل خاص خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات (مرحلة المد القومي)، حين انعكس المشروع المصري على أداء القوة الوطنية؛ فأعلى الخطاب السياسي من شأن الأهداف القومية، وتماهى مع فكرة العروبة. وعلى جانب القوة الناعمة، ازدهرت الأعمال الفنية والأدبية والفكرية التي لها مضمون ورسالة عربية، وبرز دور المعلمين المصريين، وانتقلت الفرق الفنية المصرية إلى أرجاء العالم العربي. ولقد ظل أثر تلك الحقبة باقياً حتى الآن، كما ظلت هذه الحقبة هي المثال/ النموذج في القوة الناعمة المصرية وتسيدها الفضاء العربي.
وإحدى مزايا القوة الناعمة المصرية أنها تعمل في فضاء جغرافي واجتماعي وثقافي عربي كبير لا يتأثر بها بمقدار ارتباطها وتلاحمها مع الأوضاع والهموم العربية فقط، إنما أيضاً بمقدار تجسيدها للواقع المصري المحلي والشعبي، ذي الجاذبية الخاصة في المجتمعات العربية. ولقد برز أثر ذلك في التفاعل العربي مع فعاليات مصرية أسطورية خلال السنوات العشر الماضية، على سبيل المثال أثناء احتفالية موكب المومياوات الملكية في 3 أبريل 2021، واحتفالية افتتاح طريق الكباش الجديد بالأقصر في 25 نوفمبر من العام نفسه، وخلال حفل افتتاح المتحف المصري الكبير في 1 نوفمبر 2025، وهي الفعاليات الثلاثة التي أكدت خلالها القوة الناعمة المصرية بترانيمها وأنشوداتها الفرعونية الخاصة وخصوصيتها الحضارية، قدرتها على استعادة مكانتها حينما تشاء.
وفي تمييز لقيمة الصبر في القوة الناعمة المصرية، فقد شهدت الدول العربية الحديثة –كأقاليم وقبائل في السابق- خبرات تاريخية مختلفة، وجرّبت أوضاعاً معيشية بعضها أصعب بكثير مما شهدته مصر في تاريخها كدولة وطنية، لكن هذه المناطق والأقاليم لم تشهد – منذ أن توحدت حديثاً- خبرات تجسد القدرة على الصبر وتحمل الآلام في لحظات الانكسار الوطني أو الأعباء الاقتصادية الثقيلة، على غرار تلك التي مرت بها مصر في تاريخها القديم والحديث. لقد شهدت بعض الدول العربية منذ السبعينيات تجربة صعود اقتصادي وتنموي سريعة، دفعت بالأحلام القبلية والمناطقية إلى الاندماج في الحلم الوطني الأوسع، ساعد على تحقيقها طفرات نفطية هائلة، شكلت قوة إسناد وارتكاز مهمة في التماسك الداخلي للدولة.
وباستثناءات قصيرة- لم تشهد هذه الدول العربية سوى تجربة صعود اقتصادي وتنموي، تجسدت في أغانيها الوطنية التي حملت مشاعر الفخار والمجد والأفراح، على خلاف مصر التي جربت كل الخبرات والتجارب، وترجمتها الألحان والأعمال الفنية والدراما، فظهرت في مكون خاص يستبطن تجارب الحزن والألم والفرح والنشوة في سبيكة خاصة من القوة الناعمة، التي تُستدعى بحسب الحالة والظرف لتوفر باقة متنوعة من بواعث الفخار والفرح إلى جانب تنويعات مختلفة من معاني الصبر والتحمل.
ثالثاً: تعزيز الثقة الوطنية وروح التفاؤل.. أهم مردودات القوة الناعمة المصرية
السؤال الأساسي الذي يطرح هنا، هو: هل لمصر مشروع وطني لإدارة القوة الناعمة؟ وهل ما تشهده مصر الآن على الصعيد الاقتصادي والمشروعات القومية يمكن أن يشكل ملامح لمشروع وطني له امتداد قومي عربي؟ ولماذا يجري الحديث باستمرار عن مشروعات إقليمية (إيراني، تركي، إسرائيلي، وأحياناً خليجي)، بينما لا حديث عن مشروع إقليمي لمصر؟!
جانب من الاختلاف حول ذلك يعود إلى أسباب كثيرة، منها: عدم التوافق حول معنى المشروع الوطني أو القومي، وحول طبيعة ومعنى ما يجري في مصر الآن، انطلاقاً من سابق الاختلافات الداخلية منذ 2011، وثالثاً ارتباط ما يحدث بالأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر(خاصة الديون والتضخم).
هناك أسئلة أخرى: هل ينبغي للمشروع الوطني أن ترافقه خطة دعاية وإعلام يؤكده ويغرس وجوده وطنياً وعلى الصعيد الإقليمي؟ وبالنسبة لمصر، التي كانت سبَّاقة في مشروعها الوطني القومي منذ خمسنيات وستينيات القرن العشرين، ألا يمكن اعتبار موقفها الحالي ترجمة لمحصلة خبرتها في حقبة المد القومي، والتي استخلصت منها أهمية مشروع البناء الوطني في الداخل أولاً؟
يصعب الإجابة على هذه التساؤلات، لكن ربما لم تكن أوضاع مصر -في ظل زهوة المشروع المصري بالإقليم العربي- بأفضل من الآن، من حيث مستويات الحياة والفقر والخدمات والمستوى الوطني، لكن ما ميّز المجتمع المصري في جوانب قوته الناعمة خلال تلك الحقبة، هو احتفاظه بمزاجه العام، وروح الدعابة والصحة النفسية، وهو ما انعكس على التراث الفني والغنائي خلال هذه الحقبة، فجاء أغلبه يبث روح الفكاهة ويعزز الثقة الوطنية ويدعو إلى التفاؤل بالمستقبل والمثابرة، ويمجد كدح العمال في المصانع والفلاحين في الحقول، وعمال ومهندسي السد العالي. والأهم من ذلك، أنه في عز فترات الكفاح الوطني لم يكن هناك حرص على تكدير المزاج العام بسياسات وإجراءات وقوانين كل يوم. هكذا لم يكن المشروع المصري مشروعاً للبناء والنهوض الوطني فقط وإنما مشروعاً للتفاؤل والسعادة للإنسان والمجتمع، وذلك ما يغيب عن بعض السياسات الآن.
ومن حيث الواقع والحقيقة، فقد ظل المشروع الحالي لمصر حتى 2018 ، وحتى ما قبل أزمة كوفيد – 19، محتفظاً بروح التفاؤل، إلى أن كست الأزمات العالمية، وتراجع المزاج العام، ومعه تراجعت حالة التفاؤل الوطني، باستثناءات محدودة، منها اللحظات الاحتفالية الثلاث سالفة الذكر، إلى أن جاءت نتائج المنتخب المصري ومباراة الأرجنتين لتطلق روحاً جديدة في القوة الناعمة المصرية. لذلك يبقى تعزيز الثقة الوطنية ونشر روح التفاؤل والدعابة، حاجة استراتيجية وشرطاً أساسياً للنهوض بمصر وليس فقط بالمنتخب الوطني، وهو ما يستلزم تعزيز إجراءات الصحة النفسية وبث الثقة الوطنية وتعزيز روح الدعابة والتفاؤل، بدلا من فرض حالة التكدير العام.