تشهد البيئة الدولية المعاصرة تحولاً متزايداً في آليات تشكيل التصورات حول نفوذ الدول ومكانتها، وحجم دورها، مع اتساع دور الإعلام وتنامي أهمية الخطاب السياسي العلني كمحدد لبلورة هذا النفوذ، والتأكيد على المكانة، لاسيما وأن عملية بناء الدور والتأثير السياسي باتت مرتبطة بدرجة أكبر بقدرة الدول على إدارة حضورها في المجال العام، وبما تنتجه من سرديات حول أدوارها في القضايا الإقليمية والدولية.
ضمن هذا الإطار، برزت الحاجة إلى إعادة قراءة أدوار بعض الفاعلين الإقليميين من خلال مقاربات تتجاوز الاعتماد الحصري على حجم الظهور الإعلامي أو كثافة التصريحات الرسمية، باتجاه تحليل أكثر شمولاً يركز على أنماط التفاعل الفعلي، وأدوات إدارة الأزمات، وآليات الحفاظ على قنوات التواصل بين الأطراف المختلفة.
وفي هذا السياق، يكتسب الدور المصري في الإقليم أهمية خاصة، بالنظر إلى استمرارية انخراطه في عدد واسع من الملفات الإقليمية والدولية، وتنوع أدواته الدبلوماسية، واعتماده على مقاربات تقوم على إدارة التوازنات وتوسيع مساحات التفاهم في بيئات سياسية معقدة دون صخب. إذ تبنت مصر خلال السنوات الماضية نمطاً خاصاً من الممارسة الدبلوماسية يقوم على ما يمكن وصفه بـ "الحضور الهادئ" الذي يستمد أهميته من قدرته على التأثير في مسارات الأحداث أكثر من قدرته على تصدر المشهد والبحث عن المكاسب الدعائية السريعة.
وعلى الرغم من ذلك، نشأت مفارقة لافتة في قراءة الدور المصري في محيطه الإقليمي خلال السنوات الأخيرة. إذ يتعرض هذا الدور بين الحين والآخر للتشكيك أو التقليل من أهميته، وهي مفارقة ترتبط، في جانب منها، بطبيعة البيئة الدولية الراهنة التي باتت تمنح قيمة متزايدة للصورة والخطاب، في مقابل تراجع الاهتمام بما يجري خلف الأبواب المغلقة من تفاوض وتسويات واتصالات.
غير أن الأسئلة المتصلة بالدور المصري وأهميته وحضوره تعكس في كثير من الأحيان أزمة عدم ملائمة أدوات القياس اللازمة لمعرفة حجم الدور المصري الحقيقي في العديد من الأزمات الإقليمية والدولية في ظل افتراضها ضمنياً أن النفوذ لا يكتسب قيمته إلا إذا كان مرئياً ومعلن عنه بصورة دائمة، وأن التأثير لا يصبح حقيقياً إلا إذا صاحبه خطاب رنان أو حضور إعلامي مكثف. بينما كشفت العديد من الأزمات بعد حلحلتها أن أكثر الأدوار تأثيراً كانت تلك التي مورست بعيداً عن الأضواء، وأن بعض أشكال القوة تزداد فاعليتها كلما تحررت من منطق الاستعراض.
مفهوم "الحضور الهادئ"
تبدو السياسة الخارجية المصرية نموذجاً يستحق التأمل، بسبب النسق الذي يحكم تحركاتها وانخراطها في العديد من الملفات كفاعل مؤثر في مجرياتها، اعتماداً على تحرك مصر بوصفها دولة ترى أن الحفاظ على التوازنات الإقليمية يمثل جزءاً من أمنها القومي، وأن التأثير الحقيقي يعني القدرة على منع الأزمات من الانفجار، أو إبقاء أبواب التسوية مفتوحة مهما كانت الصعوبات. وهو نهج تراكمت خبراته عبر الزمن، وتأثر بالعديد من المدارس التقليدية والحديثة في إدارة السياسة الخارجية.
فيما يكتسب هذا التأمل أهمية إضافية مع مرور مائتي عام على تأسيس وزارة الخارجية المصرية عام 1826، فخلال هذه المسيرة الطويلة، تشكلت الدبلوماسية المصرية باعتبارها أحد تجليات الدولة المصرية الحديثة وقدرتها على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية المتعاقبة، ما ساعدها في مراكمة خبرات واسعة في إدارة الأزمات والتفاوض وصناعة التوازنات، واكتساب فهم عميق لطبيعة الإقليم وتعقيداته، ولحدود القوة وإمكاناتها في آنٍ واحد.
ولعل أهم ما أفرزته هذه الخبرة التاريخية هو ترسيخ ثقافة سياسية تميل إلى الواقعية والاستمرارية أكثر من المغامرة والاندفاع، في محاولة لبناء الجسور وعدم الانسياق وراء الاستقطابات. ولذلك فإن ما يبدو اليوم وكأنه "حضور هادئ" يعد امتداداً لتقاليد دبلوماسية تراكمت عبر السنين.
ويستند مفهوم "الحضور الهادئ" في السياسة الخارجية إلى تقاليد راسخة في الفكر الدبلوماسي تعود جذورها إلى الكتابات الكلاسيكية للدبلوماسي الفرنسي فرانسوا دو كاليير حول "فن التفاوض" الذي يعد من أوائل المنظرين لفكرة أن نجاح السياسة الخارجية غالباً ما يعتمد على التفاوض الهادئ، وبناء العلاقات أكثر من الاستعراض العلني للقوة والقدرة معاً، وهو ما أوضحه في كتابه الشهير "On the Manner of Negotiating with Princes"، والذي أكد فيه أن النفوذ الفعال لا يرتبط بالضرورة بعلنية المواقف أو صخب الخطاب، وإنما بقدرة الدولة على التأثير في سلوك الأطراف الأخرى عبر التفاوض وبناء التفاهمات[1].
وفي الأدبيات المعاصرة، تطورت هذه الفكرة فيما عرف بـ "الدبلوماسية الهادئة" "Quiet Diplomacy"، وهي مقاربة تقوم على إدارة الملفات الحساسة عبر الاتصالات غير العلنية والتوافقات التدريجية، بما يجعل الهدوء والبعد عن "البروباجندا" أداة من أدوات الفعل السياسي الناجح بعكس ما قد يعتبره البعض وكأنه مرادف للغياب أو الانكفاء[2].
كما يحيل المنظور الواقعي مكانة الدولة وقوتها إلى مدي قدرتها على حماية مصالحها وتعظيم نفوذها. ويري أيضاً أن الإفراط في الإعلان عن المواقف يحد من هامش المناورة أو يرفع على الأقل كلفة التحرك، لذلك يرتبط الحضور الهادئ وفق المنظور الواقعي بفكرة القوة الرشيدة التي توظف الإمكانات المتاحة لتحقيق الأهداف دون استعراض غير ضروري للقوة.
فيما يمثل مفهوم "الحضور الهادئ" أحد التطبيقات العملية لبعض أفكار جوزيف ناي المتعلقة بالقوة الناعمة وتوظيف الموارد غير القسرية في السياسة الخارجية، حيث يعد امتداداً عملياً لهذه الفكرة؛ التي تسمح للدولة بالتأثير في البيئات الإقليمية من خلال الوساطة وبناء التوافقات والحفاظ على قنوات الاتصال مع الأطراف المختلفة، دون الحاجة إلى تبني خطاب صدامي أو استعراضي، بوصفه نمطاً من أنماط "القوة الذكية" التي توظف أدوات التأثير، وتقلل من كلفة الإعلان السياسي، لصالح تراكم النفوذ طويل المدى، وهي الفكرة الأساسية التي تبناها ناي في مقال له بعنوان "joseph s. nye's the future of power" نشر علي موقع مركز بيلفر للعلوم والشئون الدولية التابع لجامعة هارفارد كينيدي بتاريخ 31 يناير 2011 [3].
معضلتا الجغرافيا والزمن
يصعب فهم طبيعة التحرك السياسي المصري دون العودة إلى موقع مصر الجغرافي وما تمر به المنطقة من تحولات في هذا الوقت من الزمن. فبالنسبة للموقع الجغرافي، تقع مصر في قلب إقليم تتجاور فيه مناطق الصراع المزمن مع بؤر توتر مستجدة. كما فرض موقعها الجغرافي عليها أن تكون نقطة التقاء لدوائر الأمن والاستقرار في المشرق العربي وشمال أفريقيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط والقرن الأفريقي، بما يجعل أي تطور تشهده هذه الدوائر ذا انعكاس مباشر على مصالحها وأمنها القومي.
ومن ثم، فقد تشكل الدور المصري تاريخياً على أساس السعي لمنع الانهيارات الكبرى التي تهدد استقرار البيئة المحيطة، لاسيما وأن الدولة المركزية في أي إقليم عادة ما تكون أكثر حساسية تجاه الفوضى من غيرها، بحكم تشابك مصالحها واتساع دوائر ارتباطها بمحيطها الجغرافي، ومن هنا يمكن فهم لماذا تميل مصر في كثير من الأحيان إلى تبني سياسات تتسم بالحذر والتدرج، ولماذا تفضل العمل على إدارة الأزمات واحتواء تداعياتها بدلاً من التعامل معها، باعتبارها فرصاً للمنافسة أو لتحقيق المكاسب السريعة.
فضلاً عن التمسك بخطوط التواصل حتى مع الأطراف المتناقضة، وكذلك حرصها على إبقاء الأبواب مفتوحة في اللحظات التي تتجه فيها أطراف أخرى إلى القطيعة أو التصعيد. تلك الأدوات التي باتت تمثل أحد أهم مصادر قوة مصر السياسية والدبلوماسية، في ظل إدراك أن الحفاظ على هذه الأدوات قد يتطلب في كثير من الأحيان تجنب التحول إلى طرف في السجالات الإعلامية اليومية أو الدخول في سباقات مستمرة لإثبات الحضور.
وبالتالي يمكن النظر إلى سياسة التحرك المصري خارجياً باعتبارها محاولة مستمرة للحفاظ على موقع يسمح لها بأن تكون جزءاً من الحلول المحتملة للصراعات الإقليمية، في منطقة تتسم بالاستقطاب الحاد، مما يجعل القدرة على الحديث مع أطراف متنافسة ومتصارعة مورداً استراتيجياً بحد ذاته، في حين أن هذا الموقع لا يمنح مكاسب دعائية سريعة، لكنه يوفر للدولة هامش حركة أوسع وقدرة أكبر على التأثير في لحظات التحول الكبرى.
أما بالنسبة للزمن، فيمنح العالم المعاصر قيمة متزايدة للاتصال السياسي المعلن وللقدرة على إنتاج الروايات المؤثرة، حيث باتت المنصات الإعلامية التقليدية والرقمية إحدى ساحات ممارسة السياسة الخارجية التي لم تعد تمارس من خلال الدبلوماسيين في أروقة الاجتماعات والمفاوضات ولكن أيضاً في فضاءات وسائل الإعلام ومجال الرأي العام.
فيما تظهر التحولات التي شهدها الإقليم خلال العقد الأخير نمطين متمايزين من ممارسة النفوذ؛ يقوم الأول على الحضور الإعلامي المكثف والسعي إلى تصدر المشهد السياسي بصورة مستمرة، بينما يعتمد الثاني على إدارة العلاقات والتوازنات بعيداً عن الأضواء.
وعلي الرغم من أنه لا يمكن الجزم بأن أحد النموذجين يعد أفضل بصورة مطلقة من الآخر، فإن التجربة تشير إلى أن النفوذ المرتبط بالضجيج الإعلامي يكون أكثر عرضة للتقلبات، بينما يميل النفوذ القائم على بناء الثقة والعلاقات المتراكمة إلى الاستمرار لفترات أطول.
وليس أدل على ذلك من النموذج الأمريكي الحالي في إدارة بعض الملفات التفاوضية، والذي ارتبط بدرجة عالية من الحضور الإعلامي وكثافة التصريحات العلنية للرئيس دونالد ترامب ومسئولي إدارته، تحولت فيها العملية التفاوضية في كثير من الأحيان إلى عملية يجري تداول تفاصيلها وتوقعاتها ومواعيدها المحتملة على نحو شبه يومي. ومع تكرار التصريحات وتباينها في كثير من الأحيان مع مسار الأحداث الفعلي أو مع النتائج المتحققة على الأرض، برزت فجوة بين الخطاب والواقع، وهو ما انعكس في نهاية المطاف على مصداقية الرسائل التفاوضية ذاتها.
وفي هذا السياق، تبدو مصر أقرب إلى تبني مقاربة تجمع بين أدوات القوة الذكية وممارسات الدبلوماسية الهادئة؛ أي القوة التي تستمد وزنها من قدرتها على البقاء فاعلة عندما تتعثر المسارات الأخرى. غير أن العمل بعيداً عن الأضواء لا يخلو من تكلفة سياسية ومعنوية، لاسيما في ظل اعتبار البعض أن الصورة الإعلامية باتت انعكاساً للقوة، فيما لا تحصل الدول التي تفضل العمل الهادئ بالضرورة على الاعتراف السياسي أو الإعلامي الذي يتناسب مع ما تحققه من نجاحات.
وهنا يبرز أحد التحديات المهمة أمام السياسة المصرية خلال السنوات المقبلة، ويتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين مقتضيات الفاعلية الدبلوماسية ومتطلبات التواصل الاستراتيجي. إذ أن الحفاظ على سرية بعض التحركات يعد ضرورة لنجاحها، لكن في الوقت نفسه يعد ترك المجال العام دون رواية واضحة فرصة لفتح الباب أمام قراءات غير دقيقة لطبيعة الدور وحجمه.
وقد برزت هذه المعضلة بوضوح خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ أدى التفاوت بين حجم الجهد الدبلوماسي المبذول، ومستوى ظهوره الإعلامي إلى اتساع الفجوة بين الدور الفعلي والتصورات العامة الداخلية والخارجية بشأنه، حيث تزايد الجدل حول أزمة إغلاق المعابر، وتزايدت الاتهامات بعدم جدية الجهود المصرية لوقف الهجمات الإسرائيلية على القطاع، إلى أن أفضت الجهود الدبلوماسية والوساطات الإقليمية والدولية، التي اضطلعت مصر بدور رئيسي فيها، إلى التوصل لوقف إطلاق النار وتوقيع الاتفاق بين إسرائيل وحركة حماس في شرم الشيخ، وتبينت حقيقة أزمة المعابر وتسبب إسرائيل فيها.
هذا فضلاً عن المساعي المصرية غير المعلنة والمكثفة لوقف إطلاق النار والوساطة بين واشنطن وطهران. تلك المساعي التي لم تعلن عنها مصر بنفسها، ولم تتحدث بشأنها، وإنما جاءت الإشارة إليها من جانب باكستان في أكثر من مرة، من خلال توجيهها الشكر لجهود إقليمية اشتركت فيها أيضاً المملكة العربية السعودية وتركيا إلى جانب مصر.
رغم هذه التحديات، يحقق هذا النمط من التحرك مجموعة من المكاسب المهمة لمصر. فهو يمنحها مرونة أكبر في الحركة، ويتيح لها الاحتفاظ بقنوات اتصال متعددة، كما يساعدها على تجنب الاستقطابات الحادة التي يمكن أن تقيد من قدرتها على المناورة. كذلك فإن هذا النهج قد راكم لديها ما يمكن وصفه بـ "رأس المال الدبلوماسي"؛ والذي يتمثل في الثقة التي تكتسبها مصر من مختلف الأطراف نتيجة قدرتها على الحفاظ على التوازن والالتزام بقواعد السلوك الدبلوماسي المستقرة.
ومن هذا المنطلق، يكتسب التحرك المصري أهميته بوصفه نمطاً مستقراً في إدارة النفوذ داخل بيئة إقليمية تتسم بالسيولة وتعدد الأزمات وتداخل مساراتها، حيث يقوم على الحفاظ على التوازنات، وإدامة قنوات التواصل، وتوسيع مساحات التفاهم الممكنة داخل معادلات إقليمية متغيرة.
ويعكس هذا النمط تصوراً للفاعلية الدبلوماسية يرتكز على تراكم التأثير عبر الزمن، من خلال توظيف أدوات الدولة في مستويات عمل هادئة، تسمح بإدارة التعقيد دون استنزاف الهوامش السياسية أو تقليص مساحات الحركة.
وفي هذا الإطار، يتبلور "الحضور الهادئ" كمدخل لفهم طبيعة الدور المصري في الإقليم، باعتباره أحد أشكال بناء النفوذ عبر الاستمرارية والقدرة على الحفاظ على الاستقرار وإبقاء إمكانات التسوية قائمة ضمن بيئة إقليمية دائمة التحول، وذلك ضمن مسارات غير مرئية بالكامل في المجال العام.