عقد "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية" و"مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة"، في 9 يونيو 2026، ندوة بعنوان "تحولات القوى الكبرى وتأثيرها على النظام الدولي"، ناقشت ما طرحه "التقرير الاستراتيجي العربي 2025"، الذي أصدره مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، من رؤى وأفكار، في قسمه الدولي بشكل خاص.
خصصت الندوة لمناقشة أوضاع القوى الكبرى على الصعيد الدولي (الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا)، والتطورات الداخلية التي تعزز موقع كل منها في النظام الدولي أو تنال منه، وأيها أقرب للقيادة والهيمنة، وفرص التحول الاستراتيجي والحضاري للنظام الدولي ناحية الشرق، بعد عقود -أو قرون- من الهيمنة الغربية، وفي ظل تراجع القيم الديمقراطية والنموذج الغربي الليبرالي والقانون الدولي والشرعية الدولية، والبنية المؤسساتية الغربية بشكل عام، مع اتجاه الولايات المتحدة نحو قدر من السلطوية في الداخل، ونزعة شبه استعمارية في الخارج، في الوقت الذي تبرز الصين كقطب مدفوع إلى قيادة الشرق العالمي، ومنه إلى قيادة العالم، مع تحرك مركز الثقل الاستراتيجي والحضاري العالمي شرقا.
في ثلاث جلسات متتالية، وبحضور نخبة من المفكرين والخبراء والباحثين من المؤسستين ومن خارجهما، استهلت الندوة بجلسة افتتاحية تحدث فيها الدكتور أيمن السيد عبدالوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والسفيرة ليلى بهاء الدين مدير مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة.
وأكد د. أيمن على أهمية الندوة باعتبارها تتناول قوى دولية ثلاث يتوقف عليها مستقبل العالم، وثمن اهتمام مؤسسة كيميت بعقد الندوة لمناقشة أفكار التقرير الاستراتيجي العربي 2025 (في عامه الأربعين)، والذي شكل أول تقرير استراتيجي في المنطقة العربية منذ صدوره عام 1986، وهو تقرير سارت مختلف التقارير الاستراتيجية التي صدرت تاليا في الدول العربية على نهجه واقتدت به. كما ثمن د. أيمن قيمة التعاون مع مؤسسة كيميت والأب الروحي الذي أُسميت المؤسسة باسمه(الدكتور بطرس غالي)، الذي كان هو أيضا أول رئيس شرفي لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عند نشأته في الستينيات. أما السفيرة ليلى بهاء الدين، فقد ركزت على قيمة التعاون المثمر بين المركز والمؤسسة، في ظل تقدير مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة للمركز ولمؤسسة الأهرام، وأكدت على أهمية هذا التعاون العلمي في تكريس الوعي والاستنارة بالأوضاع الاستراتيجية العالمية.
عقدت الجلسة الأولى بالندوة تحت عنوان "الممارسات الداخلية لإدارة ترامب وتأثيريها على مستقبل الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي". ترأس الجلسة الدكتور جمال عبدالجواد المستشار بالمركز، وقدم فيها كل من: د. كريم القاضي و د. دينا شحاتة الخبيران بالمركز، تحليلات وقراءات معمقة عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الداخل الأمريكي، التي عمقتها سياسات وقرارات وتوجهات الرئيس دونالد ترامب الداخلية والخارجية، وانعكاساتها على الحزبين الجمهوري والديمقراطي وانعكاساتها على التحولات في الأوساط الأمريكية (المجتمع والنخبة واللوبيات). وكانت هناك وجهتا نظر، رأت إحداهما أن مؤشرات التراجع الأمريكي بارزة على الصعيد الاجتماعي وعلى أوضاع الطبقات الفقيرة والوسطى، ربما بأكثر من بروزها في صراعات الحزبين وفي أوساط النخبة، وأن احتفاظ الولايات المتحدة بمكانتها الدولية ودورها القيادي العالمي مرهون بالارتقاء بالوضع الداخلي والحد من تفاوتات وتناقضات الوضع الاجتماعي، والحد من توتير العلاقة بالحلفاء الأوروبيين داخل حلف الأطلسي. أما وجهة النظر الأخرى، فأكدت أن الولايات المتحدة لا تزال هي القطب الأوحد الذي يحوز مختلف مؤشرات القوة، فضلا عن الرغبة والإرادة على ممارسة الدور العالمي، ولتأكيد ذلك من المهم قراءة الوضع الداخلي الأمريكي في ضوء المقارنة بقراءة الوضع الداخلي في الصين وروسيا أيضا، واللتان تتخلفان كثيرا عن الولايات المتحدة فيما يتعلق بمؤشرات التطور والنمو وحجم التناقضات الاجتماعية الداخلية؛ ففي مختلف مؤشرات التنمية تتقدم الولايات المتحدة، ولا تزال المسافة كبيرة بينها والصين في هذا الشأن. أما وجهة النظر الأخرى، فأكدت أنه سواء حلت قيادة جمهورية أو ديمقراطية في الولايات المتحدة بعد ترامب، فإنها قد ترتد على بعض أو كثير من قرارات وتوجهات حقبته، لكنها لن تعود كليا عن سياساته، وسيظل جزء مهم من إرث ترامب مؤثرا وقائما في السياسات الأمريكية بعده.
جاءت الجلسة الثانية تحت عنوان "الرؤية الصينية للنظام الدولي.. ومتى تصبح الصين قطبا قائدا؟"، ترأس الجلسة د. محمد فايز فرحات، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. وقدم فيها كل من د. أحمد قنديل و د. هناء عبيد، الخبيران بمركز الأهرام، رؤية للصين من الداخل.
تركزت المداخلات حول محصلة تأثير ذلك على مكانة الصين العالمية، وما إن كانت بكين مؤهلة لقيادة العالم أو لخلافة الولايات المتحدة في قيادة العالم، وما إن كانت راغبة في هذه القيادة أصلا، أو على استعداد لتحمل القيام بدورها كقطب عالمي. تركزت أطروحتا د. أحمد و د. هناء حول أوضاع ومؤشرات التنمية والطبقات الفقيرة في الصين وتفاوتات النمو بين الأقاليم والمناطق، وتطرقت المداخلات إلى بعض أوضاع التناقض الطبقي والفساد في الداخل، والذي وصل منذ سنوات وحتى 2026 إلى حد التطهير العسكري لبعض كبار القادة العسكريين وفي وزارة الدفاع الصينية، على خلفية تهم تراوحت بين الفساد وعدم الولاء السياسي وتسريب أسرار الدولة أو التجسس لمصلحة الولايات المتحدة، مما يشير إلى بعض جوانب القلق والاضطراب. كما تطرقت المناقشات لأوضاع التطور الجيلي داخل الصين، في ضوء تفاقم ظاهرة الشيخوخة التي اضطرت معها الحكومة الصينية رسميا إلى تغيير سياسة "الطفل الواحد" بسبب التحديات الديموغرافية والشيخوخة السكانية، وبدأت في تخفيف القيود تدريجياً؛ حيث سمحت بإنجاب طفلين في عام 2016، ثم ثلاثة في عام 2021 في إطار تعزيز معدل المواليد في البلاد.
وفيما يتعلق بالرؤية الصينية للنظام الدولي، انقسمت وجهات النظر بين من انحاز لقراءة السياسة الصينية من منظور الحكمة والصبر النابع من الحضارة الصينية المشرقية، والتي لا تميل إلى الصدام، وتحرص على صيانة مصالحها وتجارتها مع الغرب والولايات المتحدة بالأساس، بل وتعتمد في جزء من نهوضها الوطني على تلك العلاقات، ومن ثم فإن مدخل الصين في النظام الدولي ليس هو –ولن يكون هو من يكرر- المدخل الصراعي للاتحاد السوفييتي سابقا ثم روسيا لاحقا- مع الولايات المتحدة والغرب. مع ذلك فقد أكد البعض أن الأمر لا يتعلق برؤية أو رغبة الصين، وأنه في ظل تحكم المصالح فقد تُدفع الصين للصراع أو تندفع إليه بحكم منظور السياسة الغربي وبفعل السياسات الأمريكية القائمة على تحقيق المصالح بالصراع. تطرق النقاس أيضا إلى ما أشار إليه الرئيس الصيني خلال قمته مع الرئيس الأمريكي مؤخرا في الصين حل ما أسماه بـ "فخ سيوسيديديس"، الذي عكس مخاوف الصين وعدم رغبتها في الصراع مع الولايات المتحدة أو صراع الولايات المتحدة معها. واعتبر البعض أن الصين هي الرابح الأكبر من النظام الدولي الحالي ومؤسساته ومبادئه، وهو ما لا يدفعها إلى الصراع معه، لأنها تشبه تماما "الراكب المجاني" Free Rider في ظل هذا النظام.
وتحت عنوان "الحرب الروسية- الأوكرانية وتداعياتها على أمن أوروبا ومستقبل روسيا في النظام الدولي"، عقدت الجلسة الثالثة والأخيرة، برئاسة السفير علاء الحديدي. تحدث فيها كل من الدكتور عمرو الشوبكي المستشار بمركز الأهرام للدراسات، والدكتورة ياسمين الضوي المحاضرة المنتدبة بكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعة الإسكندرية والمتخصصة في الشؤون الروسية، وانصبت أبرز اتجاهات النقاش على تأثير الحرب الروسية - الأوكرانية على مكانة روسيا في النظام الدولي، وانعكاسات الحرب على الداخل الروسي وخسائر روسيا العسكرية وخسائرها من زاوية المكانة السياسية من جراء استمرار الحرب ودخولها عامها الخامس.
وعلى الرغم من عدم هزيمة روسيا وتأكيد البعض على عدم إمكان خروجها منهزمة، في ضوء القراءة العميقة للشخصية الوطنية الروسية والتاريخ الروسي، وفي ظل نظرة روسيا لأوكرانيا كجزء من الوطن الروسي الأم، إلا أن الحرب عرضت روسيا للإنهاك، وهو ما يرجح أن تخرج روسيا من الحرب على خلاف ما دخلتها، في المكانة وفي القوة وفي الهيبة.
تطرق النقاش إلى تأثير الحرب على الأمن الأوربي، وقدرة أوروبا على تطوير أمنها الخاص في ظل التراجع الأمريكي عن مسؤولية القيادة داخل حلف الأطلنطي وابتعاد إدارة ترامب عن الحلفاء الأوروبيين وضغوطها عليهم لأجل زيارة الإنفاق الدفاعي، وعدم توحد الأوروبين خلف قيادة جماعية وعدم الثقة بالقدرة الأوروبية على التصدي لروسيا، وتطرق بعض النقاش إلى التغييرات الجارية في التكوين السياسي بالدول الأوروبية، وأثر التغييرات في تركيبات الحكم وأنه لو وصل اليمين الأوروبي إلى الحكم، فإنه يمكنه أن يتقارب مع روسيا. كما تطرق جانب من النقاش إلى تيارات الحكم داخل روسيا والهوية الوطنية الروسية ومستقبل روسيا بعد بوتين.
وفي العموم، أكدت فعاليات الندوة على حاجتنا في مصر والمنطقة العربية لدراسة التحولات داخل القوى العظمى، وليس فقط تناولها في علاقاتها ببعضها البعض، أو دراستها من منظور السياسة الخارحية أو العلاقات الدولية، وأنه بالقراءات العميقة للمتخصصين يمكن بناء وصنع السياسات والمواقف والقرارات على أسس وقراءات مستقبلية علمية، كما يمكن تحديد جوانب الصعف والقوة لكل قطب دولي، والخروج برؤى استشرافية مصرية وعربية، تساعد على تحديد بوصلة التوجهات والمصالح لدول المنطقة، وتحديد إلى من تتوجه، ومع من تتحالف، وعلى ماذا تركز في كل مرحلة.