د. محمد عباس ناجي

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

لم تعد إيران الآن كما كانت قبل 28 فبراير 2026. فبمقارنة بسيطة بين رد فعلها تجاه اغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله حسن نصر الله في 27 سبتمبر 2024، وبين ردّها على الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت في 7 يونيو 2026، يتضح أن ثمة تغييراً كبيراً فرضته الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على التفكير الاستراتيجي الذي كان يضبط رد الفعل الإيراني ويحدد مداه وبنك أهدافه بشكلٍ عام.

في الحالة الأولى، لم ترد إيران عسكرياً رغم الأهمية القصوى التي كانت توليها لنصر الله. وفي الحالة الثانية، ردّت إيران بشن هجمات صاروخية ضد إسرائيل كانت الأولى منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026، وكادت أن تؤدي إلى العودة لاستئناف العمليات العسكرية على نطاق واسع مجدداً. بل إن إيران تعمدت تأجيل انعقاد المفاوضات مع الولايات المتحدة في جنيف، في 19 يونيو 2026، بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان والذي هددت بالرد عليه عسكرياً، بشكل قد يؤدي إلى انهيار مذكرة التفاهم التي تم توقيعها في 17 من الشهر نفسه بل والمفاوضات برمتها.

فما الذي حدث حتى يتغير التفكير الاستراتيجي الذي كانت تعتمده إيران قبل ذلك؟

الذي حدث ببساطة أن المنظومة التي كانت تضبط رد الفعل الإيراني وتتضمن حسابات محددة للردع وتقييم التكلفة والعائد في إدارة التفاعلات مع الولايات المتحدة وإسرائيل تغيرت. فبعد اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي في اليوم الأول للحرب، في 28 فبراير 2026، بدا واضحاً أن رد الفعل الإيراني قد لا يكون محدوداً وأنه لن يلتزم بالقواعد نفسها التي اتبعتها طهران في السابق، وبدت جلية في الجولة الأولى من الحرب التي اندلعت في الفترة من 13 إلى 24 يونيو 2025.

ويطرح ذلك دلالة مهمة تتمثل في أن خامنئي - ورغم أنه كان على رأس النظام الذي أمعن في التدخل في الشئون الداخلية لبعض دول المنطقة وفي دعم ما يسمى بـ"الفاعلين من غير الدول" على نحو أدى إلى تفاقم الأزمات الداخلية في العديد من هذه الدول وتصاعد حدة التهديدات التي توجهها إيران إلى دول أخرى، والذي سمح للحرس الثوري وفيلق القدس لكى يقوما بما قاما به - كانت لديه القدرة في الوقت نفسه على ضبط حدود رد الفعل العسكري وفق منطق حذِر كان يتضمن التحسب لرد فعل الطرف الآخر والكُلفة التي يمكن أن تترتب على ذلك في مجمله.

وبمعنى آخر، فإن خامنئي كانت لديه القدرة على كبح جماح الاندفاع الإيراني في إدارة التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل في مرحلة ما قبل الجولة الثانية للحرب في فبراير 2026. وحتى في الجولة الأولى – التي كان فيها خامنئي على رأس قيادة النظام - كانت هناك حدود في إدارة العمليات العسكرية بدت واضحة بمقارنتها برد الفعل الإيراني نفسه خلال الجولة الثانية.

قد يقول قائل هنا أن غياب فرد لا يعني غياب المنظومة. هذا صحيح من دون شك. فالمنظومة قائمة والأدوات لم تتغير وربما لن تتغير. لكن ما تغير هو حدود الاندفاع في استخدامها، الذي لم يعد يتقيد في هذه اللحظة بحسابات ومقاربات كانت قائمة وتعرّضت للتغيير بسبب الحرب، مثل مقاربة "الصبر الاستراتيجي" التي كان يصر عليها خامنئي وكان لها تأثير مباشر في ضبط إيقاع الحركة الإيرانية.    

وثمة دلائل تدعم ذلك. فخامنئي، الذي ألقى خطبة الجمعة التالية على اغتيال نصر الله، وصف الأخير في الخطبة بـ"أخي وعزيزي ومبعث افتخاري"، لكنه في الخطبة نفسها أكد أنه "لن يقودنا التسرع والانفعال، فما هو منطقي وصحيح، وفقاً لقرارات السياسيين والعسكريين، سيتم تنفيذه في الوقت المناسب".

وقبل ذلك، ورداً على اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، في 3 يناير 2020، اكتفت إيران، بعد ذلك بخمسة أيام، بتوجيه ضربات صاروخية ضد قاعدتين عراقيتين كانتا تتواجد بهما قوات أمريكية، وهما قاعدتى عين الأسد وحرير، دون أن يسفر ذلك عن مقتل أي جندي أمريكي. بل إن وزير الخارجية الإيراني آنذاك محمد جواد ظريف كشف أن إيران وجهت، بالتزامن مع الهجمات، رسالة إلى الولايات المتحدة عبر السفارة السويسرية في طهران – التي ترعى المصالح الأمريكية – مفادها أن الهجوم دفاع عن النفس، بما يعني أنه ليس لدى إيران نية لتوسيع نطاقه. وأشارت تقارير عديدة في الوقت نفسه إلى أن الولايات المتحدة تلقت رسالة إيرانية قبيل ساعات من شن الهجمات.

وكان لافتاً في الوقت نفسه، أن خامنئي كان حريصاً على استنزاف بعض القيادات التي يمكن أن يكون لديها رغبة في عدم الالتزام بما يسمى بـ"الصبر الاستراتيجي" في مناصب تنفيذية أكثر منها في مناصب لها دور في إدارة العمليات الخارجية للنظام. ويأتي قائد الحرس الثوري الحالي أحمد وحيدي على رأس هؤلاء. فقد ترك وحيدي قيادة فيلق القدس في عام 1997 ليتولى بعدها وزارتى الدفاع والداخلية. ولم يتم تصعيده في الحرس الثوري إلا قبل الحرب مباشرة، وتحديداً في 31 ديسمبر 2025، عندما أصدر خامنئي قراراً بتعيينه نائباً لقائد الحرس الثوري. وكان ذلك مبعثه عاملان: أولهما، اغتيال عدد كبير من القيادات العسكرية في الجولة الأولى من الحرب، مثل قائد الحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس هيئة أركان القوات المسلحة محمد باقري، وقائد مقر خاتم الأنباء غلامعلي رشيد، وقائد القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري امير علي حاجي زاده وغيرهم. وثانيهما، إدراك القيادة الإيرانية ليس فقط لاحتمال اندلاع جولة ثانية من الحرب في ظل فشل المفاوضات التي كانت تجري في تجسير فجوة الخلافات القائمة، بالتوازي مع الضغوط التي تمارسها إسرائيل من أجل منع وصول تلك المفاوضات إلى تسوية نهائية، ولكن أيضاً لاحتمال أن تكون مختلفة إلى حد كبير عن الجولة الأولى، سواء من حيث أهدافها أو مسرح عملياتها.

مرحلة مختلفة

أما الآن، وبعد اغتيال خامنئي وتولي مجتبى منصب المرشد الثالث في الجمهورية الإسلامية، بدا واضحاً أن حدود الاندفاع العسكري الإيراني أصبحت أكبر مقارنة بما كانت عليه قبل 28 فبراير 2026. وكان أول مؤشر على ذلك هو وصول وحيدي نفسه إلى منصب قائد الحرس الثوري بعد اغتيال القائد السابق محمد باكبور في اليوم الأول، إلى جانب تعيين محسن رضائي مستشاراً للمرشد للشؤون العسكرية، وهو أيضاً أحد القادة الذين استنزفوا في مناصب تنفيذية خلال المرحلة الماضية بعد أن كان يتولى منصب قائد الحرس الثوري. وكان لافتاً أن رضائي نفسه أشار إلى انتهاء المرحلة الماضية باغتيال خامنئي. إذ قال، في 7 مايو 2026، أن "إيران تخلّت عن الصبر الاستراتيجي الذي كانت تتبعه في المرحلة الماضية وأنها لن تعود إلى تلك المقاربة مرة ثانية".

منذ هذه اللحظة، بدا واضحاً أن إيران لن تلتزم بالقواعد نفسها التي اعتمد عليها رد فعلها العسكري خلال المرحلة الماضية. وبمعنى آخر، لم تعد إيران تلتزم بحسابات التكلفة والعائد أو حسابات "الصبر الاستراتيجي" التي كانت قائمة قبل ذلك. بل إنها أصرت أكثر من مرة على رفض كل الدعوات التي وُجِّهت لها لوقف إطلاق النار. وبدا واضحاً في بعض الفترات أنها لن تسرع في القبول بذلك على غرار ما فعلت خلال الجولة الأولى. وعندما أمعنت إسرائيل في شن هجمات ضد حزب الله داخل لبنان، لم تتردد إيران في الرد عسكرياً عبر شن هجمات صاروخية ضدها، رغم الهدنة التي كانت قائمة بين الأطراف الثلاثة في ذلك الوقت، والتي كادت أن تنهار بسبب ذلك، خاصة بعد اتجاه إسرائيل إلى الرد عليها عبر شن ضربات موازية داخل إيران.

هنا، يمكن القول إن الظروف الاستثنائية التي تمر بها إيران نتيجة الحرب كانت متغيراً مهماً له دور في حدوث هذا التحول. كما أن مجتبى لا يملك الخبرة نفسها التي راكمها والده الذي استمر في منصبه لمدة 37 عاماً وقبلها تولى مناصب عديدة منها منصب رئيس الجمهورية لمدة 8 أعوام. وطوال تلك الفترة، كانت لدى خامنئي فرصة لتقييم حسابات التكلفة والعائد ومدى صوابية أو خطأ القرارات التي تتخذ، وهو ما لا يبدو متوافراً لمجتبى الذي يواجه اختباراً ربما يكون هو الأصعب على مدى الأعوام الـ47 لنظام الجمهورية الإسلامية، وسيكون بصفة دائمة موضع تقييم، وربما اختبار، سواء في الداخل أو الخارج.

هذا الوضع الاستثنائي يستدعي إلى الذهن نظرية "تكلفة الجمهور" (Audience Cost Theory) [1]، التي أسّس لها جيمس فيرون عام 1994، وقام كل من كينيث شولتز وجيسيكا فايس بتطويرها وتوسيع نطاقها فيما بعد. وتفترض هذه النظرية أن القادة الذين يتخذون قرارات ثم يتراجعون عنها يدفعون "تكلفة جماهيرية"، تترجم في تراجع شعبيتهم على سبيل المثال. وفي حالة مجتبى، فإن التكلفة التي قد يدفعها هو أنه سيتم تصويره على أنه غير جدير بالمنصب الذي وصل إليه. ورغم أنه لا توجد استطلاعات رأى أو انتخابات يمكن أن توفر مؤشرات في هذا الصدد، فإن ذلك لا ينفي أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها إيران فضلاً عن اختلاف موقع الابن عن مكانة الأب، يمكن أن يتيحا مؤشرات ولو محدودة، خاصة أن هذا الوضع دفع البعض – بما فيهم بعض أقطاب تيار المحافظين الأصوليين – إلى "التجرُّؤ" على موقع المرشد، على نحو يبدو جلياً في الجدل الذي أثاره النائب الأصولي في مجلس الشورى الإسلامي حميد رسايي عندما نشر رسالة على تطبيق تليجرام تتضمن الآية الكريمة رقم (46) من سورة "هود"، والتي يخبر فيها الله عزّ وجل نوحاً بأن ابنه ليس من أهله، مُعقِّباً عليها بأن "معيار الانتماء العائلي ليس هو الأساس وإنما الإيمان والعمل الصالح".

ربما يدفع هذا الوضع المرشد الجديد إلى التردد في اتخاذ القرار أو إلى إلقاء عبء اتخاذه على مسئولين أو مؤسسات أخرى. وقد كان لافتاً أن مجتبى أقدم على ذلك فعلاً. ففي أول قرار بارز له منذ وصوله إلى المنصب في 9 مارس 2026، نقل عبء الوصول إلى اتفاق مع الولايات المتحدة "يصون حقوق الشعب وجبهة المقاومة" إلى الرئيس مسعود بزشكيان، الذي قال مجتبى، في الرسالة التي أصدرها في 19 يونيو 2026، أنه (أي بزشكيان) يتحمل المسئولية كاملة عن ذلك، مضيفاً أنه كان له رأى آخر لكنه أذِن بالانخراط في هذا المسار بناءً على تعهدات وتأكيدات الرئيس.

هنا، يمكن العودة إلى الفقرة الأولى من المقال. فإيران مجتبى ليست هي إيران خامنئي. ورغم أن النظام القائم لم يتغير، ومع أن سياساته وأيديولوجيته لم تشهد تحولاً يذكر، لكن في النهاية فإن محور التوازن الذي كان قائماً لم يعد كذلك، على نحو لا يمكن معه استبعاد أن نشهد مزيداً من الاندفاع الإيراني ليس فقط ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنما أيضاً ضد دول المنطقة. وبمعنى آخر، فإن إيران أصبحت بلا مِكْبَح.

قد يقول قائل أن إيران أصبحت أكثر ضعفاً، بفعل الضربات العسكرية القوية التي تعرَّضت لها وأن ضعفها قد يكون سبباً في ضبط حدود اندفاعها. لكن ذلك يبقى مجرد افتراض لم تثبت صحته بعد. كما أنه لا ينفي أن هناك افتراضاً مقابلاً يقضي بأن هذا الضعف ربما يكون أكثر خطورة. إذ أن غياب المِكْبَح قد يستتبعه صعوبة في التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه ردود الفعل أو الفعل في حالة ما إذا حاولت إيران في بعض الأحيان أن تكون هي المُبادِر. كما أن ذلك قد ينتج عنه في بعض الأحيان سوء تقدير، وهى أمور كلها سوف تكون مبعث قلق حلفاء إيران قبل خصومها.

في كل الأحوال، فإن ما سبق في مجمله يطرح تساؤلات عديدة سوف تكون التطورات القادمة كفيلة بالإجابة عليها: فهل سيسعى مجتبى إلى امتلاك مِكْبَح يستطيع من خلاله ضبط حدود اندفاع النظام بعد انتهاء الحرب؟، أم ستشهد إيران صراعاً على المِقوَد؟


[1] Fearon, James D, (1994), Domestic Political Audience and the Escalation of International Disputes, American Political Science Review, Vol. 88, No.3, September 1994, p577.