رغم الإعلان عن نجاح التوصل إلى هدنة في لبنان بمساعي شخصية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي، إلا أن أحداث هذا الأسبوع تشي بأن تثبيت الهدنة أبعد مما يتخيل ترامب. وتتأرجح التحليلات في توصيف ما يجري بين كونه جولة جديدة من التصعيد الكامل بين إيران وحزب الله من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وبين كونه اختبار معادلة جديدة من "قواعد الاشتباك" ولكنه اختبار بالنار قبل الوصول لهدنة جديدة أو ربما إنهاء شامل للحرب. وفيما يسعى الطرفان لفرض رؤاهم على المشهد، يسعيّان أيضاً لإيصال رسائل نارية قاتلة بقصف متقطع ومتبادل كي تصبح معادلة الردع التي يفضلها كل طرف هي السائدة.
الضاحية الجنوبية مقابل ماذا؟
فيما أرادت إسرائيل تثبيت معادلة "قصف الضاحية مقابل قصف مستوطنات الشمال"، أراد حزب الله ومن ورائه إيران تثبيت معادلة أن "قصف الضاحية يوازي قصف تل أبيب الكبرى وليس مجرد مستوطنات الشمال". وفي ذلك محاولة من حزب الله للاحتفاظ بمعادلة الردع السابقة وإنكار تغيرها وفقاً لتوازنات القوى الراهنة التي تميل لصالح إسرائيل.
وإزاء رفض حزب الله للامتناع عن قصف مستوطنات شمال إسرائيل، نفذت الأخيرة بعد ظهر الأحد 7 يونيو تهديدها المؤجل منذ الأسبوع الماضي بقصف الضاحية الجنوبية ببيروت، حيث استهدفت شقتين في بنايتين سكنيتين منفصلتين بمنطقة الغدير بالضاحية مع ادعاء أنه مركز قيادة تابع لحزب الله مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 11 آخرين[1]. ولم تعلن إسرائيل بشكل واضح هوية المستهدفين، واعتبرت أن الهدف هو المقر نفسه لإيصال رسالة معينة وليس شخصيات بعينها تريد اغتيالها[2].
فيما ردت إيران بإطلاق صواريخ باتجاه تل أبيب الكبرى ووسط إسرائيل مساء الأحد 7 يونيو، وفي ذلك ترسيخ لـمعادلة "قصف الضاحية الجنوبية مقابل قصف منطقة تل أبيب الكبرى". وردت إسرائيل بتنفيذ ضربة محددة على أهداف في غرب ووسط إيران صباح الاثنين 8 يونيو الجاري، بينما ترددت أنباء أن ترامب كان يعتزم منع نتنياهو من الرد على القصف الإيراني، ولكن إسرائيل ردت القصف على أي حال[3].
وكان الحرس الثوري الإيراني قد اعتبر أن الهدنة هي إما هدنة على كل الجبهات أو لا هدنة مطلقاً، وأن خرق إسرائيل للهدنة في جبهة- أي لبنان- كفيل بإسقاطها على كل الجبهات في نفس الوقت. فيما اعتبر مصدر في البيت الأبيض أن ترامب مقتنع بأن إيران ليست على استعداد لخوض الحرب الشاملة مرة أخرى[4]. بينما يستبعد الإيرانيون استئناف المفاوضات في المرحلة الراهنة، بل إن عراقجي قد اعتبر أن إسرائيل شنت قصفها على الضاحية الجنوبية لبيروت بضوء أخضر أمريكي وهذا يخالف قواعد اتفاق الهدنة بين إيران والولايات المتحدة.
بينما أعلن صباح الاثنين 8 يونيو عن استئناف الحوثيين باليمن لقصفهم لإسرائيل في منطقة النقب ومحيط ديمونة، بالإضافة إلى منع الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر واستهداف السفن التابعة أو المتجهة لإسرائيل[5]. وفي ذلك تطور ملحوظ، نظراً لغياب الحوثيين عن المواجهات بين الجانبين منذ استئناف الجولة الراهنة من الأعمال العدائية في المنطقة في بداية مارس الماضي.
تثبيت حذِر جديد للهدنة
بنهاية يوم الاثنين 8 يونيو، أعُلن عن إعادة العمل بوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، حيث أعلنت غرفة العمليات العسكرية المركزية الإيرانية وقف العمليات ضد إسرائيل بعد توجيه ضربة لها إثر استهدافها الضاحية الجنوبية. بينما أعلن نتنياهو في خطاب متلفز أنه أبلغ ترامب بوقف العمليات ضد إيران مع احتفاظ "اسرائيل بحق الدفاع عن النفس" وهو ما يعني استئناف الهجمات إذا ما رأت ضرورة لذلك[6].
وكان السفير الأمريكي ميشال عيسي قد أجرى ثلاث زيارات يوم 8 يونيو لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة اللبنانيين لشرح تفاصيل الوساطة الأمريكية ورعاية المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن. هذه الزيارات الثلاثة كانت بمثابة ترجمة لتفاصيل الدور الأمريكي للقادة اللبنانيين وخاصة رئيس البرلمان نبيه بري- كي يعيد إيصال الرسائل من واشنطن لحزب الله. أوضح السفير الأمريكي أن واشنطن مصرة على تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وأن "المناطق التجريبية" ستكون بمثابة إعادة الحياة والسكان للجنوب على مراحل وستتضمن إخلاءاً كاملاً من السلاح خارج سلطة الدولة. بينما أوضح أن المعادلة لم تتغير ولا يوجد أي مستجد ميداني يستدعي تغييرها، وسيتم تحييد الضاحية الجنوبية عن الضربات الإسرائيلية مادام شمال إسرائيل غير مستهدف من صواريخ حزب الله. بينما ستخضع مناطق الجنوب اللبناني للترتيبات الأمنية التي ستنبثق من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن[7].
فيما أكد رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون في مقابلة مع محطة CNN أن لا خيار للبنان سوى التفاوض والتعويل على الرغبة الأمريكية الأكيدة لإحلال السلام مؤكداً أنه لا مجال للتصادم العسكري بين الجيش اللبناني وحزب الله من أجل تنفيذ عملية سحب سلاح حزب الله. بل لابد من إعداد الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تجهض الحاجة لوجود سلاح خارج سلطة الدولة، وحينها سيكون هذا السلاح غير ذي جدوى ويمكن سحبه. وحينها إذا رفض حزب الله التفاوض مع الدولة اللبنانية سيتحمل المسئولية أمام جمهوره وأمام اللبنانيين.
"المناطق التجريبية" كلمة السر في التفاوض اللبناني الإسرائيلي
كان وفدان من لبنان وإسرائيل قد التقيا في واشنطن يومي 2 و3 يونيو في جولة رابعة وطويلة من المفاوضات بهدف التوصل إلى بيان مشترك يمهد لهدنة كمبادرة أولية بما يوصل لاحقاً لاتفاق شامل لمنع الاعتداءات بين البلدين. وحمل البيان بعض النقاط الأساسية التي أثارت جدلاً كبيراً في تأويلها، ثم لاحقاً عندما عاودت إسرائيل قصف الضاحية الجنوبية يوم 7 يونيو، بدا أن البيان لن يتخطى تأثيره الورق إلى أرض الواقع.
كان الجانبان قد اتفقا على خلق "مناطق تجريبية" pilot zones للانتشار الحصري للجيش اللبناني، مما يعني ضمناً انسحاب كل من حزب الله والقوات الإسرائيلية منها[8]. ولكن لم يتم الكشف عن أي خطة ملحقة لتنفيذ الانتشار في المناطق التجريبية، أو موعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية قبل تقدم الجيش اللبناني، أو إحتمالية وجود الجيشين على الأرض في نفس الوقت على التوازي. وهو أمر غاية في الحساسية خاصةً أن إسرائيل نفذت قصفاً مباشراً ضد آليات تابعة للجيش اللبناني مما أدى لمقتل 3 عسكريين لبنانيين – بينهم جنرال- وإصابة آخرين خلال الأسبوع الأخير[9].
ولكن النقطة الغائبة الأهم، هى من وكيف سيقنع حزب الله بالانسحاب في ظل الشقاق الواقع بين الحكومة اللبنانية وهذا الأخير. وقد رفض حزب الله البيان المشترك الصادر عن مفاوضات واشنطن، حيث اعتبر نعيم قاسم الأمين العام لحزب الله أن الإعلان "خارطة طريقة لإبادة جزء من الشعب اللبناني واستعباد الجزء الآخر". وشدد قاسم على أنه مادام الاحتلال قائماً فالمقاومة ضده قائمة [10]. بينما اعتبر رئيس الجمهورية جوزيف عون هذا البيان الفرصة الأخيرة للوصول لحل غير مكلف لوقف الحرب على لبنان بشكل نهائي، مما يكشف عن حجم الهوة المستمرة بين حزب الله وحكومة لبنان وصعوبة توحيد مواقفهما، مما يضعف موقف لبنان التفاوضي على طاولة واشنطن، ويهدد السلم الأهلي اللبناني.
اتفق لبنان وإسرائيل وفق البيان المشترك على أن مستقبل العلاقة بين البلدين يحدده البلدان فقط، دون تدخل أي طرف ثالث، والمقصود هنا استبعاد إيران من ممارسة نفوذها لعرقلة أي فرصة للسلام اللبناني الإسرائيلي. ولكن أكد الطرفان أيضاً على انخراطهما في المفاوضات بوساطة أمريكية حصرية فقط وليس تبعاً لأي مسار تفاوضي آخر، مما يرسخ مبدأ أن مصير لبنان يُقرَر ضمن مفاوضات لبنان وإسرائيل بواشطن وليس من خلال المفاوضات الأمريكية الإيرانية عبر باكستان. ولكن هذا يستبعد أيضاً جهود دول أخرى قد تنشط على خط الوساطة لتعديل توزان القوى لصالح لبنان مثل فرنسا أو الدول العربية الوازنة.
وبالمثل، اتفق الجانبان على أن "لا نية عدائية" لأي منهما من أجل استهداف البلد الآخر، وهو أمر قد يبدو اعتيادياً لبناء الثقة قبل أي اتفاق سلام أو هدنة، ولكنه نظرياً قد يقطع الطريق على مقاضاة لبنان لإسرائيل دولياً إزاء ارتكابها لجرائم حرب، مثل القصف المباشر لمناطق مدنية أو طواقم طبية أو صحفيين، حيث يعترف لبنان في هذا البيان المشترك بأن "لا نية عدائية" لإسرائيل، وهو ما قد يضعف من حُجية أي دعوى جنائية دولية من لبنان ضد إسرائيل في المستقبل.
وفي نهاية البيان أكد كل طرف على المبدأ الأهم بالنسبة له، إذ أكدت إسرائيل على أن تحقيق أمن إسرائيل لا يتم إلا عبر نزع سلاح حزب الله. فيما أكد لبنان على ضرورة وقف القتال بشكل شامل وانسحاب القوات الإسرائيلية، مع التعهد بدعم قدرات الجيش اللبناني برعاية أمريكية لفرض سيطرته وسيادته على كل لبنان. واتفق الطرفان على الاجتماع مجدداً في 22 من يونيو الجاري.
ولكن حتى انعقاد الجولة القادمة قد يتبدل المشهد في المنطقة مرات ومرات، فإسرائيل تبدو عازمة على رفض معادلات الردع التي يحاول حزب الله فرضها في لبنان. وفي هذه الأثناء يواصل حزب الله استهدافه لقوات الاحتلال الإسرائيلي المتوغلة في الجنوب وخاصةً قرب النبطية، فيما تواصل إسرائيل إصدار إنذارات الإجلاء شمال نهر الليطاني بما يعني التمادي في تصعيد التوغل البري ومحاولة ابتلاع ما يزيد عن مساحة 20% من الأراضي اللبنانية.