عقد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالتعاون مع مؤسسة كيميت بطرس غالى للسلام والمعرفة الندوة الثانية ضمن مناقشات التقرير الاستراتيجي العربي 2025، تحت عنوان "النظام الإقليمي.. مساعي الهيمنة وصراعات الأدوار"، وذلك يوم الأربعاء الموافق 1 يوليو 2026.
افتُتحت الورشة بكلمة ألقاها د. كريم القاضي، الخبير بالمركز، مؤكدًا على أهميتها في ظل ما تشهده المنطقة العربية من تحولات سياسية وأمنية متسارعة، وما تفرضه من تحديات تستدعي تعميق النقاش الأكاديمي وتبادل الرؤى بين الباحثين والخبراء.
واستعرضت السفيرة ليلى بهاء الدين مدير مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة، في كلمتها الافتتاحية التحديات المتصاعدة التي تواجه المنطقة العربية، وذلك من خلال تساؤلات عدة، والتي تمحورت حول مستقبل النظام العربي في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، مع التركيز على فرص إعادة تشكيله وتعزيز التعاون بين الدول العربية. كما تناولت مدى توافر الإرادة السياسية لدى الدول العربية الفاعلة لصياغة إطار إقليمي أكثر تماسكًا. فضلًا عن قدرة الدول العربية على التعامل مع التحديات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها السياسات والممارسات الإسرائيلية وانعكاساتها على الأمن الإقليمي.
انقسمت الورشة إلى ثلاث جلسات رئيسة، تناولت أبرز التحولات التي يشهدها النظام العربي وتفاعلاته الإقليمية والدولية من زوايا مختلفة.
وترأس الجلسة الأولى، د. على الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، والتي جاءت تحت عنوان "بين العروبة والشرق أوسطية.. أي نظام إقليمي نعيش فيه؟" وتحدث خلالها كلً من: د. محمد السعيد إدريس، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، واللواء د. أحمد الشحات المدير العام لمركز شاف للدراسات المستقبلية، ود. معتز سلامة رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي وخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية.
ناقشت الجلسة إشكالية استخدام مفاهيم مثل "الشرق الأوسط" و"المنطقة" عند تناول النظام العربي، مؤكدة خصوصيته وهويته المؤسسية رغم اندراجه ضمن إطار إقليمي أوسع. كما استعرضت تطور مفهوم "دول الخليج" والتحولات التاريخية في التفاعلات العربية، ولاسيما مكانة مصر المحورية. وتطرقت أيضًا إلى تداخل الحرب على غزة مع الصراع الأمريكي – الإسرائيلي وإيران، والتحولات الإقليمية التي عززت من مركزية إسرائيل في بعض التصورات الاستراتيجية. وتناولت أبرز التحديات التي واجهت النظام العربي عبر مراحله المختلفة، مشيرةً إلى أن حرب الخليج شكلت نقطة تحول عززت التدخلات الخارجية، بينما تراجعت بعد الستينيات أولوية الانتماء العربي لصالح الاعتبارات الوطنية. كما تناولت محدودية التعاون العسكري العربي، ومحاولات إعادة تشكيل الترتيبات الأمنية الإقليمية، بما في ذلك طرح "الناتو العربي" وتعزيز الدور الإسرائيلي في مواجهة إيران.
كما انصبت على مفهوم النظام الإقليمي الحالي انطلاقا من فرضية أنه يمر بحالة من "التفسخ الهيكلي" وتداخل المساحات، بحيث لم يعد من الممكن الفصل بوضوح بين التفاعلات "العربية" الخالصة والتفاعلات "الشرق أوسطية" الأوسع. ويتجلى ذلك في اضطراب الهويات الوطنية، وتزايد التدخلات العسكرية والإقليمية في الشئون الداخلية لدول مثل ليبيا والسودان والصومال والعراق.
وأشار النقاش إلى أن هذا النظام يعاني من أزمة بنيوية عميقة؛ إذ لم يتأسس تاريخيًا على مؤسسات قوية قادرة على النفاذ إلى المجتمعات، بل ظل العمل العربي، في معظمه، ذا طابع بروتوكولي ورسمي، وهو ما تعكسه لغة الأرقام؛ إذ لا تتجاوز التجارة البينية العربية، باستثناء النفط، نسبة تتراوح بين 9% و14%، بما يشير إلى غياب الروابط الوظيفية والمصالح الاقتصادية المتجذرة القادرة على حماية النظام من الانهيار.
وفي سياق المقارنة بين مفهومي "العروبة" و"الشرق أوسطية"، برزت رؤيتان متباينتان؛ إذ ترفض الأولى مفهوم الشرق أوسطية، وتعده مشروعًا سياسيًا يستهدف نفي العروبة وتفتيت الكتلة العربية لصالح هيمنة إسرائيلية - أمريكية، وتحويل الجامعة العربية إلى مجرد "جامعة لشعوب الشرق الأوسط". أما الرؤية الثانية، فتميل إلى تبني "الواقعية السياسية"، وترى في "الهوية الجغرافية الحضارية" أو "هوية المصالح الاستراتيجية" مخرجًا من حالة الضعف الراهنة، من خلال التوسع في الشراكات مع القوى الإقليمية غير العربية، مثل تركيا وإيران وباكستان، ولاسيما في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يضمن تحقيق المصالح القومية في ظل عجز الوحدات العربية المنفردة عن مواجهة التحولات الدولية.
وأخُتتمت الجلسة بالتأكيد على أن النظام العربي لا يزال يحتفظ بهويته ومؤسساته المشتركة، رغم غياب نظام أمني شرق أوسطي متكامل وتعدد المحاولات لإقامته. كما شددت المناقشات على تمسك مصر بمفهوم الأمن القومي العربي، مع الدعوة إلى تبني نهج حسن الجوار مع دول الإقليم والاستفادة من تجربة رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) في تعزيز التعاون الإقليمي.
وترأس الجلسة الثانية د. عبدالعليم محمد، المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والتي جاءت تحت عنوان "السلوك الإسرائيلي في الشرق الأوسط.. حدود القوة والهيمنة"، وشارك بها كلً من: السفير عاطف سيد الأهل، ود. رابحة سيف علام، رئيس تحرير دورية المشهد العالمي للتطرف والإرهاب بالمركز، وأ. مهاب عادل الباحث المشارك بالمركز.
تمحورت الجلسة حول السلوك الإسرائيلي في المنطقة، وانطلقت من أن هذا السلوك يرتكز على عقيدة أمنية مركبة تمزج بين "الركائز الثلاث" التقليدية (الردع، والإنذار المبكر، والحسم) والأبعاد الأيديولوجية التوراتية التي تُستخدم لإضفاء الشرعية على العنف المفرط، إذ تستدعى نصوص دينية قديمة لتبرير العمليات العسكرية، من خلال إطلاق تسميات مثل "السيوف الحديدية" و"عربات جدعون"، وربط الصراع الحالي بالصراعات التاريخية ضد "العماليق"، كما يظل الهاجس الديموغرافي أحد المحركات الأساسية لهذا السلوك، إذ تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على "يهودية الدولة" عبر سياسات تستهدف عدم تجاوز الكتلة الفلسطينية نسبة 20% داخل الخط الأخضر، مع السعي إلى الانتقال من مجرد "احتواء" التهديدات إلى فرض "هيمنة جيوسياسية" مطلقة تجعل منها مركزًا تكنولوجيًا وأمنيًا يسعى الجميع إلى الارتباط به.
ومع ذلك، يواجه هذا السلوك قيودًا جوهرية كشفت عنها أحداث السابع من أكتوبر، إذ تعرض "مفهوم الردع" لشرخ عميق أكد أن القوة العسكرية وحدها لا تضمن تحقيق الأمن المطلق. كما تصطدم رؤية المستوى السياسي بشأن "النصر الكامل" بالواقع العسكري، الذي يرى أن الحسم الإسرائيلي، تاريخيًا، ظل حسمًا موضعيًا ومحدودًا، ولم ينجح في إنهاء الصراع بصورة جذرية.
كما سلطت الجلسة الضوء على الساحة اللبنانية بوصفها إحدى الساحات الرئيسة لاختبار التحولات في الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث تناولت أهداف إسرائيل في لبنان، ولاسيما تحولها من السعي إلى إنشاء منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني إلى محاولة توسيع نطاق نفوذها شمال النهر، بما يُسهم في السيطرة على الموارد المائية. كما ناقشت مسار مفاوضات الأمن في لبنان وما كشفه من تعقيدات حالت دون التوصل إلى ترتيبات مستقرة، إلى جانب تفاعلات الأدوار الخارجية، ولاسيما أدوار مصر، وإسلام آباد، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وفرنسا، في إدارة الأزمة ودفع جهود التهدئة.
أما الجلسة الثالثة، فقد ترأسها د. محمد مجاهد الزيات، المستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات، وجاءت تحت عنوان "الحرب وتداعيات الاتفاق الأمريكي مع إيران على مستقبل أمن الخليج العربي". وتحدث خلالها كل من: د. محمد عباس ناجي، الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام رئيس تحرير الموقع الإليكتروني بالمركز، و د. محمد عز العرب مدير وحدة الدراسات العربية والإقليمية بالمركز، وأ. صافيناز محمد أحمد رئيس تحرير دورية بدائل لدراسات السياسات بالمركز.
ركزت الجلسة على أمن الخليج العربي في ظل "الجمهورية الإيرانية الثالثة" والتفاهمات الأمريكية – الإيرانية وانعكاساتها على أمن الخليج، معتبرةً أنها تمثل إطارًا لإدارة التوتر أكثر من كونها تسوية مستدامة. كما ناقشت فلسفة الردع الإيرانية القائمة على حرب الاستنزاف، وسياسة طهران تجاه دول الخليج، في ظل سعيها إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي وإعادة تشكيل معادلات الردع الإقليمية.
بالإضافة إلى أن تداعيات الاتفاق الأمريكي مع إيران (مذكرة تفاهم يونيو 2026) تؤسس لمرحلة جديدة تتسم بـ"إدارة التوتر" بدلًا من حله؛ إذ ينظر الموقف الخليجي بريبة إلى هذه المذكرة، التي تعد في جوهرها "هدنة مؤقتة" أو مواجهات محدودة، لكونها استبعدت قضايا مصيرية، مثل برنامج الصواريخ الباليستية ونفوذ الوكلاء الإقليميين. كما يشير التحليل إلى تشكل "الجمهورية الإيرانية الثالثة"، التي يقودها جيل عسكري استخباراتي من أبناء الحرس الثوري، أكثر تشددًا وتمرسًا، ويرى أن "منع الهزيمة" في الحروب غير المتكافئة يمثل في حد ذاته انتصارًا.
كما تناولت الجلسة انعكاسات تلك التفاهمات على العراق، باعتباره الساحة الأكثر تأثرًا بالصراع بين الطرفين، مع إبراز مكانته الاستراتيجية في الحسابات الإيرانية "كدولة ارتكاز" مقارنة بسوريا التي يعتبرها "دولة ممر". كما ناقشت مستقبل الفصائل المسلحة في ظل الضغوط الأمريكية، مؤكدة أن تشابكها مع مؤسسات الدولة، إلى جانب الأهمية الاقتصادية للعراق بالنسبة لإيران، يحدّ من فرص حدوث تغييرات جوهرية.
اختتمت الورشة أعمالها بالتأكيد على أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة تفرض إعادة النظر في آليات العمل العربي المشترك، والانتقال من الرؤى الطموحة إلى مقاربات أكثر واقعية تستند إلى "مشروع الممكن العربي"، القائم على تعزيز الاقتدار الذاتي وتفعيل التعاون الوظيفي بين دول الارتكاز العربية. كما خلصت المناقشات إلى أن البيئة الأمنية الإقليمية تشهد تحولات جوهرية في طبيعة موازين القوى، مع تنامي تأثير التقنيات العسكرية الحديثة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، في إعادة تشكيل مفاهيم الردع والحسم العسكري وأمن المنشآت الحيوية. وأوصت الورشة بتعزيز التواصل المؤسسي مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لعرض مخرجاتها البحثية، إلى جانب أهمية بلورة رؤية استراتيجية تسهم في دعم الدور المصري بوصفه أحد مرتكزات الاستقرار الإقليمي، وتعزيز قدرة النظام العربي على التعامل مع التحديات الناشئة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم.