اليوم توقف المنتخب الوطني المصري لكرة القدم عن مواصلة الصعود في نهائيات مونديال كأس العالم لكرة القدم 2026، بعد خسارته أمام منتخب الأرجنتين. لكن قبل هذا التوقف حدث أمر جلل في تاريخ الكرة والرياضة المصرية ألا وهو صعود المنتخب ولأول مرة في تاريخه إلى دور الـستة عشر، بل وتحقيقه مكاسب مهمة في الأدوار السابقة وهو أمر غير مسبوق.
هنا يستوجب التوقف والتعمق في أثر ثلاثة أسابيع من عمر مشاركة المنتخب المصري في مونديال 2026. ما بين بداية المشاركة في دور المجموعات والخروج بعد الفشل في الصعود إلى دور الثمانية بدقائق معدودة، ثارت في الذهن أفكار حول أسئلة جوهرية، لا تدور حول الرياضة بمعناها الفني والتقني، ولكن حول المجتمع والسياسة والأجيال والهوية وغيرها من الأسئلة.
أولاً: سؤال عن الذات وثنائية الفخر والفشل
مع متابعة مشاعر وكلمات الفخر والزهو بالانتصارات الكروية، وتجمع المصريين لمشاهدة المباريات والاحتفالات الكبيرة في الشوارع والمقاهي والنوادي وحتى قاعات الأفراح، لاح سؤال حول ثنائيات الشعور بالفخر والتحقق من جهة والشعور بالفشل وعدم القدرة على التحقق من جهة أخرى، وهو أمر يختلف عن شعور الفوز والخسارة في المباريات الذي يحدث عند متابعة مباريات الأندية أو حتى مباريات المنتخب المختلفة. لكن خلال دور المجموعات في المونديال ومع الصعود الأول ثم الثاني بات الأمر يتحول تدريجياً إلى أسئلة حول "المقدرة على التحقق" و"الحق في الحلم بما كان مستحيلاً"، و"التقدم" والانتقال من تصنيف إلى آخر أو "الجمود" أو "التأخر"، وجميعها أفكار وأسئلة تتعدى مفهوم المكسب والخسارة الكروية.
ظل السؤال عن سبب تأخر الدول والمجتمعات سؤالاً تطرحه النخبة المثقفة على فترات، وهو سؤال يهدف بالأساس للبحث عن أسباب النهوض والتقدم والاعتراف بالتحديات ومحاولة إيجاد الحلول. في عام 1897 ألَّف الفيلسوف الفرنسي ادمون ديمولان كتابه الأشهر "سر تقدم الإنكليز السكسونيين"، وقد كان كتاباً حول معرفة أسباب تأخر فرنسا وتقدم بريطانيا في ذلك الوقت. وفي عام 1902 ألَّف الكاتب المصري محمد عمر كتاباً بديعاً عنونه بـ "حاضر المصريين أو سر تأخرهم"، كان كذلك يبحث في أسباب التأخر ويقدم توصيفاً للمشكلات والتحديات أمام التقدم المنشود. ولم يتوقف السؤال أبداً عن الطرح ولكن بتفاوت في جودة المناقشة وعمقها وسقف حريتها في أي مجتمع أو دولة تشعر بأنها في مكان أدنى مما يمكن أن تصل إليه.
ومسار حياة المجتمعات أشبه بموج يعلو وينخفض، ما بين شعور بالفخر وشعور بالدونية وعدم التحقق. في التاريخ المصري الحديث أمواج كثيرة من الصعود والهبوط لا يمكن سرد جميعها ولا حصرها. لكن يحضر في الذهن بعض منها، واحدة كانت ما بين شعور كبير بالصدمة بعد الحملة الفرنسية على مصر ومعرفة حجم التفاوت الكبير بين المصريين والأوروبيين، وما بين بناء جديد في عهد محمد علي باشا، كان أهمه على الإطلاق هو البناء في البشر والإنفاق على التعليم والبعثات إلى الخارج. خلال هذه الفترة، حدث أمر جلل وهو الكشف عن رموز حجر رشيد في عام 1822، وهو حدث لم يكن أثرياً ولا ثقافياً، بل كان انتشالاً من الشعور بالدونية إلى الشعور بالفخر. سأكتفي بنقل ما كتبه المؤرخ محمد كامل الفقي في كتابه "الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة" عن وصف هذه اللحظة: (حجر رشيد، اهتدى إليه في بحثه شامبليون، فأزال عن وجه مصر القناع، وأنطق صم آثارها القديمة حتى ملأت الأسماع، وبدت لنا مصر العتيقة على ما كانت عليه في سالف الأزمان من الحكمة البالغة وعظيم الشأن، وصارت الآثار المصرية القديمة الآن لا تظهر لعين الرائي مجرد أطلالٍ يتعلق بها مجرد الشوق لرؤيتها، والشوق لظاهر هيئتها، بل تحقق أنها إنما هي صحف القوم السالفين). كان الكشف عن لغة مصر القديمة ومن ثم قراءة ما تركه الأجداد وسماع صوت هذه الحضارة للعالم بأسره بمثابة إعادة اكتشاف للذات ورفع القناع عن وجه مصر لأول مرة لذلك الجيل بأنها كبيرة وعظيمة.
محطة أخرى كانت بعد نحو 100 عام، عندما امتلك المصريون قضية حقيقية وهي قضية الاستقلال والمطالبة بالدستور، حيث بدأ مسار من الحراك الوطني والثوري أعاد اكتشاف الذات وترك أثراً كبيراً يمكن قياسه في جوانب عديدة، لكن أكتفي بأحدها هنا، وهو مسيرة الموسيقى والغناء المصري.
قبيل معركة الاستقلال والدستور، ظهرت في مصر أغاني "الهنك والرنك"، وهي وإن كانت لوناً موسيقياً جميلاً يعتمد على وجود كورال يردد وراء المطرب أو يرد عليه، إلا أن المناخ السياسي والاقتصادي المأزوم انعكس على المزاج العام الذي وجه هذا النوع من الموسيقى في إنتاج أغاني تناسب عرضها في مجالس الرذيلة، ولولا ظهور الاسطوانات لكانت هذه الأغاني ظلت حبيسة تلك المجالس المغلقة. لكن عندما علا صوت معركة الدستور والاستقلال خلال ثورة 1919، أخذ هذا النوع من الفن في التراجع أمام سطوع نموذج الفن الذي يتخير الكلمات التي تحث على النضال من أجل الوطن أو يعبر عن مشاعر الحب بطريقة راقية وهو ما مثلته أم كلثوم وسيد درويش منذ عشرينيات القرن الماضي، وكلاهما كان له نصيب من إنتاج الفن في كلتا الموجتين.
محطات كثيرة لا يسعها مقال واحد ولا حتى كتاب. لكنها تشير إلى أن المجتمعات والدول تتراوح بين موجات من التحقق والفخر وموجات من الشعور بالتراجع والدونية. لكن الخبرة التاريخية تشير إلى أن الارتفاع والانخفاض لا يحدث بالشعارات أو الخطب ولكنه يحدث على إثر حدث حقيقي – غير مفتعل- يعيد التعريف بالذات والقدرات، قد يكون حدثاً سياسياً مثل معركة الاستقلال أو عسكرياً مثل العبور أو حضارياً مثل كشف رموز اللغة المصرية (حجر رشيد) أو فنياً أو رياضياً أو علمياً، المهم أن يكون حقيقياً وأصيلاً، يختلف أثره بقيمته وقوته، لكنه يحمل دلالة امتلاك القدرة على الفعل ومن ثم امتلاك قدرة أكبر على الطموح.
ثانياً: سؤال عن التراكم والبناء عبر الوقت
سؤال آخر أثارته متابعة المونديال: هل ما تم الوصول إليه من انتصارات سيتم البناء عليه وحل المشكلات والتحديات، أم أن ما حدث كان جملة اعتراضية في منظومة رياضية تفتقر لمقومات استمرار النجاح؟
وهذا سؤال يليق أن يُطرح على كافة السياسات العامة. هل نمتلك خططاً تتبنى نظرية التراكم Theory of the Accumulation of Knowledge، بمعنى أن تكون الخطط والاستراتيجيات مُكمِّلة لبعضها البعض عبر الوقت في إطار رؤية عمل مستمرة وتراكمية؟
هناك مؤشرات دولية تقيس التراكم عبر الوقت، وتقيس مدى تكامل وتتابع عمل الحكومات المتعاقبة لتنفيذ مسار واضح. بالطبع التراكم له دلالة إيجابية وأخرى سلبية، لأنه في حالة وضوح الرؤية ووضع خطط مدروسة يكون التراكم والاستمرار بمعنى ضمان البناء وتحقيق التقدم. أما في حالة وجود أخطاء واضحة في التخطيط وتشوش في الرؤية في بعض السياسات العامة يكون من الأفضل التوقف وإعادة التوجيه في مسارات أخرى.
لكن الأهم على الإطلاق هو أن يكون المسار الغالب هو التراكم والبناء المستمر عبر الوقت، بينما تحكم توجهات الحوكمة والشفافية والنزاهة أي مسار للتعديل أو إعادة التوجيه.
ثالثاً: سؤال عن الوطنية والهوية في ذاكرة جيل Z وألفا
ما كان يبدو من المسلَّمات لدى الأجيال الأكبر سناً، لم يعد كذلك بالنسبة للأجيال الأصغر وتحديداً أبناء جيل Z وألفا، وهم الشباب والمراهقون والأطفال تحت سن 28 عاماً. لا يمكن الجزم بأنهم يفهمون أو يعرفون مفهوم "الوطنية" أو "الانتماء" أو "الهوية"، كما كانت الأجيال الأكبر سناً. فتحولات كبيرة حدثت في سمات وطبيعة المكونات الشخصية والفكرية لهؤلاء الشباب بسبب انفتاحهم على العالم وقيمه وثقافته بصورة لم تتسنى لأي جيل يسبقهم.
يُخطئ من يتصور أن قيمة "الوطنية" بمعنى الشعور بالانتماء غير المشروط للوطن والإقدام على التضحية غير المشروطة للوطن هى قيمة ثابتة لا تتغير بتغير السياق، وذات تعريف واحد لم يتغير عبر الأجيال. بل إنها قيمة تحتاج إلى أسباب للشحذ وسياقات للممارسة ولحظات للاختبار.
خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، ثارت أسئلة حول أثر مناخ المباريات واختبار لحظات الفوز في سياقات غير مسبوقة، حيث أن غالبية أجيال الشباب اعتادوا على متابعة وتأييد أندية ومنتخبات أجنبية لسنوات، فكيف يمكن وصف أثر اختلاط الفوز والتشجيع الرياضي مع اسم الوطن لأول مرة، هل كان إعادة تعريف لقيمة الوطنية والانتماء أم هو شعور عابر؟
على أي حال، حتى وإن لم يكن له ذلك الأثر، إلا أنه سيظل جزءاً من الذاكرة الجيلية لهؤلاء الشباب، لأنه مر بلحظة اختلاط الشعور بالانتصار والانتماء الوطني في ذات السياق حتى وإن كان انتصاراً رياضياً محدوداً، مقارنةً بأجيال أكبر تمتلك انتصارات عديدة في ذاكرتها الجيلية، كما تمتلك أسباباً من الإيمان بقيمة الوطنية بمعنى الانتماء والعطاء غير المشروط.
رابعاً: سؤال عن موقع مصر الناعم في المنطقة العربية
كثُر الحديث عن انتهاء النظام العربي، وموت الهوية العربية. وزاد القول بأن المكانة المصرية في جوارها العربي لم تعد "كما كانت". ثم تأتي أسابيع من المشاركة في المونديال فنشهد احتفاءً شعبياً عربياً بما يحققه المنتخب المصري والمغربي من انتصارات يتجاوز بل ويخالف أي تقييم عن العلاقات العربية، ويشير إلى أن كل ما بذل من مجهود في المؤسسات الدولية والأكاديميا الغربية لوصف الشرق الأوسط بالنظام لم ينجح في أن يخلق نظاماً ولا رابطة، وكل ما بذل ووقع من حروب وصراعات واختلافات لم ينجح في الإجهاز على الهوية العربية المشتركة بين الشعوب والمجتمعات العربية، ولم يُخف ما تمتلكه الثقافة والفن والرياضة المصرية من قوة أثر ناعمة في محيطها العربي.
ختاماً، إن ما حققه المنتخب المصري في مونديال 2026 كان حدثاً كبيراً شغل حيزاً من مشاعر وانفعالات المصريين والعرب والعالم. كما كان اختباراً لقوة مصر الناعمة، وفرصةً للتعبير عن الموقف المصري الحقيقي والشعبي الأصيل والمرتبط بالمصالح المصرية في تأييد حق الفلسطينيين في الحياة وفي رفض الإبادة أو التهجير القسري، وهو موقف يتجاوز السياسة ويمثل القيم الإنسانية. كما كان الحدث فرصة لإثارة أسئلة لا تتوافر إجابات جاهزة لها بقدر ما تفتح أبواباً لبحثها والحوار حولها.